광고환영

광고문의환영

اتفاق إنتاج مشترك بين كوريا الجنوبية وكندا: هل يجد الدراما الكورية منفذاً جديداً من أزمة الكلفة إلى اتساع السوق؟

اتفاق إنتاج مشترك بين كوريا الجنوبية وكندا: هل يجد الدراما الكورية منفذاً جديداً من أزمة الكلفة إلى اتساع السوق؟

من وثيقة دبلوماسية إلى ورشة إنتاج عابرة للقارات

في الأخبار الثقافية كثيراً ما تمرّ علينا اتفاقيات رسمية تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى اللغة البيروقراطية منها إلى نبض الصناعة الإبداعية. لكن الاتفاق السمعي البصري المشترك الذي وقعته كوريا الجنوبية وكندا في أوتاوا في 22 أبريل، بعد مفاوضات امتدت منذ عام 2017، يستحق قراءة مختلفة تماماً. فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد تعاون ثقافي أو مجاملة دبلوماسية بين بلدين، بل بإعادة ترتيب قواعد اللعبة في واحد من أكثر القطاعات حيوية في آسيا اليوم: قطاع الدراما والسينما الكوريتين، أو ما يعرف ضمن موجة «الهاليو» الكورية التي باتت مألوفة لدى الجمهور العربي من الخليج إلى المغرب.

ولفهم أهمية ما جرى، يجب النظر إلى ما وراء صياغات الاتفاق. جوهره أن الأعمال التي تُنتج بصورة مشتركة بين كوريا الجنوبية وكندا ستُعامل في البلدين بوصفها «محتوى محلياً» أو «وطنياً». هذه العبارة القانونية الصغيرة تغيّر كثيراً في الواقع العملي: تفتح أبواباً لتمويلات حكومية، وتخفف قيوداً تنظيمية مرتبطة بالبرمجة والبث، وتمنح سهولة أكبر في انتقال الطواقم والمعدات، كما تسمح للمشروع منذ ولادته أن يُصمم على أنه عمل موجّه لسوقين في وقت واحد، لا مجرد مسلسل كوري يُترجم ويُصدر لاحقاً إلى الخارج.

بالنسبة إلى القارئ العربي الذي يتابع عادة أخبار النجوم والمنصات ونسب المشاهدة، قد يبدو هذا الحديث تقنياً أكثر مما ينبغي. لكن الحقيقة أن مستقبل أي صناعة درامية لا يتحدد فقط في غرفة الكاتب أو أمام الكاميرا، بل أيضاً في دفاتر التمويل، وشروط الدعم، وتعقيدات الاعتراف القانوني بالعمل. وإذا كانت الدراما العربية نفسها عرفت في مراحل مختلفة رهانات «الإنتاج المشترك» بين أكثر من بلد عربي من أجل توسيع التوزيع وتقاسم الكلفة، فإن ما تفعله سيول اليوم مع أوتاوا يأتي ضمن المنطق ذاته، لكن على نحو أكثر مؤسساتية ودقة، وبأدوات تناسب سوقاً عالمية تتنافس فيها المنصات، وصناديق الدعم، والهوية الثقافية، في آن واحد.

هذا الاتفاق يأتي في لحظة حساسة بالنسبة إلى المحتوى الكوري. فالنجاح العالمي تحقق بالفعل خلال الأعوام الماضية: من أفلام حصدت أرفع الجوائز، إلى مسلسلات اجتاحت منصات البث، إلى موسيقى «كي-بوب» التي أصبحت لغة شبابية عابرة للحدود. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن لم يعد: كيف تصل كوريا إلى العالم؟ بل كيف تجعل هذا النجاح قابلاً للاستمرار من دون أن تنهكها كلفة الإنتاج المتصاعدة، ومن دون أن تبقى رهينة مشروع ضخم ينجح هنا أو نجم لامع هناك؟ من هذه الزاوية، يبدو الاتفاق مع كندا أقرب إلى محاولة بناء بنية تحتية جديدة لصناعة المحتوى، لا مجرد خطوة دعائية في سجل العلاقات الثنائية.

لماذا كندا تحديداً؟ بوابة شمال أميركية مختلفة عن النموذج الأميركي

قد يتساءل البعض: لماذا اختارت كوريا الجنوبية كندا بالذات، وليس الولايات المتحدة مثلاً، وهي السوق الأكبر والأكثر تأثيراً في العالم الناطق بالإنجليزية؟ الإجابة تكمن في الفرق بين «حجم السوق» و«هيكل الدعم». فالولايات المتحدة تمثل مركزاً ضخماً للصناعة السمعية البصرية، لكنها أيضاً سوق شرسة ومكلفة، وتعمل غالباً بمنطق تجاري محض تفرضه الاستوديوهات الكبرى والمنصات العملاقة. أما كندا، فرغم قربها الجغرافي والثقافي من الولايات المتحدة، فإنها تملك نموذجاً مختلفاً يقوم على دعم عام أقوى، ومؤسسات تمويلية أكثر وضوحاً، واهتمام بحماية الإنتاج المحلي وتطويره.

وهنا تحديداً تكمن جاذبية كندا بالنسبة إلى المنتج الكوري. فمن خلال هذا الاتفاق لا تدخل كوريا إلى فضاء أميركا الشمالية من باب الالتفاف أو البحث عن طريق جانبي، بل من باب شريك يملك بنية إنتاج ناطقة بالإنجليزية، وخبرة في الشراكات الدولية، وفي الوقت نفسه منظومة دعم تجعل المشروع أقل مخاطرة. ووفق المعطيات المعلنة، يدير «صندوق الإعلام الكندي» تمويلاً سنوياً يناهز 390 مليون دولار كندي، يذهب نحو 84 في المئة منه إلى البرامج التلفزيونية. وهذه نسبة لافتة جداً، لأنها تعني أن الدراما، وهي القطاع الأكثر استهلاكاً للميزانيات في كوريا حالياً، قد تجد في كندا متنفساً مالياً حقيقياً لا رمزياً.

من منظور عربي، يمكن تشبيه الأمر بفارق معروف بين سوق واسعة لكنها باهظة ومتشبعة، وسوق أقل صخباً لكنها تملك صناديق ومؤسسات قادرة على تقليل المخاطر وتشجيع المنتجين على المغامرة المحسوبة. في عالمنا العربي، كثيراً ما تنهار مشاريع فنية واعدة لأنها تبدأ بفكرة كبيرة لكنها تدخل سوقاً بلا مظلات تمويل مستقرة. كوريا تدرك الآن أن الحفاظ على زخم «الهاليو» لا يحتاج إلى الحماس الجماهيري وحده، بل إلى شراكات تسمح بتوزيع الكلفة، والوصول إلى التمويل العام، وربط المشروع بسوقين أو أكثر منذ المراحل الأولى للتطوير.

كندا أيضاً ليست اسماً هامشياً في الصناعة العالمية. فهي تحتضن مواقع تصوير معروفة، وبنية تقنية متقدمة، وخبرات واسعة في ما بعد الإنتاج، كما أنها تجذب منذ سنوات أعمالاً عالمية بسبب الحوافز والتسهيلات. وعندما تجتمع هذه العوامل مع خبرة كوريا الجنوبية في إنتاج دراما سريعة الإيقاع وعالية التنظيم، فإن النتيجة المحتملة ليست مجرد تبادل خدمات، بل نمط إنتاج جديد يمكن أن يولد أعمالاً قادرة على مخاطبة جمهور أوسع، من دون أن تفقد خصوصيتها الكورية بالكامل.

ما معنى أن يُعترف بالعمل بوصفه «محتوى محلياً» في البلدين؟

هذه النقطة هي قلب الاتفاق الحقيقي، وهي أيضاً أكثر النقاط حاجة إلى شرح للقراء غير المتخصصين. في الصناعات السمعية البصرية، لا تكفي جودة العمل لكي يحظى بالدعم أو بالمساحة على الشاشات. هناك في كثير من الدول أنظمة تميّز بين «المحتوى المحلي» و«المحتوى الأجنبي»، وتمنح الأول ميزات قد تشمل أولوية في البث، أو أهلية للتقدم إلى الصناديق الحكومية، أو الاستفادة من حوافز ضريبية، أو شروطاً أسهل في التوزيع. لذلك فإن تعريف جنسية العمل ليس شأناً رمزياً يتعلق بالعلم الذي يوضع في خانة الإنتاج، بل مسألة مالية وتنظيمية بامتياز.

حين يصبح العمل الكوري-الكندي المشترك معترفاً به في كوريا وفي كندا بوصفه عملاً محلياً، فإن المنتج لا يضطر للتعامل معه كجسم غريب في أحد السوقين. وهذا يغيّر مسار المشروع من البداية. يمكن مثلاً تطوير النص مع الأخذ في الاعتبار ذائقة جمهورين مختلفين، وبناء فريق فني يضم عناصر من الطرفين، والتخطيط للتصوير أو ما بعد الإنتاج بطريقة تستفيد من الحوافز المتاحة هنا وهناك، ثم الدخول إلى دوائر البث والتوزيع في البلدين بمرونة أكبر.

هذه النقلة تبدو شديدة الأهمية إذا وضعناها في سياق تطور الدراما الكورية نفسها. ففي سنوات الصعود الأولى، كان النموذج السائد هو إنتاج العمل داخل كوريا ثم بيعه أو ترخيصه للخارج. أما اليوم، ومع ازدياد الطلب العالمي وارتفاع سقف الطموح الإنتاجي، لم يعد التصدير وحده كافياً. ثمة انتقال متدرج من منطق «نصنع هنا ونبيع هناك» إلى منطق «نصنع معاً من البداية». والاتفاق مع كندا يترجم هذا الانتقال إلى إطار رسمي قابل للتنفيذ.

اللافت أن هذه الصيغة قد تمنح كذلك قيمة إضافية للكتاب والمخرجين والفنيين، وليس فقط للشركات. فالتعاون المؤسسي يعني زيادة فرص انتقال الكفاءات، وتوسيع مساحة التعلّم المشترك، وخلق مشاريع تتطلب حساسية ثقافية مزدوجة. هنا يدخل التحدي أيضاً: كيف تحافظ الأعمال على النبرة الكورية التي أحبها الجمهور العالمي، من دون أن تتحول إلى محتوى «معولم» فاقد للملامح؟ هذا السؤال لا يواجه كوريا وحدها؛ إنه سؤال عرفته السينما العربية كذلك كلما دخلت في شراكات مع أوروبا أو المنصات العالمية. النجاح لا يتحقق بمجرد توافر المال، بل في القدرة على تحويل الشراكة إلى قيمة فنية لا إلى تسوية باهتة.

أزمة الكلفة في الدراما الكورية: النجاح الذي أصبح عبئاً

وراء الاحتفاء بأي منفذ تمويلي جديد، توجد مشكلة بنيوية يعرفها العاملون في الصناعة الكورية جيداً: كلفة الإنتاج ارتفعت إلى مستويات تضغط على القطاع بقوة. خلال السنوات الأخيرة، تضاعفت أجور النجوم، وتطورت معايير الصورة والإخراج، وارتفعت توقعات المنصات والجمهور في ما يتعلق بالجودة البصرية، وتصاعدت متطلبات التسويق العالمي والترجمة والتوزيع. النتيجة أن المسلسل الذي كان يُنجز بميزانية معقولة قبل سنوات، بات اليوم يحتاج إلى أرقام أكبر بكثير، خصوصاً إذا كان من فئة الأعمال التاريخية أو الخيال أو التشويق واسع النطاق.

هذه الظاهرة ليست كورية فقط. في العالم العربي أيضاً، يعرف المنتجون كيف يمكن لنجاح نوع درامي ما أن يرفع سقف الإنفاق إلى حد يهدد الاستدامة. لكن الفارق أن كوريا تعمل داخل صناعة تصدير ثقافي ضخمة، والضغوط فيها تأتي من الداخل والخارج معاً. فمن جهة، هناك منافسة حادة بين الشركات على استقطاب الكتّاب والممثلين والتقنيين. ومن جهة ثانية، هناك منصات دولية خلقت طلباً كبيراً لكنها أعادت أيضاً تشكيل نماذج العائد المالي. وفي بعض الأحيان، تجد الشركات نفسها أمام مفارقة صعبة: الجمهور العالمي موجود، لكن تأمين التمويل المسبق للمشروع صار أصعب، أو أكثر ارتباطاً بعقود معقدة وشروط قاسية.

هنا تظهر فائدة الاتفاق مع كندا على نحو ملموس. إذا تمكن المنتج الكوري من التقدم إلى برامج دعم كندية، بالتوازي مع الاستفادة من برامج محلية في كوريا، فإن الضغط على رأس المال الخاص ينخفض. وهذا لا يعني فقط إنقاذ المشاريع الكبيرة، بل ربما منح الفرصة لشركات متوسطة الحجم كي تدخل حلبة الأعمال الدولية من دون أن تغامر بكل ما لديها. في خلاصة الأمر، الاتفاق قد يساعد على توسيع قاعدة المستفيدين من الطفرة الكورية، بدلاً من أن تظل محصورة في عدد محدود من اللاعبين القادرين على احتمال المخاطر.

من زاوية أشمل، يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتحويل النجاح الشعبي إلى هيكل اقتصادي أكثر توازناً. فالهوس العالمي بالمسلسلات الكورية لا يضمن وحده صحة الصناعة. كم من صناعة عربية حققت حضوراً جماهيرياً واسعاً في موسم أو عام، لكنها بقيت هشّة لأن التمويل غير مستقر، أو لأن التوزيع يعتمد على نافذة واحدة؟ كوريا تبدو واعية لهذا الدرس، ولذلك تتجه إلى بناء اتفاقيات تجعل تدفق المال والإنتاج أكثر انتظاماً، بعيداً من الاعتماد على ضربة حظ أو مسلسل استثنائي.

فرصة للدراما أكثر من السينما؟ ولماذا قد تكون الشاشة الصغيرة الرابح الأول

رغم أن الاتفاق يشمل القطاع السمعي البصري بصورة عامة، فإن المؤشرات المتاحة توحي بأن الدراما التلفزيونية أو الدراما الموجهة للمنصات قد تكون المستفيد الأول. السبب بسيط: معظم التمويل الكندي المعلن يذهب إلى البرامج التلفزيونية، والدراما الكورية هي اليوم رأس الحربة في الانتشار العالمي للمحتوى الكوري. لقد أصبحت المسلسلات الكورية، بتنوعها بين الرومانسية والتشويق والتاريخي والخيال العلمي، جزءاً من المشهد اليومي لملايين المشاهدين العرب، تماماً كما كانت المسلسلات التركية في مرحلة سابقة، وكما لا تزال الأعمال العربية الرمضانية تشكل طقساً اجتماعياً في مناطق واسعة.

لكن التحدي هنا يتجاوز التمويل. الدراما الكورية ليست منتجاً تقنياً فقط؛ إنها تحمل إيقاعاً سردياً خاصاً، وعلاقة محددة مع العاطفة، ونمطاً في بناء الشخصيات، وأحياناً خصوصيات اجتماعية قد لا تكون مفهومة فوراً للمشاهد غير الكوري. لذلك فإن أي تعاون موسع مع شريك أجنبي يحتاج إلى قدر كبير من الذكاء التحريري. هل ستتغير طبيعة القصص لكي تصبح أقرب إلى التلقي في أميركا الشمالية؟ هل سيتراجع حضور بعض العناصر الثقافية الكورية لحساب سردية أكثر عالمية؟ أم أن الشراكة ستسمح، على العكس، بتقديم هذه الخصوصية ضمن قالب أكثر قدرة على الانتشار؟

هذه أسئلة مشروعة، خصوصاً أن جمهور «الهاليو» في العالم العربي لا يبحث فقط عن حبكات جذابة، بل أيضاً عن نافذة على مجتمع مختلف: نظام التعليم الصارم، تراتبية الشركات، مفاهيم الاحترام العمري، الطعام، الأزياء، الطقوس اليومية، وحتى أشكال الخطاب بين الشخصيات. لذلك فإن أي تحول في الصناعة الكورية يُقرأ عند الجمهور العربي ليس اقتصادياً فقط، بل ثقافياً أيضاً. ما يهم المتابع العربي في النهاية هو ألا يؤدي توسيع الشراكات إلى تمييع الهوية التي جعلت الأعمال الكورية محبوبة منذ البداية.

في المقابل، السينما قد تستفيد من الاتفاق بطريقة موازية ولكن بوتيرة أكثر انتقائية. الأفلام عادة أقل عدداً من الدراما، وأكثر حساسية في خيارات التمويل والتوزيع والمهرجانات. ومع ذلك، فإن الإطار الجديد قد يشجع مشاريع سينمائية مشتركة تراهن على السوق الدولية من البداية، خاصة إذا جمعت بين الخبرة الكورية في السرد البصري وبين المرافق الكندية وشبكاتها في التوزيع والتمويل.

ما الذي يعنيه هذا التطور للجمهور العربي ولمتابعي «الهاليو» في المنطقة؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن ما يجري شأن يخص صناع القرار والمنتجين في سيول وأوتاوا، لكن أثره قد يصل سريعاً إلى المتلقي العربي. فكلما توسعت قدرة الصناعة الكورية على تمويل أعمالها وتنويع شراكاتها، ازدادت احتمالات استمرار تدفق محتوى جديد إلى المنصات التي يتابعها المشاهد العربي يومياً. وبعبارة أخرى، هذا النوع من الاتفاقات لا ينعكس فقط في أروقة الوزارات وصناديق الدعم، بل في القائمة التي تظهر على شاشة الهاتف أو التلفاز بعد أشهر أو سنوات.

للقارئ العربي هنا مصلحة ثقافية أيضاً. فانتشار الدراما الكورية في المنطقة لم يعد مجرد ظاهرة مراهقين أو جمهور متخصص؛ لقد أصبح جزءاً من الاستهلاك الثقافي اليومي لدى شرائح واسعة، مع حضور ملحوظ في النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الترجمة غير الرسمية، وفي الأندية الطلابية، وحتى في بعض خيارات الموضة والطعام. ولذلك فإن أي خطوة تعزز استقرار هذه الصناعة وتدفعها إلى إنتاج أعمال متنوعة قد تعني مزيداً من القصص التي تعبر إلينا، ومزيداً من أشكال التفاعل مع آسيا خارج القوالب السياسية والاقتصادية المعتادة.

لكن ثمة جانباً آخر يستحق التأمل من زاويتنا العربية. إذا كانت كوريا الجنوبية، رغم قوتها الناعمة الهائلة، لا تزال ترى أن النجاح العالمي يحتاج إلى مظلات تمويل واتفاقات رسمية وشبكات دعم ثنائية، فما الذي يمنع الصناعات العربية من التفكير بجدية أكبر في اتفاقيات إنتاج مشترك أكثر فاعلية، سواء داخل المنطقة أو مع شركاء دوليين؟ السؤال ليس للمقارنة السطحية، بل لاستخلاص الدرس: الثقافة لا تزدهر بالشغف وحده، بل تحتاج إلى هندسة مؤسساتية تجعل الإبداع قابلاً للحياة اقتصادياً.

لقد اعتدنا عربياً أن نتعامل مع القوة الناعمة بوصفها نتيجة تلقائية لوجود فنانين موهوبين أو أعمال تلقى الرواج. التجربة الكورية تقول شيئاً مختلفاً: القوة الناعمة مشروع طويل النفس، تدعمه الدولة، وتخدمه القوانين، وتسانده الصناديق، وتُبنى له الشراكات. ومن هنا يمكن فهم لماذا ينظر كثيرون في كوريا إلى هذا الاتفاق لا كخبر ثقافي عابر، بل كجزء من إعادة صيانة الماكينة التي تنتج «الهاليو» وتضمن استمرارها.

بين التفاؤل والواقعية: الاتفاق يفتح الباب لكنه لا يضمن النجاح

مع ذلك، سيكون من المبالغة اعتبار الاتفاق عصاً سحرية قادرة وحدها على حل كل أزمات الصناعة الكورية. فوجود إطار قانوني وتمويلي مشجع لا يعني أن الأعمال ستولد تلقائياً، ولا أن الجمهور سيحب كل ما ينتج تحت عنوان «إنتاج مشترك». التجربة العالمية مليئة بمشاريع دعمتها الحكومات وسندتها الاتفاقيات، لكنها لم تترك أثراً يُذكر لأنها افتقرت إلى الفكرة القوية أو التنفيذ المقنع.

النجاح الفعلي سيتوقف على مجموعة عوامل: أي نوع من الشركات سيبادر أولاً إلى استخدام الاتفاق؟ هل ستكون الشركات الكبرى التي تملك خبرة في الشراكات الدولية، أم الشركات المتوسطة التي تحتاج فعلاً إلى متنفس تمويلي؟ ما الأنواع الدرامية الأكثر قابلية لهذا النموذج: التشويق، الرومانسية، الخيال، أم الأعمال التاريخية؟ وكيف ستدار الفروق الثقافية واللغوية داخل غرفة الكتابة والإنتاج؟ ثم هناك سؤال لا يقل أهمية: هل ستُبنى هذه المشاريع على أساس فني حقيقي، أم على مجرد استغلال إداري لفرص الدعم؟

كذلك فإن الشراكات العابرة للحدود قد تُنتج في بعض الأحيان توتراً بين متطلبات السوق والهوية الإبداعية. قد يضغط الشريك الأجنبي نحو قصص أو أساليب سرد أقرب إلى جمهوره المحلي، فيما يتمسك الطرف الكوري بخصائص يراها جزءاً من سر نجاحه. هذا النوع من التفاوض ليس سلبياً بالضرورة؛ بل قد يكون مثمراً إذا أُدير بحرفية. لكنه يظل عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان الاتفاق سيقود إلى أعمال لامعة ومختلفة، أم إلى منتجات هجينة لا تنتمي تماماً إلى هنا أو هناك.

من هنا، تبدو القراءة الأكثر اتزاناً هي أن الاتفاق يمثل «بنية فرصة» لا أكثر ولا أقل. إنه يفتح ممراً مهماً أمام الدراما والسينما الكوريتين، ويمنحهما أدوات أفضل لمواجهة الكلفة والتمويل والتوزيع، لكنه لا يعفي الصناعة من الحاجة إلى النص الجيد، والإدارة الذكية، والتوازن الدقيق بين المحلية والعالمية. وإذا نجحت كوريا في استثمار هذه الفرصة، فقد نكون أمام فصل جديد من فصول تمدد «الهاليو»؛ فصل لا يقوم فقط على الشعبية الجارفة، بل على نضج مؤسساتي يجعل هذا النجاح أكثر رسوخاً واستدامة.

في نهاية المطاف، ما حدث بين كوريا الجنوبية وكندا ليس مجرد توقيع على ورق، بل إشارة إلى أن المعركة المقبلة في صناعة المحتوى لن تُحسم فقط بعدد المشاهدات أو بقوة النجوم، بل بقدرة الدول والشركات على ابتكار هياكل إنتاج أكثر مرونة وعقلانية. بالنسبة إلى كوريا، هذه خطوة نحو ترسيخ موقعها لا بوصفها ظاهرة عابرة في الثقافة الشعبية، بل بوصفها قوة إنتاجية تعرف أن الإبداع يحتاج، مثل أي صناعة استراتيجية، إلى سياسة وتمويل ومؤسسات. وبالنسبة إلينا كقراء عرب، فهو خبر يستحق المتابعة لأنه يكشف كيف تُصنع الموجات الثقافية الكبرى فعلاً: خلف الكواليس، قبل أن تصل إلينا في هيئة مسلسل جديد يشغل الشاشات والقلوب معاً.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات