광고환영

광고문의환영

أزمة «الهولدباك» في كوريا الجنوبية: لماذا يرى 581 سينمائياً أن المعركة تتجاوز حماية الصالات إلى إنقاذ صناعة كاملة؟

أزمة «الهولدباك» في كوريا الجنوبية: لماذا يرى 581 سينمائياً أن المعركة تتجاوز حماية الصالات إلى إنقاذ صناعة كاملة؟

من خلاف تقني إلى إنذار وجودي في قلب السينما الكورية

في العادة، تبدو النقاشات المتعلقة بنوافذ العرض السينمائي مسألة تقنية لا تثير اهتمام الجمهور العريض: كم تبقى الأفلام في دور العرض قبل انتقالها إلى المنصات الرقمية؟ متى يصبح الفيلم متاحاً عبر خدمات البث أو الشراء المنزلي؟ ومن يملك الحق في تحديد هذا الإيقاع بين الشاشة الكبيرة والشاشات الصغيرة؟ لكن ما جرى في كوريا الجنوبية خلال الأيام الماضية نقل هذا الملف من خانة الإجراءات التنظيمية إلى مرتبة الأزمة البنيوية. فقد خرج 581 من العاملين في قطاع السينما، بينهم أسماء وازنة يتقدمها المخرج العالمي بونغ جون-هو، ببيان علني يرفض التوجه نحو الإبقاء على «هولدباك» مدته ستة أشهر أو تشديده، محذرين من أن المسألة لم تعد تتعلق بحماية دور العرض بقدر ما تتعلق ببقاء المنظومة السينمائية الكورية نفسها.

ولمن لا يعرف المصطلح، فإن «الهولدباك» هو الفترة الزمنية الفاصلة بين العرض السينمائي الأول للفيلم وبين انتقاله إلى منصات أخرى مثل خدمات البث التدفقي وشراء الفيديو حسب الطلب ووسائط المشاهدة المنزلية. في الظاهر، قد يبدو تحديد هذه المهلة بستة أشهر نوعاً من التسوية العادلة: تمنح الصالات السينمائية أولوية وفسحة حصرية، ثم تتيح لاحقاً للمنصات الرقمية الاستفادة من الفيلم. غير أن العاملين في القطاع يقولون إن هذا التصور النظري لا يصمد أمام واقع السوق الحالي، حيث تتقرر حياة الفيلم التجارية خلال أسبوعين أو ثلاثة في أحسن الأحوال، لا خلال نصف عام.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه الأزمة بعيدة جغرافياً لكنها قريبة في جوهرها. فمن تابع خلال السنوات الأخيرة أحوال السينما العربية، من القاهرة إلى بيروت والرياض والدار البيضاء، يعرف أن التحدي نفسه يتكرر بصيغ مختلفة: كيف نحمي القاعات من الانكماش من دون أن نخنق المنتجين؟ كيف نوازن بين سحر الشاشة الكبيرة وواقع الجمهور الذي اعتاد المشاهدة المنزلية؟ وكيف نمنع أن تتحول السوق إلى ساحة لا تعيش فيها إلا الأعمال العملاقة، بينما تختنق الأفلام المتوسطة والمستقلة؟ في كوريا الجنوبية، البلد الذي كثيراً ما قُدم عربياً بوصفه نموذجاً ناجحاً في تصدير الثقافة الشعبية من الدراما إلى الكيبوب والسينما، تنفجر اليوم هذه الأسئلة في لحظة حساسة للغاية.

لهذا السبب تحديداً، فإن البيان الذي وقعه 581 سينمائياً لا يمكن قراءته بوصفه مجرد اعتراض مهني على بند تنظيمي. إنه أشبه بصيحة جماعية تقول إن الحديث عن حماية الصالات لا معنى له إذا كانت النتيجة النهائية هي إضعاف الإنتاج نفسه. فالصالة قد تبقى مفتوحة، لكن ماذا ستعرض إذا تقلص عدد الأفلام وتراجعت المخاطرة وتبخرت المساحات التي كانت تسمح بولادة أصوات جديدة؟ هنا يتحول النقاش من «متى يُعرض الفيلم على المنصة؟» إلى سؤال أكثر قسوة: «هل ستظل هناك أفلام كورية متنوعة تُنتج أصلاً بالوتيرة التي عرفناها؟»

ما معنى «الهولدباك» ولماذا أصبح ستة أشهر رقماً مثيراً للغضب؟

لفهم السجال الكوري، لا بد أولاً من تبسيط مفهوم «الهولدباك» بلغة واضحة. في الاقتصاد الإعلامي، لا يعيش الفيلم على منصة واحدة فقط، بل يمر عادة بسلسلة من «نوافذ العرض». يبدأ في السينما، ثم ينتقل بعد فترة إلى خدمات رقمية أو قنوات تلفزيونية أو منصات اشتراك مدفوع. الفكرة التاريخية وراء هذا الترتيب هي أن كل نافذة تحصل على وقت كافٍ لاستخراج قيمة تجارية من الفيلم، فلا تتآكل عائدات الصالات إذا صار الفيلم متاحاً في البيت بسرعة كبيرة، ولا تُحرم المنصات لاحقاً من فرصة اجتذاب الجمهور الذي فاته العرض الأول.

غير أن هذا المنطق صيغ في زمن كان فيه إيقاع التلقي أبطأ، وكانت القاعة السينمائية حدثاً مركزياً في الحياة الثقافية، فيما كانت المنصات الرقمية مجرد امتداد لاحق لا منافساً مباشراً. أما اليوم، فإن المشهد تبدل جذرياً. في كوريا الجنوبية كما في معظم أسواق العالم، باتت المنصات لاعباً أساسياً في تشكيل الذائقة وعادات المشاهدة، وصار الجمهور، ولا سيما الشباب، يقارن بين كلفة تذكرة السينما وكلفة الاشتراك الشهري في خدمة بث توفر له مكتبة كاملة من المحتوى. من هنا، فإن تأخير انتقال الفيلم إلى المنصة ستة أشهر قد يبدو للوهلة الأولى قراراً يعزز الصالات، لكنه في نظر المنتجين والموزعين يؤخر أيضاً لحظة استرداد الأموال في سوق لم تعد تحتمل هذا البطء.

جوهر الاعتراض ليس على الرقم في حد ذاته بقدر ما هو على الجمود الذي يفترض أن كل الأفلام تتشابه. فالفيلم الضخم المدعوم بنجوم كبار وحملة تسويق واسعة قد يكون قادراً على الصمود في الصالات وتحقيق جزء مهم من عائداته سريعاً. أما الفيلم المتوسط أو الصغير، أو الأعمال ذات الطابع الدرامي أو الفني أو التجريبي، فهي غالباً لا تحصل على العدد نفسه من الشاشات والعروض اليومية. هذه الأفلام تحتاج إلى مرونة في الانتقال إلى المنصات، لأن جمهورها قد لا يكون قادراً على اللحاق بها في دور العرض خلال نافذة قصيرة ومزدحمة.

وفي السياق العربي، يمكن تشبيه المسألة بما يحدث حين يُمنح العمل التجاري الجماهيري كل مساحة الدعاية والتوزيع، بينما يجد الفيلم الأكثر هدوءاً أو خصوصية نفسه خارج المنافسة قبل أن يعرف الناس بوجوده. لو فُرض على هذا الفيلم بعد ذلك أن ينتظر أشهراً طويلة قبل أن يصل إلى منصة يشاهده عبرها جمهوره الطبيعي، فإن الخسارة لا تكون تجارية فقط، بل تمتد إلى المعنى الثقافي نفسه. وكما يقول المثل العربي الشائع: «تأخير الخير ما يجيب خير». في صناعة سريعة التقلب مثل السينما، قد يعني التأخير فقدان الزخم والقيمة معاً.

لذلك، يرى السينمائيون الكوريون أن الإصرار على مهلة الستة أشهر بوصفها قاعدة جامدة يتجاهل حقيقة أن عمر الفيلم في الوعي العام أصبح أقصر كثيراً مما كان عليه. الحديث عنه في الصحافة، تداوله في الشبكات الاجتماعية، مقاطع المقابلات مع أبطاله، الجدل النقدي حوله، كلها عناصر تشتعل عادة حول لحظة الإطلاق الأولى ثم تخفت بسرعة. وإذا لم يلحق التوزيع الرقمي بهذا الزخم في توقيت محسوب، فقد يصل الفيلم إلى المنصة بعد أن يكون الحديث عنه قد برد، وحينها تنخفض قيمته السوقية وتصبح فرصته في اجتذاب مشتركين أو مشترين أقل بكثير.

الأرقام تقول إن الأزمة أعمق من مسألة التوزيع

البيان الاحتجاجي لم يخرج من فراغ، بل جاء في سياق أرقام تقلق الصناعة الكورية منذ سنوات. فقبل جائحة كورونا، كانت سوق السينما الكورية من أقوى الأسواق في آسيا، مع جمهور واسع الحضور وثقافة مشاهدة راسخة وعائدات ضخمة. لكن آثار الجائحة لم تنتهِ بمجرد إعادة فتح الصالات. صحيح أن السوق استعادت جزءاً من نشاطها، إلا أن التعافي بقي ناقصاً وغير متوازن. ما عاد الجمهور إلى القاعات بالزخم نفسه الذي كان عليه قبل عام 2019، والأخطر من ذلك أن العودة لم تشمل كل أنواع الأفلام بالتساوي.

هناك ميل واضح إلى «التركيز» أو «التكتل» حول عدد محدود من العناوين الكبيرة. بعبارة أخرى، بدل أن تنتعش السوق بصورة شاملة، صار الجمهور يتوجه بقوة إلى بضعة أفلام حدثية، بينما تعاني بقية الأعمال في الوصول إلى كتلة كافية من المشاهدين. وهذه ظاهرة يعرفها أيضاً المشاهد العربي الذي يرى كيف تلتهم الأعمال الأعلى ضجيجاً الحصة الأكبر من الشاشات والدعاية، فيما تتحول الأفلام الأخرى إلى أخبار عابرة حتى لو كانت تحمل قيمة فنية أو موضوعات اجتماعية مهمة.

حين يحدث هذا الخلل، يصبح الضرر مضاعفاً على الأفلام المتوسطة الكلفة، وهي عادة العمود الفقري لأي صناعة صحية. هذه الأعمال ليست فقيرة تماماً ولا فائقة الثراء، لكنها ضرورية لأنها تمثل المنطقة التي ينمو فيها المخرجون الجدد، ويجرب فيها الممثلون أدواراً مختلفة، ويصقل فيها الفنيون خبراتهم، وتتنوع عبرها الأنواع السينمائية. إذا اختفت هذه الطبقة، تبقى الصناعة ظاهرياً حية بفعل بعض النجاحات الكبرى، لكنها تفقد تربتها الخصبة من الداخل.

وتفيد المعطيات المتداولة في كوريا الجنوبية بأن تكاليف الإنتاج ارتفعت بوضوح: الأجور، المعدات، مواقع التصوير، تكاليف ما بعد الإنتاج، وسواها. في المقابل، لم يعد الوصول إلى أرقام حضور مرتفعة في الصالات أمراً مضموناً. حتى الفيلم الذي يحقق مليون تذكرة لم يعد بالضرورة في منطقة الأمان المالي كما كان يُعتقد سابقاً، لأن سقف المصروفات ارتفع وبنية الاسترداد تغيرت. وإذا أُضيف إلى هذه المعادلة تأخير طويل في بيع الحقوق اللاحقة أو استثمار الفيلم رقمياً، فإن دورة رأس المال تتباطأ بشكل قد يجعل المستثمرين أكثر حذراً في تمويل المشاريع التالية.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية: الصناعة لا تنهار عادة بضربة واحدة صاخبة، بل عبر تباطؤ تدريجي في الدورة الاقتصادية. فيلم يتأخر في استرداد جزء من كلفته، فيؤجل المستثمر مشروعاً جديداً. مشروع يتأجل، فيجد مخرج شاب نفسه بلا فرصة. شركة صغيرة تضعف سيولتها، فتسرح بعض العاملين أو تجمد التطوير. بعد عامين أو ثلاثة، يكتشف الجميع أن المشكلة لم تكن في عنوان واحد فشل، بل في أن البيئة كلها صارت أقل قدرة على المغامرة والإنتاج. وهذا هو المعنى الحقيقي لتحذير السينمائيين من «موت النظام البيئي» لا مجرد تراجع أرباح موسم بعينه.

لماذا تتصادم مصالح الصالات مع مصالح المنتجين والمنصات؟

لفهم حدّة الانقسام، ينبغي النظر إلى الكيفية التي يرى بها كل طرف الفيلم نفسه. بالنسبة إلى أصحاب دور العرض، الفيلم سلعة ثقافية وتجارية ينبغي أن تحتفظ بقيمتها الحصرية داخل القاعة أطول وقت ممكن. فالجمهور إذا شعر أن الفيلم سيصبح متاحاً في بيته قريباً، قد يفضّل الانتظار بدلاً من تحمل كلفة التذكرة والتنقل وشراء المأكولات. ومن منظور الصالات، كل متفرج لا يعني فقط قيمة التذكرة، بل أيضاً إيرادات إضافية من المبيعات المرافقة، فضلاً عن الحفاظ على عادة الذهاب إلى السينما بوصفها تجربة اجتماعية كاملة.

هذا المنطق مفهوم، بل ومشروع من جهة معينة. فالسينما ليست مجرد شاشة، بل طقس ثقافي يشبه في المخيلة العربية فكرة «ليلة السينما» التي كانت جزءاً من نسيج المدينة، كما كانت دور العرض في القاهرة أو دمشق أو بغداد أو بيروت معالم ثقافية لا تقل أهمية عن المسارح والمقاهي الأدبية. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الدفاع عن القاعة إلى سياسة تنظيمية قد تعاقب المنتجين الذين لا يملكون هامشاً مالياً واسعاً.

على الضفة الأخرى، ينظر المنتجون والموزعون إلى الفيلم بوصفه أصلاً يحتاج إلى استثمار سريع نسبياً ما دام الاهتمام به حياً. فالقيمة التجارية لأي عمل اليوم مرتبطة بقوة الضجة التي يولدها عند إطلاقه: المقابلات الصحافية، النقاشات عبر الإنترنت، تقييمات الجمهور، المقاطع القصيرة المنتشرة على المنصات الاجتماعية، وحتى الجدل الذي يثيره نقدياً أو سياسياً. إذا جرى استثمار هذا الزخم بسرعة على منصات أخرى، يمكن للفيلم أن يراكم إيرادات إضافية وهو ما يزال في دائرة الضوء. أما إذا فُرض عليه الانتظار ستة أشهر، فقد يصل إلى المنصة وقد انطفأ وهجه تماماً.

أما خدمات البث التدفقي، فمصلحتها مختلفة بدورها. هذه الشركات لا تبحث فقط عن محتوى جيد، بل عن محتوى «طازج» قادراً على جذب المشتركين الجدد أو منع المشتركين الحاليين من المغادرة. في معركة المنصات، الوقت هو رأس المال. فيلم أثار حديثاً مجتمعياً واسعاً قد يكون ورقة ممتازة إذا عُرض على المنصة في توقيت قريب من لحظة ذروته. لكن إذا تأخر طويلاً، فقد تتراجع رغبته التنافسية، وبالتالي يتراجع أيضاً استعداد المنصة لدفع سعر مرتفع مقابله.

بهذا المعنى، يصبح الفيلم الواحد موضوع شد حبل بين فلسفتين اقتصاديتين متناقضتين: الصالة ترى الزمن حليفاً يحمي التفرد، بينما يرى المنتج والمنصة أن السرعة تحافظ على القيمة. وإذا لم تُصمم السياسة العامة بمرونة تراعي اختلاف أحجام الأفلام وأنماط استهلاكها، فإن القاعدة الواحدة قد تفيد الحلقة الأقوى وتضغط على الحلقات الأضعف. وهذه نقطة حساسة جداً في أي صناعة ثقافية، لأن من يدفع الثمن في النهاية ليس فقط رجال الأعمال، بل أيضاً التنوع الفني وحق الجمهور في مشاهدة قصص متعددة لا يهيمن عليها نمط واحد.

الخطر الحقيقي: ليس عدد الأفلام المعروضة اليوم، بل عدد الأفلام التي لن تُصنع غداً

واحدة من أكثر النقاط عمقاً في السجال الكوري هي أن أثر القرارات التنظيمية لا يظهر مباشرة على الشاشة، بل يتسرب أولاً إلى غرف التطوير والتمويل. الجمهور قد يلاحظ بعد سنة أو سنتين أن عدد الأفلام المحلية انخفض، أو أن الأنواع المعروضة أصبحت أكثر تشابهاً، أو أن المخرجين الجدد صاروا أقل حضوراً. لكن هذا التحول يبدأ باكراً، منذ اللحظة التي يشعر فيها المستثمر أن دورة استرداد الأموال أصبحت أبطأ وأقل يقيناً.

في أي صناعة سينمائية، التمويل يشبه الماء في شبكات الري. إذا تباطأ الجريان، تبدأ الحقول الطرفية بالجفاف أولاً. المشاريع الكبرى المدعومة من شركات ضخمة أو نجوم جماهيريين قد تجد دائماً سبيلاً إلى التمويل، لأنها تُصنف «أكثر أماناً». لكن المشاريع المتوسطة أو الأولى لمخرجين شباب أو الأعمال التي تحاول تجريب نوع جديد أو معالجة قضية اجتماعية حساسة، هذه هي التي تتلقى الضربة الأولى. وعندما يتكرر هذا المنطق على مدى عدة مواسم، تتحول الصناعة إلى ما يشبه «اقتصاد الخوف»: الجميع يبحث عن الأكثر ضماناً، والأقل مخاطرة، والأشد قرباً من الذوق السائد.

السينما الكورية، التي أثارت إعجاب العالم خلال العقدين الماضيين، لم تصل إلى مكانتها فقط عبر بضعة أفلام عملاقة، بل بفضل منظومة سمحت بتعايش التجاري مع الفني، والشعبي مع التجريبي، وأتاحت للكوادر الجديدة أن تتدرج داخل الصناعة. ومن يعرف قيمة أعمال مثل «باراسايت» أو «ذكريات القتل» أو غيرها يدرك أن البيئة التي تنتج إنجازات كهذه لا تُبنى بقرارات معزولة، بل بسلسلة طويلة من التراكمات التي تسمح بالمجازفة والاختلاف. إذا انكمشت هذه المساحة، فإن التأثير قد لا يظهر فوراً في شباك التذاكر، لكنه سيظهر لاحقاً في مستوى الحيوية والابتكار.

وفي العالم العربي، لسنا بعيدين عن هذا الدرس. كثيراً ما نحتفي بفيلم عربي يصل إلى مهرجان كبير أو يحقق انتشاراً استثنائياً، لكننا نعرف في الوقت ذاته أن وراء كل نجاح فردي شبكة هشة من المنتجين المستقلين والكتّاب والمخرجين الشبان والفنيين الذين يعيشون على هوامش ضيقة. إذا تعطلت دورة التمويل أو تقلصت آفاق التوزيع، يختفي هؤلاء أولاً، ثم نبدأ بعد سنوات بالسؤال: لماذا تراجعت الجرأة؟ لماذا تكررت الوصفات؟ لماذا صرنا أمام أفلام كثيرة تشبه بعضها بعضاً؟

هذا تحديداً ما يحاول السينمائيون الكوريون قوله الآن. إنهم لا يطلبون امتيازاً خاصاً، بل يحذرون من أن التنظيم إذا صيغ بعين واحدة ترى الصالة فقط، فإنه قد يضعف الطرف الذي يصنع المحتوى أساساً. وإذا ضعفت صناعة المحتوى، فلن يربح أحد على المدى الطويل: لا الصالات، ولا المنصات، ولا الجمهور، ولا صورة كوريا الثقافية التي بنت جزءاً مهماً من قوتها الناعمة عبر تنوع الإنتاج وجرأته.

القضية ليست صراعاً بين «قديم» و«حديث» بل بحثاً عن توازن ذكي

من السهل الوقوع في فخ الثنائية المبسطة: الصالات تمثل الثقافة الأصيلة، والمنصات تمثل الاستهلاك السريع؛ أو بالعكس، المنصات تمثل المستقبل والمرونة، فيما تمثل الصالات نموذجاً قديماً يرفض التكيّف. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فليس من مصلحة أحد أن تختفي دور العرض أو أن تتحول تجربة السينما الجماعية إلى ذكرى رومانسية. كما أنه ليس واقعياً أيضاً التعامل مع المنصات الرقمية وكأنها ظاهرة عابرة يمكن كبحها بقرار إداري.

في الحقيقة، التحدي الذي تواجهه كوريا الجنوبية اليوم يشبه التحدي الذي يواجه قطاعات إعلامية وثقافية كثيرة حول العالم: كيف نصوغ قواعد تعترف بأن سلوك الجمهور تغيّر، من دون أن نستسلم تماماً لمنطق السوق الخام؟ كيف نحمي التجربة الجماعية للسينما باعتبارها قيمة ثقافية ومدنية، لكن من دون أن نفرض على كل فيلم مساراً واحداً قد لا يناسبه؟

الحلول الذكية عادة لا تأتي من منطق «مقاس واحد للجميع». قد يكون من الأجدى التفكير في نوافذ عرض أكثر مرونة، تتفاوت بحسب حجم الفيلم، أدائه في شباك التذاكر، طبيعته الإنتاجية، أو اتفاقات التوزيع الخاصة به. فيلم جماهيري ضخم قد يحتمل نافذة أطول، بينما قد يحتاج فيلم مستقل أو متوسط إلى انتقال أسرع حتى لا يخسر قيمته بالكامل. كذلك يمكن التفكير في حوافز مباشرة لدعم الصالات، بدلاً من تحميل المنتجين وحدهم كلفة الحماية. فبدلاً من معالجة الأزمة من طرف العرض فقط، يمكن للسياسات العامة أن تشجع تجديد تجربة الذهاب إلى السينما وتحسين شروطها وتحفيز الجمهور عليها.

ثمة درس عربي مهم هنا أيضاً: لا يمكن إعادة الناس إلى العادات الثقافية القديمة بمجرد الحنين أو التشدد. الجمهور بعد الجائحة تغيّر، وأنماط الإنفاق تغيّرت، والزمن الذي يخصصه الناس للترفيه تغيّر. وإذا كان صناع القرار في كوريا الجنوبية، وهي واحدة من أكثر الدول تقدماً في الصناعات الثقافية، يواجهون صعوبة في إدارة هذا التحول، فإن ذلك يعني أن المسألة عالمية ومعقدة، لا تُحل بخطاب أخلاقي عن «ضرورة دعم السينما» وحده. الدعم الحقيقي يحتاج إلى قراءة دقيقة لسلوك الجمهور والاقتصاد معاً.

من هنا تبدو رسالة السينمائيين الكوريين أبعد من مجرد رفض لستة أشهر. إنهم يقولون إن السياسة الثقافية يجب أن تحمي السلسلة كلها، لا حلقة واحدة منها. وإذا كانت الدولة تريد فعلاً حماية الصالات، فعليها أن تفعل ذلك من دون أن تضعف المنتجين المستقلين أو تقتل مرونة السوق. فالسينما، مثل أي نظام بيئي، لا ينجو فيه الشجر الكبير وحده؛ إذا ذبلت النباتات الصغيرة وتآكلت التربة، فإن الغابة كلها تصبح مهددة مهما بدت بعض الأشجار شامخة في البداية.

لماذا ينبغي للقراء العرب متابعة هذه الأزمة الكورية؟

قد يسأل قارئ عربي: ما الذي يهمني في خلاف تنظيمي داخل صناعة بعيدة؟ والجواب أن كوريا الجنوبية لم تعد مجرد بلد ينتج أفلاماً ناجحة محلياً، بل تحولت إلى حالة ثقافية عالمية تُدرس، من الدراما التلفزيونية إلى الموسيقى إلى السينما. حين يهتز هذا النموذج من الداخل، فإن ما يحدث فيه يقدم إشارات مبكرة لكل من يعمل في الثقافة والإعلام، بما في ذلك في العالم العربي. لأن الأسئلة الجوهرية واحدة: من يدفع ثمن التحول الرقمي؟ من يتحمل المخاطرة؟ ومن يملك القدرة على الانتظار ومن لا يملكها؟

في منطقتنا العربية، ما زلنا نعيش تحولات مشابهة وإن اختلفت البنية السوقية. نشهد صعوداً كبيراً للمنصات، وتبدلاً في عادات المشاهدة، ونقاشاً متواصلاً حول مستقبل القاعات، بالتوازي مع سعي حكومات ومستثمرين إلى بناء صناعات سمعية بصرية أكثر رسوخاً. لذلك فإن متابعة ما يحدث في كوريا الجنوبية ليست نوعاً من الفضول الثقافي فحسب، بل فرصة للتعلم من تجربة سوق وصلت أبكر من غيرها إلى لحظة المفاضلات الصعبة.

أهمية هذا السجال أيضاً أنه يكشف هشاشة الصورة اللامعة التي تقدمها أحياناً قوة الموجة الكورية. فخلف النجاح الدولي، توجد صناعة تكافح للحفاظ على توازنها بين الإنتاج المحلي والمنافسة العالمية، بين القاعات والمنصات، بين الفن والاقتصاد. وهذا يذكرنا بأن القوة الناعمة ليست شعاراً دعائياً، بل بنية تحتاج إلى صيانة دقيقة، وإلى سياسات لا تقتل ما تزعم حمايته.

إذا استمرت الأزمة من دون صيغة توافقية، فقد نرى نتائجها في السنوات المقبلة على شكل انخفاض في عدد المشاريع، أو تزايد هيمنة الأعمال الكبيرة، أو تراجع المساحات المتاحة للمواهب الجديدة. وإذا نجحت كوريا الجنوبية في الوصول إلى حل أكثر مرونة، فقد تقدم نموذجاً قابلاً للاستفادة عربياً: نموذج يعترف بأن السينما ليست مجرد منتج تجاري ولا مجرد تراث رمزي، بل صناعة ثقافية مركبة تحتاج إلى توازن بين السوق والحماية، بين الحرية والتنظيم، وبين الصالة والمنصة.

في النهاية، ما يقوله 581 سينمائياً كورياً يمكن اختصاره بجملة يفهمها أي قارئ عربي مهتم بالثقافة: لا معنى لحماية الواجهة إذا كان البيت من الداخل يتصدع. الصالات مهمة بلا شك، لكنها ليست السينما كلها. السينما تبدأ من النص والتمويل والإنتاج والمخاطرة، ثم تصل إلى القاعة، ومن بعدها إلى المنصة، وتستمر في الذاكرة العامة. وإذا اختل هذا المسار عند حلقته الأولى، فلن تنقذه إطالة نافذة العرض وحدها. لهذا تبدو المعركة الكورية اليوم، في جوهرها، معركة على مستقبل التنوع والإبداع والاستمرارية، لا مجرد معركة على عدد الأشهر بين شاشة وأخرى.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات