
حين تعود الحكاية من سيول إلى العالم… ثم من العالم إلى سيول
في وقت باتت فيه البرامج الكورية الترفيهية جزءاً ثابتاً من عادات المشاهدة لدى جمهور عربي واسع، من متابعي الدراما إلى عشاق برامج الطعام والسفر، تبدو خطوة قناة tvN الكورية بإنتاج عمل مشتق من برنامج «أندر كوفر شيف» خطوة لافتة تتجاوز منطق «النجاح التجاري» المعتاد إلى منطق أكثر عمقاً: استثمار العلاقات الإنسانية التي وُلدت أمام الكاميرا، ثم إعادة اختبارها في سياق جديد. القناة الكورية أعلنت أنها تعتزم عرض البرنامج الجديد خلال هذا العام، من دون تثبيت عنوان نهائي أو موعد بث تفصيلي حتى الآن، لكنها كشفت الفكرة المركزية بوضوح: الطهاة الكبار أو «السنباي» من مطابخ بارما ونابولي في إيطاليا، ومن تشنغدو في الصين، سيأتون هذه المرة إلى كوريا.
هذا الانقلاب في اتجاه الرحلة ليس تفصيلاً إنتاجياً عابراً. ففي النسخة الأصلية، كان المشاهد يتابع طهاة كوريين معروفين وهم يخلعون مؤقتاً هالة الشهرة، ويدخلون مطابخ أجنبية كموظفين مبتدئين، يتعلمون الأوامر اليومية، ويراقبون إيقاع العمل، ويحاولون كسر حاجز اللغة وإثبات أنفسهم بعيداً من أسمائهم اللامعة. أما الآن، فإن الفكرة تنقلب رأساً على عقب: الذين كانوا في موقع التعليم والخبرة داخل مطاعمهم المحلية، سيصبحون هم الضيوف الذين يواجهون بيئة جديدة في كوريا، بثقافتها ومطبخها وعاداتها المهنية والاجتماعية.
ومن منظور القارئ العربي، يمكن فهم جاذبية هذا التحول بسهولة. فنحن نعرف في إعلامنا المحلي وفي برامج الطبخ العربية أن المتعة لا تأتي فقط من الوصفة نفسها، بل من السؤال الأوسع: ماذا يحدث عندما يترك الطاهي مطبخه المعتاد ويدخل مطبخاً آخر بقواعد أخرى؟ هذا ما رأيناه مراراً في تجارب عربية تجمع بين مطابخ الشام والمغرب والخليج ومصر، حيث تتحول الملعقة والبهارات إلى لغة تفاهم، وأحياناً إلى مساحة سوء فهم طريف أيضاً. هنا تحديداً تكمن قوة الفكرة الكورية الجديدة: ليس التباهي بمَن يربح، بل مراقبة كيف يعيد المكان توزيع الأدوار بين الناس.
بحسب المعطيات المتاحة، فإن البرنامج الجديد لا يقدّم مجرد زيارات سياحية لطهاة أجانب إلى كوريا، بل يبني على صلات شخصية نشأت في العمل اليومي الشاق داخل المطابخ. وهذا فارق مهم. لأن كثيراً من البرامج المشتقة أو ما يُعرف في الصناعة التلفزيونية بـ«سبين أوف» تقوم على استغلال شعبية الأسماء نفسها في قصة منفصلة. أما هنا، فالعنصر الذي يجري تمديده ليس الشخصية بوصفها نجماً فقط، بل العلاقة نفسها بوصفها بطلة خفية للعمل.
وإذا كانت الموجة الكورية قد صدّرت إلى العالم في السنوات الأخيرة صورة مصقولة عن الموسيقى والموضة والجمال، فإن مثل هذا النوع من البرامج يقدّم وجهاً مختلفاً وأكثر دفئاً: كوريا التي تحاور الآخرين عبر المطبخ والعمل الجماعي، لا عبر الصورة اللامعة وحدها. ولهذا تبدو هذه الخطوة جديرة بالمتابعة عربياً، ليس فقط لأنها تخص برنامجاً ناجحاً، بل لأنها تقول شيئاً عن المرحلة الجديدة من الترفيه الكوري، حيث تصير العلاقات العابرة للحدود مادة درامية قائمة بذاتها.
