광고환영

광고문의환영

حين تتحول الجامعة إلى ساحة سباق أرقام: جدل «المرتزقة الأكاديميين» يهز الجامعات الكورية ويطرح أسئلة عربية مؤجلة

حين تتحول الجامعة إلى ساحة سباق أرقام: جدل «المرتزقة الأكاديميين» يهز الجامعات الكورية ويطرح أسئلة عربية مؤجلة

ما الذي يحدث في الجامعات الكورية؟

في كوريا الجنوبية، عاد الجدل إلى الواجهة هذا الأسبوع حول ظاهرة باتت تُعرف في الإعلام والأوساط الأكاديمية باسم «المرتزقة الأكاديميين»، وهي تسمية صادمة لكنها تعبّر عن أزمة حقيقية تتجاوز مجرد الاستعانة بمصحح لغوي أو خبير إحصاء. القضية تتعلق بسوق كاملة من الخدمات التي تُباع فيها أجزاء من العملية البحثية، من التحرير الأكاديمي وصياغة المقالات بالإنجليزية إلى التحليل الإحصائي، مروراً بإعادة بناء الحجج العلمية، وأحياناً حتى التوسط في إدراج أسماء مؤلفين أو حذفهم. في بلد بنى جزءاً كبيراً من صورته الدولية على التعليم والبحث والتكنولوجيا، يبدو هذا الجدل مؤشراً على اختلال أعمق: حين تصبح التصنيفات العالمية والعدد السنوي للأبحاث المنشورة معياراً للنجاة المؤسسية، فإن أخلاقيات المعرفة نفسها تدخل منطقة الخطر.

ما يثير الانتباه أن القضية لم تُطرح هذه المرة كحادثة فردية أو كفضيحة تخص أستاذاً بعينه، بل كأزمة بنيوية داخل النظام الجامعي الكوري. فالجامعات هناك تتنافس بضراوة على مواقعها في التصنيفات الدولية، والإدارات الجامعية تراقب بدقة مؤشرات الاستشهادات، والنشر في المجلات المصنفة، والشراكات الدولية، وسمعة الجامعة في الأوساط العلمية. هذه كلها عناصر مشروعة من حيث المبدأ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المؤشرات إلى غاية في ذاتها، لا إلى وسيلة لقياس جودة البحث. عندها يصبح السؤال: كيف نرفع الرقم؟ لا: كيف ننتج معرفة نافعة ومتينه؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد تبدو الصورة مألوفة أكثر مما نتصور. فمن جامعات عربية كثيرة، خاصة تلك التي تسعى للظهور في التصنيفات الإقليمية أو الدولية، نسمع اللغة نفسها: عدد الأوراق المنشورة، معامل التأثير، الاستشهادات، المشاريع الممولة، التدويل، النشر باللغة الإنجليزية. لا مشكلة في كل ذلك بذاته، لكن الخطورة تبدأ حين يضغط هذا المنطق على الأستاذ والباحث الشاب وطلبة الدراسات العليا إلى درجة تجعل «النجاح» مرادفاً للسرعة والكثافة، لا للعمق والأصالة. هنا تصبح القصة الكورية مرآة، لا مجرد خبر خارجي.

القضية، إذاً، ليست صراعاً بين تقاليد قديمة وحداثة جديدة، ولا هي رفض للتعاون البحثي أو للخدمات المساندة المشروعة. ما يجري هو نقاش حول الحد الفاصل بين الدعم المشروع للبحث وبين خصخصة جوهره. متى يصبح المحرر اللغوي شريكاً غير معلن في صياغة الفكرة؟ ومتى يتحول الخبير الإحصائي من مستشار تقني إلى صانع للنتيجة؟ ومتى يفقد اسم المؤلف معناه العلمي ويتحول إلى بطاقة عبور في لعبة النفوذ والتمويل والترقي؟ هذه هي الأسئلة التي تطرحها الأزمة الكورية اليوم بحدة.

التصنيفات العالمية: من أداة قياس إلى سلطة خفية

الجامعات في مختلف أنحاء العالم تنظر إلى تصنيفات مثل QS وTimes Higher Education وغيرها بوصفها مؤشرات ذات وزن كبير في السمعة والقدرة على جذب الطلبة والتمويل والشركاء. في كوريا الجنوبية، وهي دولة استثمرت بكثافة في البحث والتطوير وتفاخر بحضورها في الصناعات المتقدمة من الشرائح الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي، اكتسبت هذه التصنيفات سلطة مضاعفة. فالإدارة الجامعية تريد أن ترتفع في السلم العالمي، والكلية تريد تحسين أرقامها، والأستاذ يريد تجديد عقده أو نيل الترقية، والطالب الباحث يريد أن يضمن موقعه في مختبر أو مشروع ممول. وهكذا تتسلسل الضغوط من أعلى الهرم إلى أسفله.

المعضلة أن كثيراً من المؤشرات التي تبدو تقنية ومحايدة تنتهي عملياً إلى مكافأة «النتائج القابلة للعد» أكثر من مكافأة «القيمة العلمية بعيدة المدى». فالاستشهادات يمكن أن ترتفع سريعاً في بعض الحقول أكثر من غيرها، والنشر في مجلات بعينها قد يكون أسهل ضمن شبكات بحثية دولية راسخة، بينما تعاني تخصصات أخرى، خاصة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، من بطء طبيعي في الإيقاع البحثي ومن اختلاف في طرائق الاعتراف الأكاديمي. لكن الإدارة حين تضع الجميع في جدول واحد، يصبح الإغراء كبيراً: قدّم ما يمكن احتسابه، بسرعة، وبأي كلفة.

هذا المنطق ليس بعيداً عن العالم العربي. لدينا أيضاً هوس متصاعد بالترتيب والاعتماد والاعتمادية والمؤشرات. وغالباً ما يُسوَّق ذلك للرأي العام بوصفه دليلاً على التقدم، مثلما يُسوَّق ترتيب فريق كروي في الدوري أو حصد مسلسل ما لنسب مشاهدة مرتفعة. لكن الثقافة الأكاديمية لا تُقاس بمنطق «شباك التذاكر». الجامعة ليست منصة ترفيه، بل مؤسسة تُنتج معرفة وتُخرّج عقولاً. وحين تُدار بعقلية العلاقات العامة وحدها، يصبح من السهل تفضيل ما يلمع في الجداول على ما يخدم المجتمع فعلاً.

في كوريا، كما في أماكن أخرى، أدى تراجع أعداد المواليد وتزايد المنافسة على الطلبة إلى تشديد هذا الضغط. الجامعات تحتاج إلى ما يثبت قدرتها على البقاء، والتمويل الحكومي أو الخاص يذهب غالباً إلى المؤسسات الأكثر حضوراً وتأثيراً. النتيجة أن التصنيف لم يعد مجرد صورة معلقة على موقع الجامعة الإلكتروني، بل بات عاملاً مؤثراً في قرارات التوظيف والترقية والتمويل. وعندما يصير التصنيف مصدراً للشرعية، يصبح الالتفاف حوله صناعة قائمة بذاتها.

من هم «المرتزقة الأكاديميون»؟ وأين يبدأ الانحراف؟

التعبير المتداول في النقاش الكوري لا يعني بالضرورة جماعة واحدة منظمة، بل يشير إلى شبكة خدمات وسطاء وشركات وأفراد يدخلون في العملية البحثية بدرجات متفاوتة. بعض هذه الخدمات مشروع وواضح، مثل التدقيق اللغوي لمقال مكتوب أصلاً من قبل الباحث، أو تصميم الرسوم البيانية، أو تقديم استشارة إحصائية محددة. غير أن المنطقة الرمادية تتسع حين تتجاوز الخدمة حدود المساندة التقنية إلى إعادة كتابة النص، أو اقتراح بنية الحجة، أو تعديل التحليل بما يجعل النتائج «أكثر قبولاً» للنشر، أو المساعدة في تمرير أسماء مؤلفين لا يستوفون شروط المساهمة العلمية الحقيقية.

هنا تظهر أهمية شرح مفهوم قد لا يكون واضحاً لعموم القراء: في الثقافة الأكاديمية العالمية، اسم المؤلف على الورقة العلمية ليس مجاملة ولا وساماً شرفياً، بل إعلان مسؤولية. هناك معايير دولية، منها ما تعتمده اللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية، تشترط مساهمة فعلية في تصميم الدراسة أو تحليل البيانات أو صياغة النص ومراجعته والموافقة النهائية عليه وتحمل المسؤولية عن مضمونه. لكن ما يحدث في بعض البيئات التنافسية هو أن الاسم قد يتحول إلى عملة رمزية: اسم كبير يرفع فرص النشر، أو يجمّل السيرة الذاتية، أو يسهّل الحصول على مشروع ممول، أو يفتح باباً لتعاون مستقبلي.

التجاوز الأخطر لا يكمن فقط في «كاتب خفي» ينجز النص، بل في تآكل مبدأ الملكية المعرفية نفسه. من الذي طرح السؤال البحثي؟ من الذي صاغ الفرضية؟ من قرر طريقة التحليل؟ من يتحمل مسؤولية الخلل إن اكتُشف تلاعب أو سوء تفسير أو انتقاء منحاز للبيانات؟ إذا أصبحت هذه الوظائف موزعة بين السوق والباحث والجامعة من دون شفافية، فإن الورقة العلمية تفقد معناها بوصفها وثيقة ثقة. ويصبح القارئ، سواء كان باحثاً أو طبيباً أو صانع سياسات، غير قادر على معرفة من يقف فعلاً وراء المعرفة المنشورة.

في السياق العربي، قد يشبه الأمر ما يحدث حين يستعين بعض الطلاب بمن يكتب رسائلهم الجامعية، أو حين تُباع مشاريع التخرج الجاهزة في محيط بعض الجامعات. الفرق أن القضية هنا تدور في مستويات أعلى وأكثر حساسية، تمس سمعة الجامعات، وحجم التمويل، وموثوقية المعرفة نفسها. لذلك فالمسألة ليست «خدمة مدفوعة» فقط، بل هي احتمال لتحويل العلم إلى سلسلة توريد تجارية تتخفى وراء لغة الاحتراف والتدويل.

لماذا يغضب الأساتذة؟ لأن الأزمة أعمق من مخالفة فردية

ردود الفعل الغاضبة داخل الجامعات الكورية لا تُفهم إذا اختصرناها في مطلب أخلاقي بسيط من نوع «معاقبة الغشاشين». ثمة شعور متزايد بأن النظام نفسه يكافئ السلوكيات التي يعلن رفضها. أستاذ يقضي سنوات في عمل ميداني مرهق، أو في بناء قاعدة بيانات طويلة النفس، أو في تحقيق علمي يحتاج إلى صبر وإعادة تدقيق، يجد نفسه في جداول التقييم جنباً إلى جنب مع آخر أنتج عدة مقالات بسرعة كبيرة بالاعتماد على شبكات مساعدة خارجية أو على توزيع فضفاض للمؤلفين أو على استراتيجيات نشر تحايلية. في هذه الحالة لا يعود الحديث عن الضمير الفردي وحده كافياً، لأن بنية الحوافز نفسها باتت مختلة.

المسألة تتفاقم أيضاً بسبب العبء الإداري المتزايد. الأستاذ الجامعي اليوم لا يدرّس فقط، بل يشرف على الطلبة، ويدير مشاريع، ويكتب طلبات التمويل، ويشارك في لجان، ويتابع متطلبات الاعتماد والجودة، ويؤدي دوراً شبه بيروقراطي داخل الجامعة. كل ساعة تُسحب من البحث الجاد ترفع من قيمة «الحلول السريعة» في السوق المحيط بالأكاديميا. وعندما تُضاف إلى ذلك ضرورة الكتابة بلغة أكاديمية إنجليزية رفيعة، يصبح بعض الباحثين، حتى الأكفاء منهم، أكثر عرضة للإغراء أو للاعتماد المفرط على وسطاء خارجيين.

هذا ما يجعل كثيراً من الأصوات الكورية تحذر من شيطنة الأفراد فقط. نعم، من الضروري محاسبة كل من يزوّر أو يبيع التأليف أو يتلاعب في النتائج، لكن الأهم هو الاعتراف بأن النظام نفسه قد يدفع الباحثين دفعاً نحو حافة المخالفة. في الثقافة العربية يمكن تشبيه ذلك بمؤسسة تطلب من الصحفي أن ينشر عشرات المواد يومياً ثم تستغرب تراجع الجودة أو ارتفاع نسبة الأخطاء. الضغط حين يبلغ حداً معيناً لا يبقى مجرد ظرف خارجي، بل يصير جزءاً من صناعة المشكلة.

ولا يخفى أن بعض التخصصات تتضرر أكثر من غيرها. في العلوم والهندسة والطب، حيث المشاريع الكبيرة والتعاون الكثيف شائعان، قد يكون تمييز المساهمة الفردية أكثر تعقيداً، ما يفتح الباب لاستخدام مرن أو مسيء لمفهوم التأليف المشترك. أما في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، فإن محاولة فرض المقاييس نفسها قد تدفع الباحثين إلى تسريع أعمال يفترض أن تنضج ببطء، أو إلى تفضيل موضوعات «قابلة للنشر الدولي» على موضوعات محلية أو لغوية أكثر التصاقاً بالمجتمع. وهنا ندخل إلى سؤال يمس العالم العربي مباشرة: هل ننتج المعرفة التي يحتاجها الناس، أم المعرفة التي ترضي الخوارزميات الأكاديمية؟

الضحايا الحقيقيون: طلبة الدراسات العليا والباحثون الشباب

إذا كانت الإدارات الجامعية تنظر إلى الأرقام، والأساتذة الكبار يملكون قدراً من الحماية الرمزية والمؤسسية، فإن الحلقة الأضعف في هذه المنظومة هي طلبة الماجستير والدكتوراه والباحثون في بداياتهم المهنية. في كوريا، كما في كثير من أنظمة البحث المكثف، يعتمد الطالب الباحث على مختبره ومشرفه وشبكته الأكاديمية من أجل المنحة والفرصة الوظيفية والنشر الأول. وحين تصبح «الإنتاجية» المحمومة مطلباً دائماً، فإن هذا الطالب يجد نفسه في مقدمة الجبهة: يجمع البيانات، ويدير التجارب، ويكتب المسودات، ويعد العروض، وينجز أعمالاً إدارية، من دون أن يكون قادراً دائماً على الدفاع عن حقوقه في ترتيب الأسماء أو في الاعتراف الحقيقي بمساهمته.

في مثل هذا المناخ، يكتسب الخلل الأخلاقي بعداً طبقياً ومهنياً معاً. الباحث الشاب الذي يرفض الممارسات الملتبسة قد يبدو أقل قدرة على المنافسة ممن يوافق على قواعد اللعبة غير المعلنة. ومن لا يملك مالاً للاستعانة بخدمات تحرير متقدمة أو شبكات دولية قد يجد نفسه متأخراً عن آخرين يملكون دعماً مادياً أو مؤسسياً أفضل. هكذا لا تصبح المشكلة مسألة نزاهة فقط، بل مسألة عدالة تكافؤ الفرص داخل الحقل الأكاديمي نفسه.

ثمة أثر آخر لا يقل خطورة: تآكل الثقة في فكرة الجامعة كمجتمع علمي. حين يقتنع الباحثون الشباب بأن الترقية مرتبطة بالاسم لا بالعمل، وبالشبكة لا بالكفاءة، وبالعدد لا بالجدّة، فإن كثيرين منهم سيغادرون إما إلى القطاع الخاص، أو إلى الخارج، أو إلى وظائف لا تتطلب هذا الاستنزاف المعنوي. في العالم العربي نسمع كثيراً عن «هجرة العقول» بوصفها انتقالاً جغرافياً، لكن ثمة هجرة أخرى أقل ظهوراً: هجرة من البحث نفسه إلى أي مهنة أكثر عدلاً ووضوحاً. وإذا كان الجدل الكوري يعكس شيئاً، فهو أن حتى الأنظمة التعليمية اللامعة عرضة لهذا النزيف حين تختل المعايير.

ولعل أخطر ما في الأمر أن الباحث الشاب يتعلم من البيئة المحيطة أكثر مما يتعلم من اللوائح. فإذا رأى أن الإنجاز السريع يكافأ دائماً، وأن التلاعب في التأليف يُتسامح معه ما دام يرفع اسم المؤسسة، وأن التدقيق الحقيقي نادر، فإنه يكوّن تصوراً مشوهاً عن معنى العمل العلمي. عندها لا تعود المشكلة مجرد مخالفات طارئة، بل تصبح ثقافة مهنية تنتقل من جيل إلى آخر.

بيانات السحب من النشر: جرس إنذار عالمي لا يخص كوريا وحدها

عند مناقشة هذه الظاهرة، لا يمكن إغفال ملف سحب الأبحاث المنشورة أو ما يعرف بالتراجع عن النشر، وهو مؤشر بالغ الحساسية على التصدعات التي تصيب منظومة البحث. خلال السنوات الأخيرة، أظهرت قواعد بيانات دولية متخصصة في تتبع الأبحاث المسحوبة أن العالم يسجل آلاف حالات السحب سنوياً، وبعض التقديرات تشير إلى أن الرقم يقترب من عشرة آلاف حالة أو يتجاوزها في بعض الأعوام إذا احتُسبت أنواع متعددة من التصحيحات والسحب والإشعارات المرتبطة بخلل النزاهة. صحيح أن تزايد الاكتشاف لا يعني بالضرورة تزايد الغش وحده، فقد يعكس أيضاً تحسناً في الرصد والتدقيق، لكن الصورة العامة تبقى مقلقة.

سحب بحث علمي ليس إجراءً شكلياً. في كثير من الأحيان، يترتب عليه ضرر مضاعف: تشويه سمعة الباحث، وإحراج الجامعة أو القسم، ومراجعة التمويل الذي صُرف على المشروع، وربما فتح تحقيقات إدارية أو قانونية. وفي بعض التخصصات، خاصة الطب والصحة العامة، قد تكون تبعات النشر المعيب أخطر بكثير لأنها قد تؤثر في قرارات علاجية أو سياسات صحية أو ممارسات مهنية. لذلك فإن أي نقاش حول «المرتزقة الأكاديميين» يجب أن يُفهم في سياق أوسع: كل تنازل صغير في الشفافية أو المسؤولية قد ينتهي، بعد سنوات، إلى أزمة كبيرة يصعب احتواؤها.

من المهم أيضاً الانتباه إلى أن حالات السحب ليست موزعة بالتساوي بين المجالات أو الدول أو أنماط النشر. ثمة قطاعات أكثر عرضة لاقتصاد «النشر من أجل النشر»، وثمة مجلات أقل صرامة في المراجعة، وثمة شبكات تنشط في استغلال الثغرات بين الحاجة المؤسسية إلى الأرقام وحاجة الباحث الفرد إلى البقاء. وهذا ما يجعل بعض الخبراء يدعون إلى قراءة بيانات السحب لا بوصفها فضائح فردية معزولة، بل بوصفها مؤشراً هيكلياً على أين تتراكم الضغوط وتفشل آليات الحوكمة.

في العالم العربي، ما زال النقاش العام حول هذه البيانات محدوداً، رغم أن تأثيره يمس سمعة الجامعات العربية الساعية إلى تحسين مواقعها عالمياً. فمجرد ظهور مؤسسة تعليمية في قائمة مرتبطة بسحب متكرر أو بمخالفات تأليف قد يكون كافياً لتقويض سنوات من الترويج لصورتها. ومن هنا تأتي أهمية الدرس الكوري: حماية السمعة لا تبدأ من الحملات الإعلامية، بل من نزاهة المختبر وقاعة البحث وغرفة كتابة المقال العلمي.

ما الذي يمكن فعله؟ إصلاحات مطلوبة قبل أن تتحول الأزمة إلى قاعدة

الحل لا يكمن في منع كل أشكال الدعم الخارجي، لأن البحث الحديث، بطبيعته، تعاوني ومتعدد المهارات. لا أحد يتوقع من الباحث أن يكون في آن واحد خبير لغة ومصمم رسوم ومبرمجاً وإحصائياً ومتخصصاً موضوعياً. لكن المطلوب هو ترسيم الحدود بوضوح ووضع قواعد إفصاح دقيقة. أول ما تحتاجه الجامعات هو إلزام الباحثين بكشف نوع المساعدة التي تلقوها: هل كان هناك تدقيق لغوي فقط؟ هل تلقوا استشارة إحصائية؟ هل شاركت جهة خارجية في تحليل البيانات أو في صياغة النص؟ الشفافية هنا لا تهدف إلى العقاب، بل إلى تمكين القارئ والمجلة والجامعة من فهم سلسلة إنتاج المعرفة.

الإصلاح الثاني يتعلق بالتأليف العلمي. لا يكفي أن توضع أسماء المؤلفين بترتيب تقليدي؛ بل ينبغي توثيق مساهمة كل اسم بصورة مفصلة، وفق نماذج معتمدة تبين من صمم الدراسة، ومن جمع البيانات، ومن أجرى التحليل، ومن كتب المسودة الأولى، ومن راجعها، ومن أشرف على المشروع. هذا النوع من الإفصاح بات معتمداً في مجلات مرموقة، ويمكن أن يحد من المجاملات والوساطات وإدراج الأسماء الرمزية.

أما الإصلاح الثالث فهو إعادة النظر في أنظمة التقييم والترقية. طالما ظل الأستاذ يُحاسب أساساً على عدد الأوراق المنشورة وسرعة تراكمها، فستبقى السوق الموازية مزدهرة. المطلوب مزيج أكثر نضجاً من المعايير: جودة المساهمة، أثرها الفعلي، قيمة التعليم والإشراف، الانخراط المجتمعي، بناء فرق بحثية مستدامة، والالتزام بأخلاقيات النشر والبيانات. قد يبدو هذا أصعب من الحساب الرقمي البسيط، لكنه وحده يخفف من الاستعجال المرضي الذي يحول الجامعة إلى مصنع أوراق.

الإصلاح الرابع يخص البنية الداعمة داخل الجامعة. إذا كانت المؤسسة تطلب من أساتذتها وطلبتها النشر الدولي، فعليها أن توفر مراكز محترفة للكتابة الأكاديمية، والاستشارات الإحصائية الداخلية، والتدريب على أخلاقيات البحث، والدعم اللغوي، وحماية حقوق الباحثين الشباب. عندها تقل الحاجة إلى اللجوء إلى سوق خارجي غامض المعايير. ويمكن هنا للعالم العربي أن يستفيد مباشرة من الدرس: بدلاً من معاقبة الباحث على عجز مؤسسي في التدريب والدعم، ينبغي بناء البنية التي تجعله قادراً على المنافسة بشفافية.

وأخيراً، هناك حاجة إلى سياسة واضحة بشأن البيانات المفتوحة أو القابلة للتدقيق، كلما أمكن ذلك. فإتاحة البيانات والمنهجيات والرموز التحليلية للمراجعة لا تمنع الخطأ فقط، بل تُصعّب أيضاً على أي طرف خارجي أن يتلاعب بالنتائج من خلف الستار. الشفافية ليست ترفاً إدارياً، بل هي اليوم جزء من المناعة المؤسسية ضد التلاعب.

لماذا يهم هذا القارئ العربي؟

قد يظن البعض أن الحديث عن أزمة داخل الجامعات الكورية شأن نخبوي بعيد عن اهتمامات القارئ العربي، لكن الحقيقة أن أثره أوسع بكثير. أولاً، لأن كوريا الجنوبية تُقدَّم في المنطقة العربية غالباً بوصفها نموذجاً ناجحاً في التعليم والبحث والصعود التكنولوجي، مثلما تُقدَّم في الثقافة الشعبية من خلال الدراما والموسيقى والسينما كقصة نجاح وطنية متكاملة. وحين تظهر تصدعات في قلب هذا النموذج، فإن ذلك لا ينتقص من إنجازه، بل يذكرنا بأن أي نهضة، مهما بدت براقة، تحمل في داخلها توترات بين الجودة والسرعة، وبين السمعة والحقيقة.

ثانياً، لأن كثيراً من الأسئلة المطروحة في كوريا مطروحة لدينا أيضاً، وإن بصيغ مختلفة. كيف نقيم الأستاذ؟ ما وزن النشر بالإنجليزية مقارنة بالبحث المكتوب بالعربية؟ كيف نوازن بين التدويل وخدمة المجتمع المحلي؟ كيف نحمي طالب الدكتوراه من الاستغلال؟ كيف نمنع أن يتحول الاعتماد الأكاديمي إلى بيروقراطية أرقام؟ هذه أسئلة لا تخص بلداً بعينه، بل تخص كل من يريد جامعة تحترم العقل وتنتج معرفة موثوقة.

وثالثاً، لأن علاقتنا العربية بالموجة الكورية غالباً ما تركز على القوة الناعمة: الدراما، الكيبوب، الجمال، الموضة، التكنولوجيا الاستهلاكية. لكن وراء هذه الصورة البراقة توجد مؤسسات تعليمية وبحثية تعمل تحت ضغط هائل للحفاظ على التنافسية العالمية. فهم هذه الخلفية يضيف طبقة أعمق إلى قراءة كوريا المعاصرة. فالدولة التي نجحت في تسويق صورتها الثقافية عالمياً هي نفسها الدولة التي تواجه اليوم أسئلة صعبة حول كلفة هذا السباق في داخل جامعاتها ومختبراتها.

في المحصلة، تكشف أزمة «المرتزقة الأكاديميين» في كوريا الجنوبية أن الخلل لا يبدأ حين يُضبط باحث متلبساً بمخالفة، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، حين يصبح الرقم أهم من الفكرة، والسرعة أهم من الصدق، والسمعة أهم من المسؤولية. وهذه ليست مشكلة كورية فقط، بل تحذير عالمي. وإذا كان ثمة درس عربي ممكن من هذه القصة، فهو أن الجامعة لا تُبنى بالتصنيف وحده، كما لا تُبنى المدينة بالواجهات الزجاجية وحدها. ما يحفظ المؤسسة حقاً هو الثقة: ثقة الباحث في عدالة النظام، وثقة الطالب في قيمة الجهد، وثقة المجتمع في أن ما يصدر عن الجامعة معرفة يمكن الاعتماد عليها.

لهذا، فإن النقاش الكوري يستحق المتابعة عربياً، لا من باب الفضول، بل من باب المراجعة الذاتية. ففي زمن تتكاثر فيه المؤشرات والجداول والمنصات والتقارير، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو الأبسط: ما الذي نريده من الجامعة أصلاً؟ إذا كان الجواب هو إنتاج معرفة نافعة ونزيهة ومؤثرة، فلا بد أن تُصمم السياسات على هذا الأساس. أما إذا تُركت المؤسسات لسباق الأرقام وحده، فإن السوق سيتكفل بالباقي، وعندها لن يبقى من الجامعة إلا اسمها وشعارها وموقعها في التصنيف، بينما يتآكل معناها من الداخل.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات