
صورة للمساعدة في فهم المقال
بين شرعية الصندوق واستقرار الجبهة
في زمن السلم، تبدو الانتخابات في المخيال السياسي الحديث أقرب إلى موعد دستوري ثابت، مثل مواسم الحصاد التي يعرفها الفلاح قبل أن يضع البذور في الأرض. أما في زمن الحرب، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدا بكثير: هل يمكن للدولة أن تذهب إلى الاقتراع فيما جنودها على الجبهات، وملايين من مواطنيها بين نزوح داخلي ولجوء خارجي، وبناها التحتية تتعرض للقصف، ومساحات من أراضيها موضع نزاع؟ هذا هو السؤال الذي أعاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي طرحه بصورة حادة، حين رفض الدعوات إلى إجراء انتخابات خلال استمرار الحرب، محذرا من أن مثل هذه الخطوة قد تتحول إلى “تسونامي” سياسي يهدد وحدة البلاد.
أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في العبارة القوية التي استخدمها زيلينسكي، بل في ما تكشفه من معضلة أعمق: كيف تحافظ الدولة على الشرعية الديمقراطية في لحظة استثنائية، من دون أن تدفع ثمن ذلك تفككا داخليا أو ارتباكا في إدارة الحرب؟ هنا لا يعود النقاش مجرد خلاف على توقيت انتخابي، بل يتحول إلى سؤال عن معنى التمثيل السياسي نفسه عندما تصبح أولويات البقاء والأمن والقدرة على اتخاذ القرار السريع في صدارة المشهد.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا الجدل أوكرانيا خالصا في ظاهره، لكنه في جوهره يتصل بقضية شديدة الألفة في المنطقة: كيف تتصرف الدول عندما تتعارض القواعد الطبيعية للعمل السياسي مع ظروف استثنائية تفرضها الحروب أو الأزمات الممتدة؟ في التاريخ العربي الحديث، شهدت دول عدة لحظات كانت فيها أولوية الحفاظ على تماسك الدولة تتقدم على الاستحقاقات السياسية التقليدية، فيما كانت الكلفة دائما باهظة إذا غاب التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الشرعية. لذلك فإن ما يجري في كييف ليس شأنا أوروبيا بعيدا، بل نافذة جديدة على معضلة عالمية تعرفها مجتمعاتنا جيدا، وإن اختلفت السياقات.
وإذا كانت وكالات دولية عدة قد نقلت موقف زيلينسكي بوصفه رفضا قاطعا لفكرة الانتخابات في الوقت الراهن، فإن الأهم من الحدث نفسه هو الإطار الذي يضعه الرئيس الأوكراني لهذا الرفض: ليس لأن الانتخابات غير مهمة، بل لأن شروطها، في رأيه، غير متوافرة على نحو يسمح بتحويلها إلى مصدر للاستقرار بدل أن تصبح وقودا لانقسام داخلي جديد. هذه النقطة تحديدا هي التي تجعل القضية مادة للتحليل أكثر من كونها خبرا عابرا في يوم سياسي مزدحم.
ماذا يقصد زيلينسكي بـ«تسونامي الانقسام»؟
اللغة السياسية ليست مجرد زخرفة. حين يستخدم رئيس دولة في حالة حرب مفردات مثل “الخطر الهائل” و”تسونامي” و”تدمير البلاد”، فإنه لا يصف مشكلة إجرائية تتعلق بتنظيم يوم اقتراع، بل يرسل رسالة مفادها أن العملية السياسية نفسها قد تتحول، في ظرف استثنائي، إلى تهديد للأمن القومي. هذا التعبير لا ينبغي قراءته بمعناه الانفعالي فقط، بل بمعناه الوظيفي أيضا: الانتخابات في زمن الحرب ليست صناديق ولجانا وأوراق اقتراع فحسب، بل منافسة علنية على قيادة البلاد، ومراجعة قاسية لأداء السلطة، ومبارزة خطابية قد تتسع لتشمل الجيش والاستراتيجية العسكرية ومصير الدعم الدولي.
في الظروف العادية، هذه كلها عناصر صحية في أي ديمقراطية؛ فهي تسمح بالمحاسبة وتوسيع التمثيل وإعادة توزيع الثقة الشعبية. لكن في ظروف الحرب، يمكن للمشهد نفسه أن ينقلب. فالحملات الانتخابية تقوم بطبيعتها على إبراز الفوارق، وتضخيم الاختلافات، وتعبئة الأنصار، والطعن في خصوم الداخل. ما يعدّ في الأحوال الطبيعية دليلا على حيوية سياسية قد يتحول، تحت ضغط المعارك والضحايا والقلق العام، إلى شرخ مؤلم في الجبهة الداخلية. المعنى هنا أن زيلينسكي لا يرفض الانتخابات كمبدأ، بل يحذر من أن التنافس الانتخابي قد يصبح، في اللحظة الحالية، أداة لإنتاج الانقسام لا لإدارته.
المعضلة لا تتوقف عند الخطاب السياسي. هناك أيضا أسئلة عملية شديدة الحساسية: كيف سيصوت الجنود المنتشرون على الجبهات؟ كيف يشارك النازحون واللاجئون؟ كيف يمكن ضمان تكافؤ الفرص بين مرشحين في بلد تتباين فيه القدرة على الحركة والتنظيم والوصول إلى الجمهور؟ كيف يمكن إقناع المواطنين بقبول النتيجة إذا كانت قطاعات واسعة تشعر بأنها لم تشارك في ظروف طبيعية أو عادلة؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية، بل صلب الشرعية ذاتها، لأن أي اقتراع لا يُنظر إلى نتائجه على أنها موثوقة يمكن أن يفتح باب نزاع جديد بدلا من أن يغلق بابا قديما.
ومن هنا، فإن “تسونامي الانقسام” الذي تحدث عنه الرئيس الأوكراني لا يعني فقط اضطراب يوم التصويت، بل يمتد إلى ما قبله وما بعده: الحملة، والسجال، والاتهامات، ومآلات النتائج، وإمكانية الطعن فيها، وما قد يستتبع ذلك من إضعاف الثقة في المؤسسات بينما الحرب لم تنته بعد. في العلوم السياسية، هذه ليست مشكلة مواعيد، بل مشكلة تزامن بين منطقين متعارضين: منطق الحرب الذي يحتاج إلى تركيز القرار ووحدة الرسالة، ومنطق الديمقراطية التنافسية الذي يقوم على التعدد والاختلاف والمحاسبة.
الشرعية المؤجلة: هل يكفي تأجيل الانتخابات لحل الأزمة؟
الرد السهل على موقف زيلينسكي هو القول إن الحفاظ على الاستقرار أولى من المغامرة. لكن السياسة نادرا ما تكافئ الإجابات السهلة. فكما أن إجراء انتخابات في ظروف استثنائية يحمل مخاطر، فإن تأجيلها إلى أجل غير واضح يحمل بدوره أثمانا سياسية ومعنوية. هنا تكمن العقدة الحقيقية: الدولة تريد أن تقول لمواطنيها وللعالم إنها تؤجل الاقتراع من أجل حماية المجتمع، لا من أجل حماية السلطة. وكلما طالت الحرب، ازدادت الحاجة إلى تفسير مقنع يحافظ على الثقة العامة ويمنع تحول التأجيل من إجراء استثنائي إلى نمط حكم مفتوح.
هذا البعد شديد الأهمية لأن الشرعية في الأنظمة الحديثة لا تقوم فقط على النتائج أو الشعبية أو الأداء العسكري، بل أيضا على وجود آليات معروفة لتجديد التفويض الشعبي. صحيح أن الحرب قد تعطل هذه الآليات أو تغير إيقاعها، لكن تعطيلها لا يلغي السؤال بشأنها. ولهذا فإن النقاش في أوكرانيا لا ينحصر في “هل تُجرى الانتخابات الآن أم لا؟” بقدر ما يمتد إلى “ما البديل المؤسسي الذي يضمن بقاء المساءلة والتمثيل في زمن الحرب؟”
قد يرى البعض أن مجرد استمرار الدعم الشعبي أو الخارجي يكفي مؤقتا، لكن التجارب السياسية الحديثة تقول إن الشرعية التي لا تجد صيغة للتجدد تصبح عرضة للأسئلة، حتى لو كانت أسباب التأجيل مفهومة. ولهذا السبب تحديدا يبدو موقف زيلينسكي بداية فصل جديد من النقاش لا نهايته. فقد حسم رفض الانتخابات الفورية، لكنه لم يغلق الباب أمام السؤال الأهم: ما الشروط التي تجعل الانتخابات ممكنة لاحقا؟ وهل هناك مؤشرات محددة، أمنية أو لوجستية أو سياسية، يمكن عندها الانتقال من منطق الاستثناء إلى منطق الاستحقاق؟
بالنسبة إلى المراقبين في العالم العربي، هذه النقطة مألوفة. كثير من الأزمات لا تنفجر فقط بسبب اتخاذ قرار استثنائي، بل بسبب غموض الطريق إلى ما بعد الاستثناء. في الثقافة السياسية العربية، يعرف الجمهور أن تأجيل المواعيد الكبرى قد يكون مفهوما في لحظة الخطر، لكنه يريد أيضا أن يفهم أين تنتهي الضرورة وأين يبدأ الاحتكام إلى القواعد مجددا. لهذا فإن زخم الجدل حول أوكرانيا لن يتوقف عند رفض الانتخابات، بل سينتقل مع الوقت إلى قدرة القيادة على شرح الكيفية التي ستُحفظ بها الشرعية خلال الحرب، ثم تُستعاد بصورة مكتملة عندما تسمح الظروف.
لماذا تتابع كوريا الجنوبية هذا الملف عن كثب؟
كون القصة واردة عبر تغطية كورية ليس تفصيلا عابرا. فسيول، بوصفها قوة صناعية وتجارية كبرى وفاعلا ديمقراطيا في شرق آسيا، تراقب الحرب في أوكرانيا ليس فقط من باب التضامن السياسي مع الغرب أو الاهتمام الإنساني، بل أيضا من زاوية أوسع تتعلق باستقرار النظام الدولي، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، ومصداقية المؤسسات الديمقراطية تحت الضغط. كوريا الجنوبية دولة شديدة الارتباط بالاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل في أوروبا الشرقية ينعكس على التجارة، وأسواق المال، وأمن الطاقة، وشهية الاستثمار.
ثم إن المسألة بالنسبة إلى كوريا الجنوبية تلامس سؤالا حساسا في بيئتها الاستراتيجية: كيف تتصرف الديمقراطيات حين تواجه تهديدات أمنية وجودية أو طويلة الأمد؟ هذه ليست قضية نظرية في شرق آسيا، حيث تعيش سيول في جوار إقليمي معقد، وتتعامل منذ عقود مع معادلة الردع والجاهزية والاستقرار السياسي. لذلك ليس مستغربا أن تحظى تصريحات زيلينسكي بهذا القدر من الاهتمام في الإعلام الكوري؛ فهي تقدم اختبارا حيا لعلاقة الديمقراطية بالاستثناء، وهي علاقة تعرفها دول كثيرة بدرجات متفاوتة.
من زاوية عربية، يهمنا هذا البعد لأن الموجة الكورية التي يتابعها الجمهور العربي غالبا عبر الدراما والموسيقى والموضة، تخفي وراءها دولة شديدة الحضور في ملفات الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن وسلاسل التوريد. وعندما تنشغل الصحافة الكورية بملف من هذا النوع، فإنها لا تكتفي بنقل خبر دولي، بل تعكس أيضا كيفية نظر اقتصاد آسيوي متقدم إلى اضطرابات العالم. وهذا مهم للقارئ العربي الذي بات يتابع كوريا ليس كظاهرة ثقافية فقط، بل كشريك اقتصادي وصناعي واستثماري يتزايد حضوره في المنطقة من الخليج إلى شمال أفريقيا.
بمعنى آخر، هذا الجدل الأوكراني كما يظهر في الصحافة الكورية يضع أمامنا صورة أوسع: العالم لم يعد يتعامل مع الحروب على أنها ملفات محصورة بحدودها الجغرافية، بل باعتبارها أزمات تعيد تشكيل حسابات الطاقة والغذاء والاستثمار والتكنولوجيا والشرعية السياسية في آن واحد. وهذه بالضبط النقطة التي تجعل تغطية خبر كهذا مهمة لقراء عرب يهتمون بكوريا وبما وراء الثقافة الكورية من مصالح وشبكات تأثير.
ما الذي يعنيه ذلك للعالم العربي: من الطاقة إلى الغذاء إلى المزاج الاستثماري
قد يسأل قارئ عربي: ما الصلة بين جدل الانتخابات في أوكرانيا وبين الأسواق العربية أو الشركات في المنطقة؟ الجواب أن الحروب الطويلة لا تبقى محصورة في حدودها العسكرية. استمرار الحرب أو اتساعها أو تعقدها السياسي يترك أثره على أسعار الطاقة، وحركة الشحن، وكلفة التأمين، وأسواق الحبوب، والمزاج العام للمستثمرين. والمنطقة العربية، بحكم موقعها في أسواق النفط والغاز والممرات البحرية وحاجتها في الوقت نفسه إلى استقرار أسعار الغذاء، تتابع هذه الملفات بدقة أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى.
أوكرانيا وروسيا كانتا قبل الحرب جزءا مهما من سلاسل توريد الحبوب والزيوت والأسمدة. وعندما تستمر الحرب وتتعقد إدارة الدولة في كييف، أو يتجدد السجال حول الاستقرار السياسي هناك، فإن الأسواق لا تقرأ ذلك كخبر سياسي منفصل، بل كإشارة إلى أن نهاية الأزمة ليست وشيكة. وهذا يهم دولا عربية تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الغذاء، كما يهم الأسر العربية التي خبرت في السنوات الماضية كيف يمكن لصراع بعيد جغرافيا أن ينعكس مباشرة على فاتورة الخبز والزيت والنقل.
في المقابل، هناك دول عربية مصدرة للطاقة تستفيد أحيانا من ارتفاع الأسعار الناتج عن الاضطرابات العالمية، لكن حتى هذه الاستفادة ليست بلا حدود. فالمستثمر لا يحب الغموض الطويل، والأسواق تفضل مسارات واضحة يمكن التنبؤ بها. وإذا أصبحت الحرب ساحة مفتوحة لتجدد الأزمات السياسية داخل أوكرانيا، فإن الرسالة إلى الاقتصاد العالمي ستكون أن فترة عدم اليقين مرشحة للاستمرار. وهذا يضغط على خطط الشركات، ويؤجل بعض الاستثمارات، ويرفع كلفة التمويل والتأمين في قطاعات متعددة.
أما في علاقة العالم العربي بكوريا الجنوبية، فالأمر أكثر مباشرة مما يبدو. كوريا الجنوبية شريك مهم في مجالات الطاقة والبتروكيماويات والسيارات والإلكترونيات والبنية التحتية والسفن والإنشاءات. وكلما ازدادت التقلبات في أوروبا الشرقية، تعاظمت أهمية الشراكات الآسيوية-العربية المستقرة نسبيا، سواء في سلاسل الإمداد أو الاستثمارات أو الصناعات التحويلية. ومن هنا، فإن القارئ العربي المعني بكوريا يمكنه أن يقرأ هذا النقاش الأوكراني أيضا كجزء من المناخ الدولي الذي يعيد ترتيب أولويات الشركاء الكبار، ومنهم سيول.
ماذا يعني ذلك للسعودية تحديدا؟
إذا أخذنا السعودية مثالا، فإن أثر هذا الجدل يتجاوز المتابعة السياسية إلى حسابات السوق والعلاقات الدولية. المملكة، بوصفها لاعبا رئيسيا في أسواق الطاقة العالمية وصاحبة شراكات متنامية مع كوريا الجنوبية في الصناعة والتقنية والهيدروجين والبنية التحتية، تراقب أي تطور قد يطيل أمد الحرب في أوكرانيا أو يزيد من ضبابية المشهد الأوروبي. فاستمرار الصراع مع تعقيدات سياسية داخلية في كييف يعني أن العالم سيظل يتعامل مع درجة مرتفعة من عدم اليقين، وهذا ينعكس على الطاقة والنقل البحري وتوقعات النمو العالمي.
بالنسبة إلى السوق السعودية، المسألة ليست فقط في سعر برميل النفط، بل في المناخ الأشمل الذي تتحرك فيه الاستثمارات الكبرى والمشروعات بعيدة المدى. الاقتصادات التي تبني خططا تحولية تحتاج إلى قراءة دقيقة للمخاطر العالمية، لأن سلاسل التوريد والتمويل وتكاليف التنفيذ كلها تتأثر بمناخ التوتر الممتد. وعندما تتردد في أوروبا الشرقية أسئلة من نوع: من يحكم؟ وكيف تتجدد الشرعية؟ وهل يمكن للحرب أن تنتج انقساما داخليا؟ فإن ذلك يدخل مباشرة في حسابات المستثمرين الدوليين، ومن بينهم الشركاء الآسيويون الذين تنسج معهم السعودية علاقات استراتيجية متقدمة.
كذلك فإن الشراكة السعودية-الكورية في اتساع مستمر، سواء في الصناعات المتقدمة أو التكنولوجيا أو الثقافة والترفيه. والجمهور السعودي الذي انفتح خلال السنوات الأخيرة على الدراما والموسيقى والمطبخ والمنتجات الكورية يتابع اليوم كوريا ليس كقوة ناعمة فقط، بل كاقتصاد وشريك دولة. من هذه الزاوية، يصبح فهم طريقة قراءة الإعلام الكوري للعالم جزءا من فهم الشريك نفسه. وعندما تبرز في سيول نقاشات حول الحرب والشرعية والاستقرار، فإن ذلك يساعد الجمهور وصناع القرار ورجال الأعمال في السعودية على قراءة مزاج شريكهم الآسيوي الأهم في المنطقة.
ولا ينبغي إغفال البعد الغذائي أيضا. فالسعودية، مثل غيرها من دول المنطقة، تتابع استقرار سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الحبوب والنقل، لأن الأمن الغذائي لم يعد ملفا فنيا ضيقا، بل صار جزءا من الأمن الوطني بمعناه الواسع. وإذا كان الجدل الأوكراني حول الانتخابات لا يغير هذه الأسواق وحده، فإنه يضيف طبقة جديدة من الإشارات إلى أن الحرب ما زالت قادرة على إنتاج مفاجآت سياسية، وهو ما يجعل إدارة المخاطر أمرا مركزيا في السياسات الاقتصادية العربية.
الديمقراطية في زمن الحرب: درس عالمي لا يخص أوكرانيا وحدها
الجدل الذي فجرته تصريحات زيلينسكي يتجاوز شخصه وبلاده. إنه يضع الديمقراطيات أمام امتحان صعب: كيف تحافظ على جوهرها عندما تضطر إلى العمل في بيئة لا تسمح لكل أدواتها بأن تعمل بصورة طبيعية؟ في الأوقات المستقرة، تبدو الإجابات مريحة: هناك دستور، وبرلمان، وانتخابات، ومعارضة، وصحافة، ورأي عام. لكن حين تدخل الحرب على الخط، تتبدل سرعة القرار، وتتغير أولويات الدولة، ويصير الأمن اليومي شرطا لوجود السياسة نفسها. هنا تظهر المفارقة: ما يحمي الدولة قد يضغط على المسار الديمقراطي، وما يوسع الديمقراطية قد يربك إدارة الخطر إذا غابت الشروط اللازمة.
في العالم العربي، هذه المعضلة مفهومة أكثر مما يظن البعض. فالمنطقة عاشت طويلا على إيقاع السؤال نفسه وإن بصيغ مختلفة: متى تصبح الضرورة الأمنية مبررا مقبولا، ومتى تتحول إلى عبء على الشرعية؟ ومتى تكون الوحدة الوطنية حماية للدولة، ومتى تستخدم كشعار لإسكات الاختلاف المشروع؟ لهذا لا ينبغي للقارئ العربي أن يتعامل مع خطاب زيلينسكي بوصفه مجرد خلاف أوروبي داخلي، بل كجزء من النقاش الكوني حول حدود السياسة في زمن الخطر.
الأهم أن هذه القضية تكشف فارقا ضروريا بين مبدأ الانتخابات وشروط الانتخابات. الدفاع عن المبدأ لا يكفي إذا كانت الشروط غائبة، كما أن التذرع بغياب الشروط لا يكفي إذا غابت خريطة الطريق لاستعادتها. وبين هذين الحدين ستتحرك السياسة الأوكرانية في المرحلة المقبلة. فإذا نجحت القيادة في تفسير موقفها، والحفاظ على الثقة العامة، وتقديم تصور واضح لما بعد الحرب أو لما بعد مرحلة الخطر الحاد، فقد يتحول التأجيل إلى إجراء مفهوم داخل منطق الضرورة. أما إذا اتسعت الفجوة بين خطاب الاستقرار ومتطلبات المساءلة، فإن الجدل سيعود بقوة أكبر.
لهذا تبدو العبارة التي أطلقها زيلينسكي، على قوتها، مجرد بداية لسؤال أطول: كيف تدير دولة حربا من دون أن تفقد روحها السياسية؟ هذا سؤال لن تجيب عنه أوكرانيا وحدها، بل ستظل تلاحقه دول كثيرة، من أوروبا إلى آسيا إلى العالم العربي، كلما دخلت السياسة منطقة الرماد بين الاستثناء والقاعدة.
ما الذي يجب مراقبته بعد هذا الموقف؟
بعد رفض زيلينسكي الواضح لإجراء انتخابات في الوقت الراهن، ستتجه الأنظار إلى ثلاثة مسارات مترابطة. الأول هو مسار الخطاب الداخلي: هل ستتمكن القيادة الأوكرانية من تقديم شرح أكثر تفصيلا للشروط التي تجعل الانتخابات غير ممكنة الآن، وللمعايير التي قد تجعلها ممكنة لاحقا؟ فكلما كان التفسير أكثر دقة وشفافية، زادت فرص احتواء الجدل ضمن حدود السياسة الطبيعية.
المسار الثاني يتعلق بالمعارضة والرأي العام والشركاء الدوليين. فالمطالبة بالانتخابات لا تتوقف عادة عند المبدأ، بل ترتبط بتصورات مختلفة عن كيفية الحفاظ على الشرعية أثناء الحرب. وإذا أرادت الأطراف المطالبة بالاقتراع أن تقنع جمهورها، فعليها هي الأخرى أن تشرح كيف يمكن ضمان النزاهة والقبول العام والتمثيل العادل في ظرف استثنائي. بعبارة أخرى، المسؤولية هنا مزدوجة: على السلطة أن تبرر التأجيل، وعلى المطالبين بالانتخابات أن يشرحوا واقعية الطرح.
أما المسار الثالث، وهو الأهم للقارئ العربي وللأسواق، فيتعلق بما إذا كان هذا الجدل سيضيف إلى الحرب طبقة جديدة من عدم اليقين السياسي. فإذا بقي الخلاف مضبوطا داخل مؤسسات الدولة وخطابها العام، فقد يظل أثره محدودا. أما إذا تحول إلى أزمة أوسع تمس الثقة في قيادة الحرب نفسها، فإن التداعيات ستتجاوز أوكرانيا إلى مزاج الأسواق والشركاء الدوليين. عندها سيعود العالم، ومنه المنطقة العربية وكوريا الجنوبية، إلى مراقبة ليس فقط مسار الجبهات، بل أيضا قدرة كييف على إدارة الشرعية تحت النار.
في النهاية، لا يقول خبر زيلينسكي إن الديمقراطية تتوقف في الحرب، ولا يقول إن الانتخابات حل سحري في كل ظرف. ما يقوله، بوضوح بالغ، إن السياسة في لحظات الخطر تصبح فن الموازنة بين قيم متنافسة: البقاء، والوحدة، والتمثيل، والمحاسبة. وهذه ليست معادلة أوكرانية فقط، بل درس عالمي مفتوح، يهم القارئ العربي بقدر ما يهم الكوري الذي قرأ القصة في صحافته المحلية.
0 تعليقات