ما الذي صنع شعبية النسخة الأصلية؟
النسخة الأولى من «أندر كوفر شيف» نجحت، وفق الأرقام المعلنة في كوريا، في تسجيل نسبة مشاهدة قصوى بلغت 6.2 في المئة على المستوى الوطني، وهي نسبة معتبرة في سوق تلفزيوني متخم بالمنافسة والمنصات الرقمية. لكن قراءة النجاح بلغة الأرقام وحدها تبقى قراءة ناقصة. فمثل هذه البرامج لا تعيش فقط لأن المشاهدين أعجبهم «التحدي»، بل لأنهم وجدوا فيها ما هو أندر من المنافسة: التواضع المهني، والارتباك الإنساني، والقدرة على التعلم تحت الضغط.
البرنامج الأصلي دفع طهاة معروفين مثل سام كيم، جونغ جي سون، وكوون سونغ جون إلى العمل كأنهم مبتدئون داخل مطابخ أجنبية. في الثقافة الكورية، كما في ثقافات آسيوية أخرى، تلعب التراتبية المهنية والسنّية دوراً واضحاً في بيئة العمل. ومن هنا تظهر أهمية مصطلح «سنباي» أو «الزميل الأكبر/الأقدم»، وهو مفهوم كوري يشير إلى الشخص الأكثر خبرة أو أقدمية داخل المؤسسة أو المجال، ويقابله «هوبيه» لمن هو أصغر خبرة أو أحدث انضماماً. هذه العلاقة ليست مجرد رتبة إدارية، بل نظام غير مكتوب من الاحترام والتوجيه والمسؤولية. وعندما يدخل شيف كوري مشهور مطبخاً أجنبياً ليصبح فعلياً «هوبيه» أو مبتدئاً من جديد، فإن المشاهد لا يتابع اختبار مهارة فقط، بل يتابع إعادة تشكيل هوية كاملة.
هذا الجانب يذكّرنا بشيء قريب من الوجدان العربي: فكرة أن الإنسان، مهما علا شأنه، يبقى قادراً على الجلوس إلى «مائدة التعلّم» من جديد. وفي الأمثال العربية ما يكفي لتفسير جاذبية هذه الفكرة؛ من «فوق كل ذي علم عليم» إلى ذلك الإعجاب الشعبي بالشخص الناجح الذي لا يتكبر على الحرفة. ربما لهذا لامس البرنامج جمهوره: لأنه أعاد النجومية إلى حجمها الطبيعي داخل مساحة العمل.
كما أن النسخة الأصلية لم تنزلق، بحسب صورتها العامة، إلى الاستشراق المعكوس أو إلى تحويل الثقافات الأخرى إلى ديكور غريب للاستهلاك السريع. الطهاة الكوريون لم يذهبوا إلى إيطاليا أو الصين ليلقوا محاضرات عن طعامهم، بل ذهبوا ليتعلموا كيف تُدار المطابخ هناك، كيف تُتخذ القرارات، وكيف تُبنى الثقة بين أعضاء الفريق. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، خصوصاً في زمن تصنع فيه بعض البرامج «دراما مفتعلة» عبر الصراخ والتصادم أكثر مما تصنعها عبر التطور الطبيعي للعلاقات.
لذلك، فإن قرار إنتاج عمل مشتق لا يبدو هنا استثماراً عابراً في اسم ناجح، بل محاولة لالتقاط الخيط الذي تعلّق به الجمهور: هل استمرت تلك العلاقات فعلاً بعد انتهاء التصوير؟ وهل يمكن للكاميرا أن تعثر على لحظة ثانية لا تقل صدقاً عن الأولى؟
فكرة «السبين أوف» هنا ليست تكراراً… بل قلب للمرآة
أهم ما يميز المشروع الجديد، كما يبدو من المعلومات المعلنة، أنه لا يعيد إنتاج قالب النجاح نفسه بحركات مختلفة، بل يقلب المرآة. في العمل الأول، كانت كوريا هي النقطة التي ينطلق منها الطاهي إلى الخارج. في العمل الجديد، تصبح كوريا هي نقطة الاستقبال، أي المكان الذي يُختبر فيه القادمون من الخارج. وهذا التحول يغيّر طبيعة السرد بالكامل.
حين يذهب شخص إلى بلد آخر، فإنه يحمل معه دائماً شعوراً بالضعف النسبي: اللغة ليست لغته، والإشارات الاجتماعية ليست مألوفة له، وإيقاع العمل قد يفاجئه. لكن حين يأتي الآخرون إليه، تتحول الأسئلة. كيف سيتعامل المضيف مع الضيف؟ هل سيكون كريماً فقط أم متفهماً أيضاً؟ هل سيشرح له ما يحتاجه من دون استعلاء؟ هل سيمنحه فرصة ارتكاب الأخطاء الصغيرة التي سبق أن ارتكبها هو نفسه في مطبخ الآخر؟ هنا يصبح البرنامج الجديد فرصة لرؤية «الندية» الثقافية بشكل أوضح.
ومن حيث البناء التلفزيوني، فإن هذه الفكرة ذكية لأنها تتيح للمشاهد أن يقارن بين مرحلتين من العلاقة نفسها. ففي الموسم الأول، ربما كان بعض الطهاة الكوريين تحت ضغط إثبات الذات أمام زملائهم الأجانب. أما الآن، وهم يعودون للقاء الأشخاص أنفسهم لكن داخل بلادهم، فالسؤال يصبح: هل سيتصرفون من موقع صاحب الأرض؟ أم من موقع الصديق الذي يتذكر تماماً ماذا يعني أن تكون غريباً في مكان جديد؟
هذا النوع من الانعكاس السردي نادراً ما ينجح ما لم تكن العلاقات الأصلية مقنعة. ولهذا يمكن القول إن tvN تراهن هنا على «الرصيد العاطفي» الذي بناه البرنامج الأول. الجمهور لم يرتبط فقط بالأطباق أو بالمهام، بل ارتبط بملامح بشرية محددة: شيف يشرح ببطء لزميل لا يفهم اللغة، ابتسامة اعتذار بعد خطأ، توتر قبل الخدمة المسائية، أو لحظة تقدير صامتة عندما ينجز أحدهم عملاً شاقاً من دون شكوى. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يمنح الحكاية حياة ثانية.
في الإعلام العربي، نعرف جيداً هذا النوع من الأعمال التي يلتصق فيها الجمهور بالوجوه والعلاقات أكثر من الفكرة الأساسية نفسها. كم من مسلسل أو برنامج نجا لأن الناس أحبوا الكيمياء بين أبطاله؟ لكن الاختلاف هنا أن «الكيمياء» لم تُكتب بحوارات معدّة مسبقاً، بل نشأت في مطبخ حقيقي، وسط النار والضغط وساعات العمل الطويلة. وهذا ما يعطي السبين أوف الجديد فرصة حقيقية لأن يبدو استكمالاً عضوياً، لا مجرد منتج جانبي صُنِع على عجل.
الطعام بوصفه لغة عابرة للحدود
لعل من أكثر ما يجعل هذا المشروع قابلاً للانتشار خارج كوريا أن موضوعه الأساسي لا يحتاج إلى شرح نظري طويل. الطعام، بخلاف كثير من أشكال الترفيه، يملك قدرة فورية على التواصل. المشاهد قد لا يفهم كل كلمة، لكنه يفهم التوتر في حركة اليد، والدهشة في ملامح الوجه، والارتباك أمام مكوّن غير مألوف، والفرح حين تنجح الوصفة. وهذا ما جعل برامج الطبخ والسفر من أكثر الصيغ التلفزيونية قابلية للتصدير عالمياً.
في الحالة الكورية تحديداً، يتحول الطعام أيضاً إلى بوابة لفهم المجتمع. فالمطبخ الكوري ليس مجرد أطباق شهيرة مثل الكيمتشي أو البيبيمباب أو الشواء الكوري، بل هو منظومة من القيم اليومية: العمل الجماعي، احترام التوقيت، مركزية المشاركة، والاعتناء بالتفاصيل الصغيرة. وعندما يدخل طهاة من بارما ونابولي وتشنغدو إلى هذه المنظومة، فإن المشاهد العربي لن يتابع فقط «من سيطبخ ماذا»، بل سيتابع أيضاً الفروق الدقيقة بين فلسفات الطهي نفسها.
بارما، على سبيل المثال، تحضر في المخيلة العالمية بوصفها مدينة لها مكانة خاصة في تقاليد الطعام الإيطالي، من الجبن المعتّق إلى لحم البروسكيوتو وأنماط المطبخ الإيميلي الغني بالتقنيات الكلاسيكية. نابولي تحمل معها روحاً شعبية وصاخبة ترتبط بالبيتزا والبحر وإيقاع المطبخ الجنوبي. أما تشنغدو، فهي مدينة صينية ذات ثقل كبير في مطبخ سيتشوان المعروف بتعقيد النكهات والحرارة والتوابل. جمع هذه الخلفيات الثلاث داخل كوريا يخلق تلقائياً مساحة خصبة للحوار، وربما للمفاجآت أيضاً.
هنا قد يجد القارئ العربي نفسه أمام سؤال قريب من خبرته المحلية: ماذا يحدث حين يلتقي مطبخ يقوم على التخمير والتوازن والطقوس الجماعية بمطابخ أخرى تحتفي بالعجائن والجبن أو بالفلفل والزيوت العطرية؟ الأمر يشبه إلى حد ما لقاء مطبخ المشرق القائم على المزج الدقيق بين الحموضة والعطر، مع مطبخ مغاربي يحتفي بالعمق البهاري، أو مع مطبخ خليجي يبني نكهته على الأرز والهيل والزعفران واللحم البحري أو البري. الفارق ليس في «الأفضل»، بل في طريقة التفكير في الطبق نفسه.
ومن هنا، فإن البرنامج الجديد قد يكسب أهميته ليس بصفته عرضاً للتحدي فقط، بل باعتباره أرشيفاً بصرياً مصغّراً للتبادل الثقافي. ففي زمن تكثر فيه النقاشات عن «العولمة» بوصفها تدفقاً أحادي الاتجاه، يقدّم هذا النوع من البرامج صورة أكثر توازناً: مطبخ يتعلم من مطبخ، وشيف يكتشف أن مهارته لا تكتمل إلا عندما يعرف كيف يشرحها أو يكيّفها أمام من يأتي من سياق آخر.
ما الذي يعنيه هذا التطور للموجة الكورية لدى الجمهور العربي؟
على مدى السنوات الماضية، تعوّد كثير من المتابعين العرب النظر إلى «الهاليو» أو الموجة الكورية عبر ثلاث بوابات رئيسية: الدراما، والكي-بوب، ومستحضرات التجميل والموضة. لكن قطاع البرامج الواقعية، وخصوصاً برامج الطعام والسفر والعمل، صار يفرض نفسه تدريجياً كأحد أكثر المجالات قدرة على نقل صورة اجتماعية أعمق عن كوريا المعاصرة. فهذه البرامج لا تقدّم نجماً فقط، بل تقدّم أسلوب حياة، ونظام عمل، وطريقة تفاعل بين الأجيال، بل وحتى حساسية المجتمع تجاه الضيافة والتفاني والاحترام.
برنامج مثل «أندر كوفر شيف» ثم نسخته المشتقة المحتملة، يوسّعان هذه الدائرة. فبدلاً من الاكتفاء بعرض كوريا كمنتج ثقافي يُستهلك من الخارج، يجعلانها طرفاً في تبادل متكافئ. وهذا مهم عربياً، لأن جمهورنا لم يعد يكتفي بالمشاهدة السطحية، بل صار يسأل عن الخلفيات: كيف يفكر الكوريون؟ كيف يعملون؟ كيف يعاملون الغرباء؟ كيف تتجلّى علاقتهم بالمكانة والعمر والعمل؟
في هذا السياق، تكتسب فكرة «السنباي» و«الهوبيه» أهمية إضافية. فالقارئ العربي قد يلمح شبيهاً لها في بنى اجتماعية ومهنية محلية، حيث تلعب الخبرة و«السابقة» دوراً في تنظيم العلاقات داخل المؤسسات أو الورش أو المطابخ العائلية. لكن النسخة الكورية تحمل طابعاً أكثر ترميزاً ووضوحاً في اللغة والسلوك. وعندما ينتقل «السنباي» الأجنبي إلى كوريا، يصبح السؤال ممتعاً: هل يبقى «سنباي» داخل مكان لا يعرف قواعده؟ أم يعاد تعريفه وفق السياق الجديد؟
هذا النوع من الأسئلة هو ما يجعل البرامج الكورية اليوم قابلة للقراءة ثقافياً، لا للمتابعة الترفيهية فقط. وبالنسبة إلى وسيلة إعلام عربية تُخاطب قارئاً مهتماً بالثقافة الكورية، فإن متابعة هذا المشروع ليست ترفاً. إنها جزء من مراقبة كيف تنضج الصناعة الكورية نفسها، وكيف تنتقل من تصدير الصورة إلى بناء سرديات أكثر إنسانية وعابرة للحدود.
كما أن العمل الجديد قد يلقى صدى لدى الجمهور العربي الذي عاش خلال العقدين الماضيين طفرة في برامج الطهي والمسابقات المرتبطة بالمائدة. غير أن كثيراً من تلك البرامج ظل أسير ثنائية الإقصاء والتتويج: من يفوز ومن يخسر؟ من يخرج ومن يبقى؟ أما هنا، فيبدو أن الرهان على شيء آخر أكثر هدوءاً وأبقى أثراً: كيف تتحول التجربة المهنية المشتركة إلى صداقة، وكيف تستمر هذه الصداقة بعد توقف التصوير؟ هذه قيمة سردية وإنسانية تلامس مزاج جمهور يبحث عن المحتوى الدافئ وسط ضجيج المنافسة الدائمة.
بين الصنعة والحنين: لماذا قد ينجح العمل الجديد؟
إذا أردنا قراءة فرص نجاح البرنامج الجديد مهنياً، فهناك أكثر من عنصر يصب في مصلحته. أولاً، وجود قاعدة جماهيرية جاهزة للنسخة الأصلية يعني أن المشاهدين يدخلون إلى المشروع وهم يملكون ذاكرة سابقة عن الشخصيات والعلاقات. ثانياً، عنصر «العودة» أو «اللقاء من جديد» عنصر شديد الفاعلية درامياً، لأنه يحمّل كل مشهد معنى إضافياً: ما الذي تغيّر منذ آخر مرة؟ من أصبح أكثر ثقة؟ من لا يزال متردداً؟ ومن يحمل امتناناً لم يُقَل بعد؟
ثالثاً، البيئة الكورية نفسها ستعمل كشخصية ضمنية في السرد. فحين يأتي طهاة من مدن ذات هوية طهوية راسخة إلى كوريا، يصبح المكان الجديد جزءاً من التحدي، تماماً كما كانت بارما ونابولي وتشنغدو جزءاً من تحدي الطهاة الكوريين سابقاً. وربما يتيح ذلك للبرنامج أن يقدّم كوريا بطريقة مختلفة عن السياحة المعتادة: لا عبر القصور التاريخية أو شوارع التسوق فقط، بل عبر المطبخ والمواد الأولية والانضباط المهني والعادات اليومية في التعامل مع الطعام.
رابعاً، ثمة حنين خفيف يرافق مثل هذه المشاريع. الجمهور الذي تابع بداية العلاقة سيرغب غالباً في معرفة ما إذا كانت تلك الكيمياء التي نشأت تحت الضغط قادرة على الصمود في لقاء ثانٍ أقل توتراً وأكثر وعياً. وهذا الحنين عنصر مهم جداً في عصر المنصات، حيث يبحث المشاهد عن الاستمرارية العاطفية بقدر ما يبحث عن المفاجأة.
لكن النجاح ليس مضموناً تلقائياً. فالتحدي الحقيقي أمام فريق الإنتاج سيكون في تجنب الوقوع في فخ الاستسهال. إن الاكتفاء بصور المجاملة وإعادة تدوير اللحظات المؤثرة لن يكون كافياً. على البرنامج أن يجد رهانه الفعلي في التفاصيل: كيف سيُوزَّع العمل؟ هل ستكون هناك مهمات مشتركة؟ كيف ستُدار الترجمة والتواصل؟ وهل سيجري منح الضيوف مساحة حقيقية للتعبير عن دهشتهم أو اعتراضاتهم أو صعوباتهم؟
كذلك، من المهم ألا يتحول حضور الطهاة الأجانب إلى مجرد شهادة تزكية لكوريا. القيمة الحقيقية ستظهر إذا سمح البرنامج بالتبادل المتوازن: أن يتعلم الضيوف من المطبخ الكوري، وأن يقدّموا هم أيضاً شيئاً من فلسفتهم وخبرتهم، وأن يشعر المشاهد بأن الجميع يربح من التجربة. هنا فقط يصبح الحديث عن «فريق بلا حدود» أكثر من شعار عاطفي جميل.
ما الذي نعرفه حتى الآن… وما الذي يبقى مفتوحاً؟
حتى اللحظة، ما هو مؤكَّد أن قناة tvN تعتزم بث البرنامج المشتق خلال هذا العام، وأن فكرته الأساسية تقوم على زيارة شخصيات «السنباي» من مطابخ بارما ونابولي وتشنغدو إلى كوريا. أما الاسم النهائي، والجدول الدقيق للبث، وسائر تفاصيل البناء، فلا تزال غير محسومة في العلن. وهذا يفرض قدراً من الحذر في التوقعات، خصوصاً في بيئة إعلامية تتسارع فيها التسريبات والتكهنات.
ومع ذلك، فإن الخطوط العامة تكفي لفهم لماذا يثير المشروع اهتماماً مبكراً. المخرج أو المنتج هونغ جين جو قال، في الموقف المعلن، إنه يريد أن يقدّم مرة أخرى الضحك والتأثر من خلال روابط خاصة امتدت عبر الحدود. هذه العبارة وحدها كافية لالتقاط نبرة المشروع: لسنا أمام منافسة تقنية بحتة بين مطابخ، بل أمام إعادة زيارة لعلاقة تشكّلت في مساحة عمل مشتركة.
من جهة أخرى، ثمة بعد رمزي لا ينبغي إغفاله. فالنسخة الأصلية كانت تدور حول «التعلّم في مكان غريب». أما النسخة الجديدة، إن صح التعبير، فتبدو كأنها تقول إن التعلّم لم يكن تجربة عابرة مرتبطة بكاميرا وسفر مؤقت، بل بداية صلة قابلة للاستمرار. وهذا المعنى يتجاوز التلفزيون نفسه. إنه يلمس فكرة أوسع يحتاجها عالم اليوم: أن التبادل الثقافي الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الموسم، بل يبدأ أحياناً عندها.
بالنسبة إلى المتابع العربي، قد لا تكون أهمية الخبر في أنه يخص قناة كورية تطلق برنامجاً جديداً فحسب، بل في أنه يعكس تحوّلاً في مزاج الترفيه الآسيوي الأكثر حضوراً عالمياً. هناك انتقال واضح من سرديات «الانبهار بالآخر» إلى سرديات «العيش معه والعمل إلى جانبه». وهذا انتقال ناضج، لأنه يقرّ بأن الثقافة لا تُفهم عبر الاستعراض فقط، بل عبر الروتين اليومي: المطبخ، الوقت، التعب، المزاح، والأخطاء الصغيرة التي تصنع الألفة.
في النهاية، يبدو أن tvN تراهن على أكثر العناصر ندرة في التلفزيون المعاصر: الصدق البسيط. ليس صدق الادعاء بأن كل شيء طبيعي أمام الكاميرا، فهذا مستحيل تماماً، بل صدق البناء على علاقة لمسها المشاهد فعلاً ويريد أن يعرف إلى أين مضت. وإذا نجح البرنامج الجديد في الحفاظ على هذا الخيط، فمن المرجح أن يتحول من مجرد «سبين أوف» إلى فصل ثانٍ مستحق في حكاية بدأت من مطابخ بعيدة، ووصلت الآن إلى كوريا وهي تحمل معها أسئلة أكبر من الوصفة نفسها: كيف نصير فريقاً؟ وكيف يظل ما تعلّمناه من الغربة حيّاً عندما نعود إلى البيت؟
ذلك هو السؤال الذي قد يجعل هذا العمل، عند بثه، أكثر من برنامج طعام. قد يجعله مادة عن المهنة، والضيافة، والندية بين الثقافات، وعن تلك المسافة القصيرة جداً بين شخصين لا يتكلمان اللغة نفسها، لكنهما يفهمان جيداً ما معنى أن ينجز الطبق في وقته، وأن تُكتسب الثقة ببطء، وأن يصبح المطبخ، ولو لساعات قليلة، وطناً مشتركاً.
0 تعليقات