광고환영

광고문의환영

حين تصبح المهنة درعًا ضد الوصمة: كيف تكشف إعادة تشكيل المسار المهني عن الوجه الخفي للتمييز في كوريا الجنوبية؟

حين تصبح المهنة درعًا ضد الوصمة: كيف تكشف إعادة تشكيل المسار المهني عن الوجه الخفي للتمييز في كوريا الجنوبية؟

ما وراء الخبر: المهنة ليست دائمًا اختيارًا حرًا

في النقاشات العامة حول الهجرة والعمل، يُفترض غالبًا أن الناس يختارون وظائفهم وفقًا لمهاراتهم أو طموحاتهم أو الفرص المتاحة أمامهم. لكن صورة أكثر تعقيدًا تظهر حين يصبح اختيار المهنة نفسه وسيلة دفاع، لا مجرد طريق للترقي أو كسب الرزق. هذا بالضبط ما يلفت الانتباه في تقرير بحثي كوري حديث صدر عن معهد أبحاث سياسات الهجرة في كوريا الجنوبية، والذي خلص إلى أن بعض أبناء الجاليات ذات الأصول الكورية القادمة من الصين، وكذلك بعض الكوريين ذوي الجذور السوفياتية السابقة المعروفين باسم «كوريو-سارام»، يعيدون تشكيل مساراتهم المهنية بطريقة دفاعية هدفها الأساسي تجنب التمييز الاجتماعي والمهني.

التقرير، الذي استند إلى مقابلات معمقة مع 25 شخصًا من العاملين اقتصاديًا بعد هجرتهم إلى كوريا الجنوبية في سن الرشد، يسلط الضوء على ظاهرة تبدو في ظاهرها فردية، لكنها في جوهرها بنيوية. فالمسألة ليست ببساطة أن شخصًا ما قرر افتتاح مطعم أو الحصول على شهادة في الرعاية أو اللحام، بل إن السؤال الحقيقي هو: ما نوع العمل الذي يقلل فرص الإقصاء؟ ما المجال الذي يخفف من نظرات الشك؟ وما الوظيفة التي تجعل صاحبها أقل عرضة لأن يُقيّم على أساس أصله ولهجته وسيرته، لا على أساس كفاءته؟

هذه الفكرة ليست بعيدة عن القارئ العربي. ففي مجتمعاتنا أيضًا نعرف كيف يمكن للاسم أو اللهجة أو المنطقة أو الجنسية أن تتحول، في بعض البيئات، إلى عامل خفي في التوظيف والترقي والثقة الاجتماعية. وكما يعرف كثيرون في العالم العربي أن بعض المهن توصف بأنها «أضمن» أو «أقل احتكاكًا بالأحكام المسبقة»، تكشف الحالة الكورية أن الاقتصاد الحديث، مهما بدا منظمًا، لا يعمل دائمًا بمنطق الجدارة وحدها. هناك دائمًا طبقات من التصورات المسبقة، بعضها معلن وبعضها الآخر صامت، لكنها فعّالة إلى حد يغيّر حياة الناس وقراراتهم المصيرية.

ومن هنا تكتسب هذه القصة أهمية تتجاوز كوريا الجنوبية. فهي لا تتحدث فقط عن أوضاع فئة مهاجرة أو عن سوق عمل يواجه مشكلات اندماج، بل تفتح بابًا أوسع على سؤال العدالة الاجتماعية في المجتمعات التي تحتاج إلى العمالة الوافدة أو العائدة، ثم تفشل في منحها اعترافًا كاملًا بإنسانيتها وخبرتها وحقها في المنافسة المتكافئة.

من هم الصينيون الكوريون و«كوريو-سارام»؟ شرح ضروري للقارئ العربي

لفهم أبعاد التقرير، يحتاج القارئ العربي إلى معرفة من هي هذه الفئات التي يتناولها البحث. «الصينيون الكوريون» أو «تشوسونجوك» هم أشخاص من أصول كورية استقرت عائلاتهم منذ أجيال في الصين، خصوصًا في المناطق الشمالية الشرقية المحاذية لشبه الجزيرة الكورية. ورغم أن كثيرين منهم يتحدثون الكورية بدرجات متفاوتة، فإنهم حين ينتقلون إلى كوريا الجنوبية لا يُستقبلون دائمًا بوصفهم «عائدين إلى الوطن» بالمعنى الكامل، بل كثيرًا ما يُنظر إليهم كغرباء قريبين، أو كأشخاص يشبهون المجتمع لكنهم ليسوا جزءًا منه تمامًا.

أما «كوريو-سارام» فهم أحفاد الكوريين الذين هاجروا في مراحل تاريخية سابقة إلى مناطق الاتحاد السوفياتي السابق، مثل أوزبكستان وكازاخستان وروسيا. هؤلاء أيضًا يرتبطون بجذور كورية، لكن رحلتهم التاريخية الطويلة خارج شبه الجزيرة أنتجت هويات لغوية وثقافية مركبة، بحيث يصل بعضهم إلى كوريا الجنوبية وهم يحملون تاريخًا عائليًا كوريًا، لكنهم لا يملكون دائمًا أدوات الاندماج السلس في المجتمع المحلي.

في السياق العربي، يمكن تشبيه هذا التعقيد جزئيًا بحالات أبناء الجاليات العربية في المهجر حين يعودون إلى بلدان أصولهم. فهم قد يحملون اللغة أو الاسم أو الذاكرة العائلية، لكن المجتمع المحلي قد يعاملهم بوصفهم «ليسوا من هنا بالكامل». إنهم قريبون بما يكفي لإثارة التوقعات، وبعيدون بما يكفي ليتعرضوا للارتياب أو المحاسبة المضاعفة. هذا النوع من «القرب المربك» يخلق، في أحيان كثيرة، أشكالًا من التمييز أكثر خفاءً من التمييز التقليدي الصريح.

ولهذا فإن أهمية التقرير لا تنبع فقط من كونه يوثق مسارات مهنية، بل لأنه يلفت النظر إلى مفارقة أساسية: أحيانًا لا يحميك التشابه الثقافي أو اللغوي من التمييز، بل قد يجعل المجتمع يتوقع منك الاندماج السريع، ثم يعاقبك إذا لم تتحقق تلك التوقعات بالصورة التي يتخيلها.

لماذا اختار كثيرون المطاعم والشهادات المهنية؟

أحد أبرز ما كشفه التقرير أن فئة من المشاركين اتجهت نحو مسارين رئيسيين: أولهما إنشاء مشاريع صغيرة، وخصوصًا في مجال الطعام والمطاعم، وثانيهما الحصول على مؤهلات مهنية واضحة مثل شهادة مقدم رعاية أو عامل لحام. وهذان المساران ليسا اعتباطيين، بل يعكسان منطقًا دفاعيًا شديد الواقعية.

في قطاع المطاعم، تبدو الطريق أوضح وأكثر قابلية للتوقع. المعلومات تتداول بسرعة داخل شبكات الجالية: أين يمكن فتح متجر؟ ما نوع الزبائن الموجودين في هذا الحي؟ كم تبلغ التكاليف الأولية؟ من أين تُشترى المواد؟ وما التجارب الناجحة أو الفاشلة التي يمكن التعلم منها؟ في البيئات التي يشعر فيها العامل بأن دخوله إلى سوق الوظائف النظامية محفوف بأحكام مسبقة، قد تبدو التجارة الصغيرة أقل مثالية من الناحية الاقتصادية، لكنها أكثر أمانًا من الناحية الكرامية والنفسية. صاحب المشروع، ولو كان معرضًا لخسائر السوق، يملك على الأقل قدرة أكبر على التحكم في شروط عمله وعلى تقليل تعرضه المباشر لتمييز صاحب العمل أو زملائه.

هذا المنطق مفهوم جدًا عربيًا. فكم من شخص في مدننا اختار العمل الحر لا لأنه الأسهل، بل لأنه يجنّبه إذلال المقابلات الوظيفية، أو النظرة الدونية، أو سقفًا زجاجيًا لا يُقال بصراحة لكنه محسوس في كل تفصيل؟ من هذه الزاوية، لا تصبح ريادة الأعمال قصة ملهمة على طريقة الكتب التحفيزية، بل حلًا اضطراريًا حين تضيق أبواب الاعتراف الرسمي.

أما الاتجاه نحو الشهادات المهنية، فيحمل دلالة لا تقل أهمية. فالمهن التي تقوم على معيار واضح ومثبت، مثل الرعاية أو اللحام، تمنح صاحبها «دليلًا» يمكن تقديمه أمام المجتمع وسوق العمل. الشهادة هنا ليست مجرد ورقة؛ إنها ما يشبه الحجة الاجتماعية: هذا الشخص لا يطلب القبول على أساس التعاطف، بل يحمل مؤهلًا محددًا، ومهارة قابلة للقياس، ودورًا معروفًا. كلما كان معيار الأداء أوضح، تراجعت نسبيًا مساحة التحيز القائم على الخلفية أو الصورة النمطية.

بمعنى آخر، حين يشعر الفرد أن سيرته الذاتية قابلة للتأويل السلبي بسبب الأصل أو اللهجة أو فجوات المسار السابق، يصبح اللجوء إلى شهادة مهنية معترف بها شكلًا من أشكال الحماية. إنها محاولة لنقل النقاش من «من أنت؟» إلى «ماذا تستطيع أن تفعل؟». وهذه نقلة تكشف، في حد ذاتها، خللًا أعمق في المجتمع الذي يضطر بعض أفراده إلى تسليح أنفسهم بالاعتمادات الرسمية كي يحصلوا على حد أدنى من المعاملة المنصفة.

اللغة ليست كل شيء: حين يبقى الجدار قائمًا بعد التفاهم

من أكثر النقاط لفتًا في نتائج الدراسة أن عددًا من أبناء الجالية الكورية القادمة من الصين كانوا قادرين أصلًا على التواصل اليومي بالكورية بدرجة جيدة نسبيًا. وهذا يعني أن التفسير السهل، الذي يختزل تعثر الاندماج في «عائق اللغة»، لا يكفي لفهم الواقع. نعم، اللغة مهمة، لكنها ليست دائمًا المفتاح السحري الذي يفتح كل الأبواب.

في كثير من النقاشات الرسمية، سواء في كوريا الجنوبية أو في بلدان أخرى، يجري التعامل مع تعلم اللغة كأنه الوصفة الكاملة للاندماج. فإذا تعلم القادم الجديد لغة البلد، يفترض البعض أن بقية العقبات ستتلاشى تلقائيًا. غير أن ما يظهر من هذا البحث أن هناك حواجز أخرى أكثر رسوخًا: الثقة، والصورة النمطية، والتصنيف الاجتماعي، والانطباعات المسبقة عن جنسية معينة أو منطقة سكن معينة أو نمط عمل معين.

هذا أيضًا ملموس في العالم العربي. فكم مرة نسمع عن أشخاص يتقنون لهجة البلد أو يعرفون عادات المجتمع، ومع ذلك يظلون في نظر البعض «غرباء»؟ اللغة قد تزيل المسافة السمعية، لكنها لا تضمن إزالة المسافة الذهنية. وقد يحدث العكس أحيانًا: كلما بدا الشخص قريبًا في لغته وشكله، ارتفع سقف التوقعات منه، فإذا تعثر في نقطة ما أو بدا مختلفًا في تفصيل صغير، جرى الحكم عليه بقسوة أكبر.

في الحالة الكورية، يشير ذلك إلى مشكلة تتجاوز برامج تعليم اللغة. فإذا كان أشخاص يملكون قدرة تواصل جيدة ما زالوا يعيدون هندسة حياتهم المهنية تفاديًا للتمييز، فهذا يعني أن السياسات العامة تحتاج إلى الانتقال من سؤال «هل يتحدثون الكورية جيدًا؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «هل توجد مسارات عادلة تتيح لهم الحصول على الاعتراف الاجتماعي والمهني؟». بين السؤالين فارق كبير. الأول تقني وإجرائي، أما الثاني فيتعلق ببنية المجتمع وتوزيع الثقة والفرص داخله.

شبكات الجالية: طوق نجاة أم جدار غير مرئي؟

التقرير يبين أيضًا أن شبكات العلاقات داخل الجاليات لعبت دورًا محوريًا في توجيه التحولات المهنية. ففي مناطق التركز السكاني، حيث يعيش عدد كبير من أبناء الخلفية نفسها، تتشكل شبكات غير رسمية لنقل المعلومات: أي الشهادات أسرع نفعًا؟ أي القطاعات أقل حساسية تجاه الأصل؟ من أين تبدأ؟ من الذي يمكن أن يشرح لك الإجراءات؟ وفي أوقات القلق أو عدم اليقين، تصبح هذه الشبكات بمثابة المدرسة الأولى وسوق المعلومات الأولى وأحيانًا جهة الحماية الأولى.

لا يمكن التقليل من قيمة هذا الدور. فالقادم الجديد، أو حتى من مضى على وجوده سنوات لكنه ما زال يشعر بأن المؤسسات الرسمية بعيدة أو معقدة، غالبًا ما يلجأ لمن يشبهونه تجربةً ولسانًا وخبرة. داخل الجالية توجد الثقة التي قد تغيب في المكاتب البيروقراطية. وتوجد النصيحة العملية التي لا توفرها الكتيبات الرسمية. وهنا تظهر قوة المجتمع الأهلي غير الرسمي بوصفه أداة بقاء حقيقية.

لكن الوجه الآخر أقل راحة. فحين تصبح الشبكة الداخلية هي الطريق الأكثر أمانًا، قد تتحول أيضًا إلى حدود غير مرئية تحاصر الأفق. بعبارة أخرى، ما يحميك من السقوط قد يمنعك أيضًا من التقدم خارج الدائرة المألوفة. إذا كانت الفرص تصل غالبًا عبر أبناء الجالية، وإذا كانت المعلومات الموثوق بها هي تلك التي تتداولها الشبكة الداخلية فقط، فقد ينتهي الأمر بتكريس نوع من الفصل الناعم: تعيش وتعمل وتتحرك داخل دائرة آمنة، لكنك لا تعبر بسهولة إلى السوق الأوسع أو إلى المؤسسات العامة أو إلى مسارات مهنية أعلى.

وهنا يطرح التقرير مسألة شديدة الحساسية: حين تعتمد الجاليات على نفسها في امتصاص آثار التمييز، قد يظن المجتمع الأكبر أن المشكلة حُلّت. لكنه في الواقع يكون قد نقل عبء الاندماج من الدولة والمؤسسات إلى الأفراد وشبكاتهم الخاصة. أي أن المجتمع يستفيد من قدرة هذه الشبكات على التكيّف، بدل أن يسأل نفسه لماذا اضطر الناس أصلًا إلى الاحتماء بها بهذا الشكل المكثف.

وفي السياق العربي، هذه الفكرة ليست غريبة. نعرف جيدًا كيف تؤدي شبكات العائلة أو أبناء المنطقة أو أبناء البلد دورًا بالغ الأهمية في إيجاد العمل والسكن وتجاوز التعقيدات. لكنها قد تعيد أيضًا إنتاج الفرز الاجتماعي، بحيث يبقى الفرد أسير «مجاله المضمون» حتى لو امتلك قدرات تؤهله لأكثر من ذلك بكثير.

حين تفشل سياسات «التأقلم» في رؤية مشكلة «الانتقال»

أحد أهم الاستنتاجات التي يمكن قراءتها في ضوء هذا البحث أن السياسات العامة كثيرًا ما تنشغل بمرحلة الوصول الأولى: الإقامة، والأوراق، واللغة الأساسية، والإرشاد الإداري، وبعض التسهيلات الأولية. هذه كلها مهمة بلا شك، لكنها لا تعالج تلقائيًا ما يأتي بعد ذلك: ماذا يحدث عندما يبدأ الشخص فعلًا في بناء حياته؟ كيف ينتقل من عمل أولي إلى مسار مهني مستقر؟ كيف تُعترف خبراته السابقة؟ وكيف يُمنح فرصة حقيقية للنمو بدل أن يبقى محصورًا في وظائف النجاة فقط؟

التقرير يلمح بوضوح إلى أن ما فات السياسات ليس «التأقلم» وحده بل «التحول». أي القدرة على الانتقال من مجرد البقاء إلى بناء مهنة، ومن وظيفة اضطرارية إلى مسار قابل للتطور. هذه نقطة جوهرية، لأنها تفرق بين مجتمع يستقبل الناس للعمل فقط، ومجتمع يفسح لهم مكانًا فعليًا في بنيته الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، تبدو التوصيات المتعلقة بتطوير برامج انتقال مهني وربط الخبرات السابقة بسوق العمل الكوري منطقية ومُلِحة. فبدلًا من دفع الناس إلى البدء من الصفر في كل مرة، تقترح المقاربة الأجدى البحث في كيفية ترجمة ما يحملونه أصلًا من خبرة ومهارة إلى صيغ معترف بها محليًا. قد تبدو هذه العملية تقنية، لكنها في جوهرها اعتراف أخلاقي قبل أن تكون إجراءً إداريًا. إنها تقول للمهاجر أو للعائد: ما فعلته في السابق ليس بلا قيمة، وتاريخك المهني لا يبدأ فقط منذ لحظة وصولك إلى هنا.

هذه الفكرة ذات صلة وثيقة بالمنطقة العربية أيضًا، حيث يعاني كثيرون من مشكلة معادلة الشهادات والاعتراف بالخبرات العابرة للحدود. وفي عالم يشهد تنقلًا متزايدًا للأفراد والمهارات، لا يعود منطقيًا أن تستمر المؤسسات في النظر إلى المسارات المهنية القادمة من الخارج بوصفها عبئًا أو غموضًا، بدل اعتبارها رصيدًا قابلًا للاستثمار والتنظيم.

ماذا تكشف هذه القصة عن المجتمع الكوري اليوم؟

على مدى سنوات، بُني جزء من صورة كوريا الجنوبية عالميًا على النجاح الاقتصادي السريع والانضباط المؤسسي والقوة الثقافية الناعمة من خلال الدراما والسينما والموسيقى. وهذه صورة حقيقية في جانب منها، لكنها لا تُلغي التحديات الاجتماعية الداخلية، ومنها كيفية التعامل مع التنوع البشري داخل مجتمع ظل طويلًا يميل إلى تصور نفسه بوصفه متجانسًا قوميًّا وثقافيًّا.

ومع التغيرات الديموغرافية، وتقدم السكان في السن، والحاجة المتزايدة إلى العمالة في مجالات الرعاية والصناعة والخدمات، لم يعد سؤال الاندماج شأنًا هامشيًا. إنه سؤال مرتبط بسوق العمل، والرعاية الاجتماعية، والتماسك الوطني، وصورة الدولة عن نفسها. فإذا كان المجتمع بحاجة إلى الأيدي العاملة لكنه يترك بعض الفئات تعيد تشكيل حياتها المهنية فقط لتقليل احتمالات الإهانة أو الشك، فإن المشكلة ليست في الأفراد بل في معايير القبول ذاتها.

الأهم أن هذه الحالة تكشف أن التمييز لم يعد بالضرورة فظًا أو مباشرًا كي يكون مؤثرًا. قد يأتي في صورة تردد في التوظيف، أو افتراضات جاهزة عن الأحياء التي يسكنها الناس، أو انطباعات مسبقة عن طريقة الكلام، أو حصر غير معلن لفئات بعينها في أعمال بعينها. هذا النوع من التمييز يصعب قياسه أحيانًا، لكنه يترك آثارًا عميقة على الخيارات الحياتية وعلى شكل المجتمع كله.

ولذلك، فإن القصة أبعد من كونها تقريرًا عن مجموعة صغيرة. إنها مرآة تسأل كوريا الجنوبية: هل تريد من القادمين إليها أن يندمجوا فعلًا، أم فقط أن يملؤوا الشواغر التي لا يرغب بها الآخرون؟ وهل تكفي دروس اللغة والإجراءات الإدارية إذا ظل الاعتراف الاجتماعي منقوصًا؟ هذه أسئلة لا تخص كوريا وحدها، بل كل مجتمع حديث يريد الاستفادة من التنوع من دون أن يراجع بجدية تحيزاته الموروثة.

ما الذي يمكن أن تتعلمه السياسات العامة؟

الجانب العملي في نتائج التقرير لا يقل أهمية عن جانبه النقدي. فإذا كان بعض الأفراد يختارون المهن أو المشاريع بوصفها ملاجئ من التمييز، فإن الرد السياسي لا ينبغي أن يقتصر على الإشادة بصمودهم أو روحهم العملية. المطلوب هو توسيع خياراتهم، لا فقط تحسين قدرتهم على التكيف مع القيود.

أولًا، هناك حاجة واضحة إلى برامج انتقال مهني حقيقية، لا مجرد تدريب عام. أي برامج تربط بين الخبرة السابقة ومتطلبات السوق الحالية، وتساعد في معادلة الكفاءات أو ترجمتها إلى صيغ مفهومة للمؤسسات المحلية. ثانيًا، ينبغي أن تكون المعلومات المتعلقة بالتدريب والتوظيف والخدمات العامة متاحة بطريقة أكثر قربًا من الواقع الاجتماعي للفئات المستهدفة، لا أن تظل حبيسة لغة بيروقراطية معقدة أو مسارات إدارية لا يعرفها إلا من اعتاد النظام مسبقًا.

ثالثًا، لا بد من التعامل مع شبكات الجاليات باعتبارها شريكًا يمكن البناء عليه، لا مجرد دائرة مغلقة تُترك لشأنها. فحين تُربط هذه الشبكات ببرامج التطوير المهني العامة، يمكن تحويل الثقة المتراكمة داخل المجتمع الأهلي إلى جسر نحو المؤسسات، لا إلى بديل قسري عنها. ورابعًا، يبقى العنصر الأصعب والأكثر حساسية: مكافحة التحيز نفسه داخل سوق العمل، سواء عبر سياسات التوعية أو آليات الشكاوى أو الرقابة على معايير التوظيف أو تشجيع المؤسسات على تبني معايير تقييم أكثر موضوعية.

في النهاية، لا تقاس جودة الاندماج بعدد من تعلموا اللغة فقط، ولا بعدد من وجدوا أي عمل، بل بقدرة الناس على التحرك داخل المجتمع من دون أن يضطروا كل مرة إلى اختيار «الأقل خطرًا» بدل «الأكثر ملاءمة». وعندما يتحول تجنب الوصمة إلى معيار أساسي في بناء المسار المهني، فإن ذلك يعني أن الاقتصاد يستهلك كفاءات الناس بطريقة غير عادلة، وأن المجتمع يخسر طاقات كان يمكن أن تذهب أبعد من مجرد النجاة.

لهذا تبدو الرسالة الأعمق التي يحملها التقرير بسيطة لكنها حاسمة: الاندماج لا يبدأ من مطالبة الأفراد بأن يتغيروا فقط، بل من استعداد المجتمع نفسه لأن يوسّع تعريفه لمن يستحق الثقة والفرصة والاعتراف. وما لم يحدث ذلك، ستظل الشهادات والمشاريع الصغيرة وشبكات الجالية تؤدي وظيفة نبيلة بوصفها أدوات للبقاء، لكنها ستبقى أيضًا دليلًا صامتًا على أن باب المساواة لم يُفتح بعد كما ينبغي.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات