
حين لم يعد التلفزيون هو البداية
في مشهد كان حتى وقت قريب يبدو غير مألوف في صناعة الترفيه الكورية، برزت خلال الأيام الماضية إشارة لافتة إلى تبدل عميق في طريقة إنتاج البرامج وتوزيعها واستهلاكها. القصة لا تتعلق بإطلاق برنامج جديد بالكامل، بل بكيفية انتقال برنامج من الفضاء الرقمي إلى شاشة التلفزيون بعد أن يكون قد أثبت حضوره أولاً على يوتيوب. هذا التحول، الذي بدا رمزياً أكثر من كونه مجرد قرار برمجي عابر، ظهر بوضوح مع تخصيص قناة «MBC درامانِت» مساحة تلفزيونية لمحتوى من برنامج الويب الترفيهي «صالون دِريب»، على أن يُعرض أولاً عبر قناة «تيو» على يوتيوب في السادسة مساء، ثم ينتقل بعد ساعتين فقط إلى شاشة التلفزيون.
في الظاهر، قد يبدو الأمر مجرد إعادة عرض سريعة لمحتوى حقق رواجاً رقمياً. لكن في العمق، نحن أمام انعكاس واضح لتحول ميزان القوة بين المنصات. فالتلفزيون الذي كان لعقود طويلة هو المنصة الأم، وصاحب الكلمة الأولى في تقديم النجوم وصناعة الحدث، لم يعد يحتكر لحظة الإطلاق الأولى. المنصة الرقمية باتت قادرة على أن تكون هي «العرض الأول»، بينما يتحول التلفزيون إلى مساحة إعادة تقديم، أو إذا صح التعبير، إلى منصة ثانية تمنح المحتوى عمراً إضافياً وجمهوراً مختلفاً وسياق مشاهدة آخر.
هذا التطور يهم القارئ العربي ليس فقط لأنه يأتي من كوريا الجنوبية، أحد أهم مصادر الثقافة الشعبية العالمية في السنوات الأخيرة، بل لأنه يلامس أسئلة مطروحة أيضاً في إعلامنا العربي: من يصنع الحدث اليوم؟ هل القناة الفضائية أم المنصة الرقمية؟ وهل ما زالت الشاشة التقليدية قادرة على قيادة الذوق العام كما كانت تفعل في زمن البرامج الكبرى التي كانت تجمع العائلة من المحيط إلى الخليج؟ ما يحدث في سيول يبعث برسالة واضحة: لم تعد العلاقة بين التلفزيون والإنترنت علاقة أصل ونسخة، بل علاقة تبادل أدوار وتكامل مصالح.
ولعل أهمية هذه الحالة أنها لا تمثل مجرد استثناء، بل تبدو كأنها إعلان صريح عن مرحلة جديدة. فالفارق الزمني القصير بين نشر الحلقة رقمياً ثم بثها تلفزيونياً لا يجعل منها «إعادة» بالمعنى القديم، بل يجعلها أقرب إلى إعادة تموضع للمحتوى نفسه في بيئتين مختلفتين. هنا لا يتأخر التلفزيون عن الإنترنت لأيام أو أسابيع، بل يلتحق به سريعاً ليستثمر الزخم نفسه، ويقتنص الاهتمام المتشكل للتو. وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً في فلسفة البرمجة الإعلامية، من فكرة السبق المطلق إلى فكرة الإدارة الذكية للضجة.
«صالون دِريب» ليس مجرد برنامج حواري
البرنامج الذي يقف في قلب هذه الظاهرة هو «صالون دِريب»، وهو برنامج ويب ترفيهي يقوم على صيغة حوارية خفيفة، تتولاها المذيعة والكوميدية الكورية المعروفة جانغ دو-يون. ولمن لا يتابع تفاصيل المشهد الكوري بدقة، فإن هذه النوعية من البرامج تقع في منطقة وسطى بين المقابلات الصحافية التقليدية وبين الترفيه الخفيف القائم على الكيمياء الشخصية والارتجال واللقطات القابلة للاقتطاع والمشاركة على وسائل التواصل. هي ليست «توك شو» بالصيغة التلفزيونية الثقيلة التي نعرفها في بعض البرامج العربية القديمة، وليست في الوقت نفسه دردشة عابرة بلا بناء. إنها منتج مصمم بعناية كي يكون قابلاً للمشاهدة الكاملة، وقابلاً أيضاً للتحول إلى مقاطع قصيرة تنتشر كالنار في الهشيم.
هذا النوع من البرامج ازدهر في كوريا الجنوبية لأن النجوم هناك، سواء كانوا ممثلين أو مطربين أو حتى رياضيين، صاروا بحاجة إلى مساحات تظهر شخصياتهم بعيداً عن الأعمال الرئيسية التي يشاركون فيها. الجمهور لم يعد يكتفي بمشاهدة المسلسل أو الأغنية، بل يريد أن يرى كيف يتحدث النجم، وكيف يضحك، وكيف يتفاعل مع زملائه، وما إذا كانت صورته العامة منسجمة مع الانطباع الذي تبيعه الحملات التسويقية. بهذا المعنى، تحولت برامج الويب الحوارية إلى جزء أساسي من ماكينة بناء الصورة العامة للمشاهير.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا يُنظر إلى «صالون دِريب» على أنه محتوى جانبي أو أقل قيمة من برامج التلفزيون. في الصناعة الكورية الحالية، البرنامج الذي يصنع «لقطة» أو «كليب» يهيمن على المزاج العام قد يكون أكثر تأثيراً من برنامج تلفزيوني موسمي كامل. فالشهرة لم تعد مرتبطة دائماً بطول العرض أو بضخامة الإنتاج، بل بقدرة الحلقة على اختراق دوائر النقاش العام. وهذا يذكّرنا، عربياً، بما يحدث أحياناً حين تصبح مقابلة قصيرة على منصة رقمية أكثر تداولاً وتأثيراً من حلقة ممتدة على قناة فضائية معروفة.
إضافة إلى ذلك، فإن اسم الشركة المنتجة «تيو» له وزن خاص في السوق الكورية، لأنها ترتبط بإرث إبداعي معروف وبأسماء صناع محتوى يمتلكون حساً عالياً في فهم الإيقاع العام للجمهور. في السابق، كان اسم القناة وحده كافياً لإضفاء الشرعية على العمل. اليوم بات اسم الشركة المنتجة، وهو أمر يوازي في العالم العربي صعود شركات إنتاج صار الجمهور يعرف هويتها ونكهتها الخاصة، جزءاً من قرار المشاهدة ذاته. وهذا تحول مهم لأن العلامة التجارية لم تعد محصورة بالمؤسسة الباثة، بل انتقلت جزئياً إلى الجهة التي تبتكر الفكرة وتدير أسلوبها ونبرتها.
لماذا أصبح النجوم أنفسهم أهم من البرنامج؟
الحلقة التي جرى تسليط الضوء عليها اكتسبت قيمتها الإضافية من ظهور النجمين آيو وبيون وو-سوك معاً. وآيو، لمن لا يعرف عمق مكانتها في كوريا، ليست مجرد مغنية ناجحة، بل واحدة من أكثر الشخصيات الجماهيرية نفوذاً وتأثيراً في الثقافة الشعبية الكورية، تجمع بين الغناء والتمثيل وصورة النجمة ذات القرب الإنساني. أما بيون وو-سوك فقد تحول في السنوات الأخيرة إلى اسم ثقيل في سوق الدراما، مع اتساع قاعدته الجماهيرية داخل كوريا وخارجها. جمع هذين الاسمين في ظهور واحد لا يعمل فقط بوصفه مقابلة ترويجية لعمل درامي، بل بوصفه حدثاً مستقلاً قادراً على اجتذاب جمهورين متوازيين، وربما أكثر.
هذه النقطة أساسية لفهم ما يجري في الترفيه الكوري الآن. في السابق، كان البرنامج يعتمد على ولاء جمهوره الثابت: الناس تشاهد لأنهم يحبون الصيغة أو المقدم أو الموعد الأسبوعي. اليوم، هناك منطق آخر يتقدم بسرعة، يقوم على «حلقة الحدث» أو «الظهور المناسباتي» الذي يرفع المشاهدة بشكل انفجاري. هذا منطق قريب من سلوك المنصات الرقمية، حيث لا يلتزم المشاهد بالضرورة ببرنامج كامل، لكنه يتابع حلقة بعينها لأن ضيفها يثير الاهتمام، أو لأن الكيمياء بين الضيوف تبدو واعدة، أو لأن العمل الدرامي المرتبط بهم على وشك العرض.
في العالم العربي، يمكن تقريب الفكرة إلى أذهان القراء عبر المقارنة بظهور نجمين من الصف الأول في برنامج حواري قبل إطلاق مسلسل مرتقب في رمضان. الجمهور لا يتابع فقط للحصول على معلومات عن العمل، بل لالتقاط ما يوصف اليوم بـ«الكيمياء» بين الثنائي: طريقة الكلام، المزاح، لغة الجسد، مساحة الانسجام. هذه العناصر صارت جزءاً من الترويج نفسه. المسلسل لم يعد يُسوَّق فقط عبر الإعلان الرسمي أو الملصقات أو المقابلات الصحافية المكتوبة، بل عبر إحساس عام يتشكل في المقابلات المرئية والبرامج الخفيفة والمقاطع القصيرة.
من هنا، تصبح الحلقة نفسها سلعة متعددة الوظائف. هي مادة ترفيهية، وأداة ترويجية، ووسيلة لتغذية النقاش العام، ومناسبة لاختبار تفاعل الجمهور قبل أو بعد إطلاق العمل الدرامي. وهذا ما يفسر حرص القنوات التلفزيونية على استضافة أو إعادة برمجة هذا النوع من الحلقات بعد إثبات نجاحها رقمياً. فالقناة لا تشتري فقط «برنامجاً»، بل تشتري درجة حرارة جماهيرية جاهزة، أو ما يمكن وصفه بمؤشر اهتمام مثبت سلفاً.
التلفزيون كمنسّق للضجة لا كصانعها الوحيد
أبرز ما تكشفه هذه الحالة هو أن التلفزيون الكوري لم يعد يتعامل مع محتوى الويب بوصفه درجة أدنى من الصناعة الترفيهية. لم يعد ينظر إليه كمساحة تجريبية هامشية أو كمنفذ لنشر اللقطات المقتطفة من برامجه الأصلية. على العكس، يبدو أن القنوات باتت أكثر استعداداً للاعتراف بأن المنصة الرقمية قد تنتج نغمة العصر أسرع منها، وأن من الذكاء المهني أن تلتقط هذه النغمة وتعيد توظيفها داخل شبكتها البرمجية.
هذا التحول لا يعني أن التلفزيون خسر أهميته بالكامل. لا تزال للشاشة التقليدية في كوريا، كما في العالم العربي، مكانة مرتبطة بالشرعية والانتشار واتساع الشريحة العمرية والوصول إلى جمهور لا يعيش بالكامل داخل اقتصاد الخوارزميات والمنصات. لكن ما يتغير هو وظيفة التلفزيون. بدلاً من أن يكون دائماً المنبع الأول، صار أشبه بمنسّق للضجة، أو أمين مكتبة جماهيرية ينتقي من الفضاء الرقمي ما ثبتت حيويته ثم يضعه في سياق جديد، معتمداً على خبرته في البرمجة وعلى ما يملكه من قدرة على منح المحتوى قيمة إضافية.
من زاوية اقتصادية، هذا المنطق مفهوم للغاية. فإنتاج برنامج جديد بالكامل يحمل مخاطر عالية، خصوصاً في سوق شديد التنافس مثل كوريا الجنوبية. أما الحصول على محتوى أثبت جاذبيته على يوتيوب، أو على الأقل أظهر مؤشرات قوية على احتمالات نجاحه، فيخفض تكلفة المخاطرة. القناة هنا لا تغامر في الظلام، بل تتعامل مع بيانات وسلوك مشاهَدة وموجة اهتمام واضحة. وبذلك تتحول المنصة الرقمية إلى ما يشبه مختبر اختبار، بينما يصبح التلفزيون مساحة التوسعة وإعادة التعبئة.
هذا المشهد ليس بعيداً عن مناخات عربية بدأت تتشكل تدريجياً. فكم من برنامج أو مقطع أو حتى بودكاست انطلق من الإنترنت ثم وجد طريقه إلى القنوات الفضائية أو إلى النسخ التلفزيونية المنتظمة؟ الفارق أن كوريا الجنوبية تسير في هذا المسار بسرعة أكبر، لأن البنية الصناعية أكثر مرونة، ولأن العلاقة بين شركات الإنتاج والمنصات والقنوات أكثر انفتاحاً على التجريب. لكن المبدأ نفسه بات عالمياً: لا أحد يملك وحده تعريف «البث الأول» كما كان الأمر سابقاً.
المُقدّم الذكي صار علامة تجارية بحد ذاته
أحد المفاتيح المهمة في صعود برامج مثل «صالون دِريب» هو شخصية المقدّم. جانغ دو-يون ليست مجرد وجه يطرح الأسئلة وينتقل بين الفقرات، بل عنصر جوهري في قيمة المنتج. في الثقافة الترفيهية الكورية الراهنة، المقدم القادر على خلق مناخ مريح، وانتزاع اللحظات الطريفة من دون افتعال، والسماح للنجم بأن يظهر بإنسانيته لا بقناعه الرسمي فقط، أصبح جزءاً من معادلة النجاح. هذا يفسر لماذا لم تعد صيغة البرنامج وحدها هي ما يباع، بل تباع أيضاً «قدرة الحوار» نفسها بوصفها مهارة نادرة.
والواقع أن هذا النموذج يختلف عن بعض الأشكال الحوارية العربية التي كانت تقوم على المواجهة الحادة أو على الرهان على السؤال الصادم. في النسخة الكورية الأكثر رواجاً حالياً، هناك ميل أكبر إلى الحميمية الخفيفة والذكاء الاجتماعي، لأن الغاية ليست انتزاع تصريح مدوٍّ بقدر ما هي إنتاج انطباع عام إيجابي وقابل للمشاركة. المقدم هنا أشبه بمن يفتح باباً للضيوف كي يكشفوا عن جوانب محببة من شخصياتهم، لا بمن ينصب لهم فخاً على الهواء.
هذا لا يعني غياب المهنية أو التساهل مع النجوم، لكنه يعكس طبيعة السوق. حين يكون الضيف ممثلاً أو مطرباً يأتي للترويج لعمل جديد، يصبح الهدف إنتاج لحظة ممتعة وقابلة للاستهلاك الواسع، لا جلسة استجواب. ومن هنا نفهم لماذا صارت شخصية المقدم نفسه علامة تجارية. فالجمهور لا يأتي فقط لمشاهدة الضيف، بل لأنه يثق بأن هذا المقدم بعينه سيخرج منه تعابير وطاقة وتفاصيل ممتعة. وهذه معادلة نعرفها أيضاً عربياً مع أسماء محددة استطاعت أن تجعل أسلوبها الشخصي سبباً مستقلاً للمشاهدة.
عندما تنتقل حلقة من هذا النوع إلى التلفزيون، فإن القناة لا تستفيد من نجومية الضيوف فقط، بل من الثقة المتراكمة في المضيف وفي الإيقاع الذي يقدمه البرنامج. وهكذا تتجمع أمامنا عناصر السوق الجديدة: شركة إنتاج لها هوية، مقدّم له بصمة، نجوم لهم قواعد جماهيرية عابرة للمنصات، وقناة تلفزيونية تبحث عن توسيع أثرها عبر التقاط المحتوى الذي يملك نبض اللحظة.
صعود شركات الإنتاج وتراجع مركزية القناة
من النقاط الأكثر إثارة للاهتمام في هذا التطور أن مركز الثقل في الصناعة لم يعد محصوراً بالقناة الباثة. شركات الإنتاج في كوريا الجنوبية باتت تبني أسماءها كعلامات معروفة للجمهور، تماماً كما تفعل الاستوديوهات الكبرى في السينما العالمية. وحين يعرف المشاهد أن هذا العمل من إنتاج جهة بعينها، فإنه يتوقع مستوى معيناً من الجودة أو نبرة خاصة أو أسلوباً إخراجياً معيناً. هذه المعرفة المسبقة تحولت إلى جزء من السوق، بل إلى جزء من المنافسة على الولاء.
بالنسبة إلى القنوات، يفرض هذا الواقع إعادة تعريف دورها. لم تعد القناة دائماً هي المكان الذي تبدأ منه الفكرة، بل كثيراً ما تصبح الشريك الذي يمنح الفكرة دفعة انتشار أوسع أو يدمجها في سياق برمجي يتناسب مع جمهورها المستهدف. هذا لا يضعف القنوات بالضرورة، لكنه يجبرها على أن تكون أكثر مرونة وأقل تمسكاً بالنموذج الهرمي القديم، حيث تتدفق الأفكار من الأعلى إلى الأسفل. اليوم، قد تأتي الفكرة من شركة إنتاج مستقلة، وتولد الضجة على يوتيوب، ثم تدخل القناة على الخط حين ترى أن الوقت مناسب لتحويل النجاح الرقمي إلى قيمة تلفزيونية وتجارية.
هذا المشهد يمكن أن يبدو مألوفاً للقارئ العربي إذا استحضرنا كيف أصبحت بعض شركات الإنتاج أو المنصات المحلية والعربية الكبرى ذات هوية واضحة يتابع الناس أعمالها لأنها تعرف كيف تختار موضوعاتها أو كيف تدير حملاتها التسويقية. لكن ما يحدث في كوريا يبدو أكثر اكتمالاً: هناك نظام بيئي كامل يسمح للشركة المنتجة بأن تصبح مصدراً للحدث، لا مجرد منفذ لعقد إنتاج لصالح محطة ما.
ومن ثم، فإن انتقال حلقة «صالون دِريب» إلى التلفزيون ليس مجرد مسألة برمجة. إنه إعلان ضمني عن أن القناة مستعدة لأن تعترف بمركزية الفكرة والاسم والإيقاع أينما وُجدت، لا أن تصر على احتكارها داخل جدرانها. وهذه، إذا أردنا الدقة، ليست نهاية عصر التلفزيون، بل بداية عصر آخر له، عصر يكون فيه البث جزءاً من شبكة أوسع من التحالفات والتوزيعات المتبادلة.
حين تذوب الحدود بين الإعلان والترفيه والترويج
اللافت أن هذه الظاهرة لا تقف عند حدود البرامج الحوارية أو الترفيهية، بل تتصل بمناخ أوسع في الصناعة الكورية، حيث أخذت الفروق بين الإعلان والمحتوى والترفيه تتضاءل بصورة متسارعة. المثال الموازي الذي تم تداوله في الفترة نفسها، والمتعلق بإخراج الممثل ها جونغ-وو لحملة دعائية تضم أسماء جماهيرية كبيرة مثل كانغ هو-دونغ وجي-دراغون وإيم يونغ-وونغ وسون هيونغ-مين وآهن يو-جين، يوضح إلى أي حد بات الإعلان نفسه يُستهلك بوصفه «محتوى». حين يحقق فيديو دعائي ملايين المشاهدات خلال أيام قليلة، فهذا يعني أن الجمهور لا يتعامل معه فقط كرسالة تجارية، بل كمنتج ترفيهي قائم بذاته.
هذا التداخل يفسر كثيراً من ديناميات السوق. النجوم لا يظهرون في البرامج لمجرد الترفيه، بل يروّجون لأعمالهم. والإعلانات لا تكتفي ببيع منتج، بل تبني حكاية قابلة للمشاهدة والمشاركة. والقنوات لا تكتفي ببث ما تنتجه بنفسها، بل تستثمر ما صعد رقمياً. نحن هنا أمام اقتصاد انتباه متكامل، حيث القيمة الأساسية هي القدرة على جذب العين والأذن والوقت، بغض النظر عن الحدود التقليدية بين الأنواع.
في العالم العربي، بدأنا نرى ملامح مشابهة، خصوصاً مع صعود المحتوى القصير، والحملات الإعلانية التي تُبنى على حضور المشاهير، والمقابلات التي تُصمم لتولد ردود فعل واسعة على المنصات. لكن كوريا الجنوبية تبدو متقدمة بخطوات في تحويل هذا كله إلى نموذج صناعي واضح. لهذا تبدو قصتها جديرة بالمتابعة عربياً، ليس فقط لأن الجمهور العربي يتابع الدراما والأغاني الكورية بكثافة، بل لأن السوق الكورية تقدم اليوم مختبراً مبكراً لما قد تصبح عليه صناعاتنا الثقافية والإعلامية لاحقاً.
في النهاية، تكشف حالة «من يوتيوب إلى التلفزيون» أن السؤال لم يعد: أي منصة ستقضي على الأخرى؟ بل: كيف ستتعايش المنصات المختلفة داخل دورة حياة واحدة للمحتوى؟ يوتيوب يمنح السرعة والاختبار والانتشار الفيروسي، والتلفزيون يمنح الشرعية والوصول الواسع وإعادة التموضع. والنجوم يمنحون الجاذبية العابرة للمنصات، بينما تمنح شركات الإنتاج الهوية والنكهة. هكذا تتشكل الآن خريطة الترفيه الكوري، خريطة لا تضع شاشة واحدة في المركز، بل تضع المحتوى نفسه، ومن حوله شبكات متعددة من التوزيع والتسويق وإعادة التقديم.
بالنسبة إلى القارئ العربي الذي اعتاد خلال سنوات الموجة الكورية على متابعة الدراما والأغاني والحفلات والأزياء، فإن هذه المرحلة تستحق الانتباه لأنها تشرح ما يجري خلف الكواليس: كيف تُصنع الضجة؟ كيف يُدار حضور النجوم؟ وكيف تتحول المقابلة الواحدة إلى نقطة تقاطع بين الفن والإعلان والتسويق والإعلام؟ في هذا المعنى، ما حدث مع «صالون دِريب» ليس خبراً صغيراً في جدول البث، بل مؤشر على أن الصناعة الكورية دخلت زمناً جديداً، زمن لا تسأل فيه: أين عُرض المحتوى أولاً فقط، بل: كيف دار بين المنصات ليصير أكثر تأثيراً وربحية وانتشاراً؟
0 تعليقات