
من سطوة «البطل المنتصر» إلى إنصاف الإنسان المتعب
في السنوات الماضية، اعتاد جمهور الدراما الكورية، كما جمهور التلفزيون في العالم العربي، على وصفة درامية مألوفة: بطل يمر من المحنة إلى التتويج، مظلوم ينتزع حقه في النهاية، عاشق ينتصر للحب والعمل معاً، أو شخصية تسحق خصومها بموهبة استثنائية وإرادة لا تلين. هذه الصيغة لا تزال حاضرة ومحبوبة، لأنها تمنح المشاهد ما يشبه التعويض الرمزي عن قسوة الواقع، وتقدّم له لحظة نادرة من العدالة الجمالية حين يعجز الواقع عن منحها. لكن المشهد الكوري يبدو اليوم وكأنه يفتح صفحة أخرى، أكثر هدوءاً وأشد قرباً من الأعصاب المرهقة للناس.
في هذا السياق يأتي العمل الكوري الجديد الذي يبث على قناة JTBC تحت عنوان لافت ومباشر: «الجميع يحارب شعوره بانعدام القيمة». العنوان وحده يكفي كي ندرك أننا لسنا أمام دراما انتقام أو نجاح أو صعود اجتماعي تقليدي، بل أمام عمل يضع إصبعاً حساساً على جرح معاصر: ماذا يفعل الإنسان حين لا يخسر فقط في الخارج، بل يبدأ في خسارة صورته عن نفسه من الداخل؟ ماذا يحدث عندما يصبح التعب النفسي، والمقارنة المستمرة، والإحساس بالتأخر عن الآخرين، جزءاً من الروتين اليومي؟
هذا السؤال ليس كورياً محضاً، بل يكاد يكون سؤال جيل كامل في مدن عربية كثيرة أيضاً. من القاهرة إلى الرياض، ومن الدار البيضاء إلى عمّان، يعيش كثيرون تحت ضغط مشابه: سباق مهني لا يهدأ، صور نجاح متلاحقة على الشاشات، ومقارنات لا ترحم بين المسار الشخصي وما يظن المرء أن الآخرين أنجزوه قبله. لذلك تبدو هذه الدراما، وإن انطلقت من سيول، قريبة على نحو مدهش من مزاج عربي معاصر بات أكثر استعداداً للاعتراف بالإرهاق وأقل اقتناعاً بخطاب «فقط اجتهد وستصل».
العمل، بحسب ما كُشف عنه في المؤتمر الصحافي للإنتاج، لا يعد المشاهد بـ«نهاية ساحقة» أو «قلب موازين» على الطريقة الاحتفالية، بل يتتبع شخصية رجل يشعر بأنه تأخر كثيراً عن أقرانه، ويصارع الغيرة والإحباط والإحساس بأنه أقل قيمة من المحيطين به، قبل أن يحاول استعادة شيء من السلام الداخلي. هنا تكمن أهمية المشروع: هو لا يقدّم الضعف بوصفه عيباً أخلاقياً، ولا يصوّر التعثر باعتباره دليلاً على انعدام الكفاءة وحده، بل يتعامل معه كحالة إنسانية تنشأ في مجتمع يبالغ في التقييم والمقارنة والفرز.
في الصحافة الثقافية العربية، لطالما كان السؤال المطروح حول «الموجة الكورية» مرتبطاً غالباً بالنجوم، والأزياء، والفرق الموسيقية، والصورة اللامعة لكوريا الجنوبية كقوة ناعمة صاعدة. لكن هذا العمل يذكّرنا بأن جانباً مهماً من جاذبية الثقافة الكورية اليوم يكمن في قدرتها على التقاط هشاشة الإنسان العادي، لا في تصدير النجاح وحده. وهذا التحول جدير بالتوقف، لأنه يكشف أن الدراما الكورية لم تعد تكتفي بأن تكون صناعة ترفيه متقنة، بل أصبحت أيضاً مرآة دقيقة للقلق الاجتماعي الحديث.
عنوان غير مريح... لكنه شديد الصدق
أن يختار صنّاع مسلسل عنواناً يتصدره تعبير مثل «انعدام القيمة» ليس قراراً تسويقياً مأمون العواقب. عادة ما تلجأ الأعمال التلفزيونية إلى عناوين أكثر سلاسة: الحب، الحنين، المصير، الانتقام، أسماء الشخصيات، أو استعارات شاعرية تخفف وطأة المعنى. أما هنا، فالعمل يقتحم المشاعر المزعجة مباشرة، من دون تجميل. وهذا بحد ذاته تصريح فني وثقافي: لم يعد ممكناً التحايل على اللغة عندما تكون الأزمة بهذا القدر من الاتساع.
هذا النوع من الصراحة له دلالات تتجاوز حدود الدراما. في المجتمع الكوري، كما في كثير من المجتمعات الحديثة، لا يشعر الناس فقط بأنهم يواجهون صعوبات موضوعية في العمل والسكن والعلاقات، بل أيضاً بأنهم موضع تقييم مستمر. قيمة الفرد لا تُقاس بما هو عليه فقط، بل بما حققه مقارنة بغيره، وبالسرعة التي حقق بها ذلك، وبقدرته على تحويل ذاته إلى مشروع ناجح قابل للعرض. هنا يتحول الشعور بالنقص من تجربة عابرة إلى بنية نفسية يومية.
ولأن كثيرين في عالمنا العربي يختبرون شيئاً مشابهاً، فإن هذا العنوان سيلامسهم ربما أكثر مما يظنون. تأملوا فقط طبيعة الخطاب السائد على منصات التواصل: نجاحات متتالية، نصائح عن «إدارة الذات»، ضغوط للاستثمار في الوقت، وصور لأشخاص يبدو أنهم ينجزون كل شيء دفعة واحدة. في مثل هذا المناخ، يصبح الاعتراف بالتعثر أو الحسد أو الغيرة أو الإحساس باللاجدوى أمراً صعباً، كأنه فشل ثانٍ فوق الفشل الأول. من هنا تأتي قوة عمل درامي يسمي هذه المشاعر بأسمائها، ويعطيها شرعية الظهور.
لكن اللافت أن هذا العنوان، رغم ثقله، لا يبدو مصمماً كي يغرق المشاهد في العتمة. الفكرة التي شدد عليها مخرج العمل هي أن الدراما لا تحتفي بالانهزام، بل تسعى إلى تقديم «مواساة دافئة وتعاطف» بدلاً من «حكاية نجاح مبردة» على طريقة المشروبات المنعشة التي تزيل الإحباط في لحظة ثم يتبخر أثرها سريعاً. في الثقافة الشعبية الكورية هناك تعبير شائع عن السرديات المريحة والسريعة الأثر يشبه وصفة «الراحة الفورية»، لكن هذه الدراما تذهب إلى مكان آخر: لا تعدك بحل سحري، بل بمن يفهم ما تمر به.
وهذا الفرق جوهري. المشاهد العربي أيضاً بات أكثر حساسية تجاه الأعمال التي تتعامل مع القلق النفسي بسطحية أو بشعارية. هناك تعطش متزايد إلى قصص لا تلقّن الجمهور درساً، ولا توبّخه على ضعفه، بل تنصت إلى ارتباكه. وربما لهذا السبب تحديداً تحظى بعض الدراما الكورية بأصداء عميقة في المنطقة: لأنها تعرف كيف تنقل الخدوش الصغيرة في الروح، لا عبر الوعظ، بل عبر التفاصيل اليومية التي تشبه حياتنا أكثر مما نتوقع.
فريق إبداعي يراهن على الكثافة العاطفية لا على الصدمة
إذا كان العنوان يلفت الانتباه، فإن أسماء صناع العمل ترفع سقف التوقعات بدرجة أكبر. المسلسل يجمع بين المخرج تشا يونغ هون، المعروف بقدرته على بناء عوالم درامية حميمية، والكاتبة بارك هاي يونغ، وهي من أبرز الأصوات الكتابية في الدراما الكورية المعاصرة حين يتعلق الأمر بترجمة الصمت والجرح والفراغ الداخلي إلى لغة قابلة للمشاهدة. هذه الشراكة لا تبدو مجرد جمع اسمين لغايات دعائية، بل أشبه بتحالف فني بين حسّين متقاربين: الأول بارع في التقاط نبض الشخصيات من دون إدانة، والثاني ماهر في كتابة ما يعجز الناس عن قوله صراحة.
من يعرف أعمال بارك هاي يونغ يدرك أنها لا تميل إلى الجمل الرنانة بقدر ما تبرع في بناء حوارات متعثرة، مترددة، ناقصة أحياناً، لكنها تلامس الحقيقة. شخصياتها لا تخطب كثيراً، بل تتنفس داخل صمتها، تتعثر في الكلمات، وتترك للمشاهد أن يلتقط ما بين السطور. هذه مدرسة كتابة مختلفة عن الدراما التي تقوم على الحدث الصاخب أو المفاجأة المتتالية. إنها كتابة تثق بأن الجرح اليومي البسيط قد يكون أبلغ من أي كارثة كبرى، وأن المشاهد لا يحتاج دائماً إلى من يصرخ أمامه كي يشعر.
أما تشا يونغ هون، فتميّزت أعماله السابقة بقدرتها على ملامسة العاطفة من دون ابتزازها. عدسته لا تتعامل مع الشخصيات باعتبارها «أنماطاً» جاهزة: شرير مطلق، ضحية مطلقة، أو بطل لا تشوبه الهشاشة. بل تمنح كل شخصية مساحة لتبدو مفهومة حتى في لحظات ضعفها. وهذه نقطة أساسية في مسلسل موضوعه الغيرة والنقص والشعور بالهامشية؛ إذ يمكن بسهولة أن تنقلب مثل هذه المواد إلى خطاب أخلاقي يعاقب الشخصية على مشاعرها القاتمة. لكن ما يوحي به هذا التعاون الإبداعي هو العكس تماماً: محاولة فهم هذه المشاعر قبل الحكم عليها.
في سوق درامي تشتد فيه المنافسة مع منصات البث الرقمي، باتت الأعمال الكورية تواجه معضلة حقيقية: كيف تجذب المشاهد وسط سيل من الأعمال القائمة على الإثارة والجرائم والفانتازيا والانعطافات السريعة؟ أحد الأجوبة الممكنة هو الرهان على ما يمكن تسميته «كثافة الشعور». أي أن القوة لا تأتي من تعاقب المفاجآت، بل من تراكم الإحساس، ومن قدرة العمل على أن يترك أثراً هادئاً لكنه عميق. وهذا بالضبط ما يبدو أن المسلسل الجديد يطمح إليه.
من زاوية عربية، يمكن مقارنة هذا الرهان ببعض الأعمال التي بقيت حاضرة في الذاكرة لا لأنها كانت الأعلى صخباً، بل لأنها مست شيئاً شخصياً لدى الجمهور. في دراما عربية قديمة وحديثة، كثيراً ما بقيت بعض الشخصيات معنا لأنها بدت كأنها تعرف خيباتنا الصغيرة. وهذا ما تراهن عليه الدراما الكورية هنا: أن الانكسارات البسيطة، حين تُكتب جيداً وتُصوَّر باحترام، يمكن أن تتحول إلى مادة جامعة وعابرة للحدود.
بطل لا يسعى إلى الثأر... بل إلى استعادة سلامه الداخلي
يقف في مركز الحكاية شخصية هوانغ دونغ مان، الرجل الذي أمضى عشرين عاماً وهو يستعد ليدشن مسيرته كمخرج سينمائي، من دون أن يصل فعلياً إلى تلك اللحظة الحاسمة. هذه الفكرة وحدها مؤلمة بما يكفي. فالمسألة هنا ليست مجرد «فشل مهني»، بل حياة كاملة معلقة بين الأمل والتأجيل. أن تظل تقول إنك «تستعد» لشيء ما لعقدين، يعني أنك لم تستسلم، لكنه يعني أيضاً أنك لم تعبر الخط الذي يمنحك اعترافاً واضحاً. إنك تعيش في مساحة بينية قاسية: لا أنت ناجح بما يكفي لكي ترتاح، ولا أنت منسحب بما يكفي لكي تبدأ حياة أخرى.
هذه الحالة معروفة جيداً في بيئات عربية كثيرة، خاصة بين العاملين في المهن الإبداعية أو أولئك الذين يطاردون حلماً طويلاً في السينما والكتابة والموسيقى والفنون. كم من شاب عربي يمكنه أن يرى نفسه في شخصية تؤجل لحظة الاعتراف عاماً بعد عام، بينما يحقق الآخرون إنجازاتهم، يتزوجون، يستقرون، أو يحصدون مكانتهم؟ هنا لا يعود السؤال: هل أنت موهوب أم لا؟ بل يصبح: كيف تعيش وأنت ترى الزمن يمضي من حولك، بينما مشروعك الشخصي لا يزال «قيد التحضير»؟
ومن هنا نفهم لماذا لا تكتفي الدراما بجعل الشخصية حزينة أو محبطة، بل تدخل مباشرة إلى منطقة الغيرة والضيق من نجاح الآخرين. هذه منطقة نادراً ما تُقدَّم بصدق في التلفزيون، لأن الأعمال تميل إما إلى تجميل البطل وجعله نبيلاً على الدوام، أو إلى شيطنة من يشعر بالغيرة وكأنه شخص فاسد بالكامل. أما الواقع فشيء آخر: البشر، حين يتأخرون أو يخذلهم الحظ أو تنهكهم المقارنات، يختبرون مشاعر معقدة لا تجعلهم أشراراً بالضرورة، بل بشراً تحت الضغط.
الأهم أن المسلسل لا يجعل هدف بطله «سحق الجميع» أو «إثبات أنه الأفضل»، بل العثور من جديد على سلامه الداخلي. وهذه نقلة لافتة في طبيعة البطولة نفسها. لم يعد الانتصار الوحيد هو الفوز الخارجي، بل قد يكون الانتصار الحقيقي هو أن تتصالح مع نفسك، أن تتوقف عن قياس قيمتك بحياة الآخرين، وأن تجد صيغة للعيش لا تحوّل كل يوم إلى امتحان كرامة. هذه الفكرة قد تبدو بسيطة، لكنها في المناخ الراهن تكاد تكون راديكالية.
في عالم عربي يزداد فيه الحديث عن الصحة النفسية، وعن الإرهاق المهني، وعن القلق الذي يصيب الشباب في بداياتهم ومراحلهم الانتقالية، قد يجد كثيرون في هذه الشخصية أكثر من مجرد بطل مسلسل. قد يرون فيها تجسيداً لسؤالهم الشخصي: كيف ننجو من أنفسنا حين نصير أشرس نقاد ذواتنا؟ وكيف نكمل الطريق حين يصبح الفشل، أو ما نظنه فشلاً، جزءاً من هويتنا؟
كو كيو هوان: اختيار تمثيلي يخدم الفكرة بذكاء
اختيار الممثل كو كيو هوان لأداء الدور يبدو من أكثر عناصر المشروع ذكاءً. هذا الممثل راكم في السنوات الأخيرة حضوراً لافتاً في السينما والدراما الكوريتين، وصنع لنفسه مساحة خاصة لا تشبه نجومية الوسامة التقليدية بقدر ما تعتمد على فرادة الإيقاع والملامح والقدرة على تجسيد الشخصيات المراوغة والهشة والمستفزة في آن واحد. لديه تلك الطاقة التي تجعلك غير قادر على توقعه تماماً، وتلك ميزة ثمينة جداً حين يتعلق الأمر بشخصية تعيش تناقضات نفسية معقدة.
الأهم من ذلك أن كو كيو هوان لا يحمل على الشاشة صورة «البطل المطمئن». هو ممثل يستطيع أن يبدو حاداً ومنكسراً، ساخراً وموجوعاً، متكبراً ومهدداً من الداخل في الوقت نفسه. وهذه الازدواجية ضرورية لشخصية رجل يصارع شعوره بانعدام القيمة، لكنه لا يفقد تماماً ما تبقى من اعتزازه بنفسه. فالمطلوب هنا ليس ممثلاً يجسد مهزوماً صافياً، بل شخصاً يبدو كأنه يقاوم الاستسلام حتى وهو مغمور بالإحباط.
هناك أيضاً مفارقة ذكية في هذا الاختيار: الجمهور يعرف أن كو كيو هوان ممثل ناجح ومرغوب، أي أنه في الواقع يقف على الضفة الأخرى من شخصية هوانغ دونغ مان المتعثرة. لكن هذه المسافة بين صورة الممثل العامة وصورته داخل الدراما قد تخدم الرسالة بدلاً من أن تضعفها. إذ تذكّر المشاهد بأن الشعور بالنقص لا يخص فقط من فشلوا اجتماعياً في الظاهر، بل قد يزحف أيضاً إلى من تبدو حياتهم ناجحة ومكتملة. في زمن الصورة، لا أحد محصناً تماماً من المقارنة والقلق.
هذا المعنى شديد الأهمية عربياً أيضاً، لأن جمهور المنطقة بات أكثر وعياً بالخدعة البصرية للنجاح. كثير من الوجوه اللامعة على المنصات تبدو مطمئنة من الخارج، لكن الخطاب العام أصبح يعترف أكثر بأن القلق والاكتئاب والارتباك لا تُلغى بمجرد الاعتراف أو الشهرة أو الإنجاز. من هنا، فإن ممثلاً يحمل هذه الهالة من النجاح، ثم يؤدي دور رجل ينهشه الشعور بالدونية، يرسل رسالة ضمنية واضحة: المعركة داخلية قبل كل شيء.
إذا نجح كو كيو هوان في ترجمة هذا التوتر إلى أداء مقنع، فإننا قد نكون أمام واحد من أدواره الأهم، لا لأنه صاخب أو استعراضي، بل لأنه يتطلب درجة عالية من الاقتصاد والانتباه للتفاصيل. فالشخصيات المكسورة من الداخل لا تُبنى بالصراخ وحده، بل بنظرة متأخرة، وابتسامة لا تكتمل، وصمت يقول أكثر من عشر جمل مكتوبة.
لماذا الآن تحديداً؟ قراءة في المزاج الكوري والعالمي
السؤال الذي يطرحه عنوان العمل نفسه، «لماذا الآن؟»، لا يتعلق بالجدول البرامجي وحسب، بل باللحظة الاجتماعية التي تسمح لمثل هذا النص بأن يتقدم إلى الواجهة. في كوريا الجنوبية، كما تشير تقارير ودراسات عديدة، ثمة تصاعد في الإحساس بالإجهاد المرتبط بالمنافسة، خصوصاً بين الشباب والعاملين في البيئات الحضرية المزدحمة. المجتمع شديد السرعة، والتعليم والعمل والترقي الاجتماعي جميعها تخضع لمعايير حادة. ومع تراكم الأزمات الاقتصادية العالمية وتبدّل سوق العمل وارتفاع توقعات الإنجاز، أصبح من الصعب على السرديات القديمة أن تظل مقنعة وحدها.
ولذلك تبدو الدراما التي تمنح الأولوية لـ«التعافي» بدلاً من «الغلبة» جزءاً من تحول أوسع في الحساسية الثقافية. الجمهور لم يعد يبحث فقط عن بطل ينتصر نيابة عنه، بل عن عمل يشرح له نفسه. يريد لغة تصف خيبته من دون أن تفضحه، وتحتضن ضعفه من دون أن تحوله إلى شعار استهلاكي. وهذه نقطة بالغة الذكاء في الدراما الكورية الجديدة: أنها أدركت أن المشاهد المرهق قد لا يحتاج مزيداً من التحفيز، بل يحتاج من يخفف عنه وطأة المقارنة.
في العالم العربي، قد تبدو هذه القراءة مألوفة أيضاً. كثير من الشباب العربي يعيش اليوم بين خطابين متناقضين: خطاب يحثه على الإنجاز بلا توقف، وخطاب واقع اقتصادي واجتماعي يضع أمامه عقبات قاسية. وبين الاثنين، يتولد شعور عارم بالذنب الشخصي، كأن كل تأخر أو تعثر هو فشل فردي بحت. هنا تكتسب الأعمال التي تعيد تأطير الألم النفسي باعتباره نتاجاً لبنى اجتماعية وثقافات تنافسية، لا مجرد خلل شخصي، أهمية مضاعفة.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المسلسل الكوري الجديد لا يعكس مزاج كوريا وحدها، بل مزاج مرحلة عالمية كاملة. مرحلة تراجعت فيها الثقة بالسرديات المبسطة عن النجاح، وارتفع فيها الطلب على القصص التي تعترف بالهشاشة البشرية. ولعل هذا ما يفسر الصدى العالمي المتزايد لأعمال كورية تتناول الوحدة والإرهاق والفراغ والبحث عن معنى، بعيداً من اللمعان الاستعراضي الذي يرتبط عادة بصورة «الهاليو»، أي الموجة الكورية.
الهاليو، لمن لا يتابع المصطلح، هو الاسم الذي يطلق على الانتشار العالمي للثقافة الكورية الشعبية، من الدراما إلى الموسيقى والموضة والطعام. لكن ما يثبّت هذه الموجة ليس البريق وحده، بل عمق الموضوعات التي تعالجها. وحين تختار الدراما الكورية أن تتحدث بهذه الصراحة عن الشعور بانعدام القيمة، فهي تقول عملياً إن الترفيه لم يعد منفصلاً عن وظيفة أخرى: تسمية ما يعجز الناس عن قوله لأنفسهم.
ما الذي قد يجده المشاهد العربي في هذه الحكاية؟
ليس سراً أن جمهور الدراما الكورية في المنطقة العربية لم يعد جمهوراً هامشياً أو نخبياً. لقد تشكل على مدى سنوات جمهور واسع ومتنوع، يضم المراهقين والشباب والمهنيين وحتى أجيالاً أكبر سناً، وصار أكثر قدرة على التقاط الفروق بين الأنماط الكورية المختلفة: من الرومانسية الخفيفة إلى الجريمة والتاريخ والفانتازيا والأعمال الإنسانية الهادئة. ومن المرجح أن يجد هذا الجمهور في المسلسل الجديد مادة تلامس أسئلة شخصية لا مجرد فضول ثقافي.
أول ما سيجذب المشاهد العربي هنا هو الصدق العاطفي. فالحكاية لا تتعامل مع الإخفاق على أنه حادثة عابرة تُحل في الحلقة الأخيرة، بل كحالة معيشة. هذا قريب جداً من مزاج المنطقة في لحظتها الراهنة، حيث بات كثيرون أكثر صراحة في الحديث عن التعثر المهني، وفجوة التوقعات، والإرهاق من محاولة الظهور دائماً بمظهر القادر والمسيطر. ولعل ما يميز الدراما الكورية في مثل هذه الموضوعات هو أنها تعرف كيف تحوّل الهم الثقيل إلى دراما إنسانية قابلة للتلقي، لا إلى خطاب ثقافي ثقيل الظل.
ثاني ما سيهم القارئ والمشاهد العربي هو فهم بعض الشيفرات الاجتماعية الكورية داخل الحكاية. فالمقارنة المستمرة بين الأقران، والحساسية المبالغ فيها تجاه «النجاح في الوقت المناسب»، والضغط المحيط بالمهنة والاعتراف، كلها عناصر متجذرة في الحياة الكورية المعاصرة. لكنها ليست غريبة بالكامل علينا. قد تختلف الدرجة والأساليب، غير أن جوهر الشعور مفهوم للغاية: أن ترى من كانوا حولك وقد مضوا إلى الأمام، فيما لا تزال أنت تفاوض الحياة على فرصة متأخرة.
ثالثاً، ثمة بعد ثقافي يستحق التأمل: الدراما الكورية، بخلاف بعض الأعمال الغربية التي تميل إلى الفردانية الصارمة، لا تزال غالباً تربط التعافي بالروابط الإنسانية، ولو كانت هشة أو ناقصة. أي أن النجاة لا تأتي فقط من «إصلاح الذات» بالمعنى التنموي، بل من أن يجد الإنسان من يصغي إليه أو يراه أو يعترف بألمه. وهذه قيمة يفهمها المشاهد العربي جيداً، لأن مجتمعاتنا، رغم تحولات الحداثة، لا تزال تمنح للعلاقة وللأسرة وللصحبة وزناً خاصاً في مواجهة المحن.
أخيراً، قد تكون قيمة العمل الحقيقية أنه يوسّع معنى البطولة في عين الجمهور. لم يعد البطل هو فقط من يربح المعركة أمام الجميع، بل قد يكون من ينجح في النجاة من حربه الداخلية، أو من يتعلم أن يخفف القسوة التي يسلطها على نفسه. هذه ليست رسالة رومانسية أو وعظية، بل قراءة ناضجة لعصر يتعب فيه الناس من محاولة إثبات جدارتهم كل يوم.
دراما المواساة ليست موضة عابرة بل علامة على زمن جديد
إذا صحّ الرهان الذي يضعه هذا العمل أمام المشاهدين، فنحن لا نقف أمام مسلسل عابر يضيف عنواناً جديداً إلى قائمة الإنتاجات الكورية الناجحة فحسب، بل أمام إشارة واضحة إلى اتجاه أعمق في صناعة الدراما. الاتجاه يقول إن الجمهور لم يعد يكتفي بما يسمى «الرضا البديل» الذي تمنحه قصص الصعود السريع، بل يريد أيضاً اعترافاً بخساراته الصغيرة، وبقلقه الذي لا يجد اسماً، وبالإجهاد الذي يتراكم من فرط المقارنة والركض.
هذا لا يعني نهاية حكايات النجاح أو الانتقام أو الأبطال الكبار؛ فهذه الأنواع ستبقى جزءاً أصيلاً من الترفيه التلفزيوني. لكن ما يتغير هو مركز الثقل العاطفي. فبدلاً من أن يكون السؤال الوحيد: من سيفوز في النهاية؟ صار سؤال آخر يفرض نفسه: من سيجد طريقة كي يواصل حياته من دون أن ينهار من الداخل؟ هذا التحول قد يبدو بسيطاً على الورق، لكنه يعكس تغيراً حقيقياً في وعي الجمهور وفي تعريفه لما يحتاجه من الفن.
في هذا المعنى، تقدم الدراما الكورية الجديدة درساً مهماً لقطاعات واسعة من الإنتاج التلفزيوني حول العالم، بما في ذلك العالم العربي. ليس المطلوب دائماً مراكمة الأحداث الصاخبة، ولا تصنيع شخصيات خارقة، ولا مطاردة الترند بأي ثمن. أحياناً يكفي أن تنصت جيداً إلى المزاج الاجتماعي، إلى التعب الذي لا يُقال، وإلى المشاعر التي يخجل الناس من الاعتراف بها، ثم تبني منها قصة تُشبههم. وعندما يحدث ذلك بصدق وذكاء، تصبح الدراما أكثر من ترفيه: تصبح شكلاً من أشكال المرافقة الإنسانية.
المسلسل الذي يجرؤ على وضع «انعدام القيمة» في عنوانه لا يفعل ذلك لكي يصدم فقط، بل لكي يفتح باباً للمشاهدة من موقع مختلف. لا يعد الجمهور بأن العالم سيصبح عادلاً بين ليلة وضحاها، ولا بأن الموهبة وحدها تكفي دائماً، ولا بأن الجرح سيختفي في مشهد أخير موسيقي. لكنه يقدم احتمالاً أكثر تواضعاً وأكثر إنسانية: أن الاعتراف بالألم خطوة أولى، وأن استعادة السلام الداخلي قد تكون بطولة كافية في زمن مرهق.
لهذا، فإن أهمية هذا العمل بالنسبة إلى المتابع العربي لا تنحصر في كونه إصداراً جديداً من كوريا الجنوبية أو لقاءً منتظراً بين صناع بارزين، بل في كونه يعكس لغة عاطفية باتت مفهومة على نحو كوني. لغة تقول إن الإنسان ليس آلة إنتاج، وإن القيمة لا تُختزل في السباق، وإن من حق المتأخرين والمتعبين والمرتبكين أن يروا أنفسهم على الشاشة من دون سخرية أو إدانة. وفي زمن يبدو فيه الجميع مطالبين بأن يبدوا أقوياء باستمرار، ربما تكون هذه هي المواساة الأكثر إلحاحاً.
0 تعليقات