광고환영

광고문의환영

انتعاش رأس المال الجريء في كوريا والعالم تقوده فورة الذكاء الاصطناعي.. لكن الطريق لا يُفتح للجميع

انتعاش رأس المال الجريء في كوريا والعالم تقوده فورة الذكاء الاصطناعي.. لكن الطريق لا يُفتح للجميع

عودة السوق.. ولكن على طريقة «الرابح يأخذ معظم الغنيمة»

بعد سنوات من الحذر والانكماش، تبدو سوق الاستثمار الجريء العالمية وكأنها استعادت أنفاسها من جديد. الأرقام الإجمالية توحي بأن المال عاد إلى الشركات الناشئة، وأن شهية المستثمرين لم تعد متجمدة كما كانت في ذروة التشدد النقدي وارتفاع الفائدة. لكن هذه الصورة المريحة، إذا ما قُرئت من الخارج فقط، تخفي حقيقة أكثر تعقيدًا وأشد قسوة: الانتعاش الحالي ليس انتعاشًا متوازنًا، بل انتعاش منحاز بشدة إلى الذكاء الاصطناعي. وفي كوريا الجنوبية، كما في الولايات المتحدة وأوروبا ومراكز الابتكار الآسيوية، لم تعد المسألة أن السوق عاد كما كان، بل إن السوق عاد بصيغة مختلفة، تفتح الأبواب لعدد محدود من الشركات، وتُبقي كثيرين في غرفة الانتظار.

هذه المسألة تهم القارئ العربي لأكثر من سبب. فالعالم العربي نفسه يعيش موجة من الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، سواء في أبوظبي والرياض ودبي والدوحة أو في القاهرة وعمان والدار البيضاء، حيث باتت الحكومات والصناديق والشركات تتحدث عن التحول الرقمي والتطبيقات الذكية وأتمتة الأعمال. غير أن التجربة الكورية تكشف درسًا بالغ الأهمية: ليس كل ما يُرفع عليه شعار الذكاء الاصطناعي يستحق التمويل، وليس كل انتعاش في السوق يعني أن الفرص توزَّع بعدالة على جميع القطاعات. بل إن السيولة، حين تعود، قد تعود أكثر انتقائية من السابق.

في الثقافة الاقتصادية العربية، ثمة تعبير شائع يقول إن «السوق لا يرحم»، لكن المشهد الحالي يمكن وصفه بدقة أكبر بأنه سوق يكافئ من يثبت امتلاكه للبنية الصلبة والقدرة على التوسع والربحية المحتملة، ويعاقب من يكتفي بالشعارات والعروض البراقة. وهذا ما يظهر بوضوح في كوريا الجنوبية اليوم، حيث يتابع قطاع التكنولوجيا بإمعان إشارة أساسية مفادها أن الارتداد في الاستثمار العالمي لا يعني عودة العصر الذهبي كما كان في 2021، بل انتقالًا إلى مرحلة أكثر صرامة، وأكثر اعتمادًا على أدلة التشغيل الفعلية، وعلى القدرة على الاندماج في سلاسل القيمة الكبرى التي يقودها الذكاء الاصطناعي.

وبحسب الاتجاهات التي رصدتها منصات بيانات الاستثمار الجريء ومؤسسات أبحاث السوق، فإن قيمة الاستثمار العالمي في الشركات الناشئة خلال 2025 تحسنت مقارنة بالقاع الذي بلغته السوق في 2023، لتتراوح في حدود 320 إلى 340 مليار دولار تقريبًا. لكن عدد الصفقات لم يعد بعد إلى مستويات ما قبل الجائحة. وهذا فارق جوهري: فحين ترتفع القيمة الإجمالية بينما يظل عدد الصفقات أقل من السابق، فالمعنى أن جزءًا كبيرًا من الأموال يتجه إلى عدد محدود من الجولات الضخمة، وغالبًا إلى شركات الذكاء الاصطناعي أو البنية التحتية المرتبطة به.

بكلمات أخرى، نحن أمام سوق يبدو دافئًا في عناوين الأخبار، لكنه أكثر برودة بكثير عندما تنظر إليه من الداخل. هناك شركات تُغدق عليها الأموال لأنها تعمل في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، وبنية الحوسبة، وتصميم الشرائح، وبرمجيات مراكز البيانات، بينما تبقى شركات أخرى في البرمجيات التقليدية، والتجارة الرقمية، والمنصات الاستهلاكية، وصناعة المحتوى، تحت ضغط مراجعات تقييمية قاسية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل عاد رأس المال الجريء؟ بل: لمن عاد؟

لماذا يرفع الذكاء الاصطناعي عوائد الصناديق ويعمّق الفجوة بينها؟

في عالم رأس المال الجريء، لا تأتي الأرباح عادة من عشرات النجاحات الصغيرة، بل من عدد محدود جدًا من الشركات القادرة على تحقيق قفزات استثنائية في القيمة، أو أن تصبح هدفًا مغريًا للاستحواذ من الشركات العملاقة. ومنذ النصف الثاني من 2024 وحتى بدايات 2026، لعب الذكاء الاصطناعي هذا الدور بامتياز. لكن اللافت هنا أن النجومية ليست محصورة فقط في الشركات التي تطور النماذج نفسها، بل تشمل أيضًا ما يمكن تسميته «الطبقة التحتية» التي يقوم عليها هذا العالم: إدارة عناقيد المعالجات الرسومية، تنقية البيانات، أمن أنظمة الذكاء الاصطناعي، تحسين عمليات الاستدلال، الوكلاء البرمجيون للمؤسسات، والحلول الصناعية المتخصصة.

هذه المجالات تمنح المستثمرين ما يحبونه أكثر من أي شيء آخر: قصة نمو واضحة، وحاجة سوقية متصاعدة، وإمكانية عالية لأن تدخل شركة كبرى وتشتري هذه الأصول أو تبني شراكة استراتيجية معها. هنا نفهم سبب اتساع الفجوة بين الصناديق. فالصندوق الذي نجح مبكرًا في اقتناص حصص في شركات الذكاء الاصطناعي أو البنية المساندة له، وجد نفسه في موقع أفضل بكثير من صندوق ظل مكشوفًا على قطاعات تقليدية مثل البرمجيات الخدمية غير المتخصصة أو المنصات الاستهلاكية.

في السنوات السابقة، كان من الممكن لشركة برمجيات سحابية تحقق نموًا جيدًا ولكن إيراداتها لا تزال محدودة أن تحصل على مضاعفات تقييم مرتفعة للغاية. أما اليوم، فقد هبطت تلك المضاعفات في حالات كثيرة إلى مستويات أدنى بكثير. في المقابل، ما زالت شركات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تحصل على مضاعفات قوية حتى لو كانت خاسرة في الوقت الراهن، لأن المستثمر يراهن على احتمال السيطرة المستقبلية على سوق سريع التشكل، أو على ارتباطها الوثيق بمنصات كبرى، أو على تصاعد الطلب العالمي على الحوسبة المتقدمة.

الأهم من ذلك كله هو منطق التخارج، أي الكيفية التي سيسترد بها المستثمر أمواله ويحقق ربحه. ففي بيئة لا تزال فيها أسواق الإدراج العام غير مفتوحة بالكامل كما يشتهي المستثمرون، تصبح عمليات الاستحواذ وارتفاع قيمة الجولات اللاحقة المسار الأكثر أهمية. والذكاء الاصطناعي يوفر منطقًا أوضح بكثير للتخارج، لأن شركات التكنولوجيا الكبرى ومزودي الحوسبة السحابية وشركات أشباه الموصلات والأمن السيبراني تملك دوافع استراتيجية مباشرة للشراء. أما الشركات التقليدية في التطبيقات والمنصات الرقمية الاستهلاكية، فدائرة المشترين المحتملين لها أضيق بكثير.

هذا الفرق الحاسم هو ما يصنع دورة ذاتية التعزيز: الأموال تذهب أكثر إلى صناديق الذكاء الاصطناعي لأن أداءها أفضل، وأداؤها أفضل لأن الشركات التي تستثمر فيها تملك فرص تخارج أوضح، ومن ثم تعود أموال المستثمرين المحدودين إلى هذه الصناديق مرة أخرى. وهي آلية تذكّرنا في العالم العربي بما يحدث أحيانًا في أسواق العقار أو الطاقة عندما يتركز التمويل في قطاع واحد فيسحب معه الاهتمام والكوادر والأسعار، بينما تتراجع القطاعات الأخرى حتى إن كانت تملك جدوى معقولة على المدى الطويل.

كوريا الجنوبية أمام اختبار صعب: ليس كل من يرفع شعار الذكاء الاصطناعي سيحصل على التمويل

بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، فإن المسألة ليست نظرية. السوق الكورية عرفت ذروة قوية في 2021، ثم انكمشت بوضوح حتى 2023، قبل أن تبدأ ملامح تعافٍ حذر في 2025. غير أن هذا التعافي، مثل نظيره العالمي، لا يتوزع بالتساوي. المال لم يعد يتدفق عشوائيًا، بل صار أكثر انتقائية، وأشد تمسكًا بمعايير إثبات القيمة. وإذا كان من السهل في السنوات الأولى لموجة الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تجذب الشركة انتباه المستثمر بمجرد إضافة خصائص ذكية إلى منتجها، فإن هذه المرحلة انتهت تقريبًا.

المستثمر الكوري اليوم، شأنه شأن نظيره العالمي، لا يريد أن يسمع فقط أن الشركة «تستخدم الذكاء الاصطناعي». هو يريد أن يرى بالأرقام كيف ينعكس ذلك على الاحتفاظ بالعملاء، ونسب التحول إلى الدفع، وخفض تكاليف العمالة، وتسريع إنجاز المهام، وتحسين الإيرادات. وإذا كانت الشركة تقدم حلًا موجَّهًا إلى المؤسسات، فإن الأسئلة تصبح أكثر تفصيلًا: كم يدفع العميل شهريًا؟ كم خفّض النظام من وقت العمل؟ هل ساهم في زيادة المبيعات أم اكتفى بإظهار عرض تقني جيد؟ هل هناك عقود متكررة أم تجارب قصيرة قابلة للتبخر؟

هذا التحول مهم للغاية لأنه يعكس نضجًا قاسيًا في السوق. في الثقافة الكورية المهنية، كما في قطاعات الأعمال العربية الجادة، هناك احترام كبير لفكرة الانضباط التشغيلي والقدرة على التنفيذ لا الاكتفاء بالوعود. ولهذا السبب، فإن الشركات التي تبني عروضًا استعراضية جميلة من دون أساس تجاري واضح لم تعد تنال التقييمات السخية نفسها. الذكاء الاصطناعي لم يعد بطاقة دعوة كافية إلى غرفة المستثمرين؛ لقد صار امتحانًا عمليًا يتطلب إثباتًا على مستوى البيانات والعملاء والهامش الاقتصادي.

أما الشركات التي لا تعمل في الذكاء الاصطناعي أصلًا، فهي لا تواجه بالضرورة طريقًا مسدودًا، لكنها مطالبة بأن تكون أكثر وضوحًا وربحية. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى ظلمًا، لكنه قد يتحول أيضًا إلى فرصة. فحين ترتفع المبالغة في تقييم شركات الذكاء الاصطناعي، يبحث بعض المستثمرين الأذكياء عن شركات تقليدية نسبيًا لكنها متماسكة ماليًا، ذات معدل إلغاء منخفض، وقاعدة عملاء ثابتة، ومسار واضح نحو الربح. هذا يعني أن شركات البرمجيات المتخصصة، وأدوات الأمن، وحلول المؤسسات في القطاعات الرأسية، قد تصبح أهدافًا جذابة إذا استطاعت إثبات مناعتها التشغيلية.

لكن الشروط هنا ليست سهلة. السوق تريد شركة تعرف كيف تتحول إلى الربحية، لا شركة تحرق الأموال على أمل جولة تمويل تالية. وتريد كذلك إشارات دفاعية مثل وجود إيرادات خارجية، أو معدل احتفاظ قوي بالإيرادات الصافية، أو قدرة على بيع منتج يصعب استبداله بسرعة. وهذا كله يجعل السوق الكورية اليوم أكثر نضجًا وأقل تساهلًا، وهو درس يستحق أن تتأمله أيضًا بيئات الشركات الناشئة العربية التي قد تُغريها عودة الحماس العالمي فتظن أن مرحلة «النمو بأي ثمن» قد عادت. الواقع يقول العكس.

الانتعاش غير المتكافئ بالأرقام.. حين تخفي المتوسطات برودة المشهد الحقيقي

الأرقام قد تخدع أحيانًا إذا لم تُقرأ في سياقها. حين نسمع أن قيمة الاستثمارات ارتفعت عالميًا، قد يبدو أن النظام البيئي للشركات الناشئة كله استفاد. لكن ما يحدث في الحقيقة هو أن الجولات العملاقة، التي تبلغ قيمتها مئات الملايين أو حتى المليارات من الدولارات، تتركز إلى حد بعيد في شركات الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن متوسطات السوق ترتفع بسبب قلة من اللاعبين الكبار، لا بسبب تحسن شامل في أحوال الشركات الناشئة الصغيرة والمتوسطة.

هذا النمط، الذي يمكن تسميته «التعافي غير المتكافئ»، يظهر أيضًا في كوريا الجنوبية. فالسوق المبكرة لا تزال حية نسبيًا، أي إن التمويل الأولي والجولات الصغيرة لم تختفِ كليًا، لكن ما بعد الجولة الثانية أو المراحل التي تتطلب رأسمال نمو كبيرًا، أصبح أكثر صعوبة وتحفظًا. شركات تعمل في رقائق الذكاء الاصطناعي، أو برمجيات الأتمتة الأمنية، أو أدوات خفض تكاليف الحوسبة السحابية، تحظى بانتباه مؤسساتي واضح. في المقابل، تعاني شركات تكنولوجيا الإعلانات، ومنصات المحتوى، والتطبيقات الاستهلاكية العامة، من تحديات أكبر في إقناع المستثمرين بضخ أموال جديدة.

الرسالة هنا واضحة: المستثمر لم يعد يمنح علاوة لمجرد النمو إذا لم يكن هذا النمو محميًا بتفوق تقني أو بقدرة واضحة على بناء موطئ قدم يصعب على المنافسين اقتلاعه. وهذا يشبه إلى حد بعيد ما عرفته قطاعات إعلامية وثقافية عربية في العقد الماضي، حين بدا أن كثرة المستخدمين وحدها كافية لرفع القيمة، قبل أن ينتهي الأمر بالسؤال الأكثر جدية: وأين الإيراد؟ وأين القدرة على الصمود؟

وهناك رقم آخر لا يقل أهمية عن تدفقات الاستثمار، وهو تكلفة المواهب. فالنجاح الظاهري لشركات الذكاء الاصطناعي يخفي في داخله بنية كلفة مرتفعة جدًا. حتى الشركات التي لا تطور نماذج لغوية عملاقة بنفسها، تجد نفسها أمام فواتير حوسبة كبيرة، وحاجة إلى مهندسين وباحثين مرتفعي الأجر. وفي السوق الكورية، تشير المعطيات إلى أن التعويضات الإجمالية للمهندسين الكبار في تعلم الآلة وتحسين النماذج قد تصل إلى ما بين مرة ونصف وضعفي ما يتقاضاه مطور برمجيات خلفية تقليدي. وهذا يعني أن تدفق الأموال نحو الذكاء الاصطناعي يسحب معه أيضًا أفضل الكفاءات وأغلى البنى التحتية.

وبالنتيجة، لا تتضرر الشركات غير العاملة في الذكاء الاصطناعي فقط على مستوى صعوبة التمويل، بل كذلك على مستوى التوظيف والمنافسة على الكفاءات. فاللعبة لم تعد لعبة جذب المستثمرين وحدهم، بل أيضًا جذب العقول والخوادم والقدرة على تحمّل التكاليف. ومن هنا تظهر هشاشة الصورة الاحتفالية التي ترافق كثيرًا من الأخبار عن انتعاش الاستثمار الجريء: نعم، هناك مال أكثر في السوق، لكن هذا المال يرفع معه كلفة الدخول إلى الملعب، ويزيد من صعوبة البقاء لمن لا يملك موارد أو تموضعًا واضحًا.

من سيستفيد فعلاً؟ الشركات الكبرى والسحابة والرقائق في قلب القصة

أحد الجوانب الأكثر أهمية في التجربة الكورية الراهنة هو أن عودة الاستثمار الجريء لا تخص الشركات الناشئة وحدها. فالذكاء الاصطناعي ليس قطاعًا منفصلًا يعمل في عزلة، بل سلسلة قيمة طويلة تمتد من الرقائق إلى مراكز البيانات، ومن الشبكات إلى البرمجيات الأمنية، ومن الحوسبة السحابية إلى التطبيقات الصناعية. لذلك، فإن كل دولار يذهب إلى شركة ناشئة ناجحة في هذا المضمار يمكن أن يولّد طلبًا إضافيًا على لاعبين آخرين كُثر في المنظومة.

وهنا تمتلك كوريا الجنوبية ميزة خاصة بحكم وزنها في صناعة أشباه الموصلات وارتباطها القوي بسلاسل الإمداد التكنولوجية العالمية. فكلما زاد الطلب على تدريب النماذج وتشغيلها، ارتفعت الحاجة إلى ذاكرة عالية النطاق، وحلول تغليف متقدمة، وكفاءة كهربائية أفضل، وبنية مركز بيانات قادرة على الاستيعاب. وهذا ما يجعل العلاقة بين رأس المال الجريء والاقتصاد الصناعي الكوري أكثر عمقًا مما تبدو عليه في النظرة السريعة. ليست القصة قصة تطبيق جديد فقط، بل قصة بنية تحتية وصناعة وتكامل بين شركات ناشئة وكيانات عملاقة.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن مقارنة هذا الوضع بما يحدث عندما تقود طفرة معينة سلسلة كاملة من المستفيدين غير الظاهرين في الواجهة. فكما أن ازدهار البناء لا يفيد المطور العقاري فقط بل أيضًا الإسمنت والحديد والخدمات اللوجستية والتمويل، فإن ازدهار الذكاء الاصطناعي لا ينعكس على مطوري النماذج وحدهم، بل على مزودي السحابة، وشركات الأمن، ومصنعي الرقائق، ومشغلي مراكز البيانات، وحتى مزودي الكهرباء والشبكات في بعض الحالات. وهذا بالضبط ما يجعل المستثمرين أكثر اطمئنانًا إلى هذا القطاع: لأنه لا يخلق شركة ناجحة واحدة فحسب، بل يخلق طبقات متتابعة من الطلب والعوائد.

ومع ذلك، فإن هذه الجاذبية نفسها تحمل في داخلها مخاطرة التركز المفرط. فإذا أصبح الجميع يطاردون القصة نفسها، ترتفع التقييمات إلى مستويات قد تسبق الواقع، وتزداد المنافسة على الموارد، ويتحول السوق إلى بيئة صعبة حتى بالنسبة إلى من يفترض أنهم مستفيدون منها. لذلك، فإن التحدي أمام كوريا، كما أمام غيرها، لا يقتصر على الانخراط في موجة الذكاء الاصطناعي، بل على بناء موقع قابل للدفاع والاستدامة داخل هذه الموجة، وليس مجرد الركوب على سطحها.

ماذا يعني هذا للدول العربية ومشهد الشركات الناشئة في المنطقة؟

قد تبدو القصة كورية في تفاصيلها، لكنها تحمل رسائل مباشرة إلى المنطقة العربية. فخلال السنوات الأخيرة، رفعت عواصم عربية عديدة سقف طموحها في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وظهرت صناديق ومسرّعات ومبادرات حكومية تراهن على بناء منظومات ابتكار أكثر نضجًا. غير أن ما يجري في كوريا الجنوبية يقدّم تحذيرًا مهمًا: لا ينبغي قراءة عودة الاهتمام العالمي بالاستثمار التقني على أنها وعد تلقائي بأن كل شركة تحمل عبارة «AI» في عرضها التقديمي ستنجح في جمع التمويل.

المستثمر العربي، مثل نظيره الكوري، سيصبح على الأرجح أكثر تدقيقًا في السؤال عن أصل القيمة: هل هناك بيانات حقيقية؟ هل هناك عميل يدفع؟ هل الحل يوفر وقتًا أو مالًا بصورة قابلة للقياس؟ هل الشركة تبني ملكية فكرية أو تفوقًا تشغيليًا، أم تعتمد فقط على واجهات فوق نماذج عامة يمكن لأي منافس استخدامها؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفًا، بل صارت أساسًا في بيئة عالمية ترتفع فيها كلفة رأس المال ويزداد فيها التنافس على المواهب والخوادم والبنية التحتية.

ومن زاوية أخرى، فإن الخبر الكوري يذكّرنا بأن الفرصة في العالم العربي قد لا تكون محصورة في بناء «نموذج عربي ضخم» وحسب، بل أيضًا في الطبقات المساندة: حلول الحوكمة، وأمن الذكاء الاصطناعي، وأدوات الامتثال، وبرمجيات المؤسسات، وتطبيقات القطاعات المتخصصة مثل الصحة والتعليم والتمويل والقطاع الحكومي. وهذه مجالات تستطيع فيها شركات المنطقة أن تبني قيمة حقيقية إذا فهمت احتياجات أسواقها المحلية والإقليمية، بدل مطاردة صورة نمطية مستوردة عن النجاح التكنولوجي.

كذلك، تقدم كوريا درسًا في أن المنافسة لم تعد محلية. فالشركة التي تطلب تقييمًا مرتفعًا ستُقارن حتمًا بشركات في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل وسنغافورة. وهذا الأمر يزداد أهمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تحتاج الشركات إلى إثبات قدرتها على العمل عبر الحدود، وعلى تحويل الابتكار إلى منتج يمكن بيعه في أكثر من سوق. إن العبرة هنا ليست فقط في جودة التقنية، بل في بنية المبيعات، وسرعة إقناع العملاء الكبار، والقدرة على بناء مرجعيات موثوقة.

في النهاية، تقول لنا التجربة الكورية إن زمن السهولة قد انتهى، لكن زمن الفرص لم ينتهِ. الفرص موجودة، بل ربما أكبر من السابق، لكنها أصبحت تتطلب صرامة أعلى بكثير. هناك من سيكسب لأن لديه بنية تقنية، وإثباتًا تجاريًا، وموقعًا واضحًا داخل سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي. وهناك من سيبقى على الهامش لأنه يخلط بين الضجيج والفرصة الحقيقية. وبين هذين المسارين، ستتشكل المرحلة المقبلة من الاستثمار التكنولوجي في آسيا والعالم العربي معًا.

وعليه، فإن قراءة المشهد الكوري لا ينبغي أن تكون احتفالًا ساذجًا بعودة السيولة، ولا تشاؤمًا مطلقًا من انحياز السوق. الأصح أنها دعوة إلى واقعية جديدة: نعم، الذكاء الاصطناعي يعيد الحياة إلى رأس المال الجريء، لكنه لا يفعل ذلك بالتساوي. ونعم، المستقبل ما زال يفتح أبوابه، لكنه يفتحها لمن يثبت بالأرقام، لا بالشعارات، أنه يستحق الدخول.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات