광고환영

광고문의환영

«بنتابورت» 2026 يوسّع خريطة الصيف الكوري: ماسيف أتاك وبيكسيز يلتقيان في إنشيون على منصة واحدة

«بنتابورت» 2026 يوسّع خريطة الصيف الكوري: ماسيف أتاك وبيكسيز يلتقيان في إنشيون على منصة واحدة

مهرجان كوري بصوت عالمي يتجاوز فكرة «الحفل»

في وقتٍ تتجه فيه عيون الجمهور العربي إلى كوريا الجنوبية غالباً عبر بوابة الدراما التلفزيونية ونجوم الكيبوب، تأتي أخبار مهرجان «بنتابورت روك فستيفال» لعام 2026 لتذكّر بأن المشهد الموسيقي الكوري أوسع بكثير من الصورة الشائعة. فالمهرجان، الذي يُعدّ من أبرز التظاهرات الموسيقية الصيفية في كوريا الجنوبية، أعلن استكمال جزء أساسي من قائمته الفنية بدخول فرقة «ماسيف أتاك» البريطانية وفرقة «بيكسيز» الأميركية، ليحوّل موعده المرتقب من 31 يوليو إلى 2 أغسطس في متنزه «سونغدو مونلايت فيستيفال بارك» بمدينة إنشيون إلى واحدة من أكثر المحطات لفتاً للانتباه في أجندة الموسيقى الحية في آسيا.

الخبر لا يكتسب أهميته من مجرد حضور اسمين كبيرين من خارج كوريا، بل من طبيعة الرمزية التي يحملها كل اسم، ومن الطريقة التي يضع بها المهرجان هذين العالمين إلى جانب فرق كورية تمثل وجهاً مختلفاً ومركباً من الثقافة الموسيقية المعاصرة في البلاد. وإذا كان القارئ العربي قد اعتاد متابعة المهرجانات الكبرى في المنطقة بوصفها مساحات تجمع بين الطرب والترفيه والنجومية، فإن «بنتابورت» يقدّم نموذجاً قريباً من فكرة «القيّمة الفنية» أو البرمجة الثقافية، حيث لا تقوم قيمة الحدث على عدد الأسماء اللامعة فقط، بل على الحوار الذي ينشأ بينها داخل جدول واحد.

هنا تحديداً تتضح أهمية الخبر. فحين تستضيف كوريا الجنوبية فرقة مثل «ماسيف أتاك»، المعروفة بإرثها الثقيل في الموسيقى الإلكترونية والتريب هوب، وإلى جانبها «بيكسيز»، التي تُعدّ من الفرق المؤسسة لصوت الروك البديل كما عرفه العالم في العقود الأخيرة، فإنها لا تعرض مجرد «استيراد» لنجوم غربيين، بل تعلن أن جمهورها المحلي وبنيتها المهرجانية باتا قادرين على احتضان سردية موسيقية عالمية كاملة، من التاريخ إلى الحاضر، ومن التجريب إلى الحنين، ومن الاكتشاف إلى إعادة القراءة.

وبالنسبة للقارئ العربي، فإن أهمية هذه القصة لا تنحصر في متابعة أخبار الثقافة الكورية بوصفها مادة خارجية بعيدة، بل في فهم كيف تبني كوريا الجنوبية مكانتها الثقافية اليوم: ليس فقط عبر الصناعات الترفيهية المعلّبة، بل أيضاً عبر دعم الفضاءات الحية التي تسمح للأنواع الموسيقية المختلفة بأن تتجاور وتتصادم وتنتج جمهوراً أكثر اتساعاً ونضجاً. هذه نقطة تستحق الانتباه، خصوصاً في منطقة عربية تشهد بدورها ازدهاراً متزايداً في المهرجانات، وتبحث عن توازن صعب بين الجذب الجماهيري والهوية الفنية.

لماذا يلفت اسم «ماسيف أتاك» الانتباه إلى هذا الحد؟

الحديث عن «ماسيف أتاك» لا يبدأ من فكرة فرقة بريطانية مشهورة وحسب، بل من أثر ثقافي ظل ممتداً منذ أواخر الثمانينيات. تأسست الفرقة في مدينة بريستول عام 1988، وارتبط اسمها بولادة وتكريس ما عرف لاحقاً بـ«التريب هوب»، وهو تيار موسيقي يمزج الإيقاعات الإلكترونية بالهيب هوب والسول والدَب والروك في نسيج كثيف وداكن ومشحون بالمزاجية. ومن الصعب الحديث عن هذا التيار من دون التوقف عند أعمال مثل «Blue Lines» وأغانٍ أصبحت علامات فارقة من بينها «Unfinished Sympathy» و«Teardrop».

وللقارئ العربي الذي قد لا تكون هذه المرجعيات جزءاً من استماعه اليومي، يمكن تشبيه أثر «ماسيف أتاك» بما تفعله الأعمال المؤسسة في أي مشهد فني: تلك التي لا تكتفي بالنجاح، بل تغيّر طريقة الإصغاء نفسها. هي ليست فرقة تُصنَّف بسهولة داخل خانة واحدة، بل مشروع موسيقي قام منذ بدايته على تذويب الحدود بين الأنواع. وهذا بالضبط ما يجعل حضورها في مهرجان كوري معاصر ذا معنى يتجاوز النوستالجيا. فالعصر الرقمي الذي ألغى الحواجز بين الأنماط الموسيقية وجعل المستمع ينتقل من المقام الشرقي إلى الراب، ومن الروك إلى الموسيقى الإلكترونية في قائمة تشغيل واحدة، يعيد الاعتبار إلى فرق كانت سباقة في هذا النوع من المزج قبل أن يصبح ممارسة يومية على تطبيقات البث.

ثمّة أيضاً بُعد آخر يتعلق بطبيعة الأداء الحي. بعض الفرق تُستهلك في التسجيلات أكثر مما تُعاش على المسرح، لكن «ماسيف أتاك» من الأسماء التي تحمل معها إلى الحفلات بُعداً حسياً وبصرياً وسياسياً في آن. فهي معروفة بتصميم عروض مشغولة بعناية، حيث يصبح الصوت جزءاً من تجربة أكبر، لا مجرد خلفية للرقص أو الترفيه. ومن هنا تبدو إضافتها إلى برنامج «بنتابورت» بمثابة رهان على جمهور يريد الإنصات، لا الاكتفاء بالحضور.

هذا التفصيل مهم في فهم التحول الذي يشهده السوق الكوري للحفلات. فاختيار فرقة ذات مزاج تأملي وتاريخ فني معقّد نسبياً يعني أن المنظمين لا يكتفون بما هو سهل وسريع التداول، بل يعوّلون على مستمعين مستعدين لتلقّي أداء يحتاج إلى معرفة أو فضول أو انفتاح. ولعل ذلك يفسر لماذا يُنظر إلى «بنتابورت» على أنه أكثر من مهرجان موسمي؛ إنه مساحة تذكّر بأن الثقافة الشعبية ليست كلها متشابهة، وأن الجمهور الحديث قادر على استقبال العروض الثقيلة فنياً إذا قُدّمت ضمن سياق ذكي.

«بيكسيز» وذاكرة الروك البديل: حين تصعد فرقة تاريخية إلى صيف إنشيون

إذا كان «ماسيف أتاك» يجلب إلى المهرجان عمقاً تجريبياً، فإن «بيكسيز» تضيف إليه وزناً تاريخياً خاصاً. تأسست الفرقة في بوسطن عام 1986، وتحولت خلال سنوات قليلة إلى أحد أهم الأسماء التي أعادت تعريف الروك البديل. تأثيرها لم يكن محصوراً بجمهورها المباشر، بل امتد إلى أجيال من الفرق التي جاءت بعدها، حتى إن كثيراً من الموسيقيين والنقاد تعاملوا معها بوصفها حجر زاوية في التحولات التي أصابت موسيقى الروك منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.

وبالنسبة إلى الجمهور الأوسع، تبقى أغنية «Where Is My Mind?» هي المدخل الأكثر شهرة إلى عالم «بيكسيز»، لا سيما بعد استخدامها اللافت في نهاية فيلم «Fight Club»، وهو حضور سينمائي رسّخ الأغنية في الذاكرة الشعبية العالمية. غير أن قيمة الفرقة لا تختزل في أغنية واحدة مهما كانت شهرتها. ما يجعل وجودها في «بنتابورت» حدثاً مهماً هو أن اسمها ذاته صار جزءاً من قاموس تاريخ الروك: اسم يُستدعى حين يجري الحديث عن التحولات الكبرى في البنية الصوتية، وفي العلاقة بين الهدوء والانفجار، وبين الحساسية اللحنية والخشونة الأدائية.

ويكتسب حضور «بيكسيز» في كوريا الجنوبية بعداً إضافياً لأنها تأتي ضمن جولة عالمية بمناسبة مرور أربعين عاماً على تأسيسها. هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل إشارة إلى أن محطة إنشيون ليست زيارة عابرة أو هامشية على أطراف العالم، بل جزء من خريطة دولية ترى في السوق الكورية وجمهورها موقعاً أساسياً. في الخطاب الثقافي العربي، كثيراً ما نناقش مسألة «المركز» و«الأطراف» في توزيع الفعاليات العالمية، وكيف تُستبعد مناطق كاملة من المسارات الكبرى. أما في الحالة الكورية، فيبدو واضحاً أن البلاد باتت تُعامل كإحدى المحطات المركزية التي لا يُستكمل المشهد من دونها.

ومن الناحية الرمزية، فإن اجتماع فرقة خرجت من روح الثمانينيات الأميركية مع مهرجان كوري يقام في مدينة دولية حديثة مثل إنشيون يكشف عن طبيعة العولمة الثقافية الجديدة: لم تعد المراكز الفنية القديمة وحدها هي التي تنتج القيمة، بل باتت المهرجانات الآسيوية قادرة على إعادة توزيع الهيبة الفنية واحتضان التاريخ الموسيقي في جغرافيا مغايرة. وهذا أمر يجد صداه عربياً أيضاً، حيث نشهد خلال السنوات الأخيرة انتقال كثير من الفعاليات الكبرى إلى مدن جديدة، بما يعيد تعريف علاقة الجمهور بالموسيقى الحية.

الفرق الكورية في الواجهة: ما وراء الصورة النمطية عن الموسيقى الكورية

ربما تكون أهم نقطة في هذه التشكيلة أنها لا تعتمد على الأسماء الغربية لتبرير نفسها، بل تضع إلى جانبها فرقاً كورية تمثل تنوعاً حقيقياً في المشهد المحلي، من بينها «هيوكوه»، و«سلطان أوف ذا ديسكو»، و«نا سانغ هيون سي باند»، و«دابدا»، و«إينالشي»، و«سيم آيلاند». هذا الحضور الكوري ليس ديكوراً وطنياً مكملاً للنجوم الدوليين، بل عنصر أساسي في منطق المهرجان، لأنه يوضح أن كوريا الجنوبية لا تقدّم نفسها للعالم فقط عبر نجوم البوب ذوي الإنتاج الضخم، بل أيضاً عبر فرق حية تنتمي إلى الروك والإندي والكروس أوفر والتجريب.

في العالم العربي، غالباً ما تختزل صورة الموسيقى الكورية في الأداء الراقص، والفرق الجماهيرية، والصناعة البصرية العالية الانضباط. لكن من يتابع المشهد الكوري عن قرب يعرف أن هناك طبقات أخرى أقل انتشاراً إعلامياً، وأكثر ثراءً من حيث التكوين الفني. فرقة مثل «هيوكوه» على سبيل المثال تحظى بمكانة خاصة لأنها نجحت في الجمع بين الاعتراف الجماهيري والاحترام النقدي، مقدمة صوتاً يميل إلى الاستقلالية والخصوصية. أما «سلطان أوف ذا ديسكو» فتمثل نموذجاً لفرقة تعرف كيف تمزج الطاقة الأدائية بروح مرحة منفتحة على الرقص والغرابة في آن.

ويبرز اسم «إينالشي» على نحو خاص لأنه يمنح القارئ العربي فرصة لفهم إحدى الظواهر الكورية المهمة: إعادة توظيف التراث داخل الموسيقى الحديثة. الفرقة تستلهم عناصر من «بانسوري»، وهو فن غنائي سردي كوري تقليدي يعتمد على الأداء الصوتي المكثف والحكاية والإيقاع، ثم تعيد تقديمه في قالب معاصر يصلح للمنصات الدولية والمهرجانات الحديثة. ولتقريب الصورة، يمكن القول إن هذه المقاربة تشبه، من زاوية ما، ما تفعله بعض المشاريع العربية حين تعيد قراءة الموشحات أو الغناء الصوفي أو الإيقاعات المحلية ضمن صياغات حديثة، من دون أن تفقد الصلة بالجذور.

هنا تكمن قيمة «بنتابورت» كنافذة تعريفية. فهو لا يعرض «كوريا الأخرى» بديلاً عن الكيبوب، بل يفتح المجال لرؤية أكثر اكتمالاً للمشهد، حيث تتجاور الأصوات الشعبية والبديلة والتجريبية تحت مظلة واحدة. وهذا ما يمنح الخبر بعداً ثقافياً أعمق بالنسبة للقارئ العربي المهتم بالموجة الكورية: المسألة ليست فقط في اتساع الانتشار الكوري، بل في تنوع ما يُصدَّر وما يُحتفى به داخل كوريا نفسها.

إنشيون وسونغدو: لماذا يهم المكان بقدر ما يهم البرنامج؟

يقام المهرجان في «سونغدو مونلايت فيستيفال بارك» بمدينة إنشيون، وهي ليست مجرد خلفية جغرافية للحدث. إنشيون، بوصفها مدينة ساحلية كبرى وبوابة جوية وبحرية رئيسية لكوريا الجنوبية، تحمل دلالة الانفتاح على العالم، فيما تمثل منطقة سونغدو نموذجاً للتمدّن الكوري الجديد، بما فيها من بنية تحتية حديثة ومساحات عامة صُممت لاستقبال الفعاليات الدولية. وعندما يُقام مهرجان روك كبير في هذا السياق، فإن الرسالة لا تتعلق بالموسيقى وحدها، بل أيضاً بصورة البلاد عن نفسها: دولة حديثة، واثقة، وقادرة على استضافة التعدد الثقافي ضمن فضاءات منظمة ومجهزة.

قد تبدو هذه الملاحظة تفصيلية، لكنها مفهومة جيداً في السياق العربي. فالمكان في المهرجانات ليس شأناً ثانوياً؛ من قرطاج إلى بعلبك إلى العلا، كثيراً ما يصبح الموقع شريكاً في صناعة المعنى، لا مجرد وعاء للحفل. وبالمثل، فإن سونغدو تمنح «بنتابورت» شخصية خاصة: مهرجان صيفي في فضاء مفتوح، قريب من البحر، داخل مدينة تعكس طموح كوريا إلى الجمع بين الحداثة الصارمة والتجربة الثقافية الحيوية. هذه الصورة بحد ذاتها جزء من الجاذبية التي تجعل المهرجان حدثاً يتجاوز جمهوره المحلي.

ومن الناحية العملية، فإن اختيار إنشيون يرسّخ أيضاً مكانة المهرجان في شبكة التنقل الدولي. فسهولة الوصول إلى المدينة بالنسبة للجمهور الأجنبي، وارتباطها بمطار إنشيون الدولي، يجعلان من الحدث محطة قابلة للجذب الإقليمي والعالمي، لا مجرد مهرجان للاستهلاك المحلي. وهذا عامل مهم إذا أردنا فهم كيف تبني كوريا مهرجاناتها بوصفها أدوات قوة ناعمة. فالقوة الناعمة لا تعمل فقط عبر الشاشات، بل عبر التجربة المباشرة أيضاً: أن يأتي الزائر، ويعيش المكان، ويستهلك الثقافة، ثم ينقلها معه على هيئة انطباع طويل الأمد.

من «الكيبوب» إلى الروك: كيف تعكس هذه البرمجة نضج السوق الكورية؟

لطالما ارتبطت الصورة الخارجية لكوريا الجنوبية بالنجاحات الكاسحة لصناعة الكيبوب، وهي صورة مستحقة من دون شك. لكن الاكتفاء بها وحدها يظلم واقعاً أكثر تعقيداً. فالخبر المتعلق بـ«بنتابورت» يكشف أن السوق الكورية دخلت مرحلة تتقدم فيها قيمة «الاختيار الفني» نفسه إلى واجهة المنافسة. لم يعد النجاح يُقاس فقط بقدرة منظّم ما على جلب نجم جماهيري، بل بقدرته على تركيب حكاية فنية مقنعة من أسماء تنتمي إلى عصور ومدارس وبيئات مختلفة.

هذه الفكرة مألوفة في المهرجانات الأوروبية العريقة، لكنها تترسخ أكثر فأكثر في آسيا، وكوريا في طليعة هذا المسار. أن تجمع في مهرجان واحد «ماسيف أتاك» التجريبية، و«بيكسيز» التاريخية، وفرقاً كورية معاصرة تمثل الحس المحلي والبديل، فهذا يعني أن الجمهور لم يعد يُستهدف بصفته كتلة واحدة تبحث عن الترفيه السريع، بل بوصفه جمهوراً متعدد الطبقات. هناك من يأتي بدافع الحنين، وهناك من يبحث عن اكتشاف جديد، وهناك من يريد فقط أن يعيش التجربة الحية بوصفها حدثاً اجتماعياً وثقافياً.

في عالم الاستماع السريع، حيث تختصر منصات الفيديو القصير الأغاني إلى مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة، تبدو المهرجانات أشبه بحركة مقاومة ناعمة لفكرة الاستهلاك الخاطف. فهي تعيد الاعتبار للوقت الطويل، وللإنصات الجماعي، ولإمكانية أن تغيّر أمسية واحدة علاقتك بموسيقى لم تكن تعرفها. من هذا المنظور، يصبح استقدام فرق ذات تاريخ ومزاج فني معقد، مثل «ماسيف أتاك» و«بيكسيز»، إشارة إلى أن السوق الكورية لا تراهن فقط على اللحظة الفيروسية، بل على الذاكرة أيضاً.

وهذه نقطة تستحق الانتباه عربياً. فالسؤال الذي تطرحه مهرجانات من هذا النوع على منظمي الفعاليات في منطقتنا هو: كيف يمكن التوفيق بين الاعتبارات التجارية والهوية الثقافية؟ كيف نبني برنامجاً يستقطب الجمهور الواسع من دون أن يتخلى عن المغامرة الفنية؟ تجربة «بنتابورت» لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تطرح نموذجاً مفيداً: المهرجان الناجح ليس من يرضي الجميع بالتسطيح، بل من يجمع أطيافاً متعددة حول برنامج يملك شخصية واضحة.

بين الذاكرة والاكتشاف: لماذا يبدو هذا الصيف الكوري مختلفاً؟

اللافت في تشكيلة 2026 أنها تعمل على أكثر من مستوى في الوقت نفسه. فهي تمنح الجيل الذي نشأ على أسماء عالمية كبيرة فرصة سماع هذه الفرق في فضاء مفتوح نابض، كما تتيح لجيل أصغر، ربما عرف بعض الأغاني عبر الأفلام أو المنصات أو الإشارات الثقافية، أن يلتقيها للمرة الأولى ضمن تجربة مباشرة. وهذا التداخل بين الذاكرة والاكتشاف هو أحد أسرار قوة المهرجانات الكبرى: إنها لا تبيع الحاضر فقط، بل تنظم لقاءً بين أزمنة متعددة داخل اللحظة نفسها.

ولعل هذا ما يفسر الوقع الخاص لخبر انضمام «بيكسيز» ضمن جولة الأربعين عاماً، و«ماسيف أتاك» بصفتها فرقة لا تزال تحتفظ بقدرتها على إثارة الاهتمام بعد عقود من التأسيس. ليست القضية في أن الزمن لم يمر، بل على العكس تماماً: في أن مرور الزمن نفسه صار جزءاً من جاذبية هذه الأسماء. الجمهور يأتي وهو يعرف أنه يواجه تاريخاً حياً، لا نسخة معلبة منه. وكلما ازدادت خبرة المهرجان في توظيف هذا البعد، تعززت مكانته بوصفه منتجاً للذاكرة، لا مجرد منصة ترفيهية مؤقتة.

في المقابل، تضمن الفرق الكورية ألا ينغلق الحدث في دائرة النوستالجيا الغربية. فالمشهد المحلي هنا ليس تابعاً، بل شريك في صياغة المعنى. وحين تقف أسماء كورية معاصرة إلى جانب هذه الفرق العالمية، فإنها لا تطلب الشرعية منها، بل تدخل معها في حوار متكافئ يثبت أن كوريا تملك ما تضيفه هي الأخرى إلى المعادلة. وهذا البعد مهم جداً في فهم التحول الثقافي الكوري: فالقوة الناعمة الحقيقية لا تقوم على استهلاك الثقافة الأجنبية، بل على القدرة على وضعها في سياق محلي منتج وخلاق.

بالنسبة إلى القراء العرب المتابعين للموجة الكورية، يمكن النظر إلى هذا الخبر بوصفه تذكيراً مفيداً بأن كوريا ليست اتجاهاً استهلاكياً واحداً. هناك بلد موسيقي كامل وراء النجومية اللامعة: نوادٍ صغيرة، وفرق مستقلة، ومهرجانات صيفية، وتجارب تمزج التراث بالحداثة، وجمهور يتعامل مع الحفلات لا كمناسبة للفرجة فقط، بل كطقس ثقافي واجتماعي. وهذا ما يجعل «بنتابورت» جديراً بالمتابعة حتى لمن لا يخطط للسفر إلى إنشيون.

ما الذي يعنيه هذا عربياً؟ وما الذي يمكن قراءته أبعد من الخبر؟

من السهل التعامل مع أخبار المهرجانات العالمية على أنها مادة ترفيهية صرفة، لكنها في الحقيقة تكشف تحولات أعمق في الاقتصاد الثقافي وفي ذائقة الجمهور. في الحالة الكورية، يعكس «بنتابورت» 2026 لحظة تتقاطع فيها عدة عناصر: الثقة الدولية بالسوق المحلية، نضج البنية التحتية للمهرجانات، اتساع شهية الجمهور نحو أنواع متعددة، ونجاح كوريا في تقديم نفسها ليس فقط كمنتج لمحتوى جماهيري سهل التداول، بل كفضاء ثقافي قادر على استضافة المشاهد الموسيقية المركبة.

وهذا له دلالة عربية واضحة. فبينما تنشغل أسواقنا الثقافية بالبحث عن نماذج تطوير للمهرجانات، تبرز التجربة الكورية مثالاً على أن الاستثمار في الثقافة لا يُقاس بعدد التذاكر وحده، بل بقدرة الحدث على بناء سمعة طويلة المدى، وجذب جمهور نوعي، وإنتاج صورة ذهنية متماسكة عن البلد والمدينة والمشهد الفني. مهرجان مثل «بنتابورت» لا يخدم الموسيقى فحسب؛ إنه يخدم السياحة، ويعزز صورة إنشيون، ويعمّق حضور كوريا في الخريطة الثقافية الآسيوية والعالمية.

في النهاية، يبدو أن صيف إنشيون المقبل لن يكون مجرد موعد لمحبي الروك، بل مشهداً مكثفاً يختصر كثيراً من التحولات الجارية في الثقافة الكورية المعاصرة. وجود «ماسيف أتاك» و«بيكسيز» يمنح المهرجان ثِقلاً تاريخياً وفنياً واضحاً، فيما يضمن حضور الفرق الكورية أن تظل الحكاية مرتبطة بالمكان الذي تُروى فيه. بين التجريب البريطاني، والذاكرة الأميركية، والحيوية الكورية، تتشكل قائمة فنية تقول الكثير عن حاضر الموسيقى الحية في شرق آسيا.

أما الرسالة الأهم بالنسبة إلينا كقراء عرب، فهي أن متابعة الثقافة الكورية لا ينبغي أن تبقى أسيرة أكثر وجوهها انتشاراً. فخلف الصورة المصقولة التي نعرفها من المنصات والشاشات، هناك مشهد حي ومعقد يستحق القراءة والإنصات. ومهرجان «بنتابورت» 2026، بصيغته الحالية، يقدم مثالاً واضحاً على ذلك: كوريا التي تفتح مسارحها للتاريخ الموسيقي العالمي، وفي الوقت نفسه تصر على أن تحكي قصتها الخاصة بصوتها هي.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات