광고환영

광고문의환영

ما الذي تكشفه أزمة الترشيحات في دايغو عن سياسة المحافظين في كوريا الجنوبية؟

ما الذي تكشفه أزمة الترشيحات في دايغو عن سياسة المحافظين في كوريا الجنوبية؟

دايغو ليست مدينة عادية في الخريطة السياسية الكورية

في كوريا الجنوبية، لا تُقرأ الانتخابات المحلية فقط من زاوية أسماء الفائزين والخاسرين، بل من خلال الطريقة التي تُدار بها المعركة قبل يوم الاقتراع. وهذا ينطبق بصورة خاصة على مدينة دايغو، التي تُعد بالنسبة للتيار المحافظ ما يشبه بعض المعاقل الانتخابية العربية التي يصبح فيها الصراع داخل البيت الواحد أكثر حساسية من المنافسة مع الخصوم التقليديين. في هذا السياق، حمل يوم 25 أبريل/نيسان 2026 مشهدين متزامنين في ساحة حزب «قوة الشعب» المحافظ في دايغو: الأول تمثل في إعلان لي جين سوك، الرئيسة السابقة للجنة الاتصالات الكورية، عدم الترشح بعد تداول احتمال خوضها السباق كمستقلة؛ والثاني كان تراجع الحزب عن ترشيح منفرد لمنصب رئيس حي جونغ في دايغو، وتحويل القرار لاحقاً إلى انتخابات تمهيدية داخلية بعد اعتراضات على الإجراءات.

ظاهرياً، قد يبدو المشهد الأول دليلاً على احتواء الخلاف، بينما يبدو الثاني مجرد تصحيح إداري أو مراجعة داخلية. لكن القراءة الأعمق تقول إن الحدثين معاً يرويان قصة واحدة: قصة حزب يحاول الحفاظ على تماسكه في معقل يُفترض أنه مضمون انتخابياً، لكنه يكتشف في الوقت نفسه أن إدارة الترشيحات لا تقل خطورة عن إدارة الحملة نفسها. ففي الأنظمة الحزبية الراسخة، لا يكون السؤال فقط: من سيفوز؟ بل أيضاً: كيف جرى اختيار المرشح؟ وهل قبل الخاسرون بالقواعد؟ وهل بقيت القاعدة الشعبية مقتنعة بعدالة العملية؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو التركيز على «الترشيحات الداخلية» تفصيلاً حزبياً محدود الأهمية. لكن التجربة الكورية الجنوبية تُظهر أن هذه المرحلة أشبه بما نسميه في منطقتنا «الاختبار الحقيقي للبيت السياسي». ففي المدن التي تتمتع بميول انتخابية مستقرة، يتحول اختيار مرشح الحزب الكبير إلى معركة فعلية تسبق الانتخابات العامة، لأن الفائز ببطاقة الحزب يقترب كثيراً من الفوز بالمقعد. من هنا تصبح كل خطوة إجرائية، وكل اعتراض، وكل انشقاق محتمل، جزءاً من صورة أكبر تتعلق بقدرة الحزب على الإدارة والانضباط وبناء الشرعية.

وإذا كانت دايغو تمثل رمزاً انتخابياً للمحافظين، فإن ما جرى فيها لا يخص المدينة وحدها. إنه رسالة إلى القيادة المركزية في سيول، وإلى بقية الفروع الحزبية في الأقاليم، مفادها أن النجاح في المناطق المضمونة لا يُقاس بالنتيجة فقط، بل بمدى سلامة الطريق إليها. فالانتصار الذي يسبقه اضطراب داخلي طويل قد يُنتج فوزاً انتخابياً قصير المدى، لكنه يخلّف ندوباً تنظيمية وسياسية قد تعود للظهور في استحقاقات لاحقة.

انسحاب لي جين سوك: تهدئة ضرورية لا تمحو أصل الأزمة

الحدث الأول، وهو إعلان لي جين سوك عدم خوض الانتخابات، حمل للحزب المحافظ جرعة واضحة من الارتياح. فلي، التي خرجت من سباق تمهيدي لاختيار مرشح الحزب لمنصب رئيس بلدية دايغو، أبقت الباب مفتوحاً لفترة أمام احتمال الترشح كمستقلة. وفي مدينة مثل دايغو، حيث القاعدة المحافظة متماسكة تاريخياً، فإن دخول شخصية معروفة من خارج المظلة الحزبية الرسمية لا يعني بالضرورة قلب النتائج رأساً على عقب، لكنه قد يسبب شيئاً لا يقل خطورة: تشتيت الصوت المحافظ، وإثارة الشكوك حول نزاهة قرار الحزب، وتقديم صورة عن انقسام داخلي في لحظة يفترض فيها أن يكون المعسكر في أعلى درجات الانضباط.

ردود فعل قيادات حزب «قوة الشعب» عكست هذا المعنى بوضوح. فالتعامل مع قرار عدم الترشح لم يكن بروتوكولياً أو مجاملة عابرة، بل جاء بصيغة سياسية تقول إن لي اتخذت «قراراً لصالح الحزب»، وإن وحدة المعسكر المحافظ استعادت توازنها. مثل هذه اللغة لا تُستخدم عادة إذا كان الأمر عادياً أو هامشياً. هي لغة تُستعمل عندما يشعر الحزب أنه تجنب مشكلة حقيقية كانت قادرة على استنزافه، حتى لو لم تُفضِ إلى هزيمة انتخابية مباشرة.

لكن التهدئة، مهما كانت مهمة، لا تمحو السؤال الأساسي: كيف وصل الحزب أصلاً إلى لحظة بدا فيها احتمال الترشح المستقل واقعياً ومؤثراً؟ هذا السؤال هو لب القضية. لأن مجرد ظهور هذا الاحتمال يعني أن جزءاً من النخبة أو من الأنصار رأى أن قرار الاستبعاد من السباق التمهيدي لم يكن مقنعاً بما يكفي، أو أن آلية الشرح والتواصل بعد القرار لم تكن ناجحة. في الحياة الحزبية، لا يكفي أن تعلن القيادة قرارها؛ بل يجب أن تتمكن من إقناع الخاسرين وأنصارهم بأن الخسارة جاءت في إطار قواعد مفهومة ومقبولة.

هنا تحديداً تكمن قيمة الحدث وخطورته في آن. فعدم ترشح لي جين سوك أنهى احتمالاً مقلقاً، لكنه سجّل أيضاً في الذاكرة السياسية أن الخلاف كان موجوداً بالفعل، وأن الحزب لم يكن محصناً من سيناريو خروج شخصية بارزة عن الصف. وهذه نقطة شديدة الحساسية في ثقافة سياسية مثل الثقافة الكورية الجنوبية، حيث تُراقَب الأحزاب الكبرى لا فقط بوصفها آلات انتخابية، بل كتنظيمات يُفترض أن تمتلك القدرة على إدارة الاختلافات ضمن المؤسسة، لا خارجها.

وللقارئ العربي، يمكن تشبيه ذلك بحالة حزب كبير في مدينة تُعد خزانه الانتخابي الرئيسي، ثم يجد نفسه قبل أسابيع من الاستحقاق أمام احتمال أن يترشح أحد أبرز الوجوه التي استبعدها الحزب كمستقل. حتى لو لم يغيّر هذا السيناريو النتائج النهائية، فإنه يطرح أسئلة عن معايير الاختيار، وعن قدرة القيادة على استيعاب الطموحات المتنافسة، وعن حجم الاحتقان الكامن تحت السطح. لذلك، فإن انسحاب لي كان بمثابة إطفاء حريق، لكنه لم يلغِ آثار الدخان.

أزمة حي جونغ: عندما تصبح الإجراءات قضية سياسية بحد ذاتها

إذا كان المشهد الأول قد منح الحزب فرصة لالتقاط الأنفاس، فإن المشهد الثاني أعاده سريعاً إلى منطقة القلق. فقد كانت لجنة إدارة الترشيحات في فرع الحزب بمدينة دايغو قد أوصت في البداية بترشيح جون جانغ سو، النائب السابق لعمدة المدينة للشؤون الاقتصادية، بشكل منفرد لمنصب رئيس حي جونغ. لكن هذا القرار لم يصمد طويلاً. إذ اعترض رئيس الحي الحالي ريو غيو ها على الآلية المتبعة، معتبراً أن الترشيح المنفرد لم يستوفِ متطلبات النظام الداخلي، ولا سيما ما يتعلق بنسبة التصويت اللازمة داخل اللجنة. وبعد إعادة النظر مرتين في اليوم نفسه، جرى التراجع عن القرار وتحويل المنافسة إلى انتخابات تمهيدية داخلية.

في الظاهر، قد يقال إن الحزب أصلح المسار بسرعة، وإن ذلك دليل على وجود مرونة واستعداد لتصحيح الخطأ. وهذه قراءة صحيحة جزئياً. لكن في السياسة، لا تكمن المشكلة فقط في التصحيح، بل في سبب الاضطرار إليه بهذه السرعة وفي هذه العلنية. لأن التراجع عن قرار في غضون ساعات، وفي ملف حساس كالترشيحات، يبعث برسالة أن القرار الأول لم يكن محصناً بما يكفي إجرائياً، أو أن فحصه القانوني والسياسي لم يكن مكتمل النضج.

أهمية هذه المسألة تتجاوز المنافسة بين شخصين على منصب محلي. فالترشيحات الحزبية، خصوصاً في كوريا الجنوبية، لا تُفهم على أنها مجرد ترتيبات إدارية، بل كاختبار لمستوى الديمقراطية الداخلية والانضباط المؤسسي. وحين يحتج طرف خاسر قائلاً إن الشروط النظامية لم تُستوفَ، فإن النقاش ينتقل فوراً من سؤال «من هو الأجدر؟» إلى سؤال «هل جرت العملية وفق القواعد؟». وفي هذه اللحظة، تصبح المسألة أخطر، لأن الخلاف لم يعد سياسياً قابلاً للتفاوض فحسب، بل صار متعلقاً بمبدأ العدالة الإجرائية نفسه.

في البيئات الحزبية المستقرة، يستطيع المرشح الخاسر أن يقبل بالنتيجة إذا شعر أن القواعد كانت واضحة ومطبقة على الجميع. أما إذا تسرب إليه ولأنصاره إحساس بأن القرار صيغ على عجل أو أن معايير الحسم لم تكن مكتملة، فإن الغضب لا يظل محصوراً داخل القاعة، بل ينتقل إلى القواعد المحلية، وربما إلى الشارع الانتخابي. ولهذا تحديداً تُعد شرعية الإجراء، في حالات كثيرة، أهم من مضمون القرار نفسه. فالخاسر قد يتقبل خصمه، لكنه لا يتقبل الغموض في القواعد.

ومن منظور عربي، يمكن القول إن ما حدث في حي جونغ يعادل ما يقع في بعض الأحزاب حين يُعلن اسم مرشح محلي بوصفه «مرشح التوافق»، ثم تتكشف بعد ساعات اعتراضات حول النصاب أو لوائح التصويت أو آلية التشاور، فيتحول ملف بسيط في الظاهر إلى عنوان كبير عن الشفافية والحوكمة الداخلية. هذا النوع من الأزمات يرهق الأحزاب، لأنه يستهلك وقتها في الدفاع عن الإجراءات بدلاً من تسويق البرامج والرسائل الانتخابية.

في المعاقل المحافظة، المعركة الحقيقية تبدأ قبل يوم الاقتراع

تكمن خصوصية دايغو في أنها ليست مجرد مدينة كبيرة، بل رمز انتخابي للتيار المحافظ في كوريا الجنوبية. وفي مثل هذه المناطق، تكون الترشيحات الحزبية أقرب إلى «الانتخابات الأولى» أو «المعركة الفاصلة» قبل الوصول إلى الصندوق العام. فحين يكون ميزان القوى معروفاً إلى حد بعيد، يصبح الصراع الأساسي داخل الحزب، لا بين الحزب ومنافسيه. ولهذا فإن أي خلل في إدارة الترشيحات يكتسب وزناً أكبر بكثير مما قد يكتسبه في المناطق المتأرجحة.

هذا الواقع يفسر لماذا بدت الحادثتان في اليوم نفسه كأنهما صورتان متعاكستان لحزب واحد. من جهة، نجح الحزب في نزع فتيل احتمال انشقاق انتخابي عبر امتناع لي جين سوك عن الترشح. ومن جهة أخرى، كشف تراجع قرار حي جونغ عن أن آلية إدارة المنافسة داخل الحزب ليست محكمة بالقدر الذي يفترضه كثيرون في معقل محافظ مخضرم. بمعنى آخر، حقق الحزب إنجازاً على مستوى «ضبط الصف»، لكنه تعرض في الوقت نفسه لاهتزاز على مستوى «ضبط الإجراء».

وفي التجارب السياسية المقارنة، كثيراً ما تكون المعاقل الانتخابية هي الأصعب إدارة، لا الأسهل. ذلك أن كثافة الطموحات ترتفع فيها، لأن فرص الفوز بعد نيل بطاقة الحزب تصبح أكبر. وكلما زادت قيمة الترشيح، زادت حساسيات المنافسة، وارتفع احتمال الاعتراض، وتعاظمت الحاجة إلى قواعد لا لبس فيها. لذا فالمناطق المضمونة لا تسمح للحزب بالتراخي، بل تفرض عليه درجة أعلى من الدقة والانضباط والقدرة على الإقناع.

هنا يبرز عامل آخر مهم: الناخبون الموالون للحزب في هذه المناطق لا يكونون بالضرورة أقل صرامة، بل ربما أكثر صرامة من غيرهم. فحين يثق الناخب بأن حزبه قادر على الفوز، ينتقل اهتمامه من هاجس النتيجة إلى معيار السلوك. بعبارة أقرب إلى المزاج العربي المألوف: حين يشعر الجمهور أن الفوز شبه مضمون، يبدأ بسؤال الحزب عن الأداء والأخلاق والعدالة، لا عن القدرة على الانتصار فقط. لهذا فإن مقولة «المعقل الانتخابي يتحمل كل شيء» ليست صحيحة دائماً. أحياناً يكون جمهور المعقل هو الأكثر ضيقاً بالضوضاء الداخلية، لأنه يرى أن الحزب لا يملك عذراً للفوضى.

جوهر القضية ليس الفوز فقط، بل قابلية الجميع لتقبّل النتيجة

أهم درس يمكن استخلاصه من تطورات دايغو هو أن السياسة الانتخابية لا تُقاس بمفهوم الفوز وحده، بل بمفهوم «القابلية للتقبّل». هذا المفهوم يبدو تقنياً، لكنه في الحقيقة سياسي بامتياز. فالحزب يحتاج إلى أن يقبل المرشح المستبعد القرار، وأن يقتنع أنصاره بأن قواعد اللعبة كانت سليمة، وأن يشعر المنتمون إلى التنظيم بأن المؤسسة لم تهمّش أحداً أو تكسر اللوائح خدمة لطرف بعينه. من دون هذا القبول، يصبح كل انتصار هشاً، وكل حملة مثقلة بالمرارة، وكل وحدة معلنة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار.

في حالة لي جين سوك، بدا أن الحزب استعاد شيئاً من هذه القابلية عبر عدم الترشح، أي عبر امتصاص التمرد المحتمل قبل أن يتحول إلى مسار انتخابي موازٍ. وفي حالة حي جونغ، حاول الحزب إعادة إنتاج هذه القابلية من خلال العدول عن الترشيح المنفرد وإعادة الملف إلى الانتخابات التمهيدية. لكن الفارق بين الحالتين مهم: الأولى أنهت أزمة ظاهرة، والثانية كشفت أن الأزمة كانت كامنة في بنية الإجراء نفسه.

المشكلة، إذن، ليست في أن الحزب صحح القرار متأخراً، بل في أن التصحيح جاء بعد انكشاف الخلل. ففي التنظيمات المتماسكة، تُصمم الآليات مسبقاً لتقليل فرص الانفجار، لا للاكتفاء بإدارة آثاره بعد وقوعه. وإذا تكررت أنماط من هذا النوع، فإن القيادة ستجد نفسها تتحول من صانعة للأجندة الانتخابية إلى جهاز دائم لإطفاء الأزمات الداخلية. وعندها، تتراجع القضايا المحلية والبرامج والسياسات إلى الخلف، بينما يتقدم سؤال واحد إلى الواجهة: من ظلم من داخل الحزب؟

هذه نقطة أساسية لفهم كثير من ظواهر السياسة الكورية الجنوبية، التي تبدو أحياناً شديدة التركيز على الصيغ والإجراءات. غير أن هذا ليس ترفاً بيروقراطياً، بل جزء من الصراع على الشرعية. فكما أن الجماهير العربية تراقب أحياناً كيف تُدار التحالفات والائتلافات والمشاورات قبل إعلان الترشيحات، يراقب الناخب الكوري أيضاً البنية الدقيقة لعملية الاختيار. ومن هنا تتحول دقائق اللائحة الداخلية إلى موضوع رأي عام، لأنها تتصل مباشرة بسمعة الحزب واحترامه لمؤسساته.

رسالة دايغو إلى سيول: إدارة الحزب لا تقل أهمية عن قوته الانتخابية

ما جرى في دايغو لا ينبغي فهمه باعتباره مشكلة محلية ضيقة، بل باعتباره رسالة إلى القيادة المركزية لحزب «قوة الشعب» في سيول. فالمدن الكبرى والأقاليم ذات الثقل الرمزي تعمل في أحيان كثيرة مثل مرايا تعكس مستوى الانضباط داخل الحزب كله. وإذا ظهرت الثغرات في معقل محافظ، فمن الطبيعي أن يتساءل المراقبون: كيف سيُدار الأمر في المناطق الأكثر تنافسية وتعقيداً؟ وإذا كان الحزب يحتاج إلى إعادة نظر مرتين في ملف محلي خلال يوم واحد، فكيف سيقنع الرأي العام بأنه يملك منظومة ترشيحات مستقرة على المستوى الوطني؟

إن قوة الحزب الانتخابية لا تُقاس فقط بحجم شعبيته أو بصلابة حضوره التاريخي، بل بقدرته على تحويل هذا الرصيد إلى مؤسسة منظمة. وفي هذا المعنى، تُعد الترشيحات اختباراً لشيء أعمق من مجرد الاختيار: إنها اختبار لقدرة الحزب على ممارسة الحكم على نفسه قبل أن يطلب تفويضاً لحكم الآخرين. فالذي لا يستطيع إقناع كوادره بعدالة آلياته سيجد صعوبة في إقناع الناخبين بأنه أقدر على إدارة الدولة أو المدينة أو الحي.

ويمكن القول إن دايغو قدمت في يوم واحد درساً مزدوجاً. فمن جهة، لا يزال الحزب قادراً على ترميم صفوفه ومنع انشقاق محتمل، وهذا أمر ليس بسيطاً. ومن جهة أخرى، لا يزال يعاني من هشاشة في بعض حلقات اتخاذ القرار الداخلي، بحيث يمكن لاعتراض إجرائي أن يقلب الترتيبات خلال ساعات. هذا التناقض هو بالتحديد ما يجعل القصة مهمة خارج حدود المدينة نفسها.

في العالم العربي، نعرف جيداً أن الأحزاب أو الكتل السياسية قد تربح استحقاقاً انتخابياً، لكنها تخرج منه أضعف تنظيمياً مما كانت قبل دخوله. يحدث ذلك حين تُدار الخلافات بالمسكنات المؤقتة، لا بالقواعد المستقرة. ويبدو أن هذا الاحتمال حاضر أيضاً في الحالة الكورية، وإن بصيغة مختلفة وأكثر مؤسسية. فحزب «قوة الشعب» ربما كسب هدوءاً آنياً في دايغو، لكنه تلقى أيضاً تنبيهاً صريحاً إلى أن هدوء اليوم لا يغني عن إصلاح آليات الغد.

ما بعد الأزمة: هل يتعلم المحافظون الدرس قبل اتساع الدائرة؟

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس ما إذا كان الحزب المحافظ سيبقى قوياً في دايغو، بل ما إذا كان سيتعامل مع ما حدث بوصفه حادثة عابرة أم إنذاراً مبكراً. فإذا اكتفت القيادة بالاحتفاء بعدم ترشح لي جين سوك، واعتبرت أن تحويل ملف حي جونغ إلى انتخابات تمهيدية أنهى المشكلة، فإنها تكون قد قرأت نصف الصورة فقط. أما النصف الآخر، والأكثر أهمية، فهو أن الحزب كُشف أمام جمهوره وأمام خصومه في لحظة ارتباك كان يمكن تقليلها لو كانت آليات الاختيار أكثر وضوحاً منذ البداية.

الدرس الأوضح هنا هو أن إدارة الترشيحات في المعاقل الانتخابية يجب أن تكون أدق من غيرها، لا أقل. فالمناطق المضمونة لا تُدار بالعادات القديمة أو الثقة الزائدة بالنفوذ التاريخي، بل تحتاج إلى تحديث دائم في القواعد، وشفافية أعلى في الشرح، وقدرة أكبر على امتصاص غضب المستبعدين قبل أن يتحول إلى أزمة علنية. كذلك يحتاج الحزب إلى أن يوازن بين الاعتبارات السياسية المباشرة، مثل القابلية للفوز، وبين الاعتبارات المؤسسية، مثل سلامة الإجراء ووضوح معيار الاختيار.

أبعد من دايغو، تحمل القضية إنذاراً لبقية الفروع الحزبية في البلاد. فالانتخابات المحلية في كوريا الجنوبية، بخلاف ما قد يظنه بعض المراقبين من الخارج، لا تتحرك فقط بشعارات وطنية أو باستقطابات مركزية، بل تقوم بدرجة كبيرة على الشبكات المحلية، والسمعة الشخصية، وعلاقات التنظيم الداخلي. لذلك فإن أي خلل في الترشيحات يمكن أن يتضاعف أثره بسرعة، لا سيما حين يشعر المرشحون المحليون أن لديهم قواعد اجتماعية وشبكات دعم قادرة على التحرك خارج قرار الحزب.

في النهاية، ما تركه يوم 25 أبريل/نيسان في دايغو ليس مجرد عنوانين إخباريين منفصلين، بل صورة مركبة عن السياسة الحزبية في كوريا الجنوبية اليوم. صورة تقول إن الوحدة الحزبية ممكنة، لكنها تحتاج ثمناً تفاوضياً وتنظيمياً. وتقول أيضاً إن الإجراءات ليست تفاصيل ثانوية، بل هي قلب الشرعية في نظام ديمقراطي تنافسي. لهذا فإن الحكم على ما جرى لا ينبغي أن يُختصر في سؤال: هل نجح الحزب في إخماد الخلاف؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أعمق: هل يمتلك الحزب مناعة مؤسسية تمنع تكرار هذه الخلافات بالشكل نفسه؟

هذا هو المعنى الأوسع لقصة دايغو. فالمحافظون هناك لم يختبروا فقط قدرتهم على الفوز، بل اختبروا أيضاً قدرتهم على إدارة الفوز قبل وقوعه. وبين مشهد انسحاب مرشحة محتملة مستقلة، ومشهد التراجع عن ترشيح منفرد تحت ضغط الاعتراض، تتأكد حقيقة يعرفها كل من تابع السياسة في أي مكان، من سيول إلى العواصم العربية: الطريق إلى صندوق الاقتراع يبدأ من داخل الحزب نفسه، وأحياناً تكون المعركة الأصعب هي تلك التي تدور بين الحلفاء لا بين الخصوم.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات