광고환영

광고문의환영

في سيول... معركة على اللغة قبل الحقيقة: كيف تحوّلت جلسة التحقيق البرلمانية إلى حرب روايات حول النيابة والسلطة

في سيول... معركة على اللغة قبل الحقيقة: كيف تحوّلت جلسة التحقيق البرلمانية إلى حرب روايات حول النيابة والسلطة

جلسة تتجاوز الوقائع إلى الصراع على المعنى

في المشهد السياسي الكوري الجنوبي، لا تبدو بعض الجلسات البرلمانية مجرد مناسبة لاستدعاء الشهود أو مراجعة الملفات، بل تتحول إلى ساحة اختبار كبرى للخطاب السياسي نفسه: من يملك حق تسمية الوقائع؟ ومن ينجح في تثبيت روايته بوصفها الحقيقة الأقرب إلى وعي الجمهور؟ هذا بالضبط ما كشفته الجلسة التي عقدتها في 21 أبريل/نيسان 2026 اللجنة البرلمانية الخاصة للتحقيق في شبهات «التلاعب في الاتهام السياسي من جانب نيابة عهد يون سوك يول». فالأمر لم يقتصر على فحص ملفات قانونية متباينة، بل بدا وكأنه مواجهة مفتوحة حول صورة الدولة الكورية الجنوبية ومؤسساتها، وخصوصا النيابة العامة، في نظر المواطنين.

من يتابع الحياة السياسية في كوريا الجنوبية يدرك أن النيابة العامة ليست جهازا تقنيا محايدا في المخيال العام، كما قد يتصور البعض من خارج المشهد الكوري، بل هي مؤسسة تتمتع بثقل استثنائي في النظام السياسي والقانوني. تاريخيا، لعبت النيابة هناك دورا أوسع من مجرد توجيه الاتهام، وامتلكت نفوذا كبيرا في التحقيقات الجنائية والملفات ذات الطابع السياسي. ولهذا، فإن الجدل حول «تسييس النيابة» أو «استغلال سلطتها» ليس نقاشا فنيا ضيقا، بل مسألة تمس قلب الديمقراطية الكورية الجنوبية، تماما كما يثير الحديث في العالم العربي عن تسييس القضاء أو توظيف الأجهزة الرقابية حساسية عالية تتجاوز القانون إلى سؤال الشرعية والثقة العامة.

الجلسة الأخيرة في البرلمان الكوري قدمت مثالا صارخا على ذلك. فقد اصطدمت الحكومة والمعارضة، أو بتعبير أدق الحزب الحاكم والمعسكر المحافظ من جهة، والمعسكر الليبرالي المعارض من جهة أخرى، حول ثلاثة ملفات رئيسية: قضية مقتل موظف حكومي كوري جنوبي في البحر الغربي، وشبهات التلاعب بالإحصاءات الرسمية، وملف ما يعرف بقضية «التشهير بيون سوك يول» المرتبطة بادعاءات عن تقارير كاذبة وملاحقات جنائية مشكوك في دوافعها. لكن القيمة السياسية للجلسة لم تكن في عدد هذه الملفات أو تشعبها، بل في أن جميعها وُضعت على طاولة واحدة لصناعة سردية كبرى عن كيفية استخدام السلطة خلال العهد السابق.

بهذا المعنى، لم تكن الجلسة فقط تحقيقا في وقائع مضت، بل كانت محاولة منظمة لإعادة تعريف المرحلة السابقة بأكملها. وهذا ما يجعلها أقرب إلى معركة على الإطار التفسيري، أو ما يسميه علماء الاتصال السياسي «حرب الأطر». ففي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الحاسم فقط: ماذا حدث؟ بل أيضا: بأي لغة سنصف ما حدث؟ هل كان تجاوزا فرديا أم نمطا ممنهجا؟ هل كان تنفيذا للقانون أم توظيفا انتقائيا له؟ هنا تحديدا تتركز المعركة الحقيقية.

لماذا يركّز المعسكر الليبرالي على «بنية النيابة» لا على الوقائع المفردة؟

بحسب ما ظهر في الجلسة، فإن الحزب الديمقراطي، وهو القوة الأساسية في المعسكر الليبرالي، اختار ألا يحصر هجومه في تفصيل قانوني هنا أو ثغرة إجرائية هناك. بل حاول الارتقاء بالجدل إلى مستوى أوسع: كيف بدأت التحقيقات أصلا؟ ومن صاغ فرضياتها؟ وعلى أي شهادات أو مواد استندت؟ وهل كان الهدف الوصول إلى الحقيقة أم رسم صورة سياسية مسبقة ثم البحث عما يسندها؟ هذا النوع من الأسئلة يكشف أن المعارضة لا تريد فقط دحض اتهام بعينه، بل تريد الطعن في المنطق الذي حكم عمل النيابة خلال فترة يون سوك يول.

وفي هذا السياق، برزت تصريحات للنائب يانغ بو نام، الذي اعتبر أن المواد المتصلة بقضية تحقيقات سابقة تخص بنك الادخار في بوسان، إضافة إلى ملف اتهامات التشهير، تؤدي إلى استنتاج مفاده أن النيابة انطلقت من روايات مضللة أو شهادات غير موثوقة ثم بنت عليها مسارا تحقيقيا ذا طابع سياسي. هذا الطرح لا يتوقف عند سؤال البراءة والإدانة، بل يتعمد الذهاب مباشرة إلى قلب المؤسسة: هل النيابة جهاز مستقل أم أنها تحولت إلى أداة في يد السلطة التنفيذية؟

هنا يستخدم الحزب الديمقراطي تعبير «النيابة السياسية»، وهو تعبير له وظيفة سياسية بالغة الأهمية. فهذا المصطلح يشبه إلى حد بعيد استخدام عبارات من قبيل «الدولة العميقة» أو «القضاء المسيس» في الخطاب العربي، حيث لا تكون الغاية فقط توصيف حالة معينة، بل جمع وقائع متفرقة تحت مظلة تفسيرية واحدة. فحين تربط ملفات مختلفة، من الأمن إلى الإحصاء إلى الإعلام، بخيط واحد هو «استخدام النيابة لخدمة السلطة»، فإنك تخلق رواية متماسكة يسهل تقديمها للجمهور حتى لو كانت الوقائع في تفاصيلها متباينة ومعقدة.

وهذا الاختيار ليس اعتباطيا. ففي السياسة الحديثة، وخصوصا في المجتمعات المنقسمة أيديولوجيا، يصعب كسب الرأي العام عبر الجدل القانوني التفصيلي وحده. الجمهور لا يتابع دائما محاضر التحقيق ولا يعرف الفروق الدقيقة بين الأدلة المباشرة والقرائن والاختصاصات الإجرائية. لكنه يفهم بسرعة الرسائل الكبرى: هل كانت هناك سلطة تستخدم مؤسسات الدولة ضد خصومها؟ هل جرى توظيف القانون لتصفية الحسابات؟ المعارضة الكورية تعرف أن هذه الأسئلة، إذا ترسخت في الوعي العام، تمنحها أرضية أقوى من مجرد تسجيل نقاط قانونية متناثرة.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا التركيز على «الهيكل» لا على «الملف» يسمح للمعسكر الليبرالي بتجاوز نقاط الضعف المحتملة في كل قضية على حدة. فإذا تعذر الجزم بكل تفاصيل واقعة بعينها، يبقى بالإمكان القول إن الصورة الكبرى تشير إلى نمط متكرر. وفي السياسة، كثيرا ما تكون قوة «النمط» أكبر من قوة «الحالة» المنفردة، لأن الجمهور يميل إلى تصديق الروايات التي تفسر أكبر عدد من الوقائع دفعة واحدة.

رد المحافظين: من الدفاع عن الإجراءات إلى الهجوم على نوايا الخصوم

في المقابل، لم يكتف حزب سلطة الشعب، وهو المعسكر المحافظ الذي دافع عن شرعية تحقيقات المرحلة السابقة، بالقول إن النيابة قامت بعملها وفقا للقانون. بل لجأ إلى هجوم مضاد أكثر حسما من الناحية السياسية. جوهر هذا الهجوم أن الحزب الديمقراطي لا يسعى إلى حماية المؤسسات أو تصحيح المسار، بل يريد، وفق الرواية المحافظة، تحويل متهمين أو مشتبها فيهم إلى «ضحايا سياسيين» أو حتى «سجناء رأي» على الطريقة التي تستهوي بعض الخطابات الشعبوية.

هذه النقلة في الخطاب بالغة الدلالة. فلو بقي المحافظون أسرى موقف دفاعي تقليدي من نوع «الإجراءات كانت سليمة، والملفات قانونية»، فإنهم يتركون للخصم ميزة الهجوم الأخلاقي والسياسي. أما حين ينقلون الجدل إلى سؤال آخر: «هل تحاول المعارضة تسييس القضاء لحماية شخصيات قريبة منها؟» فإنهم يبدلون أرض المعركة كلها. وبدلا من أن يدور النقاش حول تجاوزات النيابة المحتملة، يصبح الحديث عن نيات المعارضة نفسها، وعن احتمال استخدامها البرلمان غطاء لتقويض المساءلة القضائية.

هذه الاستراتيجية مفهومة تماما في ضوء طبيعة الرأي العام. فالقضايا القانونية المعقدة تحتاج وقتا وخبرة لفهمها، أما الرسائل السياسية المباشرة فتنتشر أسرع بكثير. وعندما يقول المحافظون إن خصومهم «يُجمّلون صورة مجرمين» أو «يحوّلون المسؤولية الجنائية إلى قصة اضطهاد سياسي»، فإنهم يخاطبون حس العدالة الشعبي في صيغته الأبسط: لا أحد فوق القانون. هذه صيغة قادرة على حشد شريحة واسعة من المترددين، حتى لو لم يكونوا مقتنعين تماما بكل أداء النيابة في الماضي.

واللافت أن هذا الخطاب لا يدافع فقط عن ملفات بعينها، بل يدافع أيضا عن مبدأ أوسع: ضرورة عدم تحويل البرلمان إلى منصة لإعادة محاكمة القضايا سياسيا بعد أن دخلت مسارها القضائي. وهو طرح يجد صداه في ديمقراطيات كثيرة، بما فيها بلدان عربية تعرف أحيانا جدلا مشابها حول حدود الرقابة البرلمانية وحدود استقلال القضاء. غير أن المشكلة في الحالة الكورية هي أن هذه الحجة نفسها يمكن أن تستخدم لإغلاق باب الأسئلة المشروعة عن إساءة استعمال السلطة. وهنا يتولد التوتر الحقيقي: كيف يمكن مساءلة مؤسسة قوية مثل النيابة من دون السقوط في فخ تسييس المساءلة ذاتها؟

ثلاثة ملفات على طاولة واحدة: كيف تُصنع الرواية الكبرى؟

من الناحية الظاهرية، تبدو القضايا التي نوقشت في الجلسة متباعدة: حادثة إطلاق النار على موظف حكومي في البحر الغربي تتصل بالأمن القومي وبطريقة تعامل الدولة مع واقعة حساسة على الحدود البحرية مع كوريا الشمالية؛ وشبهات التلاعب بالإحصاءات تمس صدقية الإدارة العامة وأدوات تقييم الأداء الحكومي؛ أما ملف «التشهير» و«التقارير الكاذبة» فيلامس حدود حرية الصحافة وعلاقة الإعلام بالسلطة القضائية. هذه موضوعات مختلفة تماما من حيث الطبيعة القانونية والسياسية.

لكن جمعها في إطار تحقيق واحد ليس تفصيلا إجرائيا عابرا، بل رسالة سياسية بحد ذاتها. فحين تُعرض على الرأي العام هذه الملفات بوصفها أجزاء من لوحة واحدة، يصبح من الأسهل ترسيخ فكرة أن المشكلة لم تكن هنا أو هناك، بل في طريقة حكم كاملة. إنها تقنية معروفة في العمل السياسي: بدلا من ترك كل قضية تقف وحدها، يتم جمعها داخل سردية عابرة للقطاعات والمؤسسات. فيصبح الأمن، والإحصاء، والإعلام، والقضاء، كلها علامات على خلل بنيوي واحد.

هذا يشبه إلى حد بعيد ما يحدث في كثير من السجالات العربية عندما تُربط قرارات اقتصادية مثيرة للجدل، مع ملفات إعلامية، ومع تعيينات إدارية، في خطاب واحد عنوانه «إدارة الدولة بالعقلية الأمنية» أو «تغوّل السلطة التنفيذية». قد يختلف السياق والفاعل، لكن المنطق واحد: تجميع العناصر المتفرقة لإقناع الجمهور بأن ما يراه ليس مجرد أخطاء متفرقة، بل نمط حكم.

وبالنسبة للمعسكر الليبرالي في كوريا الجنوبية، يوفر هذا الدمج فائدتين كبيرتين. الأولى أنه يختصر التعقيد، لأن كل ملف من هذه الملفات يحتاج خبراء ووثائق وسياقات خاصة. أما حين توضع كلها داخل سؤال واحد هو «كيف استُخدمت الدولة؟» فإنها تصبح أكثر قابلية للاستهلاك السياسي والإعلامي. والثانية أنه يسمح بتوسيع نطاق المسؤولية، بحيث لا تعود الانتقادات موجهة إلى موظف أو مدع عام أو وزارة بعينها، بل إلى فلسفة حكم بأكملها.

لكن هذه التقنية نفسها تمنح المحافظين ذريعة قوية للرد. فكلما اتسع الإطار التفسيري، زادت سهولة اتهام الطرف الآخر بالمبالغة أو الانتقائية أو «حبك مؤامرة شاملة» من وقائع غير متجانسة. ولهذا كان طبيعيا أن يقول خصوم الحزب الديمقراطي إن جمع هذه القضايا ليس سعيا للحقيقة، بل محاولة لبناء محاكمة سياسية متكاملة للعهد السابق. أي أن معركة «الحزمة الواحدة» ليست فقط حول ما إذا كانت الملفات مترابطة فعلا، بل أيضا حول من يملك حق جمعها أصلا ومن له مصلحة في ذلك.

حين تصبح اللغة نفسها ساحة للصراع السياسي

أحد أهم ما كشفت عنه الجلسة أن اللغة السياسية في كوريا الجنوبية لم تعد مجرد أداة لوصف الصراع، بل أصبحت الصراع نفسه. تعبيرات مثل «النيابة السياسية»، «التشهير الملفق»، «تجميل صورة المجرمين»، و«الانتقام السياسي» ليست ألفاظا حيادية. إنها قذائف رمزية تُطلق داخل قاعة البرلمان وخارجها بهدف تشكيل وعي الجمهور قبل أن تتشكل الأحكام القضائية النهائية أو قبل أن يستقر المؤرخون على قراءة موحدة للمرحلة.

في هذا السياق، يبدو البرلمان وكأنه مسرح تتنازع فيه «كورياهان» أو صورتان متناقضتان لكوريا الجنوبية. في الصورة الأولى، هناك دولة انحرفت فيها النيابة عن دورها وتحولت إلى ذراع سياسية تستخدم التحقيق والاتهام لتصفية الخصوم وصناعة مشهد انتخابي وإعلامي ملائم للسلطة. وفي الصورة الثانية، هناك دولة تتعرض مؤسساتها القضائية لهجوم من معارضة تريد نزع الشرعية عن المساءلة القانونية كلما اقتربت من شخصيات محسوبة عليها. بين هذين التصورين، لا يدور الخلاف على التفاصيل فقط، بل على طبيعة الجمهورية ذاتها.

وهذا أمر شديد الأهمية لأن الخطاب السياسي لا يكتفي بالتأثير في الانتخابات، بل ينعكس أيضا على ثقة الناس بالمؤسسات. فإذا أقنعت المعارضة قطاعا واسعا من الجمهور بأن النيابة كانت «ملكا خاصا» للرئيس السابق، فإن أي قرار اتهام صادر عنها سيبدو في نظر هؤلاء قرارا مشبوها حتى لو استند إلى أدلة قوية. وإذا أقنع المحافظون مؤيديهم بأن كل حديث عن تجاوزات النيابة ليس سوى مناورة لحماية المخالفين، فإن أي رقابة برلمانية على عمل الادعاء ستبدو كأنها محاولة تعطيل للعدالة.

وهنا تكمن خطورة «حرب الأطر». فهي لا تنتهي مع نهاية الجلسة، ولا حتى مع صدور أي تقرير برلماني. بل تمتد إلى المجال العام، إلى شاشات التلفزة ومنصات التواصل، وإلى المزاج الشعبي الذي يحدد لاحقا كيف تُستقبل الأحكام القضائية وكيف تُقرأ نتائج الانتخابات. يمكن القول إن ما جرى في سيول هو معركة استباقية على تفسير المستقبل بقدر ما هو جدل حول الماضي.

وللقارئ العربي، ربما يذكّر هذا المشهد بحالات كثيرة في المنطقة كانت فيها الكلمات نفسها جزءا من الصراع: هل نصف متهما بأنه «موقوف في قضية فساد» أم «خصم سياسي مستهدف»؟ هل نصف لجنة التحقيق بأنها «آلية مساءلة» أم «مسرح تصفية حسابات»؟ الفارق بين التوصيفين ليس لغويا فقط، بل سياسي وأخلاقي ومؤسسي. وكوريا الجنوبية، رغم رسوخ ديمقراطيتها مقارنة بكثير من دول المنطقة، ليست بمنأى عن هذه المعضلة.

أزمة ثقة تطال النيابة والبرلمان معا

النتيجة الأخطر لهذه المواجهات لا تقتصر على ربح هذا الحزب أو ذاك لجولة إعلامية، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته «تآكل الثقة المزدوج». فإذا خرج جزء من الكوريين من هذه الجلسة مقتنعين بأن النيابة كانت مسيّسة، فهم لن يشككوا فقط في ملفات الماضي، بل ربما في حياد إنفاذ القانون مستقبلا. وإذا خرج جزء آخر مقتنعا بأن البرلمان نفسه يستخدم صلاحياته الرقابية لتقويض العدالة أو لحماية حلفاء سياسيين، فإن الثقة بوظيفة المجلس الوطني بوصفه مؤسسة رقابية ستتضرر هي الأخرى.

هذا التآكل المزدوج مقلق لأن النيابة والبرلمان من ركائز أي نظام ديمقراطي حديث. النيابة تمثل مبدأ تطبيق القانون على الجميع، والبرلمان يمثل مبدأ الرقابة الشعبية على السلطة. فإذا تصادما بطريقة تدفع المواطنين إلى الاعتقاد بأن كل مؤسسة تعمل فقط لخدمة معسكر سياسي، فإن الخاسر في النهاية ليس طرفا حزبيا، بل فكرة الدولة المحكومة بالقانون.

وقد زاد من حساسية المشهد ما تردد عن احتجاجات من جانب أعضاء في حزب سلطة الشعب على طريقة إدارة رئيس اللجنة لسير الجلسة. هذه ليست مجرد فوضى مألوفة في برلمانات العالم، بل إشارة إلى أن الخلاف لم يعد على مضمون التحقيق وحده، بل شمل أيضا عدالة الإجراءات نفسها. وفي الديمقراطيات المستقطبة، يصبح النزاع على الإجراء مساويا تقريبا للنزاع على الجوهر. فإذا طعن طرف في حياد إدارة الجلسة، فإنه يسبق النتائج ويشكك في شرعيتها قبل صدورها.

هذا المشهد ليس جديدا تماما على كوريا الجنوبية، التي شهدت في العقود الأخيرة محطات كثيرة امتزج فيها القانوني بالسياسي، من محاكمات رؤساء سابقين إلى حملات عزل رئاسية واحتجاجات جماهيرية ضخمة. لكن كل تكرار جديد لهذه المواجهات يضيف طبقة جديدة من الإرهاق المؤسسي. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود الآليات، بل أيضا بقدرة المجتمع على الإيمان بأن هذه الآليات ما تزال قادرة على إنتاج حد أدنى من العدالة المقبولة من الخاسرين قبل الرابحين.

ما الذي تعنيه هذه المواجهة لمستقبل السياسة الكورية؟

من المبكر الجزم بما إذا كانت اللجنة الخاصة ستنجح في إثبات ما يكفي من الوقائع لتغيير الصورة العامة قانونيا، أو ما إذا كانت ستتحول في النهاية إلى مجرد محطة إضافية في مسلسل الاستقطاب السياسي الكوري. غير أن المؤكد هو أن أهم أثر للجلسة قد لا يكون قانونيا صرفا، بل معياريا وسياسيا: إنها تسهم في تحديد الخط الذي ستُقاس به المرحلة السابقة، وربما أيضا المعايير التي سيُحاكم بها أي حكم مقبل.

إذا نجح الحزب الديمقراطي في تثبيت فكرة أن عهد يون سوك يول ارتبط ببنية «نيابة مسيّسة»، فإن ذلك سيمنحه ذخيرة قوية في أي استحقاق انتخابي قادم، وسيدعم مطالبه بإصلاحات أعمق في جهاز الادعاء العام. أما إذا نجح المحافظون في إقناع شريحة واسعة من الناخبين بأن هذه الحملة ليست سوى عملية التفاف سياسي على المسؤولية القانونية، فإنهم سيحولون الجلسة من عبء إلى فرصة، وسيقدمون أنفسهم بوصفهم المدافعين عن هيبة القانون ضد «الاستغلال الحزبي» للمؤسسات.

وفي الحالتين، يتضح أن الرهان الحقيقي ليس فقط كشف «الحقيقة» بمعناها القضائي، بل وضع معيار سياسي لما يجب أن يعده الكوريون الجنوبيون مقبولا أو مرفوضا في علاقة السلطة بالنيابة والإعلام والبرلمان. وهذا أمر بالغ الأهمية في بلد ما زال يعيد باستمرار التفاوض على التوازن بين الفعالية الحكومية، والرقابة الديمقراطية، واستقلال المؤسسات.

بالنسبة للقراء العرب، تقدم هذه القضية درسا يتجاوز كوريا الجنوبية نفسها. فالديمقراطيات الحديثة، حتى الأكثر تقدما منها، لا تُدار فقط بالنصوص الدستورية والقوانين، بل أيضا بالثقة العامة وباللغة التي تصوغ بها النخب خلافاتها. وعندما تتحول كل مؤسسة إلى متهم محتمل في نظر نصف المجتمع، يصبح الانتصار السياسي الآني أقل أهمية من الخسارة البعيدة التي تصيب النسيج المؤسسي كله.

ما حدث في سيول إذاً ليس مجرد جلسة صاخبة عن ملفات من الماضي، بل فصل جديد من معركة كورية طويلة حول من يملك سلطة التأويل: النيابة أم البرلمان، القضاء أم السياسة، الوقائع أم الروايات؟ وربما كان الدرس الأوضح أن المعركة في كثير من الأحيان لا تبدأ عند الأدلة، بل عند الكلمات التي تُغلّف بها تلك الأدلة. وفي زمن الاستقطاب الحاد، قد تكون الكلمة الأولى في السياسة أخطر من الحكم الأخير في المحكمة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات