광고환영

광고문의환영

حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» بين شرق آسيا والشرق الأوسط: تبديل عسكري يكشف كلفة الحرب الطويلة وحدود القوة

حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» بين شرق آسيا والشرق الأوسط: تبديل عسكري يكشف كلفة الحرب الطويلة وحدود القوة

صورة للمساعدة في فهم المقال

تحرك عسكري يتجاوز فكرة «التبديل الروتيني»

في الظاهر، تبدو المسألة وكأنها جزء من جدول اعتيادي لتبديل حاملات الطائرات الأميركية بين مناطق الانتشار المختلفة. لكن في السياسة الدولية، كما في الشطرنج، ليست كل نقلة مجرد تبديل قطعة بأخرى. الاستعداد لنقل حاملة الطائرات الأميركية النووية «يو إس إس جورج واشنطن» من قاعدتها الأم في يوكوسوكا اليابانية إلى الشرق الأوسط، لتتولى المهمة من الحاملة «أبراهام لينكولن»، يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد تدوير للقوات. نحن هنا أمام مؤشر على أن الحرب الممتدة مع إيران، أو على الأقل حالة الاشتباك المفتوح المرتبطة بها، لم تعد عبئاً محصوراً في جبهة واحدة، بل باتت تضغط على خريطة الانتشار العسكري الأميركي من شرق آسيا حتى مياه الخليج.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو خبر تحرك حاملة من اليابان إلى الشرق الأوسط أقرب إلى عنوان عسكري بعيد، لكنه في الحقيقة يلامس صميم المنطقة. فحاملات الطائرات ليست مجرد سفن كبيرة، بل هي مدن عائمة وقواعد جوية متحركة، يُقاس بها مستوى الجدية السياسية والعسكرية الأميركية. وحين تُنقل حاملة من منطقة حساسة مثل شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، فذلك يعني أن واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط حرب طويلة ومكلفة.

اللافت في هذه الخطوة أن «جورج واشنطن» ليست حاملة متمركزة في الساحل الأميركي يمكن الدفع بها كتعزيز إضافي عند الحاجة، بل هي الحاملة الوحيدة التي تُبقيها الولايات المتحدة في انتشار دائم تقريباً في فضاء الهندي-الهادئ، وخاصة في شرق آسيا. ولهذا، فإن نقلها إلى الشرق الأوسط يفتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة بدأت تسحب من احتياط ردعها في آسيا لتغذية جبهة تستنزفها في منطقتنا. وفي عالم الاستراتيجيا، هذه ليست إشارة عابرة.

في الخطاب العربي، اعتدنا على توصيفات مثل «نقل المعركة من ساحة إلى أخرى» أو «شدّ الأطراف من الميدان إلى السياسة». وما يجري اليوم يعكس صورة مشابهة، لكن على مستوى القوى العظمى: حرب تطول، فتبدأ باستهلاك ليس الذخيرة فقط، بل الزمن العسكري، والطاقات البشرية، وحتى التوازنات بين المسارح المختلفة. من هنا، يصبح تحرك «جورج واشنطن» حدثاً يخص الشرق الأوسط بقدر ما يخص اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان أيضاً.

ومع أن واشنطن قد تصفه بأنه جزء من آلية تناوب معروفة في البحرية الأميركية، فإن التوقيت والسياق يفرضان قراءة مختلفة. عندما تتسع الحرب أو يطول أمدها، تتغير المعاني التي تحملها الإجراءات الروتينية. تماماً كما أن تمديد مهمة وحدة عسكرية لبضعة أشهر إضافية في منطقة ساخنة قد يبدو قراراً فنياً على الورق، لكنه في الواقع يعكس عجزاً عن إنهاء المهمة أو تخفيف العبء. هنا أيضاً، تبدو الحاملة الجديدة وكأنها ليست بديلاً مريحاً بقدر ما هي شاهد على استمرار الاستنزاف.

ما الذي تمثله «جورج واشنطن» عسكرياً وسياسياً؟

لفهم ثقل الخبر، لا بد من التوقف عند طبيعة هذه الحاملة نفسها. «جورج واشنطن» هي سادس حاملات فئة «نيميتز» العاملة بالطاقة النووية في البحرية الأميركية. بطول يتجاوز 333 متراً وعرض يقارب 76.8 متراً، ومساحة سطح طيران تعادل تقريباً ثلاثة ملاعب كرة قدم، فإننا لا نتحدث عن قطعة بحرية عادية، بل عن منصة قتال متكاملة. وعلى متنها نحو ستة آلاف من البحارة والطيارين والفنيين والإداريين، ما يجعلها أقرب إلى قاعدة جوية كاملة تتحرك فوق البحر.

وتستطيع الحاملة تشغيل نحو 80 طائرة ومروحية، من بينها مقاتلات «إف-35 سي» الشبحية، و«إف/إيه-18 سوبر هورنت»، وطائرات الإنذار المبكر «هوك آي»، ومروحيات العمليات البحرية. هذا يعني أن انتقالها لا يضيف فقط جسماً بحرياً ضخماً إلى مسرح العمليات، بل يضيف قدرة على الضرب الجوي، والمراقبة، والإنذار المبكر، وإدارة المجال البحري والجوي في آن واحد. بعبارة أقرب إلى لغة القراء العرب، هي ليست «سفينة»، بل «مطار عسكري متحرك» قادر على تمثيل الإرادة السياسية الأميركية في أي نقطة من العالم.

لكن أهمية «جورج واشنطن» لا تنبع من قدراتها التقنية فقط. أهميتها الحقيقية كامنة في موقعها الدائم في يوكوسوكا، حيث تشكل جزءاً من منظومة الردع الأميركية في شرق آسيا. وجودها هناك رسالة يومية إلى الصين وكوريا الشمالية، وإلى الحلفاء الإقليميين أيضاً، بأن واشنطن حاضرة وقادرة على التدخل السريع. وحين تُسحب هذه الرسالة من مكانها، حتى لو مؤقتاً، فإن الجميع يقرأ ذلك بعين القلق أو الفرصة.

في الثقافة السياسية العربية، نفهم جيداً معنى «الفراغ». كم مرة قيل إن انسحاب قوة من مدينة أو منطقة لا يعني فقط انتقال الجنود، بل يخلق فراغاً يسارع آخرون إلى ملئه؟ هذا المنطق نفسه ينطبق على البحار الكبرى. صحيح أن الولايات المتحدة تحتفظ بأصول وقوات أخرى في المحيطين الهادئ والهندي، لكن غياب الحاملة الدائمة من شرق آسيا لا يمكن اعتباره تفصيلاً بلا أثر، خصوصاً في لحظة تتصاعد فيها المنافسة مع الصين على النفوذ والردع والممرات البحرية.

ومن هنا، فإن «جورج واشنطن» تمثل معادلة مزدوجة: قوة عملياتية من جهة، ورمزاً استراتيجياً من جهة أخرى. وحين يُعاد نشر مثل هذا الأصل العسكري من مسرح إلى آخر، فالرسالة لا تُقرأ في طهران فقط، بل في بكين وسيول وطوكيو أيضاً. لهذا يبدو القرار، إن تمّ بصورة كاملة، أشبه بإعادة توزيع للوزن الأميركي بين ساحات متزاحمة، لا مجرد تغيير مناوبة.

حاملة «لينكولن» وكلفة البقاء الطويل في البحر

الجانب الآخر من القصة لا يقل أهمية: لماذا تحتاج واشنطن أصلاً إلى هذا التبديل الآن؟ الجواب يرتبط بالوضع غير الاعتيادي الذي واجهته الحاملة «أبراهام لينكولن». فهذه الحاملة انطلقت من سان دييغو في أواخر نوفمبر من العام الماضي، ومع انتقالها إلى مسرح الشرق الأوسط دخلت في واحدة من أطول فترات الانتشار البحري المتواصل في التاريخ الحديث للبحرية الأميركية. ووفق المعطيات المتداولة، بقيت في البحر 208 أيام متواصلة قبل أن ترسو لفترة قصيرة في عُمان، بينما امتد انتشارها الإجمالي إلى نحو تسعة أشهر.

في لغة المؤسسات العسكرية، يُقاس النجاح عادة بقدرة القوة على البقاء والقتال والتنفيذ. لكن هذا المنظور يغفل أحياناً حقيقة بسيطة: الحديد لا يعمل وحده، بل يحتاج إلى بشر. وهنا تبرز المعضلة التي كشفتها تجربة «لينكولن». فالفترة الطويلة في البحر لم تعد مجرد تحدٍ لوجستي أو تشغيلي، بل تحولت إلى قضية تتعلق بظروف المعيشة، والضغط النفسي، والانفصال الطويل عن الأسر، والإرهاق الذي يصيب الطواقم عندما تتحول المهمة من استثناء إلى حالة ممتدة بلا أفق زمني واضح.

وقد ظهرت تقارير عن محاولات انتحار على متن الحاملة، وعن قلق متزايد بين عائلات العسكريين الأميركيين المنتشرين في مناطق مختلفة. ورغم نفي وزارة الدفاع الأميركية أن تكون الظروف على متن السفينة قد وصلت إلى مستوى الأزمة كما صوّرت بعض التقارير، فإن مجرد تحوّل الملف إلى مادة سجال داخل الولايات المتحدة يكشف حجم التوتر. فحين يطلب أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي تفسيرات رسمية حول أوضاع المعيشة والصحة النفسية على متن حاملة طائرات، فهذا يعني أن المسألة خرجت من إطار الانضباط العسكري المغلق إلى دائرة المحاسبة السياسية.

هذه نقطة يفهمها القارئ العربي جيداً. ففي منطقتنا، كثيراً ما جرى النظر إلى الجيوش الكبرى على أنها آلات ضخمة لا تتعب، وأن استمرارها في الميدان يعني بالضرورة قدرتها على تحمّل الكلفة إلى ما لا نهاية. غير أن تجارب العقود الأخيرة، من أفغانستان إلى العراق وصولاً إلى مهمات الانتشار البحري الطويل، أظهرت أن استدامة القوة ليست مجرد مسألة ميزانيات وسلاح، بل هي أيضاً مسألة بشر. الطيار الذي يقلع في مهمة قتالية، والبحار الذي يعمل في الصيانة، والضابط الذي يدير النوبات اليومية، جميعهم يراكمون أثقال الحرب مهما بدت بعيدة عن العناوين الكبرى.

وهنا، يظهر معنى التبديل بين «لينكولن» و«جورج واشنطن» على نحو أوضح. فالأمر لا يتعلق فقط بإعفاء حاملة أنهكتها الأشهر الطويلة من المهمة، بل بنقل عبء الجبهة نفسه إلى حاملة أخرى وإلى نحو ستة آلاف فرد جديد. أي أن المشكلة لا تُحل بقدر ما يُعاد توزيعها. وهذا ما يجعل الحدث مؤشراً على أن الحرب أو المواجهة لم تعد بحاجة إلى «تعزيز مؤقت»، بل إلى دورة مستدامة من الإحلال والتجديد، وهي سمة معروفة لكل صراع يتجه إلى الطول.

الشرق الأوسط أولاً؟ ماذا تقول هذه الخطوة عن أولويات واشنطن

منذ سنوات، تكرّر الإدارات الأميركية، بدرجات مختلفة، أن المنافسة الكبرى في القرن الحادي والعشرين ستكون في منطقة الهندي-الهادئ، وأن صعود الصين هو التحدي الاستراتيجي الأهم. لكن الحروب والأزمات كثيراً ما تُجبر القوى الكبرى على العودة إلى أولويات اللحظة. وإذا كانت الولايات المتحدة تستعد فعلاً لسحب حاملة منتشرة دائماً في شرق آسيا لإسناد وجودها في الشرق الأوسط، فهذا يوحي بأن منطق «الأولوية النظرية» يصطدم بمنطق «الإلزام العملي» الذي تفرضه الجبهات الساخنة.

بمعنى آخر، قد تكون الصين هي التحدي الأكبر على الورق، لكن إيران والحرب الدائرة حولها تفرضان استنزافاً يومياً يحتاج إلى أصول جاهزة وفورية. في الحسابات العسكرية، لا يكفي أن تملك القوة؛ المهم أين تضعها وفي أي توقيت. وتحريك «جورج واشنطن» من اليابان إلى الشرق الأوسط يعني أن واشنطن ترى أن الحاجة إلى الحفاظ على قوة حاملة طائرات في المنطقة العربية باتت أولوية لا يمكن تركها لفراغ مؤقت، حتى لو أدى ذلك إلى تقليص الحضور الأكثر حساسية في آسيا.

هذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستترك المحيط الهادئ مكشوفاً، فهناك قواعد وقوات وحاملات أخرى يمكن تدويرها أو الاقتراب بها عند الحاجة. لكن الرسالة الأساسية تبقى قائمة: الموارد، مهما عظمت، ليست بلا حدود. وحتى البحرية الأميركية، التي تمثل رأس القوة البحرية في العالم، تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين جبهتين استراتيجيتين في وقت واحد. وهذه المعضلة معروفة تاريخياً لكل الإمبراطوريات، من روما القديمة إلى القوى الحديثة: تعدد الجبهات يرفع الكلفة ويُضعف مرونة القرار.

في السياق العربي، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية. فالمنطقة اعتادت أن تكون مسرحاً تتقاطع فيه حسابات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية. واليوم، تضيف الحرب الطويلة بُعداً جديداً: أنها قادرة على استدعاء أصول عسكرية من مسارح بعيدة، بما يعني أن الشرق الأوسط لا يزال قادراً على تغيير جداول الأولويات الدولية. ومن هنا، فإن من يعتقد أن العالم تجاوز المنطقة أو أنه لم يعد يوليها الوزن نفسه، قد يجد في هذا التطور ما يناقض تلك الفرضية.

كما أن هذا التحرك يسلط الضوء على مفارقة لافتة: واشنطن تريد في الوقت نفسه أن تردع الصين، وتدير التزاماتها تجاه الحلفاء في آسيا، وتحافظ على حضورها العسكري في الشرق الأوسط، وتتجنب الانزلاق إلى حرب لا سقف لها. الجمع بين هذه الأهداف ليس مستحيلاً، لكنه مكلف. وكلما طال أمد المواجهة في الشرق الأوسط، زادت احتمالات أن تنعكس على أولويات الولايات المتحدة في مناطق أخرى، وأن تضطر الإدارة الأميركية إلى قرارات أصعب في توزيع القوة.

انعكاسات محتملة على شرق آسيا… وعلى حسابات الردع

رغم أن الخبر يهم المنطقة العربية مباشرة، فإن أحد أهم وجوهه يكمن في أثره خارجها. فوجود حاملة أميركية متمركزة دائماً في اليابان ليس مجرد ترتيب لوجستي، بل هو جزء من بنية الردع في شرق آسيا. اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، تنظران إلى هذا الوجود بوصفه ضمانة مهمة في ظل بيئة أمنية متوترة تشمل تجارب كوريا الشمالية الصاروخية وتصاعد الحضور البحري الصيني. لذلك، فإن أي غياب للحاملة «جورج واشنطن» سيُقرأ في طوكيو وسيول ضمن حسابات الحلفاء والخصوم على السواء.

ومع أن التحالف الأميركي-الياباني أعمق من أن يهتز بتحرك واحد، فإن الرمزية لها وزنها الكبير في شرق آسيا. هذه منطقة شديدة الحساسية للإشارات العسكرية، حيث يُقرأ زمن الإبحار ومسار القطع البحرية وعدد الطائرات المشاركة في المناورات كما تُقرأ البيانات السياسية الرسمية. ومن هذا المنطلق، قد تجد الصين في هذا التحول دليلاً على أن الولايات المتحدة تواجه عبئاً متزايداً في الشرق الأوسط، فيما قد يرى الحلفاء الآسيويون أنه اختبار جديد لقدرة واشنطن على إدارة أكثر من أزمة في وقت واحد.

القضية هنا لا تتعلق بحدوث «فراغ كامل» أو «انكشاف فوري» في شرق آسيا، فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك. لكن الفكرة الأساسية هي أن الردع يقوم أيضاً على الاستمرارية والاعتياد. عندما يكون هناك أصل عسكري ضخم حاضر على نحو دائم، تصبح دلالته مستقرة. وعندما يتحرك إلى جبهة أخرى، يبعث ذلك برسالة عن حجم الحاجة في الجبهة الجديدة. وكأن واشنطن تقول من حيث لا تريد: الشرق الأوسط يستهلك اليوم ما كنا نخصصه عادة لردع الأزمات في آسيا.

في الوعي العربي، نعرف جيداً قيمة «الرمز» في السياسة. فوجود سفير أو غيابه، زيارة مسؤول أو إرجاؤها، تحريك قطعة بحرية أو تأجيل مناورات، كلها ليست تفاصيل شكلية. لذلك، فإن الحديث عن «جورج واشنطن» بوصفها مجرد منصة قتال يفوّت نصف القصة. النصف الآخر هو أنها عنوان سياسي متنقل. وحين يغادر هذا العنوان اليابان إلى الشرق الأوسط، فهو يرسل رسائل متوازية إلى أكثر من عاصمة في آن واحد.

وهذا ما يجعل الحدث أبعد من مجرد تطوير تكتيكي في مسرح الحرب. إنه يختبر أيضاً مصداقية الفكرة الأميركية الأساسية في زمن التنافس الدولي: القدرة على الحضور الفعال في أكثر من ساحة استراتيجية في الوقت نفسه. فإذا ثبت أن حرباً طويلة في الشرق الأوسط تفرض سحب الأصول من شرق آسيا، فإن الخصوم سيعيدون قراءة حدود هذه القدرة، والحلفاء سيعيدون سؤال الاعتماد عليها.

الانتخابات الأميركية والعبء الداخلي للحرب الطويلة

ليست الجبهة الخارجية وحدها من تتأثر. ففي الولايات المتحدة نفسها، تتحول كلفة الحرب الطويلة إلى مادة سياسية داخلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. التاريخ الأميركي مليء بالأمثلة على أن الحروب البعيدة تعود في النهاية لتؤثر على الداخل، ليس فقط عبر الموازنات العسكرية، بل عبر قصص الجنود والضباط وأسرهم، وعبر الأسئلة الأخلاقية والسياسية المتعلقة بجدوى الاستمرار.

في الحالة الراهنة، يُضاف ملف «لينكولن» إلى الجدل حول كيفية إدارة الإدارة الأميركية للحرب مع إيران أو للمواجهة المفتوحة المرتبطة بها. فإذا كانت الحاجة قائمة إلى استبدال حاملة بأخرى بعد انتشار غير مسبوق في الطول، فهذا يعني أن الجمهور الأميركي قد يجد نفسه أمام صورة مغايرة للخطاب الرسمي: ليست عملية محدودة، بل التزاماً متصلاً يحتاج إلى تدوير دائم للقوات وإلى تحمل ضغوط بشرية متصاعدة.

وهنا يظهر التناقض المعروف في الديمقراطيات الكبرى بين منطق المؤسسة العسكرية ومنطق السياسة الانتخابية. المؤسسة العسكرية قد تقول إن الحفاظ على الوجود البحري ضروري للردع والعمليات. أما السياسيون، وخصوصاً في مواسم الانتخابات، فيسألون عن الكلفة، والمدة، والهدف النهائي، وعن الثمن الاجتماعي الذي يدفعه الجنود وعائلاتهم. وفي مناخ أميركي متعب أصلاً من الحروب الطويلة، يمكن لقصة حاملة طائرات أمضت 208 أيام متتالية في البحر أن تتحول بسهولة إلى رمز لسوء الإدارة أو لغياب استراتيجية خروج واضحة.

وللقارئ العربي هنا ملاحظة مهمة: كثيراً ما يُختزل النفوذ الأميركي في حاملات الطائرات والقواعد العسكرية، لكن النفوذ الحقيقي يرتبط أيضاً بقدرة النظام السياسي على تحمّل تبعات هذه القوة. فإذا بدأت الحرب تُترجم إلى ضغط انتخابي، وسجالات في الكونغرس، وأسئلة عن الصحة النفسية للعسكريين، فإن ذلك يشير إلى أن المسألة لم تعد محصورة في جبهة بعيدة، بل دخلت عمق الداخل الأميركي. وهذه عادة من علامات الحروب التي تطول أكثر مما خُطط لها.

من هذه الزاوية، تصبح «جورج واشنطن» ليست فقط بديلاً عملياتياً لـ«لينكولن»، بل جزءاً من محاولة احتواء تداعيات داخلية أيضاً: منح الحاملة المنهكة فرصة للعودة، وامتصاص الضغط السياسي، والحفاظ في الوقت نفسه على صورة أن الولايات المتحدة ما زالت ممسكة بزمام الانتشار العسكري في المنطقة. غير أن هذا الحل، مهما بدا عملياً، لا يزيل السؤال الأكبر: إلى متى يمكن لواشنطن أن تواصل تدوير الحاملات والبشر بين الجبهات من دون أن يظهر الثمن في الحسابات السياسية والاستراتيجية معاً؟

ما الذي يعنيه ذلك للمنطقة العربية؟

بالنسبة للعالم العربي، لا ينبغي التعامل مع هذا التحرك على أنه مجرد خبر عسكري تقني. دلالاته تمس أمن الممرات البحرية، وتوازن الردع، وإيقاع التصعيد في المنطقة. وجود حاملة أميركية جديدة في الشرق الأوسط يعني، أولاً، أن واشنطن لا تنوي تخفيف حضورها البحري قريباً، بل تستعد لإدامته. ويعني، ثانياً، أن الحرب أو المواجهة مع إيران لم تعد تُدار بمنطق الأزمة القصيرة، بل بمنطق الاستمرارية، حيث يجري تنظيم تناوب للقوات كما لو أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على احتمالات التصعيد والردع معاً.

كما أن هذا التطور يضع دول المنطقة أمام قراءة مزدوجة. فمن جهة، قد يُنظر إلى استمرار الوجود الأميركي على أنه عامل استقرار وردع، خصوصاً في ما يتعلق بحماية الملاحة البحرية ومنع توسع المواجهة. ومن جهة أخرى، فإن تكريس هذا الوجود لفترة طويلة قد يعني أن المنطقة ستبقى رهينة التوترات الكبرى، وأن مياهها ستظل مسرحاً لتجاذب تتجاوز أسبابه حدودها المحلية.

ولعل أهم ما تكشفه قصة «جورج واشنطن» هو أن الحروب الحديثة لا تبقى محصورة في خرائطها الأولى. مع الوقت، تمتد آثارها إلى جداول الانتشار العسكري، وإلى الصحة النفسية للجنود، وإلى النقاشات البرلمانية، وإلى حسابات الردع في مناطق بعيدة. كأن خط الإمداد لا ينقل الوقود والذخيرة فقط، بل ينقل أيضاً عبء الحرب من جبهة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى، ومن البحر إلى السياسة.

في التراث العربي، قيل قديماً إن الحرب أولها كلام وآخرها حساب. وما نراه اليوم هو بداية ظهور الحسابات الثقيلة لحرب طويلة: حساب في البحار، وحساب في توازنات آسيا، وحساب في السياسة الأميركية الداخلية، وحساب في أمن الشرق الأوسط نفسه. وإذا كانت «جورج واشنطن» ستبحر بالفعل من اليابان إلى منطقتنا، فإن مسارها لن يكون مجرد خط ملاحي على الخريطة، بل مرآة تكشف أين تتركز أولويات واشنطن، وكم باتت كلفة هذه الحرب أكبر من حدودها المباشرة.

الخلاصة أن تبديل الحاملات ليس دائماً شأناً فنياً. أحياناً يكون بمثابة اعتراف غير مباشر بأن الحرب تطول، وأن القوة العظمى نفسها بدأت تعيد توزيع أثقالها بين الجبهات. ومن هذه الزاوية، فإن خبر «جورج واشنطن» ليس مجرد قصة عن سفينة تتجه من اليابان إلى الشرق الأوسط، بل قصة عن زمن دولي مضطرب، تُختبر فيه قدرة الولايات المتحدة على الإمساك بأكثر من جبهة، فيما تدفع المنطقة العربية مرة أخرى ثمن كونها في قلب العاصفة الجيوسياسية.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات