광고환영

광고문의환영

سيول وسانتياغو تبحثان تحديث اتفاقية التجارة الحرة: لماذا تراهن كوريا الجنوبية على تشيلي في زمن الذكاء الاصطناعي وسلاسل ا

سيول وسانتياغو تبحثان تحديث اتفاقية التجارة الحرة: لماذا تراهن كوريا الجنوبية على تشيلي في زمن الذكاء الاصطناعي وسلاسل ا

من اتفاقية تقليدية إلى شراكة تناسب اقتصاد اليوم

في وقت يتبدل فيه شكل الاقتصاد العالمي بسرعة تفوق ما شهدناه خلال العقدين الماضيين، تبدو كوريا الجنوبية وكأنها تعيد ترتيب خرائطها التجارية بهدوء ولكن بقدر كبير من الحسابات الدقيقة. هذا ما عكسته تصريحات الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ، الذي قال قبل زيارته إلى تشيلي إن اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين «يجب أن تتطور بما يتلاءم مع البيئة المتغيرة». للوهلة الأولى قد يبدو الكلام فنياً أو دبلوماسياً، لكن خلف هذه العبارة تختبئ قصة أكبر تتعلق بكيفية انتقال الاتفاقيات التجارية من مجرد أدوات لخفض الرسوم الجمركية إلى منصات لإدارة المستقبل: من التجارة الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن التقنيات النظيفة إلى التحول نحو الحياد الكربوني، ومن الاعتماد على مورد واحد إلى بناء سلاسل إمداد أكثر صلابة.

الحديث هنا لا يخص كوريا الجنوبية وتشيلي وحدهما، بل يعكس اتجاهاً عالمياً أوسع تدركه الاقتصادات المتوسطة والكبرى على السواء. فالعالم الذي كانت فيه التجارة تعني شحنات من السلع تتحرك بين الموانئ لم يعد وحده هو العالم الحاكم. اليوم أصبحت البيانات نفسها سلعة، والخدمات الرقمية جزءاً من التبادل التجاري، وأصبحت المعادن الحيوية والطاقة النظيفة والرقائق الإلكترونية واللوجستيات الموثوقة عناصر لا تقل أهمية عن السيارات والآلات والمنتجات الزراعية. ولهذا فإن أي اتفاقية تجارة حرة وُقعت في زمن سابق، حتى لو كانت ناجحة، تحتاج إلى تحديث إن أرادت مواكبة قواعد اللعبة الجديدة.

بالنسبة للقارئ العربي، يمكن تشبيه الأمر بتحديث عقد قديم بين شريكين تجاريين كان ينظم بيع وشراء بضائع تقليدية، ثم وجد الطرفان أن السوق تغيّرت جذرياً: الزبون بات يطلب خدمات عبر الإنترنت، والصناعة أصبحت تعتمد على البرمجيات والخوارزميات، والتمويل نفسه صار أكثر ارتباطاً بمعايير الاستدامة والانبعاثات. من هنا، فإن الحديث عن «تحديث اتفاقية التجارة الحرة» لا يعني فقط إضافة بنود إجرائية، بل إعادة تعريف معنى التعاون الاقتصادي ذاته.

واللافت في الموقف الكوري الجنوبي أنه لا يكتفي بالدعوة إلى توسيع حجم التبادل التجاري، بل يطرح رفع مستوى العلاقة الاقتصادية بين سيول وسانتياغو إلى مرحلة جديدة. هذه المرحلة لا تقوم فقط على مبدأ «التصدير والاستيراد»، بل على بناء منظومة تعاون تشمل التكنولوجيا، والخدمات العابرة للحدود، والأمن الصناعي، وإدارة المخاطر في سلاسل التوريد، والتنسيق في مجالات ترتبط مباشرة باقتصاد المستقبل. ومن هنا تبرز أهمية هذه التصريحات، لا كخبر عابر في جولة خارجية، بل كجزء من استراتيجية كورية أوسع لفهم مكانها في عالم يتشكل من جديد.

لماذا تشيلي بالذات؟ وما الذي تريده سيول من أميركا الجنوبية؟

تشيلي ليست أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، لكنها تحتل موقعاً يتجاوز حجمها العددي والجغرافي. فهي دولة ذات انفتاح تجاري كبير، وتمتلك شبكة اتفاقيات واسعة، وتُعرف باستقرار مؤسساتها الاقتصادية مقارنة بعدد من جيرانها في القارة. والأهم بالنسبة إلى كوريا الجنوبية أن تشيلي تملك وزناً استراتيجياً متزايداً في عالم التقنيات النظيفة، لارتباطها بموارد طبيعية حيوية، وفي مقدمتها المعادن الأساسية المستخدمة في صناعات الطاقة المتجددة والبطاريات والتقنيات المتقدمة.

إذا أردنا تبسيط الصورة، فإن القرن الحادي والعشرين لا يقوم فقط على النفط كما عرفنا طويلاً في منطقتنا، بل على «معادن المستقبل» أيضاً. الليثيوم والنحاس وغيرهما من المواد الأولية باتت عناصر حاسمة في إنتاج البطاريات والسيارات الكهربائية وشبكات الطاقة النظيفة. وتشيلي واحدة من الدول التي تحظى باهتمام عالمي في هذا المجال. من هنا، فإن اهتمام كوريا الجنوبية بتعزيز الشراكة معها لا يقتصر على فتح سوق جديدة لمنتجاتها، بل يتصل مباشرة بسؤال أكبر: كيف تضمن الصناعة الكورية حصولها على مدخلات استراتيجية بشكل مستقر وآمن؟

كوريا الجنوبية، التي بنت معجزتها الاقتصادية على التصنيع والتكنولوجيا والتصدير، تدرك أن قوتها لم تعد تقاس فقط بقدرتها على الابتكار داخل مصانعها وشركاتها العملاقة، بل أيضاً بقدرتها على تأمين المواد الخام، وحماية خطوط الإمداد، وتوسيع أسواقها، والدخول مبكراً في القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي غداً. لذلك تبدو أميركا الجنوبية، وتشيلي خصوصاً، جزءاً من حسابات سيول الطويلة المدى.

ومن زاوية عربية، يمكن فهم هذا التوجه باعتباره قريباً من التحولات التي تشهدها دول الخليج وشمال أفريقيا في السنوات الأخيرة، حيث لم يعد الحديث الاقتصادي يقتصر على الصادرات التقليدية أو التجارة السلعية المباشرة، بل أصبح يرتبط بسلاسل القيمة، والتنويع الاقتصادي، والتقنيات الخضراء، والتحول الرقمي، وممرات النقل والخدمات اللوجستية. بهذا المعنى، فإن ما تفعله سيول مع سانتياغو هو مثال على الكيفية التي تسعى بها الدول الطامحة إلى النفوذ الاقتصادي إلى بناء شراكات «متعددة الطبقات» لا تقف عند حدود البضائع في الموانئ.

كما أن تشيلي تمنح كوريا الجنوبية فرصة لتعميق حضورها في أميركا اللاتينية من بوابة دولة منفتحة، وقادرة على لعب دور مركز اتصال اقتصادي مع أسواق أخرى في القارة. وهذا مهم لبلد مثل كوريا الجنوبية، الذي يعتمد على انفتاح الأسواق الخارجية، ويبحث دوماً عن تنويع شراكاته في عالم أصبح أكثر توتراً على مستوى الجغرافيا السياسية والتجارة الدولية.

ماذا يعني «تحديث» اتفاقية التجارة الحرة بلغة مفهومة؟

في الأدبيات الاقتصادية، قد يبدو مصطلح «تحديث اتفاقية التجارة الحرة» شبيهاً بلغة المؤسسات الدولية وتقارير البنوك. لكن لو أردنا تفكيكه بلغة صحفية أقرب إلى القارئ، فالمقصود هو جعل الاتفاقية القديمة قادرة على التعامل مع واقع لم تكن تعرفه عندما وُقعت. فقبل سنوات، كانت الاتفاقيات التجارية تركز في المقام الأول على الرسوم الجمركية، وقواعد المنشأ، ونفاذ السلع إلى الأسواق، وبعض قضايا الخدمات والاستثمار. أما اليوم، فهناك ملفات لم تكن في الواجهة بالشكل نفسه: التجارة الرقمية، حماية البيانات، تدفقات المعلومات عبر الحدود، تنظيم المنصات، الذكاء الاصطناعي، الانبعاثات الكربونية، المعايير البيئية، ومرونة سلاسل الإمداد.

الرئيس الكوري الجنوبي أشار بوضوح إلى أن الاقتصاد العالمي يُعاد تشكيله حول خمسة محاور مترابطة: التجارة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات النظيفة، وسلاسل الإمداد المرنة، والتحول إلى الحياد الكربوني. وهنا تكمن أهمية التصور الكوري الجديد. فهذه ليست ملفات منفصلة يمكن وضع كل واحد منها في درج مستقل، بل هي دوائر متشابكة. التجارة الرقمية تحتاج إلى بنية تحتية تشريعية وتقنية تسمح للشركات بتقديم الخدمات عبر الحدود. والذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات والحوسبة والاتصال السلس بين الأسواق. والتقنيات النظيفة تحتاج إلى استثمارات ومعايير مشتركة ومصادر آمنة للمواد الخام. والحياد الكربوني يفرض إعادة تنظيم الصناعات وأساليب الإنتاج والنقل. أما سلاسل الإمداد المرنة فهي المظلة التي تضمن ألا يتعطل كل ذلك بسبب أزمة شحن أو توتر سياسي أو نقص في مورد أساسي.

في المنطقة العربية، بدأ هذا النوع من النقاش يظهر تدريجياً في ملفات الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والصناعة الذكية. لكن التجربة الكورية تقدم درساً مهماً: الاتفاقيات التجارية ليست مجرد وثائق قانونية، بل أدوات استراتيجية لتوجيه الاقتصاد نحو القطاعات التي تراها الدولة أولوية. لذلك، عندما تتحدث سيول عن تحديث اتفاقيتها مع تشيلي، فهي في الواقع تقول إنها تريد اتفاقية تساعد شركاتها على العمل في شروط القرن الحادي والعشرين، لا في شروط عقد مضى.

ومن المهم هنا شرح مفهوم قد يلتبس على البعض، وهو «التجارة الرقمية». لا يعني هذا فقط التسوق الإلكتروني كما يعرفه المستخدم العادي، بل يشمل كل الخدمات والعمليات الاقتصادية التي تتم عبر الإنترنت أو تعتمد على نقل البيانات، من البرمجيات والخدمات السحابية إلى المدفوعات الرقمية والتطبيقات والمنصات والخدمات المهنية المقدمة عن بُعد. وبالنسبة لدولة مثل كوريا الجنوبية، التي تُعد من أكثر الدول تقدماً في البنية الرقمية، يصبح من المنطقي أن تسعى إلى تضمين هذه الملفات في علاقاتها التجارية الجديدة أو المطورة.

أما الذكاء الاصطناعي، فليس مجرد شعار تكنولوجي لافت في المؤتمرات. إنه أداة لإعادة تنظيم الصناعة، وتحسين سلاسل التوريد، ورفع كفاءة الخدمات، وتقليل الكلفة، وتعزيز التنبؤ بالمخاطر. ولذلك فإن إدخاله ضمن إطار التعاون الاقتصادي مع تشيلي يعني الانتقال من العلاقة التجارية الكلاسيكية إلى علاقة تقوم على التكامل في التكنولوجيا والابتكار والمعايير الجديدة للإنتاج.

إعادة تشغيل لجنة التجارة الحرة: التفاصيل البيروقراطية التي قد تغيّر كل شيء

من بين النقاط الأكثر أهمية في التصريحات الكورية الجنوبية، الدعوة إلى إعادة تشغيل لجنة التجارة الحرة بين البلدين. قد يمر هذا التفصيل سريعاً لدى المتابع غير المتخصص، لكنه في الحقيقة من أكثر العناصر دلالة على جدية التحرك. فاللجان المشتركة في الاتفاقيات التجارية ليست مجرد هياكل بروتوكولية؛ إنها القنوات التي يُترجم عبرها الكلام السياسي إلى خطوات عملية، من مراجعة البنود القائمة إلى مناقشة النزاعات، وتحديث الأولويات، ورصد التغيرات في السوق، واقتراح صيغ تعاون جديدة.

إعادة تفعيل هذه اللجنة تعني أن سيول لا تريد الاكتفاء بإعلان سياسي حسن النبرة، بل تسعى إلى خلق منصة مؤسسية تعيد فتح الملفات القديمة على ضوء المتغيرات الحالية. وهذا مهم لأن أي اتفاقية، مهما كانت مرنة على الورق، تحتاج إلى آليات تشغيل ومتابعة وتطوير كي لا تتحول إلى نص جامد. اللجنة هنا يمكن أن تكون المكان الذي يناقش فيه الجانبان كيف يتعاملان مع التجارة الرقمية، وما الذي يمكن عمله في مسألة المعادن الأساسية، وكيف تُبنى أطر للتعاون في التقنيات النظيفة، وما هي المعايير المطلوبة لضمان سلاسل إمداد أكثر استقراراً.

في السنوات الأخيرة، تعلمت الحكومات والشركات درساً قاسياً من الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى اضطرابات الشحن البحري، ومن التوترات الجيوسياسية إلى تقلبات الطاقة والغذاء. هذا الدرس يقول ببساطة إن التجارة المفتوحة وحدها لا تكفي إذا كانت خطوط التوريد هشة. ولهذا برز مصطلح «سلاسل الإمداد المرنة» أو «المرنة والصامدة» باعتباره مفهوماً مركزياً في السياسة الاقتصادية الحديثة. المقصود ليس فقط أن تتوافر السلع، بل أن تكون هناك قدرة على مواجهة الصدمات دون توقف الإنتاج أو ارتفاع الكلفة إلى مستويات تعطل السوق.

في هذا السياق، يصبح الحديث الكوري عن تشديد التعاون في سلاسل الإمداد أكثر وضوحاً. فالصناعة الكورية، من السيارات إلى الإلكترونيات والبطاريات، تعتمد على شبكة معقدة من الموارد والمكونات والشحن والتجميع والتوزيع. وأي خلل في حلقة واحدة قد ينعكس على المنظومة كاملة. لذلك، فإن الاتفاقية التجارية المحدثة، إذا وصلت إلى صيغة عملية، قد تتحول إلى أداة لإدارة المخاطر بقدر ما هي أداة لتوسيع التجارة.

وللقارئ العربي، يمكن فهم هذه النقطة بالقياس إلى ما جرى في أسواق الغذاء والطاقة خلال الأعوام الماضية، حين أدركت دول كثيرة أن الاعتماد المفرط على مصدر واحد أو مسار واحد يرفع الهشاشة. تماماً كما تبحث بعض الدول العربية اليوم عن تنويع الواردات وتعزيز التصنيع المحلي وتطوير الموانئ والممرات اللوجستية، تسعى كوريا الجنوبية إلى بناء شراكات تحميها من الاختناقات المستقبلية، وتشيلي تبدو شريكاً مفيداً في هذه المعادلة.

التقنيات النظيفة والحياد الكربوني: حين تصبح البيئة جزءاً من التجارة

من أكثر ما يميز المقاربة الكورية الجديدة أنها لا تفصل الاقتصاد عن التحول البيئي. هذا تحول عميق في منطق التجارة العالمية. ففي الماضي، كان من الممكن النظر إلى البيئة بوصفها ملفاً موازياً أو ملحقاً بالسياسات الاقتصادية. أما الآن، فقد أصبحت المعايير البيئية جزءاً من صميم التنافسية الدولية. والشركات التي لا تواكب التحول الأخضر تجد نفسها مع الوقت أمام حواجز تنظيمية ومالية وتجارية متزايدة.

حين يتحدث الرئيس الكوري الجنوبي عن التعاون في «التقنيات النظيفة» و«التحول إلى الحياد الكربوني»، فهو يشير إلى مسار لا ينفصل عن الصناعة والاستثمار والتجارة. التقنيات النظيفة تشمل كل ما يساعد على خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد، من البطاريات والمركبات الكهربائية إلى حلول إدارة الطاقة والمواد منخفضة الانبعاثات. أما الحياد الكربوني، وهو تعبير بات شائعاً في النقاشات العالمية، فيعني الوصول إلى نقطة تتوازن فيها الانبعاثات الكربونية مع ما يتم خفضه أو امتصاصه، بحيث يكون الأثر الصافي قريباً من الصفر.

هذه المفاهيم قد تبدو بعيدة عن حياة القارئ اليومية، لكنها في الحقيقة تلامسها مباشرة. فأسعار الطاقة، وكلفة الصناعة، وتنافسية السلع، ووظائف المستقبل، وحتى شكل المدن والنقل، كلها تتأثر بالتحول الأخضر. ولهذا لم يعد الملف البيئي ترفاً سياسياً، بل أصبح ملفاً اقتصادياً بامتياز. وكوريا الجنوبية، التي تنافس في قطاعات عالية التقنية، تريد أن تضمن موقعها في هذا التحول، لا أن تكتفي برد الفعل عليه.

وتشيلي في هذا السياق ليست مجرد سوق، بل شريك محتمل في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة النظيفة. فالموارد الطبيعية، إلى جانب انفتاح السوق، تجعلها نقطة ذات أهمية في معادلة تصنيع المستقبل. وإذا نجح الطرفان في ربط تحديث الاتفاقية التجارية بملفات التحول الأخضر، فقد نشهد نموذجاً يذهب أبعد من «التجارة الحرة» بمعناها التقليدي، إلى «شراكة صناعية وتجارية خضراء» قادرة على استيعاب المتطلبات الجديدة للأسواق الدولية.

المنطقة العربية ليست بعيدة عن هذا المشهد. من مشاريع الهيدروجين الأخضر إلى التوسع في الطاقة الشمسية والرياح، ومن استراتيجيات خفض الانبعاثات إلى محاولات بناء صناعات جديدة، هناك إدراك متزايد بأن الاقتصاد القادم سيكون أكثر تشدداً في ما يتعلق بالمعايير البيئية. لذلك فإن متابعة ما تفعله كوريا الجنوبية مع شركائها تمنح القارئ العربي نافذة على الطريقة التي تعيد بها الدول الصناعية صياغة مصالحها في المرحلة المقبلة.

ما الذي تكشفه هذه الخطوة عن أسلوب كوريا الجنوبية في السياسة الاقتصادية؟

لفهم أهمية هذا التحرك، لا بد من وضعه في السياق الأوسع لطريقة كوريا الجنوبية في إدارة صعودها الاقتصادي. فهذه الدولة التي خرجت من الحرب والفقر في منتصف القرن الماضي لم تصبح قوة صناعية وتكنولوجية بالصدفة. ما يميز التجربة الكورية هو قدرتها على قراءة التحولات العالمية مبكراً، ثم ترجمتها إلى سياسات صناعية وتعليمية وتجارية متماسكة. من السفن والصلب والسيارات إلى أشباه الموصلات والمنصات الثقافية والتقنيات المتقدمة، لطالما بنت سيول نجاحها على الجمع بين التخطيط العملي والانفتاح على الأسواق.

ولعل هذا ما يجعل تصريحات الرئيس الكوري الجنوبي ذات دلالة تتجاوز المناسبة. فهي تعكس وعياً بأن العالم يدخل مرحلة لا يكفي فيها النجاح التصديري التقليدي. فحتى الشركات العملاقة، بما فيها تلك التي يعرفها الجمهور العربي من خلال الهواتف والسيارات والشاشات والمنتجات الثقافية المرتبطة بالموجة الكورية، تحتاج إلى بيئة دولية مستقرة، وإلى اتفاقيات تعكس طبيعة الاقتصاد الرقمي، وإلى وصول موثوق للمواد الحيوية، وإلى شراكات تسمح لها بالبقاء في مقدمة المنافسة.

كما أن كوريا الجنوبية تبدو هنا متمسكة بفكرة أساسية: أن العلاقات الاقتصادية لا ينبغي أن تبقى رهينة الملفات القديمة فقط. فبدلاً من الدفاع عن اتفاقية ناجحة كما هي، تريد تطويرها بما يخدم احتياجات المرحلة المقبلة. وهذا أسلوب يكشف براغماتية واضحة. ليس هناك انبهار بالماضي، ولا اكتفاء بما تحقق، بل سعي إلى تحويل الاتفاقية ذاتها إلى أداة أكثر مرونة وملاءمة.

بالنسبة إلى الإعلام العربي الذي يتابع الشأن الكوري، من المهم عدم اختزال كوريا الجنوبية في صورتها الثقافية فقط، رغم التأثير الكبير للدراما الكورية والموسيقى الكورية والمطبخ الكوري في المنطقة. فخلف هذه القوة الناعمة تقف دولة تبني حضورها أيضاً عبر التجارة والتكنولوجيا والتموضع الذكي في سلاسل الاقتصاد العالمي. وربما هنا تكمن إحدى المفارقات اللافتة: البلد الذي دخل البيوت العربية عبر الشاشات والأغاني ومنصات البث، يتحرك في الوقت نفسه على مستوى أكثر تعقيداً لتأمين مكانه في اقتصاد يتشكل حول البيانات والطاقة النظيفة والمعادن الاستراتيجية.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي ولمستقبل التجارة الدولية؟

قد يسأل قارئ عربي: لماذا ينبغي أن يهمني خبر عن تحديث محتمل لاتفاقية تجارة حرة بين كوريا الجنوبية وتشيلي؟ الإجابة ببساطة أن هذه القصة تختصر اتجاهاً عالمياً سيؤثر، عاجلاً أم آجلاً، في الجميع. فعندما تعيد دولة صناعية كبرى نسبياً مثل كوريا الجنوبية تعريف أولوياتها التجارية بهذه الطريقة، فإنها ترسل إشارة إلى أن المنافسة الدولية لم تعد تدور فقط حول حجم الصادرات، بل حول نوعية الروابط الاقتصادية، وقدرة الاتفاقيات على استيعاب التكنولوجيا والبيئة والمخاطر اللوجستية.

وهذا درس مهم للعالم العربي أيضاً. فالدول العربية المنخرطة في مشاريع التنويع الاقتصادي، وفي بناء مراكز لوجستية أو مناطق صناعية أو اقتصادات رقمية، ستجد نفسها أكثر فأكثر أمام الحاجة إلى اتفاقيات وشراكات من الجيل الجديد. الشراكة لم تعد تعني فقط فتح الأسواق، بل تعني أيضاً ضمان تدفق البيانات، وتطوير المعايير، وجذب الاستثمارات في القطاعات النظيفة، والتأقلم مع قواعد الكربون المقبلة، وربط التعليم والمهارات بسوق العمل التكنولوجي.

من هذه الزاوية، تبدو الخطوة الكورية تجاه تشيلي بمثابة مرآة للتجارة الدولية الجديدة. إنها تجارة لا تنفصل عن الجغرافيا السياسية، ولا عن الأمن الصناعي، ولا عن المناخ، ولا عن التكنولوجيا. والبلدان التي ستنجح في هذه البيئة هي تلك التي تدرك مبكراً أن الاتفاقيات الاقتصادية يجب أن تكون حية وقابلة للتحديث، لا وثائق مؤرشفة تفتخر بها الحكومات في المناسبات الرسمية فقط.

في النهاية، ما قاله الرئيس الكوري الجنوبي بشأن تطوير اتفاقية التجارة الحرة مع تشيلي ليس مجرد تفصيل في جدول زيارة إلى أميركا الجنوبية. إنه إعلان عن طريقة تفكير: من يريد أن يبقى مؤثراً في الاقتصاد العالمي عليه أن يطوّر أدواته باستمرار، وأن يقرأ المستقبل لا الماضي وحده. وبينما يتابع العالم سباق الذكاء الاصطناعي، والتحول الأخضر، والبحث عن سلاسل إمداد أكثر أماناً، تبدو سيول وكأنها تحاول أن تضمن لنفسها موقعاً متقدماً في هذا السباق من خلال شراكات أكثر حداثة وواقعية.

وبالنسبة للقارئ العربي، فإن أهمية هذه القصة لا تكمن فقط في معرفة ما تفعله كوريا الجنوبية، بل في فهم أين يتجه العالم. ففي زمن تتبدل فيه موازين الصناعة والتجارة بسرعة، قد تكون الاتفاقيات التي تُحدَّث اليوم هي التي تحدد من يملك موقع القوة غداً.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات