
حكم متأخر يوقظ ذاكرة ثقيلة
في خبر يحمل من المعنى أكثر مما يوحي به عنوانه القضائي الجاف، أصدرت محكمة بوسان الجزئية في كوريا الجنوبية حكماً بالبراءة في إعادة محاكمة لرجل كان طالباً جامعياً حين اعتُقل عام 1979 خلال أحداث «انتفاضة بوما الديمقراطية»، وهي واحدة من المحطات المفصلية في تاريخ الاحتجاجات ضد الحكم السلطوي في البلاد. الرجل، الذي أشارت إليه التقارير باسم كيم، كان قد أمضى عشرة أيام في الحجز بعد توقيفه وهو في طريقه إلى موقع تجمع للمتظاهرين، قبل أن تأتي البراءة بعد 47 عاماً كاملة، في مشهد يكاد يختصر وحده معنى العدالة حين تتأخر، ومع ذلك تبقى قادرة على تصحيح السجل ولو بعد عقود.
وبحسب ما تداولته الأوساط القضائية في كوريا الجنوبية، فإن محكمة بوسان، في جلسة إعادة المحاكمة، رأت أن ما استندت إليه الإدانة القديمة لم يعد قابلاً للصمود قانونياً. فالرجل لم تثبت مشاركته الفعلية في التظاهر، ولم يثبت أنه أطلق هتافات أو ردد شعارات أو ارتكب سلوكاً يبرر تجريمه، بل إن الوقائع أظهرت أنه اعتُقل أثناء التنقل، في لحظة كانت فيها المدينة تعيش تحت إجراءات أمنية وعسكرية استثنائية، بعد إعلان الأحكام العرفية ونشر القوات والآليات في الشوارع الرئيسية.
هذا النوع من الأخبار لا يُقرأ في كوريا الجنوبية بوصفه شأناً قانونياً صرفاً، ولا ينبغي أن يقرأه القارئ العربي بهذه الطريقة أيضاً. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بمواطن شُطبت من سجله إدانة قديمة، بل بسؤال أوسع: إلى أي مدى يمكن للسلطة، في أزمنة الاضطراب، أن تُحوّل النية المفترضة أو مجرد الحركة في الشارع إلى جريمة؟ وكيف يعيد القضاء، بعد سنوات طويلة، رسم الحد الفاصل بين حفظ النظام ومصادرة الحرية؟ هذه أسئلة مألوفة في تجارب عربية كثيرة، من الرباط إلى بغداد، ومن القاهرة إلى بيروت، لأن الذاكرة السياسية في منطقتنا تعرف جيداً معنى أن يصبح الطريق إلى التجمع شبهة، وأن تُقرأ الخطوة قبل الهتاف باعتبارها دليلاً كافياً على الإدانة.
ومن هنا تكتسب هذه القضية الكورية الجنوبية قيمة تتجاوز السياق المحلي. إنها تذكير بأن الدولة الحديثة، مهما بلغت قوتها التنظيمية والمؤسسية، ليست بمنأى عن أخطاء الماضي، وأن قوة القضاء لا تظهر فقط في معاقبة الجناة، بل كذلك في قدرته على مراجعة الدولة نفسها حين تكون هي من تجاوزت الحدود.
ما هي «انتفاضة بوما» ولماذا تعود إلى الواجهة اليوم؟
لفهم وزن الحكم الصادر اليوم، يحتاج القارئ العربي إلى قليل من الخلفية. «بوما» هو الاسم المختصر الذي يجمع بين مدينتي بوسان وماسان، حيث اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 1979 احتجاجات واسعة ضد نظام الرئيس بارك تشونغ هي، الذي حكم البلاد بقبضة أمنية مشددة في إطار ما عُرف بـ«نظام يوشين». ذلك النظام منح السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية واسعة، وضيّق المجال العام، ووضع حدوداً صارمة أمام المعارضة والنقابات والطلاب والصحافة.
في ذلك المناخ، لعب الطلاب دوراً أساسياً في تحريك الشارع، ثم ما لبثت الاحتجاجات أن امتدت إلى شرائح اجتماعية أوسع. وفي الوعي الكوري الجنوبي المعاصر، تُعد انتفاضة بوما من المحطات التي مهدت، ولو بصورة غير مباشرة، للتحولات الديمقراطية اللاحقة. ولعل تشبيهها عربياً، من باب التقريب لا المطابقة، هو أنها تشبه تلك اللحظات التي يبدأ فيها حراك طلابي محدود في ظاهره، لكنه يكشف في العمق عن احتقان سياسي واجتماعي أشمل، وعن هوة متسعة بين الدولة والمجتمع.
المهم في القضية الحالية أن الرجل الذي بُرئ لم يُحاكم بتهمة ارتكاب عنف جسيم أو قيادة تنظيم سري أو التخطيط لعمل مسلح، بل على خلفية مخالفة مرتبطة بقانون المرور، في استخدام يكشف كيف يمكن للنصوص الإدارية أو التنظيمية أن تتحول، في اللحظات الاستثنائية، إلى أدوات سياسية للعقاب السريع. وهذه آلية ليست غريبة على تجارب دول عديدة؛ إذ كثيراً ما تلجأ السلطات، حين يصعب إثبات التهم السياسية أو حين تريد تجنب كلفتها الرمزية، إلى مخالفات أقل صخباً على الورق وأكثر نجاعة في الواقع.
عودة «بوما» إلى الواجهة اليوم لا ترتبط، إذاً، فقط بإحياء ذكرى تاريخية، بل بتطور قضائي معاصر يفرض قراءة جديدة للماضي. فالحكم لم يصدر في سبعينيات القرن الماضي، بل في مايو/أيار 2026، أي في كوريا الجنوبية الحالية، الدولة الديمقراطية المتقدمة اقتصادياً والمؤثرة ثقافياً عالمياً. وهذا بحد ذاته يلفت الانتباه: فحتى الدول التي تصدر إلى العالم صورة حديثة عبر الدراما والسينما والموسيقى والتكنولوجيا، لا تزال تخوض معاركها الداخلية مع الذاكرة والعدالة والأرشيف.
لماذا قالت المحكمة إن الإدانة لم تعد صالحة؟
القيمة الحقيقية لهذا الحكم لا تكمن فقط في البراءة، بل في منطقها القانوني. فالمحكمة لم تتعامل مع القضية بوصفها مسألة عاطفية أو مجرد تعاطف متأخر مع رجل تقدّم به العمر، وإنما عادت إلى أساس السؤال: هل كانت هناك وقائع كافية تثبت أن المتهم خالف القانون فعلاً؟ وهل أمكن، وفق معايير الإثبات السليمة، الخلط بين التوجه إلى مكان ما وبين المشاركة الجرمية في حدث احتجاجي؟
بحسب المعطيات المنشورة، أخذت المحكمة في الاعتبار أن المدينة كانت في ذلك الوقت تحت سيطرة أمنية وعسكرية مشددة، مع انتشار القوات الخاصة والمدرعات وفرض رقابة على الطرق الرئيسية بعد إعلان الأحكام العرفية. وهذا يعني أن مشهد الشارع نفسه لم يكن مشهداً عادياً يمكن فيه تطبيق مفاهيم المرور والتنقل كما لو أن البلد يعيش يوماً طبيعياً. بعبارة أخرى، المحكمة لم تنظر فقط إلى الفرد، بل إلى المسرح الكامل الذي جرت عليه الواقعة.
ثم جاء العنصر الأكثر حسماً: لم تجد المحكمة دليلاً يثبت أن الطالب، أثناء تحركه، كان يهتف أو يحرّض أو يشارك فعلياً في التظاهر. وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأنها تؤكد مبدأ قانونياً جوهرياً: لا يكفي أن تُنسب إلى الشخص نية مفترضة أو انطباع أمني عام حتى يُعاقب جنائياً. فالقضاء الجنائي، في جوهره، لا يُبنى على الظنون السياسية، بل على أفعال محددة وأدلة قابلة للفحص.
في البيئات التي تمر بتوترات سياسية أو أمنية، تميل السلطة غالباً إلى توسيع تعريف الخطر. الشخص الذي يسير نحو ساحة عامة قد يُنظر إليه باعتباره متظاهراً، والمتظاهر قد يُنظر إليه باعتباره مخلّاً بالنظام، والمخلّ بالنظام قد يُعامل كتهديد سياسي. هذا الانزلاق في التوصيف هو ما يبدو أن المحكمة الكورية الجنوبية أرادت أن تضع له حداً بأثر رجعي، عبر القول إن تجريم التنقل أو الاشتباه الواسع لا يكفيان وحدهما للحكم بالإدانة.
ومن زاوية صحافية، يمكن القول إن هذا الحكم يضع إصبعه على واحد من أكثر الأسئلة حساسية في أي دولة حديثة: هل يُحاسَب المواطن على ما فعل، أم على ما افترضت السلطة أنه كان ينوي فعله؟ الفارق بين الأمرين هو الفارق بين دولة القانون ودولة الريبة.
حين يصبح الطريق إلى الاحتجاج تهمة
الرمزية الأعمق في هذه القضية أن لحظة التوقيف سبقت، على ما يبدو، لحظة المشاركة الفعلية. لقد اعتُقل الطالب وهو في طريقه إلى مكان التجمع، لا بعد ثبوت ارتكابه فعلاً عنيفاً أو بعد ضبطه في سياق سلوك محدد داخل التظاهرة. وهذه النقطة تمنح الملف بعداً إنسانياً وسياسياً معاً، لأنها تنقل القضية من مستوى «الاحتجاج» إلى مستوى «حرية الحركة» ذاتها.
في الثقافة السياسية العربية، نعرف هذا المعنى جيداً. فكم من مرة كانت الطريق إلى الوقفة أو الندوة أو الاجتماع هي نفسها نقطة الاشتباك مع الأجهزة؟ وكم من مرة تحولت الجغرافيا إلى قرينة: وجودك قرب الجامعة، أو في محيط ساحة عامة، أو في اتجاه حيّ بعينه، قد يصبح دليلاً ضدك؟ لهذا تبدو قصة الطالب الكوري الجنوبي قريبة، على نحو ما، من خبرات عربية مختلفة، حتى لو اختلفت الأنظمة والسياقات واللغات.
واللافت هنا أن المحكمة، وهي تعيد النظر في الملف بعد عقود، لم تتبنَّ القراءة الأمنية القديمة التي تُضفي على الحركة معنى سياسياً قاطعاً، بل طالبت بأمر أكثر بساطة وأكثر صرامة في الآن نفسه: أين الدليل على الفعل؟ أين السلوك المحدد الذي يُبنى عليه التجريم؟ هل لدينا وقائع مثبتة، أم مجرد استنتاج استند إلى جو عام من الخوف والتعبئة الأمنية؟
هذا يفسر لماذا تتجاوز القضية بعدها الفردي. فصحيح أن المستفيد المباشر هو رجل واحد صححت البراءة مساراً معيباً في سجله الشخصي، لكن الأثر الاجتماعي أوسع من ذلك بكثير. فكل حكم من هذا النوع يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويبعث رسالة إلى المجتمع مفادها أن السلطة، حتى حين تتصرف تحت ضغط الظروف الاستثنائية، لا تملك حق تحويل كل اقتراب من الفعل العام إلى جريمة.
ومن المفيد هنا التذكير بأن كثيراً من الديمقراطيات المعاصرة لم تصل إلى صيغتها الراهنة بخط مستقيم. خلف واجهات المدن الحديثة، وشبكات المترو المنضبطة، وصناعة الترفيه اللامعة، توجد دائماً طبقات من التوتر التاريخي، والملفات المؤجلة، والضحايا الذين احتاجوا عشرات السنين ليُسمع صوتهم داخل المحكمة. كوريا الجنوبية ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما تقدم مثالاً واضحاً عليها.
البراءة بعد عقود: ماذا تعني للفرد وللمجتمع؟
سبعة وأربعون عاماً ليست رقماً يمر سريعاً في خبر عابر. إنها تقريباً عمر جيلين، أو المسافة الزمنية بين طالب في السنة الجامعية الأولى ورجل في عقده السابع. لذلك فإن أي حديث عن «تصحيح قضائي» هنا يجب ألا يختزل الزمن في سطر واحد. فالطالب الذي دخل الحجز عشرة أيام في نهاية السبعينيات لم يكن يعلم أن الدولة ستحتاج إلى ما يقارب نصف قرن كي تقول له: لم يكن ينبغي أن تُدان من الأصل.
على المستوى الشخصي، لا شيء يعوّض الزمن. البراءة لا تعيد الشباب، ولا تمحو الأثر النفسي والاجتماعي الذي قد تتركه الإدانة، ولا تلغي ما يرافق السجل الجنائي من وصمة، سواء في العمل أو الحياة العامة أو نظرة المحيط. لكنها مع ذلك تحمل معنى بالغ الأهمية: الاعتراف الرسمي بأن ما حدث لم يكن سليماً. وهذا الاعتراف، في المجتمعات التي راكمت ندوباً سياسية، ليس تفصيلاً شكلياً.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن إعادة المحاكمة والبراءة تكشفان وظيفة أخرى للقضاء غير تلك التي تتصدر العناوين يومياً. فالقضاء لا يحكم فقط في نزاعات الحاضر، بل يراجع أيضاً، بين الحين والآخر، الأسس التي قامت عليها أحكام الماضي. وهذه المراجعة ليست تهديداً لهيبة الدولة، بل شرطاً من شروط نضجها. الدولة الواثقة من نفسها ليست تلك التي تتمسك بكل ما فعلته سابقاً، بل تلك التي تملك الشجاعة المؤسسية للاعتراف بأن بعض أحكامها كانت ابنة ظرف استثنائي أو منطق قاصر أو ميزان مختل بين الأمن والحق.
في العالم العربي، اعتدنا أن نسمع عبارة «التاريخ يكتبه المنتصرون». لكن الأحكام من هذا النوع تقول شيئاً مختلفاً: إن القضاء يمكنه أحياناً أن يعيد كتابة الهامش الذي سقط من السردية الرسمية، وأن يرد الاعتبار لمن أُدرجوا في خانة الخطأ لأن الدولة كانت تنظر إليهم بعين واحدة. ليس هذا انقلاباً على التاريخ، بل تصحيح لطريقة قراءته.
والأهم أن البراءة بعد كل هذا الزمن تطرح سؤال الذاكرة العامة: كيف تحفظ المجتمعات قصص القمع الصغيرة، لا فقط الأحداث الكبرى؟ فالتاريخ لا يُصنع من الخطب والتحولات الدستورية وحدها، بل أيضاً من المصائر الفردية: طالب أوقف في الطريق، عامل فصل من عمله، صحافي منع من النشر، أسرة عاشت تحت وطأة تهمة لم تكن عادلة. حين تستعيد المحكمة ملفاً من هذا النوع، فإنها لا تحاكم الماضي فحسب، بل تمنع الحاضر من التعامل معه باعتباره أمراً عادياً.
سلسلة أحكام لا تبدو معزولة
ما يضفي على القضية بُعداً إضافياً هو أنها لا تبدو حالة منفردة تماماً. فالتقارير أشارت إلى أن محكمة بوسان أصدرت هذا العام عدة أحكام بالبراءة في ملفات مرتبطة بانتفاضة بوما. صحيح أن كل قضية يجب أن تُفحص على حدة، وأن استقلال كل ملف مسألة أساسية في العمل القضائي، لكن تكرار النتيجة نفسها في عدد من القضايا المتقاربة زمنياً وتاريخياً يبعث برسالة واضحة: هناك مراجعة جادة لطريقة تعامل الدولة، آنذاك، مع المحتجين أو من اشتُبه في صلتهم بالاحتجاج.
هذا النوع من التراكم القضائي مهم جداً، لأنه ينقل الأمر من كونه استثناءً عاطفياً إلى ما يشبه الاتجاه القانوني المتماسك. فحين تتكرر البراءات في سياق تاريخي واحد، يتضح أن المشكلة لم تكن حادثاً عرضياً أو خطأً إجرائياً بسيطاً، بل خللاً أعمق في بنية الاتهام والإثبات وفي المناخ الذي أنتج الإدانة من الأصل.
في الصحافة العربية، نميل أحياناً إلى قراءة الأحكام المتفرقة بوصفها أخباراً مستقلة لا يربط بينها رابط. لكن الخبر الكوري الجنوبي يدعو إلى قراءة أكثر تركيباً: فالقضاء هنا لا يبرئ أشخاصاً فقط، بل يعيد غربلة منطق مرحلة كاملة. وهذه نقطة مهمة للقراء العرب المهتمين بكوريا الجنوبية، لأن متابعة الشأن الكوري لا ينبغي أن تنحصر في نجوم الدراما أو مجموعات الكيبوب أو طفرة الصناعات الإلكترونية، بل تشمل أيضاً التحولات العميقة في المجتمع ومؤسساته، وفي مقدمتها طريقة التعامل مع الذاكرة السياسية.
ومن اللافت أن هذه المراجعات تأتي في بلد نجح، خلال العقود الأخيرة، في تقديم نفسه للعالم كنموذج للتنمية والابتكار والقوة الناعمة. غير أن النضج الحقيقي لأي تجربة لا يُقاس بقدرتها على تصدير الصورة اللامعة وحدها، بل بقدرتها كذلك على مواجهة زواياها المعتمة. وربما هنا تكمن إحدى أهم رسائل هذا الحكم: كوريا الجنوبية التي أبهرت العالم ثقافياً واقتصادياً لا تزال تعمل، في الوقت نفسه، على تنظيف أرشيفها السياسي والقضائي من آثار السلطوية القديمة.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
قد يسأل بعض القراء: ما الذي يجعل حكماً في بوسان، يتعلق بواقعة قديمة جداً، يستحق هذا القدر من الاهتمام عربياً؟ الجواب بسيط ومركب في آن واحد. بسيط، لأن القضية تمس موضوعات إنسانية وسياسية عامة: العدالة، الذاكرة، الحرية، وحدود السلطة. ومركب، لأن العالم العربي يملك خبرة طويلة مع هذه الأسئلة، وإن اختلفت أشكالها من بلد إلى آخر.
حين يقرأ القارئ العربي أن المحكمة برّأت رجلاً لأن مجرد توجهه إلى مكان الاحتجاج لا يكفي لإثبات مشاركته الجرمية، فهو لا يقرأ شأناً كوريّاً بعيداً فحسب، بل يقرأ أيضاً درساً قانونياً وسياسياً قابلاً للتأمل في فضاءات أخرى. في مجتمعاتنا، كثيراً ما دار النقاش حول معنى الأمن، وحول الفارق بين الوقاية المشروعة والتوسع المفرط في الاشتباه، وحول حق الدولة في التنظيم وحدود حقها في التضييق. لذلك يكتسب الخبر قيمة مقارنة، حتى من دون أي تعسف في إسقاط التجارب على بعضها.
كما أن الاهتمام العربي المتزايد بكوريا الجنوبية، المدفوع بالموجة الكورية في الموسيقى والدراما والموضة والمطبخ، يحتاج إلى أن يتجاوز الاستهلاك الثقافي نحو فهم أعمق لبنية المجتمع الكوري نفسه. فالثقافة الشعبية لا تنفصل عن التاريخ السياسي. والبلد الذي أنتج أعمالاً درامية وسينمائية كثيرة عن التفاوت والقمع والذاكرة والعدالة، إنما يفعل ذلك لأنه عاش هذه القضايا في واقعه. من يفهم هذا السياق، يفهم كوريا الجنوبية بصورة أصدق وأكثر اكتمالاً.
ثم إن في الخبر بُعداً أخلاقياً وسياسياً بليغاً: العدالة المتأخرة ليست عدالة كاملة، لكنها أفضل من الصمت الدائم. وفي زمن عربي تتجاور فيه ملفات الذاكرة المنسية مع مطالب الإنصاف والمراجعة، تبدو التجربة الكورية الجنوبية تذكيراً بأن المؤسسات يمكن أن تعود، ولو متأخرة، لمساءلة ما اعتبرته يوماً أمراً بديهياً أو ضرورياً.
في النهاية، لا تبدو براءة الرجل الكوري الجنوبي مجرد تصحيح إداري في دفتر قديم، بل حدثاً يقول شيئاً جوهرياً عن معنى الدولة حين تحاسب نفسها. بعد 47 عاماً، لم تغيّر المحكمة الماضي، لكنها غيّرت الطريقة التي سيُروى بها. وهذا، في عالم تُصنع فيه الشرعية أيضاً من الذاكرة، ليس أمراً قليلاً.
0 تعليقات