광고환영

광고문의환영

فوزٌ بمقعدين غيّر موازين الحكم في كندا: كيف دخل مارك كارني مرحلة الأغلبية، ولماذا يهمّ ذلك العالم العربي؟

فوزٌ بمقعدين غيّر موازين الحكم في كندا: كيف دخل مارك كارني مرحلة الأغلبية، ولماذا يهمّ ذلك العالم العربي؟

من مقعدين إلى تحوّل كامل في طبيعة السلطة

في البرلمانات، لا تُقاس القوة دائمًا بحجم الانتصار العددي الظاهر للعين، بل بما يترتب عليه من قدرة فعلية على الحكم. هذا بالضبط ما حدث في كندا بعد الانتخابات الفرعية الفيدرالية التي جرت في 13 أبريل/نيسان 2026، حين نجح الحزب الليبرالي بقيادة رئيس الوزراء مارك كارني في الفوز بمقعدين من أصل ثلاثة مقاعد شاغرة، ليرفع رصيده إلى ما لا يقل عن 173 مقعدًا في مجلس العموم المؤلف من 343 مقعدًا. ظاهريًا، قد يبدو الأمر مجرد زيادة محدودة في عدد النواب، لكن سياسيًا ودستوريًا، فإن الفارق بين 171 و173 ليس مجرد رقمين، بل هو الفارق بين حكومة مضطرة إلى التفاوض في كل محطة، وحكومة تملك الأغلبية البرلمانية القادرة على تمرير التشريعات من دون الارتهان الدائم إلى أصوات المعارضة.

هذا النوع من التحولات مفهوم في الأنظمة البرلمانية التي قد تبدو معقدة نسبيًا للقارئ العربي المعتاد على أنماط حكم مختلفة أو على برلمانات لا تلعب دائمًا الدور الحاسم نفسه في صناعة السلطة التنفيذية. في كندا، كما في بريطانيا وأستراليا وغيرها من الديمقراطيات البرلمانية ذات الجذور الأنغلوسكسونية، فإن الحكومة تستمد استقرارها العملي من قدرتها على الاحتفاظ بثقة مجلس العموم. وإذا كانت حكومة الأقلية قادرة نظريًا على الاستمرار، فإنها تبقى دائمًا تحت ضغط الحسابات اليومية: هل سيمر هذا القانون؟ هل ستنجح الموازنة؟ هل سيتسبب تصويت ما في أزمة سياسية قد تقود إلى انتخابات مبكرة؟ أما حكومة الأغلبية، فتتحرك بهامش أوسع، وتصبح قادرة على ترجمة برنامجها السياسي إلى قرارات أسرع وأكثر اتساقًا.

ولذلك، فإن النتيجة الأخيرة لا تمثل مجرد نجاح انتخابي جديد للحزب الليبرالي، بل تعني عمليًا انطلاق مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«ترسيخ حكم كارني». الرجل الذي لم يكن قبل وقت ليس ببعيد سياسيًا محترفًا أو ابنًا تقليديًا لمؤسسة الأحزاب، بات اليوم يقود حزبًا تمكن من تحويل موقعه من الدفاع إلى الهيمنة البرلمانية. هنا يصبح السؤال الأهم: كيف وصلت كندا إلى هذا التحول، ولماذا انعكس المزاج الانتخابي بهذه السرعة، وما الذي يمكن أن يعنيه ذلك عربيًا ودوليًا؟

مارك كارني: صعود غير تقليدي لرجل جاء من خارج السياسة الحزبية

قصة مارك كارني بحد ذاتها عنصر أساسي لفهم ما جرى. ففي السياسة الكندية، كما في كثير من الديمقراطيات الغربية، غالبًا ما يصعد القادة عبر مسارات حزبية طويلة: العمل في الدوائر الانتخابية، تولي حقائب وزارية، بناء تحالفات داخل الحزب، ثم خوض معركة الزعامة. لكن كارني جاء من خلفية مختلفة؛ فهو أقرب إلى نموذج التكنوقراط الخبير بالشؤون الاقتصادية والمالية منه إلى نموذج السياسي الشعبوي أو الميداني التقليدي. هذه النقطة كانت تبدو، في منطق السياسة الكلاسيكية، نقطة ضعف. فالرجل لا يحمل إرثًا حزبيًا طويلًا، ولا يمتلك سجلًا انتخابيًا ممتدًا، ولا خبرة في المناورات البرلمانية اليومية كما يفعل محترفو السياسة.

غير أن ما بدا ضعفًا في البداية تحوّل إلى أصل من أصول قوته. ففي أوقات الاضطراب، تميل قطاعات من الناخبين إلى البحث عن صورة «المدير القادر» أكثر من بحثها عن «السياسي البليغ». وهذا مشهد مألوف حتى في النقاشات العربية؛ فكم مرة سمعنا في أزمنة الأزمات الاقتصادية أو الإقليمية من يطالب بـ«رجل دولة» أو «خبير يعرف لغة الأسواق والمؤسسات» بدلًا من سياسي يكثر من الخطابة ويقلّ عنده الإنجاز؟ يبدو أن قطاعًا مهمًا من الناخبين الكنديين نظر إلى كارني بهذه الطريقة: رجل مؤسسات، هادئ، لا يأتي من قلب الاستقطاب التقليدي، ويملك صورة الشخص القادر على إدارة مرحلة ضاغطة.

ما يزيد من أهمية هذه النقطة أن صعوده لم يتوقف عند حدود إنقاذ الحزب الليبرالي من تراجع في الشعبية، بل تجاوزه إلى تحقيق انتصار في الانتخابات العامة، ثم تثبيت هذا الانتصار عبر الانتخابات الفرعية الأخيرة. هذه ليست مجرد هبّة عابرة أو «تصويت احتجاجي» ضد خصم سياسي، بل تبدو أقرب إلى إعادة اصطفاف أوسع داخل المزاج العام الكندي. لقد أصبح كارني، في نظر مؤيديه على الأقل، عنوانًا للاستقرار المؤسسي، لا مجرد اسم جديد على واجهة حزبية قديمة.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: أحيانًا، يكون «الآتي من خارج اللعبة» أكثر قدرة على الاستفادة من تعب الناس من اللاعبين التقليديين. هذا ما شهدناه بدرجات مختلفة في تجارب سياسية عالمية عديدة، مع اختلاف النتائج بالطبع. لكن خصوصية الحالة الكندية تكمن في أن هذا «الوافد غير الحزبي» لم يصعد عبر الغضب الشعبوي، بل عبر وعد بالاستقرار، وهي نقطة فارقة جدًا في فهم طبيعة اللحظة الحالية.

كيف انقلبت المعادلة؟ من تأخر كبير في الاستطلاعات إلى أغلبية مريحة

قبل نحو عام، كانت المؤشرات تشير إلى أن الحزب الليبرالي متأخر بفارق كبير أمام المحافظين، وتحدثت المعطيات المتداولة عن فجوة وصلت إلى نحو 20 نقطة مئوية. في السياسة الانتخابية، هذا فارق لا يُستهان به، بل غالبًا ما يُفهم بوصفه إشارة قوية إلى أن المزاج العام يميل إلى التغيير. كثيرون كانوا سيتوقعون، في ظل هذه الأرقام، أن كندا تسير نحو انتقال للسلطة، أو على الأقل نحو برلمان معلّق يزيد من صعوبة الحكم. لكن ما جرى لاحقًا كان معاكسًا تمامًا: فاز الليبراليون في الانتخابات العامة، ثم عادوا الآن ليحصلوا على أغلبية برلمانية عبر الانتخابات الفرعية.

لفهم هذا الانعطاف، لا يكفي الاكتفاء بتفسيرات محلية من نوع تحسن أداء الحكومة أو ضعف المعارضة. العامل الحاسم، وفق الصورة التي رسمتها الوقائع، كان خارجيًا بامتياز. فالسياسة الكندية أعادت ترتيب أولوياتها تحت ضغط التوتر مع الولايات المتحدة، سواء في ما يتعلق بملف الرسوم الجمركية أو بالخطاب المرتبط بالسيادة والضغوط السياسية. عندما تشعر دولة متوسطة القوة بأنها تواجه بيئة خارجية أكثر قسوة، يتغير سلوك الناخبين. تتراجع أحيانًا بعض الاعتبارات الحزبية اليومية، ويصعد بدلًا منها سؤال: من يستطيع التفاوض؟ من يبعث على الثقة؟ من يبدو أكثر قدرة على تثبيت موقع البلاد أمام الجار الأقوى؟

هذه الديناميكية ليست بعيدة عن الخبرة العربية في فهم السياسة. فالجمهور العربي يعرف جيدًا كيف تعيد التهديدات الخارجية ترتيب الأولويات الداخلية. في لحظات التوتر الإقليمي أو التهديدات الأمنية أو الضغوط الاقتصادية العابرة للحدود، تتقدم مفاهيم مثل «هيبة الدولة» و«تماسك القرار» و«وضوح القيادة» على النقاشات التفصيلية التي تملأ المشهد في الأوقات العادية. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما حدث في كندا باعتباره تصويتًا على فكرة «الاستقرار السيادي» أكثر منه تصويتًا على بند حزبي بعينه.

ولذلك، فإن الارتداد الليبرالي لم يكن مجرد استعادة شعبية تقليدية، بل انتقالًا في الوعي الانتخابي من محاسبة الحكومة على الإرهاق الداخلي إلى تقييمها على أساس قدرتها على إدارة التحدي الخارجي. وهذه نقطة مهمة للغاية، لأن الحكومات التي تصعد بفعل أزمة خارجية تكسب شرعية قوية في لحظة معينة، لكنها ترث في المقابل اختبارًا شديد الصعوبة: عليها لاحقًا أن تثبت أن هذا الالتفاف الشعبي لم يكن مجرد تعبير عاطفي، بل يمكن تحويله إلى نتائج تفاوضية واقتصادية ملموسة.

ما معنى حكومة أغلبية في النظام الكندي؟ شرح مبسّط للقارئ العربي

لفهم قيمة 173 مقعدًا، من الضروري التوقف عند طبيعة النظام السياسي الكندي. كندا دولة اتحادية برلمانية وملكية دستورية؛ أي إن رئيس الوزراء يحكم من خلال الأغلبية في مجلس العموم، بينما يبقى النظام الرمزي للدولة مرتبطًا بالتاج البريطاني عبر الحاكم العام. لكن جوهر السلطة السياسية اليومية يتحدد داخل البرلمان. إذا امتلك الحزب الحاكم أغلبية المقاعد، يصبح قادرًا في العادة على تمرير معظم مشاريعه التشريعية، ما دام الانضباط الحزبي قائمًا. أما إذا كان حزب الحكومة أقل من عتبة الأغلبية، فإنه يدخل في ما يعرف بحكومة الأقلية، حيث يحتاج إلى تفاهمات مستمرة مع أحزاب أخرى أو مع مستقلين.

هذا الفارق قد يبدو تقنيًا، لكنه في الواقع يغير إيقاع الحكم كله. حكومة الأقلية تتحرك مثل من يقود سيارة على طريق جبلي ضيق: كل منعطف يحتاج إلى حساب، وكل خطأ صغير قد يتحول إلى أزمة. أما حكومة الأغلبية، فلديها طريق أوسع وقدرة أكبر على التخطيط بعيد المدى. تستطيع أن تمرر الموازنة، وتدفع بإصلاحات اقتصادية، وتواجه أزمات تجارية أو دبلوماسية من موقع أكثر ثباتًا. وهذا مهم جدًا في ملف مثل العلاقة مع الولايات المتحدة، لأن الطرف المقابل في التفاوض ينظر أيضًا إلى مدى استقرار الشريك السياسي. عندما يعرف البيت الأبيض، أو أي عاصمة أخرى، أن الحكومة الكندية ليست معلّقة على تصويت واحد هنا أو هناك، فإن ذلك يعزز الوزن التفاوضي لأوتاوا.

في المقابل، لا ينبغي المبالغة والقول إن الأغلبية البرلمانية تعني سلطة بلا قيود. فالديمقراطية الكندية لا تختصر في البرلمان وحده؛ هناك رأي عام، وإعلام قوي، ومؤسسات قضائية، وأقاليم تتمتع بصلاحيات مؤثرة، ومعارضة قادرة على المحاسبة، وانتخابات مقبلة ستصدر حكمها في النهاية. لكن الأغلبية تمنح الحكومة شيئًا بالغ الأهمية: الوقت والقدرة على المبادرة. وفي السياسة، كما يعرف كل من تابع تجارب الحكومات في العالم العربي وخارجه، فإن الوقت نفسه أحد أشكال القوة.

من هنا، يمكن القول إن الحزب الليبرالي لم يفز بمقعدين فقط، بل ربح مساحة أوسع للحكم، وخسر في الوقت ذاته بعض الأعذار التي كانت متاحة له سابقًا. فمن يحكم بالأغلبية لا يستطيع أن يلقي مسؤولية كل تعثر على كاهل المعارضة. وهذا سيجعل المرحلة المقبلة أكثر وضوحًا في المحاسبة: ما يتحقق سيُحسب لكارني، وما يفشل سيُسجل عليه.

العامل الأميركي: حين يعيد الخارج صياغة الداخل

العامل الأميركي حاضر بقوة في هذه القصة، وربما يكون مفتاحها الأوضح. كندا، بحكم الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ، ليست دولة تستطيع التعامل مع الولايات المتحدة كما لو كانت مجرد شريك عادي. نحن نتحدث عن الجار الأكبر، والسوق الأضخم، والارتباط التجاري العميق، والتأثير الأمني والسياسي المتبادل. ولذلك فإن أي توتر في العلاقة بين البلدين ينعكس مباشرة على الداخل الكندي: على الأسواق، والاستثمارات، والعمالة، وثقة المستهلكين، وحتى على النقاشات المتعلقة بالهوية والسيادة.

وفق الوقائع المتاحة، فإن ضغط الرسوم الجمركية والتهديدات المتعلقة بالسيادة ساهم في إعادة تشكيل المزاج السياسي في كندا. هذه المسألة يمكن للقارئ العربي أن يفهمها بسهولة إذا استحضر كيف تؤثر الضغوط الإقليمية أو التلويح بالعقوبات أو الإملاءات الاقتصادية على المزاج الداخلي في دول المنطقة. فالناخب، في لحظة كهذه، لا يصوت فقط لبرنامج اقتصادي أو اجتماعي، بل يبحث عمّن يمثل «درعًا سياسيًا» لبلده، أو على الأقل عمّن يبدو أكثر جدية في الدفاع عن المصالح الوطنية.

لكن هذا النوع من الالتفاف يحمل في داخله مفارقة قاسية. فالسبب الذي صنع الصعود السياسي قد يتحول سريعًا إلى مصدر الخطر الأكبر على الحكومة ذاتها. إذا كان كارني وحزبه قد استفادا من رغبة الكنديين في الاصطفاف وراء قيادة تبدو أكثر قدرة على مواجهة الضغط الأميركي، فإن المرحلة المقبلة ستفرض سؤال النتائج: هل ستتمكن الحكومة من حماية الاقتصاد؟ هل ستنجح في منع تفاقم التوتر التجاري؟ هل ستدير الخلاف مع واشنطن من دون أن تدفع البلاد كلفة باهظة؟ هنا ينتهي مفعول الخطاب، ويبدأ اختبار السياسات.

ومن هذه الزاوية، تبدو الانتخابات الفرعية كأنها ليست نهاية معركة، بل بداية امتحان جديد. لقد منح الناخبون الحكومة أدوات أقوى، لكنهم رفعوا معها سقف التوقعات. وفي بيئات السياسة الحديثة، يعرف الحكام أن الشرعية التي تُمنح بسبب الخوف من الخارج يمكن أن تتآكل سريعًا إذا لم تُترجم إلى حماية ملموسة في الداخل.

لماذا تهم هذه القصة القارئ العربي؟

قد يسأل بعض القراء: ما الذي يجعل تحولًا برلمانيًا في كندا يستحق هذا القدر من الاهتمام عربيًا؟ الجواب أن كندا ليست لاعبًا هامشيًا في المشهد الدولي، كما أن سياساتها الداخلية ترتبط بملفات تلامس مصالح دول عربية وجاليات عربية واسعة. هناك أولًا البعد الاقتصادي العالمي: أي توتر كندي-أميركي في التجارة أو الرسوم أو سلاسل الإمداد يمكن أن ينعكس، ولو بشكل غير مباشر، على أسعار السلع والمعادن والطاقة وحركة الاستثمارات في الأسواق الدولية. وفي عالم مترابط كما نعرف اليوم، لم تعد أزمات الدول الكبرى أو المتوسطة الكبرى تبقى داخل حدودها.

هناك ثانيًا البعد الدبلوماسي والإنساني. كندا تستضيف جاليات عربية كبيرة وفاعلة من المشرق والمغرب العربيين، ولها حضور في ملفات الهجرة والتعليم واللجوء والسياسة متعددة الأطراف. وما يحدث في أوتاوا يهمّ تلقائيًا آلاف العائلات العربية المقيمة هناك أو المرتبطة بها دراسيًا ومهنيًا. حكومة أغلبية أكثر استقرارًا تعني، في العادة، وضوحًا أكبر في السياسات، سواء تعلق الأمر بالهجرة أو الاقتصاد أو إدارة التعددية الثقافية.

وهناك ثالثًا البعد الرمزي والسياسي. العالم يشهد اليوم صعودًا واضحًا لفكرة أن الاستقرار السياسي أصبح عملة نادرة في زمن الأزمات المتداخلة: حرب تجارية هنا، توتر جيوسياسي هناك، اضطرابات في سلاسل التوريد، وقلق عالمي من التضخم والركود. في هذا السياق، تصبح التجربة الكندية مثالًا مهمًا على كيفية إعادة تشكيل الناخبين أولوياتهم. بالنسبة إلى القارئ العربي المتابع للتحولات الدولية، تحمل هذه القصة معنى أبعد من كندا نفسها: إنها تذكير بأن الديمقراطيات الغربية أيضًا تعيد ترتيب أوراقها تحت ضغط المخاوف السيادية والاقتصادية، وأن خطاب «الخبير القادر على الإدارة» يعود بقوة حين تتزايد الشكوك.

ولا يخفى كذلك أن كثيرًا من القراء العرب يتابعون الثقافة الكندية والأنغلوفونية من بوابة التعليم والهجرة والعمل، لا من بوابة السياسة فقط. وبالتالي، فإن فهم اتجاه السلطة في أوتاوا ليس ترفًا إخباريًا، بل جزء من قراءة بيئة أوسع تؤثر في الفرص والقرارات والمناخ العام في واحدة من أهم الدول الجاذبة للعرب في العقود الأخيرة.

المعارضة بعد خسارة الورقة البرلمانية: كيف ستعيد حساباتها؟

بالنسبة إلى حزب المحافظين وبقية قوى المعارضة، فإن الانتقال من حكومة أقلية إلى حكومة أغلبية يغيّر قواعد اللعبة. في مرحلة الأقلية، كانت المعارضة تملك ورقة ضغط يومية تقريبًا. كان بإمكانها تعطيل بعض المبادرات، أو فرض شروطها في ملفات بعينها، أو التلويح بإسقاط الحكومة سياسيًا من خلال تحويل التصويت على قوانين أساسية إلى اختبار ثقة. أما الآن، فقد ضاقت هذه المساحة كثيرًا. الحكومة الليبرالية لم تعد بحاجة دائمة إلى أصوات الآخرين كي تستمر أو كي تمرر مشروعاتها الأساسية.

لكن خسارة النفوذ التكتيكي لا تعني غياب الفرصة السياسية. على العكس، قد تجد المعارضة أن الوضع الجديد يقدّم لها ميدانًا أوضح للمحاسبة. فحين تصبح الحكومة صاحبة القرار المباشر، يسهل على الخصوم تحميلها تبعات كل نتيجة اقتصادية أو تفاوضية أو اجتماعية. لم يعد في وسع الحزب الليبرالي أن يقول بسهولة إن المعارضة كبّلت يديه أو فرضت عليه تنازلات قسرية. وهذا يفتح أمام المحافظين خصوصًا مسارًا آخر: التركيز على الأداء الفعلي، وعلى أي اهتزاز اقتصادي أو فشل تفاوضي في ملف العلاقة مع واشنطن، وعلى أي شعور شعبي بأن الحكومة بالغت في الثقة أو أساءت استخدام أغلبية حصلت عليها تحت شعار الاستقرار.

من المرجح، لذلك، أن تتحول المعارضة من معارضة برلمانية تكتيكية إلى معارضة رقابية طويلة النفس. ستبحث عن مواطن الضعف في الاقتصاد، وفي إدارة الملف الأميركي، وفي أثر أي إجراءات حكومية على الطبقات الوسطى والعمال والقطاعات الإنتاجية. وفي هذا المعنى، فإن الأغلبية الليبرالية تقوي الحكومة اليوم، لكنها قد تجعلها أكثر عرضة للمحاسبة غدًا إذا أخفقت في تحويل التفويض الانتخابي إلى نتائج ملموسة.

بين التفويض والاختبار: ما الذي ينتظر كارني الآن؟

فوز الحزب الليبرالي بالأغلبية لا يمنح مارك كارني فقط مساحة للحكم؛ إنه يضعه أيضًا أمام امتحان القيادة الكامل. لقد حصل الرجل على ما يمكن وصفه بـ«تفويض الاستقرار»، وهذا النوع من التفويض مغرٍ وخطر في الوقت نفسه. مغرٍ لأنه يتيح للحكومة أن تتحرك بثقة وأن تبدأ في صوغ أجندة أكثر اتساقًا. وخطر لأنه يرفع سقف التوقعات إلى حد قد يصبح معه أي تعثر مدعاة لخيبة أشد من المعتاد.

التحدي الأول أمام كارني سيكون اقتصاديًا. فإذا استمرت الضغوط التجارية مع الولايات المتحدة، فسيكون على حكومته أن توازن بين الحزم السياسي والبراغماتية الاقتصادية. لا تستطيع كندا أن تدخل مواجهة مفتوحة بلا حساب مع أكبر شريك لها، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تبدو ضعيفة أمام الرأي العام الذي منح حكومتها مزيدًا من القوة أساسًا كي تحسن التفاوض وتحمي المصالح الوطنية. هذا التوازن الدقيق هو جوهر المرحلة المقبلة.

التحدي الثاني سياسي داخلي. فالحكومات التي تصل إلى الأغلبية بعد مرحلة تعبئة وطنية ضد ضغط خارجي تحتاج إلى قدر عالٍ من الانضباط في استخدام القوة. النجاح هنا لا يكون فقط بتمرير القوانين، بل أيضًا بإظهار الحكمة في توقيت القرارات، والاستعداد للاستماع إلى الانتقادات، وتجنب الانزلاق إلى الغرور السياسي. كثير من الحكومات عبر العالم خسرت جانبًا من رصيدها لأنها فهمت الأغلبية على أنها تفويض مفتوح، لا مسؤولية مضاعفة.

أما التحدي الثالث فهو رمزي واستراتيجي: هل يستطيع كارني أن يحول صورته كخبير أتى من خارج السياسة التقليدية إلى نموذج حكم مستدام؟ أم أن جاذبية هذه الصورة ستتراجع عندما تبدأ الملفات المعيشية والنتائج اليومية في فرض نفسها؟ الناخبون غالبًا ما يمنحون الثقة أولًا على أساس الانطباع، لكنهم يجددونها أو يسحبونها لاحقًا على أساس الحصيلة.

في المحصلة، ما جرى في كندا أكبر من انتخابات فرعية وأبعد من مقعدين إضافيين. إنه تحول في طبيعة السلطة، وفي توازن العلاقة بين الداخل والخارج، وفي طريقة تصويت الجمهور حين يشعر أن الدولة نفسها في لحظة اختبار. لقد اختار الناخب الكندي، في هذه الجولة، الاستقرار على المغامرة، والقدرة على الحكم على استمرار المساومات اليومية. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن كل تفويض انتخابي كبير يحمل في داخله دينًا مؤجل السداد. وكما يقال في المأثور العربي، فإن الامتحان الحقيقي ليس في نيل الثقة، بل في صونها. وهذا تحديدًا هو التحدي الذي يبدأ الآن أمام مارك كارني وحزبه الليبرالي.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات