
صورة للمساعدة في فهم المقال
برنامج كوري جديد يربط الشباب المنقطعين عن العمل بقطاع المستقبل
في وقت تتزايد فيه في كثير من دول العالم الأسئلة نفسها حول البطالة المقنّعة، وتعثر الانتقال من الدراسة إلى الوظيفة، وابتعاد بعض الشباب عن سوق العمل لفترات طويلة، برزت في كوريا الجنوبية مبادرة لافتة تستحق التوقف عندها من زاوية عربية أيضاً. فقد بدأت شركة «سيلتريون»، إحدى أبرز شركات التكنولوجيا الحيوية والأدوية في كوريا الجنوبية، برنامجاً تدريبياً موجهاً إلى 50 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، ممن لم ينجحوا في العثور على عمل لفترة طويلة أو أوقفوا البحث عن وظيفة أساساً. المبادرة ليست دورة تعريفية قصيرة، ولا فعالية علاقات عامة عابرة، بل برنامج منظم يقوم على حضور خمسة أيام أسبوعياً، وثماني ساعات يومياً، في بيئة مرتبطة مباشرة بالصناعة الحيوية.
البرنامج انطلق من مركز أبحاث الدمج الدوائي والحيوي في منطقة سونغدو بمدينة إنتشون، وهي منطقة تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أهم المراكز الكورية للصناعات الطبية والبيولوجية. وما يمنح الخطوة أهميتها أن الشركة لا تعمل وحدها، بل تتعاون مع وزارتين كوريتين هما وزارة العمل ووزارة الصناعة، في نموذج يجمع بين المؤسسة الخاصة والسياسة العامة في مسار واحد. بهذا المعنى، لا يبدو الأمر مجرد تدريب مهني، بل محاولة لبناء جسر جديد يعيد فئة من الشباب إلى إيقاع الحياة المهنية والاجتماعية، بعد أن بقوا على هامش سوق العمل.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو الفكرة مألوفة من حيث العنوان العام: تدريب الشباب وتأهيلهم للوظائف. لكن خصوصية الحالة الكورية تكمن في الفئة المستهدفة تحديداً. فالمبادرة لا تركز على المتفوقين الجاهزين للتوظيف الفوري، ولا على خريجين يملكون بالفعل شبكات مهنية واسعة، بل على شباب توقفوا عن السعي أو فترت علاقتهم بسوق العمل. في عالمنا العربي، نعرف هذه الظاهرة بأسماء مختلفة: شباب «انسحبوا بصمت»، أو «علّقوا أحلامهم»، أو باتوا، كما يقال شعبياً، «على الرف» بانتظار فرصة لا تأتي. ومن هنا تكتسب التجربة الكورية وزناً يتجاوز حدود البلد نفسه، لأنها تحاول معالجة الانقطاع عن العمل باعتباره مشكلة بنيوية واجتماعية، لا مجرد تقصير فردي.
المهم أيضاً أن المبادرة تأتي من داخل قطاع يُعد بين الأكثر نمواً في كوريا الجنوبية، وهو قطاع التكنولوجيا الحيوية أو «البايو». هذا القطاع، الذي يشمل الأدوية الحيوية، والبحوث الطبية، والتصنيع المرتبط بالخلايا والبروتينات والعلاجات المتقدمة، أصبح في السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من صورة كوريا الاقتصادية الحديثة، تماماً كما ارتبط اسمها عالمياً من قبل بالإلكترونيات والسيارات والسفن، ثم بالموسيقى والدراما والطعام والثقافة الشعبية. وإذا كانت «الموجة الكورية» أو «الهاليو» قد فتحت أمام العالم باباً إلى الثقافة الكورية، فإن قطاع «البايو» يمثل وجهاً آخر أقل صخباً إعلامياً، لكنه أكثر التصاقاً بمستقبل الاقتصاد والصحة والوظائف النوعية.
ما معنى «شباب الاستراحة» في السياق الكوري؟
من المفاهيم التي تحتاج إلى شرح للقارئ العربي تعبير كوري متداول لوصف الفئة المستهدفة، ويمكن ترجمته تقريباً إلى «الشباب الذين يأخذون استراحة» أو «الشباب المتوقفون مؤقتاً». هذا التعبير لا يعني شباباً في إجازة اختيارية مريحة، بل يشير إلى فئة ليست موظفة، وفي الوقت نفسه لا تمارس بحثاً نشطاً عن عمل. أي أننا أمام شباب خرجوا عملياً من الإحصاءات التقليدية للباحثين عن وظائف، أو أصبحوا في منطقة رمادية بين البطالة والانسحاب الاجتماعي الجزئي.
في النقاشات العامة العربية، كثيراً ما يُنظر إلى هذه الفئة من زاوية أخلاقية أو نفسية فقط: فقد يقال إنهم فقدوا الحافز، أو أنهم لا يريدون العمل، أو أنهم استسلموا. لكن التجربة الكورية، كما تعكسها هذه المبادرة، تتعامل مع الظاهرة بطريقة أكثر تركيباً. فالتوقف عن البحث عن وظيفة لا يحدث عادة من فراغ، بل يأتي بعد تراكمات من الإخفاقات، وضغط المنافسة، وارتفاع معايير الدخول إلى سوق العمل، وربما شعور بالإنهاك أو فقدان الثقة. وفي بلد مثل كوريا الجنوبية، حيث التنافس الأكاديمي والمهني شديد إلى حد يعرفه كل من تابع حياة الشباب هناك في الدراما أو التقارير الاجتماعية، يصبح الانسحاب من السباق ظاهرة لها أبعاد نفسية واجتماعية عميقة.
هذا مهم جداً في فهم فلسفة البرنامج. فبدلاً من الاكتفاء بالقول للشباب «عودوا وقدّموا طلبات توظيف أكثر»، يجري توفير مساحة انتقالية بين العزلة وسوق العمل. التدريب هنا ليس مجرد نقل معرفة تقنية، بل أيضاً إعادة بناء الروتين اليومي والانضباط الزمني والاختلاط بالآخرين والوجود داخل بيئة صناعية حقيقية. ولعل هذا الجانب هو الأكثر حساسية وإنسانية في المبادرة: إعادة ربط الفرد بمجتمع العمل خطوة خطوة، لا دفعه دفعة واحدة إلى مواجهة سوق قاسٍ.
في العالم العربي أيضاً، هناك آلاف، بل ملايين، من الشباب الذين لا تنطبق عليهم صورة العاطل الكلاسيكي الذي يراجع يومياً إعلانات الوظائف. بعضهم توقف عن المحاولة بعد سنوات من الانتظار، وبعضهم يعمل أعمالاً هشة أو مؤقتة من دون مسار مهني، وبعضهم يعاني من شعور بأن الشهادة لا تكفي أو أن السوق مغلق سلفاً. من هنا تبدو التجربة الكورية مثيرة للاهتمام، لأنها تضع اسماً لظاهرة يعرفها الجميع بصيغ مختلفة، ثم تحاول أن تبني لها استجابة مؤسسية لا تكتفي بالمواعظ.
بين الدولة والشركة: لماذا يحمل هذا التعاون دلالة خاصة؟
اللافت في هذه القصة ليس فقط أن شركة كبيرة قررت تدريب مجموعة من الشباب، بل أن التدريب جاء ثمرة تعاون منظم بين القطاع الخاص وجهتين حكوميتين مركزيتين. ففي كثير من الأحيان، تعمل الحكومات على برامج دعم منفصلة، بينما تدير الشركات من جانبها مبادرات تدريبية أو مسؤولية اجتماعية منفصلة أيضاً. أما هنا، فهناك مسار واحد يجمع الخبرة الصناعية لدى الشركة مع أدوات الدعم والتشغيل والسياسات الاقتصادية لدى الدولة.
هذا النوع من التعاون يعبّر عن فهم مختلف لمسألة البطالة أو الانقطاع عن العمل. فحين تقتصر المعالجة على الإعانات أو الاستشارات النفسية أو ورش السيرة الذاتية، تبقى الفجوة قائمة بين الشاب والقطاع الذي يمكن أن يعمل فيه. لكن عندما تدخل شركة فاعلة في قلب العملية، يصبح التدريب متصلاً بحاجات الصناعة، لا بوعود عامة. وعندما تشارك مؤسسات الدولة، تتوفر مظلة أوسع من التنظيم والدعم والاعتراف الرسمي. النتيجة أن الشاب لا يجد نفسه في دورة معزولة، بل في نقطة التقاء بين اقتصاد فعلي وسياسة عامة واحتياج اجتماعي.
للقارئ العربي، قد يذكّر هذا النقاش بنماذج طالما نوقشت في المنطقة حول ضرورة ربط الجامعات بسوق العمل، أو تطوير التدريب المهني، أو إشراك القطاع الخاص في التشغيل الحقيقي لا الشكلي. الفرق هنا أن كوريا تختبر نموذجاً أكثر تحديداً: ليست القضية مجرد تدريب لأي وظيفة، بل إدخال شباب منقطعين عن السوق إلى واحد من أكثر القطاعات تطلباً من حيث المهارة والانضباط. وهذا يحمل بعداً رمزياً واضحاً؛ فبدلاً من حصر هذه الفئة في وظائف هامشية أو منخفضة الأفق، تُفتح أمامها نافذة على صناعة متقدمة تملك قيمة مضافة عالية.
كما أن مكان التدريب نفسه ليس تفصيلاً عابراً. فإقامة البرنامج في سونغدو، حيث البنية التحتية البحثية والصناعية المتصلة بـ«سيلتريون»، تمنح المشاركين احتكاكاً مباشراً ببيئة العمل الفعلية. وهذا شبيه، مجازاً، بالفارق بين من يدرس الطب من كتاب فقط، ومن يدخل المستشفى فيرى كيف تتحول المعرفة إلى ممارسة. في التدريب المهني الحديث، للمكان دوره التربوي بقدر ما للمحتوى. الدخول اليومي إلى فضاء صناعي حقيقي قد يعيد تشكيل تصور الشاب عن نفسه وعن إمكاناته، حتى قبل الحديث عن فرص التوظيف المباشر.
قطاع «البايو» الكوري: ما الذي يجعل التدريب فيه مهماً؟
حين يسمع القارئ العربي عبارة «الصناعات الحيوية»، قد تبدو له تقنية وملتبسة بعض الشيء، لذلك من المفيد تبسيطها. المقصود هنا هو قطاع يعتمد على علوم الأحياء في تطوير الأدوية والعلاجات والمنتجات المرتبطة بالصحة، بما في ذلك الأدوية البيولوجية التي تُنتج باستخدام الخلايا أو الكائنات الدقيقة أو الأنظمة الحية المعقدة، على خلاف كثير من الأدوية التقليدية المصنعة كيميائياً فقط. هذا القطاع يحتاج إلى كوادر مدربة، وإلى التزام صارم بالجودة، وإلى بيئات عمل قائمة على الدقة والانضباط.
كوريا الجنوبية استثمرت بقوة في هذا المجال خلال العقدين الأخيرين، مدفوعة برغبتها في توسيع قاعدتها الاقتصادية خارج الصناعات التقليدية. ومع خبرة شركاتها الكبرى، والبنية البحثية المتطورة، والدعم الحكومي، نجحت في ترسيخ مكانة دولية متقدمة في تصنيع بعض الأدوية الحيوية والخدمات المرتبطة بها. وفي هذا السياق تبرز «سيلتريون» بوصفها اسماً معروفاً في عالم الأدوية الحيوية الكوري والعالمي.
أهمية التدريب في هذا القطاع لا تنبع فقط من فرص العمل المحتملة، بل من طبيعة الرسالة نفسها. فحين يُفتح باب قطاع متقدم أمام شباب خرجوا من دائرة المنافسة، فإن ذلك يبعث بإشارة مهمة مفادها أن الاستثمار في الإنسان لا ينبغي أن يقتصر على من هم جاهزون سلفاً. إنها مقاربة تقول إن بعض المواهب تحتاج فقط إلى نقطة عودة، وإلى بيئة تمنحها وقتاً وهيكلاً لتستعيد الثقة والمعنى.
وهنا يمكن استحضار مقارنة عربية مفيدة. كثير من اقتصادات المنطقة تتحدث اليوم عن التحول نحو المعرفة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الصحية. لكن سؤالاً أساسياً يبقى مطروحاً: من سيشغل هذه المساحات؟ وهل سيجري الاعتماد فقط على النخب المتخصصة القليلة، أم ستكون هناك سياسات تفتح الباب لفئات أوسع من الشباب، بمن فيهم من تعثروا وانقطعوا عن المسار؟ التجربة الكورية لا تقدم جواباً نهائياً، لكنها تطرح نموذجاً عملياً يمكن التأمل فيه.
ومن اللافت أيضاً أن البرنامج، وفق المعطيات المتاحة، لا يعد المشاركين صراحة بوظائف جاهزة في نهايته. قد يبدو هذا للبعض نقصاً، لكنه في الصحافة الجادة عنصر مهم من الشفافية. فليس من الدقة تحويل كل تدريب إلى وعد توظيفي مسبق. الأهم في المرحلة الحالية هو أن هناك مساراً يومياً منتظماً يتيح للشباب اكتساب معرفة، والاحتكاك بالصناعة، وإعادة بناء عادة العمل. هذا بحد ذاته، في حالات كثيرة، يكون بداية ضرورية قبل أي توظيف.
التدريب بوصفه إعادة بناء للإيقاع اليومي والثقة الاجتماعية
تُظهر تفاصيل البرنامج أن المشاركين يلتزمون بدوام كامل: خمسة أيام في الأسبوع، وثماني ساعات يومياً. هذه الصيغة قد تبدو صارمة، لكنها في الحقيقة تكشف كثيراً عن فلسفة المبادرة. فلو كان الهدف مجرد تقديم معلومات عن القطاع الحيوي، لكان بالإمكان الاكتفاء بمحاضرات متفرقة أو جلسات تعريفية قصيرة. أما اعتماد جدول مشابه لجدول العمل الحقيقي، فيعني أن البرنامج يستهدف أيضاً إعادة تأسيس علاقة المشاركين بالوقت، والانضباط، والمسؤولية الجماعية.
في المجتمعات الحديثة، لا يرتبط العمل بالدخل فقط، بل ينظم الحياة اليومية ويمنح الفرد إيقاعاً اجتماعياً: وقت للاستيقاظ، ووجهة يومية، وتفاعلات مع زملاء، وأهداف قصيرة ومتوسطة المدى. عندما يفقد الشاب هذا الإيقاع لفترة طويلة، قد لا تكون المشكلة في غياب الراتب وحده، بل في تآكل الشعور بالاندماج نفسه. ولهذا يمكن فهم التدريب المكثف باعتباره علاجاً عملياً تدريجياً للانفصال عن المجتمع المهني، لا مجرد درس أكاديمي.
في البيئات العربية، نلمس أحياناً هذا الجانب من خلال ما يرويه شباب خاضوا بطالة طويلة أو عملاً متقطعاً؛ إذ يتحدثون عن تبدل النوم، وتراجع الحافز، وصعوبة الالتزام، وازدياد العزلة. لذلك فإن أي سياسة تشغيل ناجحة لا بد أن ترى الإنسان بكامل ظروفه، لا بوصفه رقماً في قاعدة بيانات. من هذه الزاوية، يبدو برنامج «سيل إن» أقرب إلى «مرحلة عبور» بين الانسحاب والاندماج، بين السكون والعودة إلى الحركة.
اسم البرنامج نفسه يحمل دلالة رمزية لطيفة. فهو يجمع بين كلمة «سيل» الإنجليزية، بمعنى الخلية، وبين معنى «الدخول إلى الداخل». وكأن الرسالة تقول للشباب: ادخلوا إلى عالم الخلايا، وادخلوا من جديد إلى المجتمع المهني. في الثقافة الكورية، حيث تلعب الأسماء والعناوين والرموز دوراً مهماً في بناء الصورة العامة للمشاريع، تبدو هذه التسمية محاولة لإضفاء معنى إيجابي على رحلة العودة، بدلاً من وصم المشاركين بتعثرهم السابق.
كما أن التعلم ضمن مجموعة من 50 مشاركاً ليس تفصيلاً بسيطاً. فالمجموعة هنا يمكن أن تؤدي دور الرفقة المهنية والنفسية في آن. كثير من الشباب الذين ينسحبون من البحث عن العمل يشعرون بأنهم وحدهم في هذه التجربة، أو بأن المجتمع يحاكمهم. عندما يجد الشاب نفسه ضمن مجموعة تشاركه التحدي نفسه، داخل مسار منظم ومحترم، قد يخف العبء المعنوي ويصبح التعافي الاجتماعي أكثر واقعية. هذه قيمة يصعب قياسها بالأرقام السريعة، لكنها أساسية في أي مبادرة من هذا النوع.
ما الذي يمكن للعالم العربي أن يتعلمه من التجربة الكورية؟
لن يكون من الدقة نقل التجربة الكورية كما هي إلى السياق العربي؛ فلكل مجتمع مؤسساته وسوقه ومشكلاته الخاصة. لكن هناك دروساً واضحة يمكن استخلاصها. أول هذه الدروس أن فئة الشباب المنقطعين عن سوق العمل تحتاج إلى سياسات خاصة، لا إلى إدراجهم تلقائياً ضمن برامج التوظيف العامة فقط. فالشباب الذين بقوا بعيدين عن السوق مدة طويلة قد يحتاجون إلى مرحلة تمهيدية تعيد إليهم الثقة والانضباط والاحتكاك العملي.
الدرس الثاني هو أهمية الربط بين القطاعات الاقتصادية الصاعدة وبرامج الشباب. في بلدان عربية عدة، تُطرح خطط كبرى للتوسع في الصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة، والتقنيات الزراعية، والخدمات الرقمية، والسياحة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي. لكن كثيراً من هذه الخطط يظل منفصلاً عن سؤال: كيف نُدخل الشباب المتعثرين إلى هذه القطاعات؟ هل نكتفي باستقطاب من هم جاهزون، أم نبني لهم جسور تأهيل حقيقية؟
الدرس الثالث يتعلق بصورة القطاع الخاص. ففي العالم العربي، غالباً ما يُطلب من الشركات أن تساهم اجتماعياً، لكن مساهمتها كثيراً ما تأخذ شكل التبرعات أو الرعاية الرمزية. التجربة الكورية تطرح نموذجاً آخر أكثر التصاقاً بجوهر الشركة: استخدام البنية الصناعية والخبرة الفنية نفسها في تمكين الشباب. وهذا، من ناحية الأثر، أكثر استدامة من كثير من أشكال المسؤولية الاجتماعية التقليدية.
الدرس الرابع هو أهمية الصراحة في إدارة التوقعات. ليس كل تدريب وظيفة، وليس كل مبادرة ستنجح تلقائياً. لكن الشفافية هنا ميزة، لا عيب. فحين تُقدَّم المبادرة باعتبارها قناة للعودة إلى بيئة العمل واكتساب المهارات، من دون وعود تضليلية، تظل قابلة للتقييم الجاد. أما حين تُضخّم البرامج منذ البداية، فإن خيبة الأمل تكون أكبر على المشاركين والرأي العام معاً.
ولا يمكن تجاهل البعد الثقافي هنا. كوريا الجنوبية التي يعرفها العرب غالباً من خلال الدراما والموسيقى والموضة والمطبخ، تكشف في هذه القصة عن وجه آخر من «القوة الناعمة»؛ وجه يقوم على القدرة المؤسسية والتنظيمية، وعلى تحويل أزمات اجتماعية معقدة إلى برامج تجريبية قابلة للتنفيذ. وإذا كان الجمهور العربي قد اعتاد متابعة كوريا بوصفها مصدراً للترفيه والمنتج الثقافي، فإن متابعة تجاربها في السياسات الشبابية وسوق العمل قد تكون بالقدر نفسه مفيدة، خصوصاً في زمن تبحث فيه مجتمعاتنا عن نماذج عملية لا عن شعارات.
بين الرمزية والنتائج: كيف يمكن تقييم المبادرة لاحقاً؟
حتى الآن، يبقى من المبكر إصدار أحكام نهائية على نجاح البرنامج أو فشله. فالمعطيات المتوافرة تشير إلى انطلاق التدريب ومشاركة 50 شاباً وشابة، لكنها لا تقدم بعد تفاصيل وافية عن المناهج الدقيقة، أو آليات التقييم، أو نسبة الانتقال إلى وظائف بعد التخرج، أو طبيعة الدعم المواكب للمشاركين خلال الرحلة. وهذه كلها أسئلة مشروعة لا بد من طرحها مهنياً.
التقييم الجدي للمبادرة ينبغي أن ينظر إلى أكثر من مستوى. أولاً، هل يواصل المشاركون البرنامج حتى نهايته، أم أن الانسحاب منه سيكون مرتفعاً؟ ثانياً، هل يكتسبون بالفعل مهارات قابلة للاستخدام في القطاع الحيوي أو في قطاعات مجاورة؟ ثالثاً، هل ينعكس البرنامج على ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على العودة إلى الحياة المهنية؟ رابعاً، هل تتضح لاحقاً مسارات ملموسة للانتقال إلى وظائف، أو إلى تدريب متقدم، أو إلى برامج متابعة أخرى؟ وخامساً، هل يمكن توسيع التجربة أو تكرارها لدى شركات أخرى؟
ثمة بعد رمزي مهم أيضاً. اختيار شركة رائدة في التكنولوجيا الحيوية لهذه الفئة بالذات يبعث برسالة اجتماعية تقول إن التعثر ليس نهاية الطريق. صحيح أن العدد محدود، خمسون مشاركاً فقط، لكن التجارب الاجتماعية كثيراً ما تبدأ صغيرة ثم تتوسع إذا أثبتت جدواها. والأثر الرمزي قد يكون في بعض الأحيان أكبر من الأثر العددي المباشر، لأنه يعيد تشكيل طريقة الحديث العام عن فئة وُصمت طويلاً أو جرى تجاهلها.
في نهاية المطاف، تعكس هذه الخطوة الكورية فهماً أكثر شمولاً للعلاقة بين النمو الاقتصادي والاندماج الاجتماعي. فالشركات لا تُقاس فقط بقدرتها على الإنتاج والتصدير والربح، بل أيضاً بقدرتها على توسيع دائرة من يملكون فرصة دخول المستقبل. والدولة لا يُقاس نجاحها فقط بخفض رقم بطالة هنا أو هناك، بل بقدرتها على ابتكار ممرات جديدة لمن سقطوا خارج المسارات المعتادة.
من هذه الزاوية، لا تبدو مبادرة «سيلتريون» مجرد خبر عابر في صفحة الاقتصاد أو المجتمع، بل إشارة إلى سؤال أكبر يواجه دولاً كثيرة، من شرق آسيا إلى العالم العربي: ماذا نفعل بالشباب الذين لم يعودوا يطرقون أبواب السوق، لأنهم تعبوا من الطرق؟ كوريا الجنوبية تقدم هنا إجابة أولية: نذهب إليهم، نبني لهم مساراً منظماً، نصلهم بقطاع حقيقي، ونعطيهم وقتاً وهيكلاً وفرصة لالتقاط الخيط من جديد. قد لا تكون هذه الوصفة كافية وحدها، لكنها بالتأكيد أكثر جدية من مطالبة جيل كامل بأن «يحاول أكثر» من دون أن نغيّر شيئاً في الطريق المؤدي إلى العمل.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن يهم القارئ العربي: أن أزمة الشباب ليست مجرد مسألة صبر فردي أو مهارة شخصية، بل قضية سياسات ومؤسسات وخيال اجتماعي أيضاً. حين تتجرأ شركة ودولة على اعتبار الشباب المنقطعين عن العمل جزءاً من معادلة المستقبل، لا عبئاً على الهامش، فإن القصة تستحق المتابعة. ليس لأنها كورية فحسب، بل لأنها تمس سؤالاً عربياً بامتياز: كيف نحول الانتظار الطويل إلى بداية جديدة؟
0 تعليقات