
ظاهرة رقمية بوجه صحي خطير
في كوريا الجنوبية، البلد الذي يُقدَّم كثيراً في المخيال العربي بوصفه نموذجاً للتقدّم التقني والانضباط الاجتماعي، تبرز هذه الأيام قضية صحية مقلقة تكشف وجهاً آخر من وجوه الحياة الرقمية المعاصرة. فبحسب ما تداولته وسائل إعلام كورية، وبينها وكالة الأنباء الكورية الرسمية، يتسع بين بعض المراهقين على شبكات التواصل الاجتماعي ما يُعرف باسم «حفلات الجرعة الزائدة» أو «OD Party»، في إشارة إلى تعاطي كميات كبيرة من أدوية متاحة من دون وصفة طبية، مثل أدوية الزكام ومحفزات النوم، ثم مشاركة التجربة وما يرافقها من أعراض غير طبيعية على الإنترنت وكأنها مغامرة أو تحدٍّ جماعي.
خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في اللغة التي تُغلّف بها هذه الممارسة. فمجرد إطلاق كلمة «حفلة» على سلوك مؤذٍ طبياً يخفف من وقعه في الوعي العام، ويحوّل التحذير الصحي إلى مادة قابلة للتداول والاستهلاك والتقليد. نحن هنا لا نتحدث عن مادة مخدرة محظورة يجري الحصول عليها في الخفاء، بل عن أدوية مألوفة في البيوت والصيدليات، اعتاد الناس أن ينظروا إليها باعتبارها أدوات للشفاء وتخفيف الألم. وحين تنقلب هذه الصورة في ذهن المراهق من «دواء» إلى «وسيلة للتجربة»، يصبح الخطر مضاعفاً.
وللقارئ العربي، قد يبدو المشهد بعيداً جغرافياً لكنه ليس غريباً من حيث البنية. مجتمعاتنا العربية عرفت هي الأخرى، في مراحل مختلفة، ظواهر شبابية انتشرت عبر التقليد والضغط الاجتماعي والرغبة في لفت الانتباه، من تحديات خطرة على المنصات إلى استخدام خاطئ لبعض المواد اليومية. الجديد في الحالة الكورية هو أن المجال الصحي نفسه أصبح جزءاً من هذه الثقافة الرقمية السريعة، بحيث تتحول التجربة الجسدية القاسية إلى «محتوى»، ويتحوّل إنذار الجسد إلى فرصة للحصول على التفاعل والمشاهدة.
هنا بالضبط تكمن الرسالة الأهم: ليست المسألة قضية كورية محلية فحسب، بل إنذار عالمي يتعلق بعلاقة الأجيال الجديدة بالدواء، وبالشاشة، وبفكرة المخاطرة نفسها. فما دام الهاتف الذكي في الجيب، والمنصة مفتوحة، واللغة المختزلة قادرة على تجميل أي شيء، فإن أكثر الموارد الصحية اعتياداً قد تصبح أيضاً أقرب المخاطر اليومية.
لماذا تثير الأدوية المتاحة بلا وصفة كل هذا القلق؟
في العادة، حين يسمع الناس عن تعاطٍ خطر، يتبادر إلى الذهن فوراً الحديث عن المخدرات غير المشروعة أو الأدوية التي تخضع لوصفات طبية مشددة. لكن القضية الراهنة في كوريا الجنوبية تقلب هذا التصور رأساً على عقب. فالأدوية المتداولة في هذه الظاهرة ليست بعيدة المنال، ولا ترتبط في أذهان الناس بصورة الجريمة أو السرية، بل هي أدوية عادية تباع في الصيدليات لتخفيف أعراض يومية مثل الزكام أو المساعدة على النوم.
وهذا ما يجعل المسألة أكثر حساسية. فسهولة الوصول إلى الدواء تخفض الحاجز النفسي أمام إساءة استخدامه. المراهق لا يشعر غالباً أنه يقدم على «فعل خطير» بالمعنى التقليدي عندما يتناول حبوبا موجودة أصلاً في درج المنزل أو يمكن شراؤها بسهولة. هذه الألفة اليومية تولد وهماً بالأمان: إذا كان الدواء شائعاً ومستخدماً داخل كل بيت تقريباً، فلماذا يكون مؤذياً إلى هذا الحد؟ لكن الحقيقة الطبية تقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالدواء الآمن في جرعته الصحيحة وتحت غرضه العلاجي قد يصبح مصدراً لمضاعفات خطيرة جداً إذا استُخدم بكميات مفرطة أو بطريقة غير مخصصة له.
من هنا، تبدو المفارقة قاسية. فالناس يحتفظون بأدوية الزكام أو محفزات النوم من باب الحرص على الصحة، بينما يعاد توظيف هذه المنتجات نفسها في بعض البيئات الرقمية كأدوات لاختبار الهلوسة أو الدوخة أو فقدان التوازن. وهذا التحول من «الاستعمال العلاجي» إلى «البحث عن الإحساس» هو جوهر الأزمة. المسألة ليست في اسم الدواء فقط، بل في تغيير معناه الاجتماعي والنفسي.
وفي الثقافة العربية، نعرف جيداً كيف يمكن للعادي والمألوف أن يخفف الإحساس بالخطر. فكثير من العائلات تتعامل مع «صيدلية البيت» بوصفها امتداداً للأدوات المنزلية، من دون نقاش جدي حول الجرعات والتخزين والإشراف. وإذا كان هذا قائماً في مجتمعاتنا أيضاً، فإن الدرس الكوري يستحق الانتباه: الاعتياد لا يساوي الأمان، وكون الشيء مباحاً أو متاحاً لا يعني أنه غير قابل للتحول إلى مصدر أذى شديد.
حين تتحول الأعراض الجانبية إلى محتوى
أخطر ما في الظاهرة، وفق ما تشير إليه التقارير الكورية، أن بعض المراهقين لا يكتفون بالإفراط في تناول الأدوية، بل يتعاملون مع ما ينتج عنه من اضطرابات، مثل الهلوسة أو التشوش أو الاختلال، كأنها «نتيجة مرغوبة» أو تجربة تستحق العرض والتوثيق. أي أن العلامة الطبية التي يفترض أن تكون جرس إنذار، تتحول على المنصة إلى مادة سردية: ماذا شعرت؟ كم استغرقت الأعراض؟ كيف بدا الإدراك؟ وما رد فعل الآخرين؟
هذه النقلة من المجال الصحي إلى المجال الاستعراضي تغيّر طبيعة المشكلة بالكامل. فالخطر لم يعد مرتبطاً بجسد شخص واحد فحسب، بل صار قابلاً للانتقال بالتقليد. في الماضي، كان السلوك المؤذي قد يبقى محدوداً في دائرة ضيقة، أما اليوم فإن منشوراً قصيراً أو وسمًا رائجاً أو مقطعاً سريعاً قد يكفي لخلق فضول واسع بين مراهقين آخرين، خصوصاً حين يُقدَّم الأمر بلغة ساخرة أو بأسلوب يوحي بأنه جزء من «الترند».
والمنصات الرقمية، كما هو معروف، تكافئ غالباً ما هو صادم أو غير معتاد أو مثير للتعليق. وهذا يضع الرسائل الصحية التقليدية في موقف ضعيف. فالتحذير الطبي يحتاج شرحاً وتفصيلاً وسياقاً، بينما تنتشر التجربة الخطرة في صورة جملة مقتضبة أو فيديو قصير أو سلسلة رموز يفهمها أبناء الجيل نفسه. لذلك، يصبح من السهل أن تنتصر الرواية المثيرة على الرواية الوقائية، لا لأنها أصحّ، بل لأنها أخف وأسرع وأكثر قابلية للتداول.
في السياق العربي أيضاً، شهدنا مراراً كيف تتحول أفعال غير مسؤولة إلى موجة تقليد عندما تُغلّف بروح التحدي أو السخرية أو الاستعراض. ولعل الفارق هنا أن موضوع الظاهرة يمسّ الجسد من الداخل، ويختلط فيه النفسي بالطبي، والفضول بالمغامرة، والحاجة إلى القبول الاجتماعي بالخطر المباشر. لذلك، فإن قراءة هذه القضية بوصفها مجرد «شغب مراهقين» ستكون قراءة ناقصة. نحن أمام نمط جديد من التفاعل مع الأذى: أذى يتم تسجيله ومشاركته وإعادة إنتاجه.
ما الذي تكشفه الظاهرة عن ضغوط المراهقة في المجتمع الكوري؟
لا يمكن فهم هذه القضية بمعزل عن البيئة الاجتماعية الأوسع في كوريا الجنوبية، وهي بيئة معروفة بشدة المنافسة الدراسية، والضغط النفسي المرتبط بالتحصيل، والحضور الطاغي للصورة الرقمية في حياة الشباب. المجتمع الكوري، رغم نجاحاته الاقتصادية والثقافية الهائلة، يواجه منذ سنوات نقاشات داخلية واسعة حول الصحة النفسية لدى المراهقين، وضغوط الإنجاز، وشعور بعض الشباب بالعزلة أو الإرهاق أو الحاجة إلى الهروب المؤقت من الواقع.
هذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل من يشارك في سلوك خطر يفعل ذلك بسبب ضغط الدراسة أو القلق النفسي فقط، لكن من الصعب فصل مثل هذه الظواهر عن المناخ العام الذي تعيشه الأجيال الجديدة. فحين يتقاطع التوتر مع الفراغ العاطفي أو الرغبة في الانتماء أو البحث عن تجربة استثنائية، تصبح بعض الممارسات المؤذية أكثر قابلية للانتشار، خاصة إذا قدمت في صيغة جماعية توحي بأن صاحبها ليس وحده.
وللقارئ العربي، قد يكون من المهم توضيح نقطة ثقافية هنا: كوريا الجنوبية ليست فقط بلد الدراما والكي-بوب ومنتجات التجميل والتكنولوجيا، بل أيضاً مجتمع شديد الحساسية تجاه المكانة والنجاح والصورة العامة. هذا الجانب كثيراً ما يبقى خارج التغطيات الخفيفة للموجة الكورية. لذلك فإن الظاهرة الراهنة، وإن بدت صحية في ظاهرها، تفتح باباً لفهم أعمق لتوترات الشباب هناك، تماماً كما تكشف بعض الظواهر في العالم العربي عن ضغوط اقتصادية أو تعليمية أو نفسية لا تظهر على السطح مباشرة.
وفي البيئات العربية، لسنا بعيدين عن هذا التداخل. فالمراهق العربي أيضاً يعيش اليوم في عالم مقارنات مفتوحة، حيث يتابع حياة الآخرين على مدار الساعة، ويقيس قيمته أحياناً بعدد الإعجابات أو بسرعة الاستجابة أو حجم الانتباه الذي يحظى به. ومن هنا، فإن القضية الكورية قد تبدو مرآة مكبرة لما يمكن أن يحدث حين يتراجع الحوار الأسري والتربوي أمام سطوة المنصة، وحين يبحث الشباب عن الإثارة أو الاعتراف في مسارات غير آمنة.
لغة التسمية: كيف يخفف اسم «حفلة» من فداحة الخطر؟
اللغة ليست تفصيلاً جانبياً في هذه القضية، بل هي في صميمها. فالتسمية التي جرى تداولها، أي «حفلة الجرعة الزائدة»، تحمل في طياتها قدراً من التطبيع مع سلوك بالغ الخطورة. كلمة «حفلة» في الوعي العام ترتبط عادة بالاجتماع والمرح والتجربة المشتركة. وحين تلصق هذه الكلمة بسلوك طبي مؤذٍ، يحدث نوع من التخفيف الرمزي للخطر، كأن الأمر مجرد نشاط اجتماعي عابر لا فعل قد ينتهي بمضاعفات صحية حادة.
هذه الآلية معروفة في الإعلام والثقافة الرقمية. ما إن يُعطى السلوك اسماً جذاباً أو مختصراً أو قابلاً للتكرار، حتى يصبح أسهل في التداول، وأخف على الأذن، وأقرب إلى فضول المتلقي. وهذا ما يفسر لماذا لا يكفي أن تحذر الجهات الصحية من «المضاعفات» فقط، بل لا بد أيضاً من تفكيك اللغة التي تمنح السلوك هالة من الخفة أو الجاذبية. فالاسم أحياناً يصنع نصف الظاهرة.
في الصحافة العربية، نعرف قيمة المصطلح وأثره في تشكيل الوعي. هناك فرق كبير بين أن نصف سلوكاً ما بأنه «مغامرة شبابية» أو بأنه «إساءة استخدام خطرة للدواء». الأول يترك باب التأويل مفتوحاً، والثاني يضع القارئ أمام حقيقة واضحة. ومن هنا تأتي مسؤولية الإعلام، ليس فقط في نقل الخبر، بل في اختيار المفردات التي لا تسهم، من حيث لا تدري، في تلميع السلوك المؤذي أو تحويله إلى موضة لافتة.
ومن المهم التوقف عند أن منصات التواصل لا تنشر الكلمات فحسب، بل تنشر الأطر الذهنية. فإذا تشكلت الفكرة في ذهن المراهق على أنها «تجربة» أو «ترند» أو «حفلة»، يصبح التحذير اللاحق أصعب، لأن الرسالة الوقائية تضطر أولاً إلى هدم هذا الإطار اللغوي قبل أن تبني وعياً بديلاً. لهذا السبب، تبدو المعركة في جزء منها معركة مصطلحات بقدر ما هي معركة صحة عامة.
دور الأسرة والمدرسة والصيدلية: أين يبدأ الرد العملي؟
إذا كانت الظاهرة قد نشأت في الفضاء الرقمي، فإن مواجهتها لا يمكن أن تظل حبيسة البيانات الرسمية وحدها. الرد الحقيقي يبدأ من المساحات الأقرب إلى المراهق: البيت، والمدرسة، والصيدلية، والمحتوى الإعلامي المسؤول. في الأسرة أولاً، لا يكفي أن توضع الأدوية في مكان معروف وأن يُفترض أن الجميع يدرك مخاطرها. ما تحتاجه العائلات هو حديث صريح ومتكرر مع الأبناء حول معنى الدواء، وحدود استخدامه، ولماذا لا يجوز التعامل معه بوصفه وسيلة للترفيه أو التجربة أو إثبات الجرأة.
كثير من الأسر العربية، مثل أسر كثيرة في آسيا، تميل إلى التعامل مع بعض الأدوية اليومية بعفوية مفرطة. حبة للصداع، شراب للزكام، دواء للنوم عند الحاجة، وكل ذلك من دون بناء ثقافة واضحة لدى الأبناء عن الجرعة والغرض والتحذيرات. هنا يقدّم الخبر الكوري درساً بالغ الأهمية: ما دام الدواء قريباً من اليد، فيجب أن يكون الوعي به أقرب من اليد أيضاً.
أما المدرسة، فدورها لا ينبغي أن يقتصر على التوبيخ أو التخويف الأخلاقي. المطلوب هو إدماج «الثقافة الصحية» أو «المعرفة الدوائية الأساسية» ضمن برامج التوعية، بما يشمل كيفية قراءة النشرات الدوائية، وفهم معنى الأعراض الجانبية، والتمييز بين العلاج والإساءة. والأهم أن تُربط هذه الرسائل بالبيئة الرقمية نفسها، لأن المراهق لا يستقبل معرفته اليوم من الكتاب المدرسي وحده، بل من الهاتف أولاً في كثير من الأحيان.
كذلك يمكن للصيدليات أن تكون شريكاً في الوقاية، خصوصاً في ما يتعلق ببيع بعض المنتجات للمراهقين أو بتقديم إرشادات أكثر وضوحاً عند صرف أدوية معروفة بإمكانية إساءة استخدامها. صحيح أن الدواء المتاح من دون وصفة لا ينبغي التعامل معه كأنه مادة ممنوعة، لكن هذا لا يمنع من تشديد الحساسية المهنية تجاه أنماط الشراء أو الاستخدام غير المألوفة.
وفي الإعلام، تقع مسؤولية مضاعفة. فالمطلوب هو التغطية من دون تهويل مجاني، لكن أيضاً من دون تسطيح. أي تقديم المعلومة بوضوح، وشرح السياق، وتجنب كل ما قد يحوّل الظاهرة إلى مادة فضولية مغرية. الصحافة المهنية هنا لا تكتفي بوصف ما يحدث، بل تساعد المجتمع على فهم لماذا يحدث، وكيف يمكن احتواؤه قبل أن يتفاقم.
ماذا يعني هذا الخبر للعالم العربي؟
قد يظن بعض القراء أن ما يجري في كوريا الجنوبية يخص نظاماً اجتماعياً مختلفاً وبيئة شبابية بعيدة، لكن الحقيقة أن عناصر الظاهرة موجودة بدرجات متفاوتة في مجتمعات عديدة، بينها المجتمعات العربية. فلدينا أيضاً انتشار واسع للهواتف الذكية، واعتماد يومي على المنصات، وتنامٍ في تأثير «الترند» على السلوك، ووجود أدوية منزلية متاحة قد يُساء استخدامها بسبب الجهل أو الفضول أو التقليد.
في كثير من البيوت العربية، ثمة خزانة أدوية تُفتح من باب النية الحسنة: لمواجهة طارئ، أو تخفيف عرض عابر، أو مساعدة أحد أفراد الأسرة على النوم أو تجاوز نزلة برد. لكن ما يلفت إليه الخبر الكوري هو أن هذه الخزانة قد لا تبقى مجرد مساحة علاج إذا غاب الحوار والرقابة والمعرفة. فالمشكلة لم تعد فقط في المنتج نفسه، بل في القصة التي تحيط به على الإنترنت، وفي قدرة المنصات على إعادة تعريف الأشياء اليومية بطرق غير متوقعة.
كما أن القضية تذكّرنا بأهمية بناء خطاب عربي معاصر حول الصحة الرقمية، لا يكتفي بتحذيرات عامة من «سوء استخدام الإنترنت»، بل يذهب إلى تفاصيل الحياة اليومية: كيف تؤثر المنصة على قرارات الأكل والنوم والدواء والجسد والصورة الذاتية؟ وكيف نحصّن المراهق لا عبر المنع المجرد، بل عبر الفهم والاحتواء وتقديم بدائل آمنة للانتماء والتعبير والتجربة؟
والأرجح أن قيمة هذا الخبر، بالنسبة إلى القارئ العربي المهتم بالثقافة الكورية، تكمن في أنه يكسر الصورة المسطحة عن المجتمعات الناجحة تقنياً. فالتقدّم لا يلغي الهشاشة الإنسانية، والمنصات التي تصنع الشهرة السريعة لنجوم الموسيقى والدراما يمكنها أيضاً أن تسرّع انتشار سلوكيات ضارة. إنها الازدواجية نفسها التي نراها في كل مكان: التقنية تمنح المعرفة، لكنها تمنح كذلك أدوات جديدة لسوء التقدير والتقليد الخطير.
بين التحذير والتهويل: كيف نقرأ القضية بمسؤولية؟
من السهل في مثل هذه القصص أن يقع النقاش في أحد طرفين متناقضين: إما التقليل من الظاهرة باعتبارها «موضة عابرة» لن تتجاوز حدود الإنترنت، أو تهويلها إلى حد إثارة الذعر والفضول معاً. القراءة المسؤولة تقع في منطقة ثالثة: الاعتراف بأن ثمة خطراً حقيقياً في تمجيد الإفراط في تناول الأدوية، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم إعادة إنتاج الظاهرة إعلامياً بطريقة تمنحها زخماً إضافياً.
ما نعرفه من الخبر الكوري يكفي لإطلاق جرس الإنذار: هناك مراهقون يشاركون تجارب الجرعات المفرطة من أدوية شائعة، وهناك أعراض غير طبيعية تصل إلى الهلوسة يجري تداولها كأنها «حصيلة تجربة»، وهناك جهات صحية بدأت تتحدث عن الأمر بوصفه قضية تستحق المتابعة العامة. وهذه وحدها مؤشرات كافية لكي تتعامل الأسر والمؤسسات التربوية والإعلامية مع الموضوع بجدية.
لكن الجدية لا تعني بث الذعر، بل بناء وعي دقيق: الدواء ليس مادة للعبث، والاعتياد عليه لا يلغي مخاطره، والمنصة ليست حكماً أخلاقياً أو طبياً على ما هو آمن وما هو خطير. وإذا كانت كوريا الجنوبية تعيش اليوم هذا الجدل في ظل مجتمع رقمي متقدم، فإن الرسالة الأوسع تتوجه إلى الجميع: في العصر الرقمي، قد يبدأ الخطر من أكثر الأشياء اعتياداً إذا تغيّرت طريقة النظر إليها.
في النهاية، لا يحتاج القارئ العربي إلى أن يكون قريباً من المجتمع الكوري كي يفهم دلالة القصة. يكفي أن يتأمل المشهد من حوله: مراهقون يبحثون عن الانتباه، منصات تكافئ الصدمة، أدوية منزلية متاحة، وثقافة سريعة تختصر الأمور في وسم وجملة وصورة. عند هذا التقاطع بالتحديد، يصبح الخبر الكوري شأناً إنسانياً أوسع، وتصبح الوقاية مسؤولية مشتركة لا تنتظر وقوع المأساة حتى تبدأ.
0 تعليقات