광고환영

광고문의환영

هل «شحم الخنزير» من الأطعمة الخارقة حقاً؟ قراءة صحفية في قصة انتشرت من BBC إلى مواقع التواصل

هل «شحم الخنزير» من الأطعمة الخارقة حقاً؟ قراءة صحفية في قصة انتشرت من BBC إلى مواقع التواصل

صورة للمساعدة في فهم المقال

ضجة غذائية جديدة: حين يتحول «الترتيب» إلى حقيقة ناقصة

من وقت إلى آخر، تخرج على منصات التواصل الاجتماعي، وفي بعض المواقع التي تمزج بين الصحة والإثارة، عناوين من النوع الذي يضمن الانتشار السريع: «BBC اختارت شحم الخنزير ضمن أكثر الأطعمة فائدة في العالم»، أو «المرتبة الثامنة عالمياً لشحم الخنزير بين الأطعمة الأعلى قيمة غذائية». ومثل هذه العناوين، في بيئة إعلامية رقمية تميل إلى الاختزال المخل، لا تحتاج أكثر من بضع ثوانٍ حتى تتحول من معلومة مبتورة إلى «حقيقة» يتداولها الناس بثقة. غير أن التدقيق في أصل القصة يكشف أن ما جرى ليس اختلاقاً كاملاً، بل سوء فهم شائع لنتائج علمية أعيد تقديمها خارج سياقها.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه القصة بعيدة ثقافياً من الوهلة الأولى، سواء بسبب طبيعة الغذاء المذكور أو بسبب اختلاف أنماط المطبخ بين شرق آسيا والعالم العربي. لكن جوهر القضية مألوف لدينا تماماً: كيف تتحول الدراسات العلمية إلى عناوين تسويقية؟ وكيف يُصنع حول بعض الأطعمة هالة أشبه بما نعرفه عربياً مع عسل السدر، أو حبة البركة، أو ماء جوز الهند، أو غيرها من المنتجات التي تُقدَّم أحياناً على أنها مفاتيح سحرية للصحة؟ في هذا السياق، تكتسب قصة «الأطعمة الخارقة» أهمية تتجاوز كوريا أو بريطانيا، لأنها تفتح باباً أوسع على العلاقة المربكة بين الإعلام، والتسويق، والعلم الغذائي.

القصة التي أثارت الجدل انطلقت من قراءة شعبية لمادة نشرتها BBC Future عن أكثر 100 غذاء كثافة من الناحية الغذائية. وبين المراكز العشرة الأولى ظهر ما تُرجم أو فُهم على أنه «شحم الخنزير»، فاستقر في الوعي العام أن مؤسسة إعلامية بريطانية عريقة وضعت هذا المنتج في مرتبة متقدمة بين «الأكثر صحة» على الإطلاق. لكن المفارقة أن هذه النتيجة، رغم صحتها الشكلية، لا تعني ما يظنه كثيرون. فالترتيب لم يكن قائمة وعظية تقول للناس ماذا يأكلون غداً، ولم يكن حكماً قاطعاً بأن هذا الغذاء أفضل من الخضروات الورقية أو البقول أو الأسماك أو المكسرات بالمعنى الصحي العام.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: ليست حكاية شحم الخنزير بقدر ما هي حكاية مصطلح «السوبر فود» نفسه، وكيف يُستعمل في الإعلام والسوق بطريقة تتجاوز ما يقوله العلم فعلاً.

«السوبر فود».. مصطلح لامع أكثر مما هو علمي

قبل الحديث عن أي قائمة أو ترتيب، من الضروري تفكيك المصطلح الأكثر حضوراً في هذه القضية: «الأطعمة الخارقة» أو «السوبر فود». هذا التعبير يوحي للقارئ بأن هناك فئة خاصة من الأغذية تملك قدرات استثنائية، وأن استهلاكها يمنح الجسم أفضلية واضحة، وربما وقاية من أمراض عديدة، أو حتى نوعاً من «الترقية الصحية» السريعة. غير أن المؤسسات الأكاديمية والصحية لا تتعامل مع المصطلح بهذه الرومانسية الشائعة.

مراجع علمية وتعليمية بارزة، ومنها منصات تغذية أكاديمية معروفة، تشير إلى أن «السوبر فود» ليس تصنيفاً علمياً دقيقاً بقدر ما هو وصف تسويقي. الفكرة الأساسية هنا أن شركات الأغذية، والمتاجر، وأحياناً وسائل الإعلام، تجد في هذا المصطلح أداة جذابة لتحويل منتج عادي أو مفيد نسبياً إلى بطل مطلق في المخيلة الاستهلاكية. وهذا النمط ليس غريباً على الأسواق العربية أيضاً. يكفي أن نتأمل كيف تُقدَّم بعض المنتجات تحت عناوين مثل «كنز غذائي»، أو «معجزة طبيعية»، أو «أقوى مضاد أكسدة»، وكأن التغذية السليمة تختزل في سلعة واحدة أو ملعقة واحدة.

في أوروبا، اتجهت الجهات التنظيمية منذ سنوات إلى تضييق استخدام هذا الوصف على الملصقات التجارية ما لم يكن مصحوباً بادعاءات صحية مثبتة ومصرح بها. والسبب بسيط: حماية المستهلك من الخلط بين الدعاية والمعرفة الطبية. وفي كوريا الجنوبية أيضاً، كما في أسواق كثيرة حول العالم، توجد حساسية متزايدة تجاه استخدام تعبيرات فضفاضة توحي بفوائد صحية غير مؤكدة. هذا يعني أن الجدل ليس محصوراً في ثقافة بعينها، بل يرتبط عالمياً بتنامي الوعي ضد التسويق الصحي المبالغ فيه.

ما الذي يعنيه هذا للقارئ العربي؟ يعني ببساطة أن أي قائمة من نوع «أفضل 10 أطعمة على وجه الأرض» أو «أخطر 7 أطعمة على الإطلاق» يجب التعامل معها بحذر مهني، لا بروح التلقي السريع. فالغذاء لا يعمل مثل الدراما التلفزيونية التي تحتاج بطلاً واحداً وخصماً واحداً. ما يحكم الصحة العامة هو النمط الغذائي الكامل: التوازن، والتنوع، وحجم الحصص، وطريقة الطهو، والعادات اليومية، والنشاط البدني، والوضع الصحي للفرد. أما فكرة «الطعام المعجزة» فمغرية في العنوان، لكنها فقيرة علمياً في أغلب الأحيان.

قائمة TIME وقائمة BBC: ما الفرق بين التحرير الصحفي والقياس العلمي؟

من الأسباب التي ضاعفت الالتباس في هذه القضية أن الجمهور يتعامل مع القوائم المنشورة في وسائل إعلام كبرى على أنها متشابهة في المنهج والصرامة العلمية، بينما الحقيقة أن طبيعة كل قائمة تختلف جذرياً. فقائمة نشرتها مجلة TIME قبل سنوات عن «أكثر 50 طعاماً صحياً» كانت في جوهرها مادة تحريرية مبنية على مشورة مختصين في التغذية، لا على معادلة كمية صارمة تنتج ترتيباً رقمياً ثابتاً. بمعنى آخر، هي قائمة إرشادية وتثقيفية مفيدة للقارئ، لكنها لا تدّعي أنها حسمت علمياً مسألة من هو الغذاء «الأفضل» أو «الأكثر اكتمالاً».

هذا النوع من المواد الصحفية مألوف في الإعلام العربي أيضاً. نجد مثلاً تقارير موسمية عن «أفضل أطعمة الشتاء» أو «أطعمة تقوي المناعة» أو «أغذية مناسبة للصائمين»، وغالباً ما تكون مبنية على آراء خبراء، وعلى أدبيات صحية عامة، لا على سباق نقاط بين الأطعمة. وهي مادة نافعة إذا قُرئت في إطارها الصحيح، لكنها تصبح مشكلة إذا جرى تقديمها كأنها تشريع علمي نهائي.

أما قائمة BBC Future التي أشعلت الجدل فمرجعها مختلف. فالمادة استندت إلى دراسة علمية حاولت قياس ما يسمى «الملاءمة الغذائية» أو «الكفاءة الغذائية» لمجموعة من الأطعمة ضمن نموذج رياضي. هنا لا بد من التوقف: ما يُقاس ليس «الطعام الصحي» بالمفهوم الشائع، بل مدى مساهمة غذاء معين في استكمال احتياجات يومية من العناصر الغذائية عندما يدخل ضمن توليفات متعددة من الأطعمة. وهذا فرق حاسم.

لو أردنا تقريب الفكرة إلى القارئ العربي، يمكن القول إن الأمر يشبه تقييم لاعب كرة قدم بناءً على عدد المرات التي يمكنه فيها سد فراغ تكتيكي داخل تشكيلات مختلفة، لا على كونه «أفضل لاعب في العالم» من كل الجوانب. قد يكون لاعباً مفيداً في البناء الخططي، لكنه ليس بالضرورة الأكثر مهارة، ولا الأكثر جماهيرية، ولا الأكثر صلاحية لكل مباراة. كذلك هو الحال مع بعض الأطعمة في مثل هذه الدراسات: قد تكون عالية الكفاءة في تغطية عنصر محدد أو توازن معين داخل نموذج غذائي، لكن هذا لا يجعلها تلقائياً أفضل ما يمكن أن يأكله الإنسان على نحو يومي.

المشكلة تبدأ حين تختفي هذه الفروق الدقيقة في التغطية الإعلامية السريعة. فيتحول «يظهر كثيراً في نماذج غذائية حسابية» إلى «من أكثر الأطعمة صحة في العالم». وبين العبارتين مسافة علمية وإعلامية كبيرة جداً.

ما معنى أن يحتل شحم الخنزير المرتبة الثامنة؟

الرقم الذي أثار الدهشة حقيقي من حيث الورود في القائمة: نعم، ظهر ما وُصف بـ«pork fat» في مرتبة متقدمة. لكن المفتاح لفهم المسألة هو السؤال الآتي: ماذا كانت الدراسة تقيس بالضبط؟ الدراسة المرجعية التي استندت إليها المادة الإعلامية اعتمدت منهجاً يحلل مجموعات طعام مختلفة لمعرفة أي الأطعمة تتكرر ضمن أقل عدد ممكن من التركيبات القادرة على تلبية الاحتياجات اليومية من المغذيات لشخص مرجعي محدد. أي أننا لسنا أمام تصنيف أخلاقي للأكل الجيد والسيئ، بل أمام تمرين حسابي معقد يبحث في الكفاءة ضمن نماذج تركيبية.

بعبارة أوضح، هذا النوع من التحليل ينظر إلى الطعام كما لو كان «قطعة في أحجية». بعض القطع تساعد على إكمال عدد أكبر من الصور، لأنها تملأ خانة مهمة: طاقة، دهون، أحماض دهنية، أو عنصر دقيق معين. لكن كثرة استخدامها في الأحاجي لا تجعلها أجمل قطعة، ولا الأفضل تناولاً، ولا الأنسب صحياً إذا عُزلت عن السياق. هذا هو الفارق الذي ضاع في طريق الانتقال من البحث إلى العنوان الصحفي إلى منشورات السوشيال ميديا.

حتى القائمون على الدراسة، بحسب ما يُفهم من منهجيتها وحدودها، لم يطرحوا النتائج بوصفها دعوة للناس إلى الإكثار من هذا الغذاء أو ذاك. كما أن الدراسة لم تكن مصممة أصلاً لمقارنة كل الفئات الغذائية على نحو مبسط يصلح للتداول الشعبي. وهناك محددات أخرى مهمة، مثل طبيعة البيانات المستخدمة، وتركيز التحليل على أطعمة في صور معينة، وما إذا كانت خاماً أو معالجة. وهذه أمور يعرفها الباحثون جيداً، لكنها غالباً لا تجد طريقها إلى المنشورات القصيرة التي تفضل المفاجأة على الشرح.

بالنسبة إلى الجمهور العربي، وربما خصوصاً في البيئات التي تتقاطع فيها العادات الغذائية مع أحكام دينية وثقافية واضحة، فإن هذه القصة تقدم درساً مركباً. فهي لا تقول فقط إن «ليس كل ما يُنشر علمياً يُفهم شعبياً كما يجب»، بل تذكرنا أيضاً بأن استيراد المعلومة من سياق ثقافي إلى آخر من دون شرح قد يؤدي إلى مزيد من الارتباك. فالغذاء هنا ليس مجرد أرقام، بل يدخل أيضاً في منظومة القيم والعادات والشرع والذوق العام. ولذلك فإن المسؤولية الصحفية لا تقتصر على نقل «الترتيب»، بل تشمل تفسيره، وتوضيح محدوديته، ووضعه في مكانه الصحيح.

هل يحتوي «اللارد» فعلاً على فيتامينات تجعل منه غذاءً استثنائياً؟

جزء آخر من الرواية المنتشرة يقول إن «شحم الخنزير غني بفيتامينات ب»، وإن هذا ما يفسر موقعه المتقدم. هنا أيضاً نجد أن نصف الحقيقة يمكن أن يكون أكثر تضليلاً من الكذب الصريح. فالتمييز مهم بين الأنسجة الدهنية الخام المرتبطة ببقايا بروتين وماء وعناصر دقيقة، وبين «اللارد» المكرر المستخدم في الطهو بعد المعالجة والتنقية. كثير من الناس حين يسمعون التسمية يتخيلون المنتج الشائع في المطبخ الصناعي أو في الوصفات الغربية التقليدية، لا النسيج الدهني في صورته الأولية.

البيانات الغذائية المعروفة تشير إلى أن المنتج المكرر لا يحتفظ بالضرورة بالمستويات نفسها من بعض المغذيات الدقيقة التي قد توجد بنسب معينة في الدهون الخام. ومعالجة الدهون تؤدي عادة إلى فقد جزء من المكونات غير الدهنية التي تحمل بعض الفيتامينات أو المركبات الأخرى. لذلك فإن الادعاء الشائع بأن «اللارد مليء بفيتامين ب» يحتاج إلى قدر كبير من التحديد والتدقيق، وإلا تحول إلى عبارة مضللة. والأهم من ذلك أن تقييم الغنى الغذائي لأي مادة لا يكفي فيه النظر إلى وجود عنصر ما في كل 100 غرام، لأن هذه الكمية قد تكون مرتفعة جداً من السعرات والدهون المشبعة إلى درجة تجعل الاعتماد عليها كمصدر لذلك العنصر خياراً غير عملي صحياً.

هذا النوع من المغالطات نعرفه جيداً في المشهد الغذائي العربي. فكم مرة سمعنا مثلاً من يروج لنوع من الحلوى أو الدهون أو المشروبات المحلاة على أساس أنه «يحتوي على معادن» أو «مصدر للطاقة»؟ نعم، قد تحتوي منتجات كثيرة على مكونات مفيدة بدرجات ما، لكن السؤال الأهم هو: بأي كلفة غذائية؟ وضمن أي كمية؟ وهل تمثل هذه المادة وسيلة مناسبة للحصول على تلك العناصر مقارنة بخيارات أخرى أقل عبئاً على الجسم؟

هنا يصبح النقاش أكثر اتزاناً. قد يكون لبعض الدهون الحيوانية مزايا تركيبية معينة، وقد تحتوي على نسب من الدهون الأحادية غير المشبعة أو على فيتامينات ذائبة في الدهون، لكن ذلك لا يبدل حقيقة أن الإفراط في الدهون المشبعة يظل موضع تحفظ لدى المؤسسات الصحية الكبرى. لا يوجد في الأدبيات الرصينة ما يبرر القفز من «له بعض النقاط الإيجابية» إلى «إنه طعام خارق».

ماذا تقول التوصيات الصحية الحديثة عن الدهون المشبعة؟

رغم استمرار النقاشات العلمية حول حجم الضرر الدقيق لبعض أنواع الدهون المشبعة، فإن الإرشادات الصحية الرسمية في العالم لا تزال تميل بوضوح إلى الحد منها ضمن النظام الغذائي العام. منظمة الصحة العالمية، وجمعيات القلب المعروفة، وعدد كبير من الهيئات الوطنية للصحة العامة، تواصل التوصية بألا تشكل الدهون المشبعة نسبة مرتفعة من إجمالي الطاقة اليومية. والسبب ليس حملة ضد مادة بعينها، بل تراكم أدلة تشير إلى أن تقليل هذه الدهون، خصوصاً عندما يُستعاض عنها بدهون نباتية غير مشبعة في نمط غذائي متوازن، يرتبط بتحسن في مؤشرات صحية مهمة لدى شرائح واسعة من السكان.

صحيح أن بعض الدراسات خلال السنوات الأخيرة أعادت فتح النقاش حول العلاقة بين الدهون المشبعة وأمراض القلب والوفاة، وصحيح أيضاً أن العلم لا يتحرك دائماً في خط مستقيم، لكن القراءة المهنية لا تقوم على انتقاء دراسة واحدة وبناء قناعة نهائية عليها. ما يعتد به عادة هو مجمل الأدلة، ومراجعاتها المنهجية، وقدرة النتائج على التكرار في دراسات مختلفة، ثم ترجمتها إلى سياسات صحية متحفظة نسبياً لأنها تتعامل مع صحة السكان لا مع الحالات الفردية.

وفي السياق العربي، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية. فمع ارتفاع معدلات السمنة والسكري وأمراض القلب في عدد من الدول العربية، يصبح الانجذاب إلى عناوين من نوع «الدهون الحيوانية بريئة» أو «الزبدة عادت بطلة» أو «السمن أفضل من الزيوت النباتية بإطلاق» نوعاً من التبسيط الخطر. الحقيقة أن المطبخ العربي نفسه متنوع جداً: من زيوت الزيتون في بلاد الشام والمغرب، إلى السمن الحيواني في أطباق خليجية وشامية ومصرية، إلى القلي العميق المنتشر في الوجبات السريعة والأسواق الشعبية. وبالتالي فإن الرسالة الصحية الرصينة لا تعادي تقاليد الطعام، لكنها تدعو إلى الاعتدال، وضبط الكميات، وتفضيل الأنماط الأقل عبئاً على القلب والأوعية.

بكلمات واضحة: لا أحد يقول إن ملعقة واحدة من دهن مستخدم في الطبخ ستقلب حياة الإنسان رأساً على عقب. لكن تحويل دهون مشبعة بعينها إلى رمز للصحة أو إلى «سوبر فود» هو قفزة لا يدعمها الإجماع العلمي الحالي.

إذاً ما الأكثر فائدة عملياً؟ الخضروات الورقية تعود إلى الواجهة

بعيداً عن الإثارة التي تصاحب القوائم الغريبة، تميل الدراسات العملية التي تقيس الكثافة الغذائية إلى إعادة الاعتبار لفئات أقل ضجيجاً وأكثر تواضعاً: الخضروات الورقية والخضروات الصليبية والفواكه والخضار ذات المحتوى المرتفع من العناصر الدقيقة قياساً إلى السعرات. وهذه نتيجة قد لا تصنع عنواناً صاخباً، لكنها أقرب إلى ما يمكن للناس تطبيقه يومياً في حياتهم.

حين نجد في بعض الدراسات أن الجرجير المائي أو الكرنب أو السلق أو السبانخ أو أوراق الشمندر تحصد نقاطاً مرتفعة، فإن ذلك يبدو منسجماً مع المنطق الغذائي المعروف: سعرات أقل، وألياف أكثر، ومجموعة واسعة من الفيتامينات والمعادن والمركبات النباتية المفيدة. وللقارئ العربي، هذه أخبار أكثر قابلية للتطبيق من السجال الدائر حول شحم الخنزير. فلدينا في موائدنا ما يعادل كثيراً من هذه الخيارات أو يجاورها: السبانخ في أطباق تقليدية عديدة، والملوخية، والجرجير، والخس، والبقدونس، والكزبرة، والملفوف، والقرنبيط، والبقول المتنوعة التي تشكل عماداً غذائياً مهماً حين تُحضَّر بأساليب متوازنة.

وقد يكون هذا هو الدرس الأذكى في القصة كلها: الأطعمة المفيدة حقاً ليست دائماً الأغلى ثمناً، ولا الأندر، ولا الأكثر بريقاً على مواقع التواصل. أحياناً تكون أقرب إلينا مما نظن: حفنة من المكسرات غير المملحة، طبق سلطة غني بالأوراق الخضراء، وجبة سمك معتدلة، عدس أو حمص أو فول بطريقة غير مثقلة بالدهون، وفاكهة موسمية بدل الحلويات المصنعة. هذا النوع من النصائح قد لا يصنع ترند، لكنه يصنع فرقاً حقيقياً في الصحة العامة.

ما الذي ينبغي أن يتعلمه القارئ العربي من هذه القصة؟

الدرس الأول أن الصحافة الصحية الجيدة لا تكتفي بنقل المعلومة، بل تفككها. عندما نقرأ أن غذاءً ما جاء في المرتبة الثامنة أو الأولى أو الأخيرة، علينا أن نسأل: الثامنة بحسب ماذا؟ والأولى في أي معيار؟ وهل الحديث عن قيمة غذائية، أم عن كثافة سعرية، أم عن التكرار في نماذج حسابية، أم عن انطباع خبراء، أم عن تجربة محدودة؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً، بل هي جوهر القراءة النقدية في زمن العناوين السريعة.

الدرس الثاني أن «السوبر فود» غالباً ما يكون وصفاً أكبر من حجمه العلمي. لا يوجد طعام منفرد يمنحنا الصحة إذا كان نظامنا الغذائي كله مختلاً، كما لا يوجد طعام شيطاني منفرد يفسد كل شيء إذا كانت بقية العادات متوازنة. هذا الفهم مهم خصوصاً في المجتمعات العربية التي تتأرجح أحياناً بين المبالغة في تمجيد بعض المكونات التراثية، والمبالغة المقابلة في شيطنة أطعمة أخرى من دون تمييز بين الاستخدام المعتدل والإفراط.

الدرس الثالث أن الترجمة الثقافية ضرورية. فالمادة التي تنطلق من سياق كوري أو بريطاني أو أميركي تحتاج، حين تُقدَّم عربياً، إلى شرح المفاهيم المرتبطة بها: ما معنى «اللارد»؟ ما الفرق بين الدهن الخام والدهن المكرر؟ كيف تُقرأ الجداول الغذائية؟ وما مدى صلة هذا كله بعاداتنا الفعلية في المطبخ؟ من دون هذا الجهد التفسيري، تصبح المادة الإعلامية مجرد استيراد حرفي يضيف الالتباس بدل أن يبدده.

أما الخلاصة العملية، فهي أن ظهور شحم الخنزير في قائمة غذائية متقدمة لا يعني أنه «غذاء خارق» بالمعنى الذي تسوقه بعض المنشورات. ما حدث أن دراسة علمية ذات منهج خاص قاست شيئاً مختلفاً عن الفهم الشعبي الشائع، ثم انتقلت النتيجة إلى الإعلام الاجتماعي بعد أن فقدت كثيراً من شروطها وتفاصيلها. والنتيجة النهائية: عنوان جذاب، لكنه ناقص.

في النهاية، ربما يكون أفضل ما يمكن قوله للقارئ العربي هو الآتي: لا تبحث عن البطل الخارق في طبقك، بل عن التوازن. وإذا كان لا بد من قائمة مفيدة تبدأ بها يومك الصحي، فلتكن أقرب إلى ما تعرفه مطابخنا حين تكون في أفضل حالاتها: خضار طازجة، حبوب وبقول، زيت نباتي معتدل وخصوصاً زيت الزيتون حيث يتوافر، أسماك أو بروتينات متنوعة، تقليل للأطعمة فائقة المعالجة، وانتباه حقيقي للكميات. أما «المعجزات الغذائية» التي تظهر كل أسبوع، فالأجدر بها أن تبقى في خانة الفضول الصحفي، لا الوصفة الصحية الموثوقة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات