
حدث كوري جديد يوسّع معنى «الفاندوم»
في وقت اعتاد فيه جمهور الكيبوب أن يلتقي نجومه عبر الحفلات الغنائية، والبثوث المباشرة، وفعاليات التوقيع، تمضي شركة «إس إم إنترتينمنت» الكورية الجنوبية خطوة إضافية في اختبار حدود العلاقة بين الفنان والمتابع. الشركة أعلنت تنظيم مهرجان جري بعنوان «SMTOWN RUN CLUB 26» يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول المقبل في منطقة وانغسان مارينا بمدينة إنشون، على أن يجمع الحدث بين سباق يمتد لمسافة 10 كيلومترات ومسرح موسيقي لاحق يشارك فيه فنانون من الشركة. الفكرة في ظاهرها بسيطة: الفنانون والجمهور يركضون على المسار نفسه، ثم يختتمون اليوم بعروض غنائية. لكنها في العمق تعبّر عن تحوّل مهم في صناعة الترفيه الكورية، حيث لم يعد الجمهور مجرد متلقٍّ للمحتوى، بل طرفاً مشاركاً في صناعة التجربة نفسها.
هذا النوع من الفعاليات يلفت الانتباه عربياً أيضاً، لأن جمهور الموجة الكورية في المنطقة لم يعد محصوراً في المشاهدة من بعيد. خلال الأعوام الأخيرة، رأينا كيف تحوّلت الثقافة الجماهيرية المرتبطة بالكيبوب والدراما الكورية إلى جزء من المزاج الشبابي في مدن عربية عديدة، من الرياض وجدة ودبي وأبوظبي، إلى القاهرة والدار البيضاء وتونس وبيروت. ومع كل حفل كوري أو فعالية ثقافية آسيوية تُنظَّم في المنطقة، يتضح أن جمهور الكيبوب العربي بات يبحث عن تجربة أعمق من مجرد متابعة الأغنية أو شراء الألبوم. من هنا تكتسب خطوة «إس إم» دلالة أوسع: إنها لا تروّج لسباق رياضي فحسب، بل تعيد رسم شكل اللقاء بين النجم ومعجبيه.
وبحسب المعلومات المعلنة، سينطلق المشاركون من ميناء وانغسان مارينا في إنشون، مروراً بجسر وانغسان، قبل العودة إلى نقطة الانطلاق نفسها لإكمال مسافة 10 كيلومترات. وبعد نهاية الجري، تبدأ العروض الفنية لنجوم الشركة. هذا التسلسل ليس تفصيلاً تنظيمياً عابراً، بل يكشف أن الجري ليس نشاطاً جانبياً قبل الحفل، بل هو قلب المهرجان ومركزه الرمزي. فالمشارك لا يأتي أولاً ليستمع إلى الأغاني ثم يمرّ على فقرة لياقة عابرة، بل يختبر جهداً بدنياً جماعياً قبل أن ينتقل إلى المسرح، وكأن الشركة تقول إن الانتماء إلى هذا العالم الفني لم يعد يُقاس فقط بعدد الأغاني المحفوظة، بل أيضاً بما يمكن أن يُعاش معاً خارج الخشبة.
في الثقافة العربية، قد يجد كثيرون في هذه الفكرة صدى مألوفاً وإن جاء في قالب مختلف. نحن نعرف جيداً معنى الاحتفال الجماعي الذي يبدأ بحركة وينتهي بفرجة، من المسيرات الوطنية، إلى الماراثونات الخيرية، إلى الفعاليات الشبابية التي تمزج الرياضة بالموسيقى. لكن الجديد هنا أن شركة ترفيه كبرى تضع هذا النموذج داخل بنية «الفاندوم» نفسه، أي داخل العلاقة التي تربط المعجب بالنجم. ولذلك، فإن الخبر لا يستحق المتابعة بوصفه حدثاً ترفيهياً فحسب، بل بوصفه مؤشراً على تحوّل أوسع في اقتصاد المشاهير، وثقافة الجمهور، وصناعة الكيبوب التي لا تكف عن ابتكار صيغ جديدة للتماس مع معجبيها.
ما الذي يعنيه أن يركض الفنان والجمهور معاً؟
لفهم أهمية هذا الإعلان، ينبغي التوقف عند فكرة «الجري المشترك» نفسها. في النموذج التقليدي لعالم البوب، يقف الفنان على المسرح ويجلس الجمهور في المقاعد أو يقف أمامه في ساحة الحفل. العلاقة هنا واضحة ومألوفة: هناك من يؤدي وهناك من يتلقى. حتى في الفعاليات الأقرب إلى الجمهور، مثل لقاءات المعجبين أو حفلات التوقيع، تبقى المسافة الرمزية بين الطرفين قائمة، وإن جرى تلطيفها بالصور والكلمات والمصافحات. أما في مهرجان الجري الذي تعلن عنه «إس إم»، فإن العلاقة تتخذ شكلاً مختلفاً. صحيح أن الفنان لا يفقد مكانته بوصفه نجماً، لكن المسار نفسه، والجهد البدني نفسه، وخط البداية والنهاية المشتركان، كلها عناصر تمنح اللقاء طابعاً أكثر مساواة على مستوى التجربة، وإن لم تُلغِ الفارق تماماً على مستوى المكانة.
وهنا تظهر نقطة ثقافية قد تكون مهمة للقارئ العربي. في الثقافة الكورية المعاصرة، ولا سيما داخل صناعة الكيبوب، توجد حساسية دائمة تجاه إدارة المسافة بين الفنان والجمهور. الشركات تحاول أن تمنح المعجب شعوراً بالقرب والخصوصية والانتماء، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على صورة الفنان بوصفه شخصية مميزة ومصقولة ومضبوطة. الفعاليات التي تمزج المشاركة الفعلية بالعرض الفني تؤدي هذا الدور بدقة: فهي تسمح بإحساس «نحن معاً»، من دون أن تُسقط تماماً هالة «النجم». ومن هذه الزاوية، يبدو «SMTOWN RUN CLUB 26» تمريناً مدروساً على إنتاج ألفة جماعية مضبوطة، لا مجرد فعالية عفوية.
على المستوى الاجتماعي، يمكن قراءة الحدث أيضاً باعتباره انتقالاً من «الجمهور المُشاهد» إلى «الجمهور المتحرك». هذه النقلة تبدو شديدة الأهمية في زمن باتت فيه الشركات الترفيهية تبحث عن أشكال أكثر تفاعلاً للانتماء. فالمعجب اليوم لا يكتفي بالاستماع أو المشاهدة، بل يريد أن يشارك ويصوّت ويوثّق وينشر ويصنع لحظته الخاصة داخل الحدث. وفي العالم العربي، نرى صوراً مشابهة لهذا التحول في مختلف أشكال الثقافة الشعبية، من إقبال الشباب على سباقات الجري المجتمعية، إلى ازدهار الفعاليات التي تجمع الرياضة بالموسيقى والطعام والأنشطة الترفيهية. لهذا قد يبدو المشروع الكوري مفهوماً جداً لدى جمهور عربي شاب يعرف معنى أن تتحول الفعالية إلى «يوم كامل» من التجارب لا إلى عرض محدود الساعات.
والأهم أن فكرة الجري هنا تحمل بعداً رمزياً قوياً. الجري فعل فردي في جوهره، لأن كل جسد يواجه قدرته وحدوده الخاصة، لكنه يصبح فعلاً جماعياً عندما يتحول إلى سباق أو مهرجان. هذا المزيج بين الفردي والجماعي يشبه إلى حد بعيد منطق «الفاندوم» الكوري: المعجب يعيش انتماءه على نحو شخصي جداً، لكنه يعبّر عنه داخل جماعة منظمة وشديدة الحيوية. ومن ثم، فإن اختيار الجري ليس مصادفة، بل يكاد يكون تجسيداً بدنياً لفكرة الانتماء نفسها. كل مشارك يركض بقدراته، لكن الجميع يتحركون في المسار نفسه وتحت الاسم نفسه وفي اليوم نفسه.
من لندن إلى إنشون: كيف تحوّلت لقطة عابرة إلى مشروع رسمي؟
البداية، وفق المعطيات المتاحة، تعود إلى يوليو/تموز من العام الماضي في لندن. آنذاك، شارك مينهو، عضو فرقة «شايني»، في جري مشترك مع فنانين آخرين من «إس إم» خلال وجودهم في العاصمة البريطانية على هامش فعالية مرتبطة بـ«SMTOWN». تلك اللحظة، التي عُرفت بين المتابعين باسم «SM London Run»، بدت في وقتها أشبه بصورة جذابة من كواليس عالم الترفيه: فنانون يركضون معاً في مدينة أجنبية، بعيداً عن الإضاءة المسرحية الرسمية، في مشهد يختلط فيه الانضباط الرياضي بصورة النجم المحبوب. لكن اللافت أن الشركة قرأت تلك اللحظة بوصفها أكثر من مجرد لقطة جميلة قابلة للتداول على مواقع التواصل.
تحويل تلك الصورة إلى مهرجان رسمي بمشاركة الجمهور يعني أن «إس إم» أدركت سريعاً قيمة ما يمكن تسميته «الحدث القابل للتوسّع». في الصناعات الثقافية الحديثة، لا تعيش الفكرة بقيمتها الجمالية وحدها، بل بقدرتها على التحول إلى صيغة قابلة للتكرار والتنظيم والتسويق. ما حدث في لندن كان جرياً بين فنانين، وما سيحدث في إنشون هو بناء تجربة كاملة حول الفكرة نفسها، لكن بإضافة العنصر الأهم: الجمهور. بهذا المعنى، تنتقل اللقطة من حيز النوستالجيا الرقمية أو المحتوى الكواليسي إلى حيز البنية المؤسسية للعلامة التجارية.
هذه الآلية مألوفة جداً في الصناعة الكورية، التي لطالما امتازت بقدرتها على التقاط الإيماءة الصغيرة وتحويلها إلى منتج ثقافي كامل. من فقرة قصيرة في برنامج منوعات إلى سلسلة محتوى، ومن تفاعل عابر بين نجمين إلى حملة ترويجية، ومن عادة شخصية لفنان إلى تحدٍّ جماهيري واسع. الجديد هنا أن التوسّع لا يمر عبر الشاشة فقط، بل عبر الحضور الجسدي في فضاء مفتوح. وهو ما يجعل الحدث أكثر تعقيداً من مجرد استثمار محتوى شائع، لأنه يتطلب بنية تنظيمية وأمنية ولوجستية وصحية، إلى جانب قدرته على الحفاظ على الجاذبية العاطفية الأصلية للفكرة.
ولمينهو تحديداً مكانة خاصة تجعل استحضار تلك البداية مفهوماً. فهو معروف بين المتابعين بحضوره الرياضي وانضباطه البدني وصورته التي تجمع الأداء الفني بالحيوية الجسدية. غير أن الحدث الجديد، كما توحي تسميته، لا يريد أن يُختزل في نجم واحد، بل في هوية جماعية اسمها «SMTOWN». وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن الشركة لا تبني الفعالية حول حفلة فردية أو لقاء مع فنان بعينه، بل حول خبرة مشتركة بين أجيال مختلفة من فنانيها وجمهورهم. ومن هنا يمكن فهم استخدام اسم «RUN CLUB»؛ فهو يحمل دلالة اجتماعية أكثر من دلالة تنافسية، ويقترح صورة جماعة تتحرك معاً، لا مجرد سباق يبحث عن بطل واحد.
إنشون ووانغسان مارينا: المكان بوصفه جزءاً من السردية
اختيار إنشون ليس قراراً محايداً. هذه المدينة تُعرف في الوعي الكوري والعالمي بأنها واحدة من بوابات كوريا الجنوبية الرئيسية، بفضل مطارها الدولي ودورها البحري واللوجستي. وعندما يُقام حدث جماهيري من هذا النوع في إنشون، فإن ذلك يضيف إليه بعداً رمزياً يرتبط بفكرة الانفتاح والوصول والعبور. أما وانغسان مارينا تحديداً، بما يحمله من طابع ساحلي ومشهد مفتوح، فيوفر خلفية مناسبة لفعالية تريد أن تبتعد عن القاعة المغلقة وأن تمنح المشاركين إحساساً بالاتساع والحركة.
المسار المعلن، من المارينا إلى جسر وانغسان ثم العودة إلى نقطة البداية، يبدو بسيطاً في الوصف لكنه ذكي في البناء. فوجود نقطة انطلاق ووصول واحدة يعني أن الحدث كله يدور في فضاء موحّد: البداية، التحدي، النهاية، ثم العروض الفنية. هذه الوحدة المكانية تمنح اليوم تماسكاً درامياً واضحاً. فالمشارك لا ينتقل بين مواقع متباعدة، بل يعيش التجربة كلها داخل مشهد واحد متصل. في الحفلات الغنائية المعتادة، قد تتوزع الخبرة بين الانتظار والدخول والجلوس والمشاهدة والخروج. أما هنا، فهناك قصة كاملة تبدأ بالجسد وتنتهي بالصوت.
وللقارئ العربي، قد يكون من المفيد النظر إلى هذا الاختيار المكاني من زاوية تشبه ما نراه في بعض الفعاليات الكبرى في الخليج أو شمال أفريقيا أو مصر، حيث بات المكان جزءاً من هوية الحدث لا مجرد وعاء له. فحين تُنظَّم مناسبة ثقافية على الكورنيش، أو سباق مجتمعي في موقع تراثي، أو مهرجان موسيقي في فضاء مفتوح ذي قيمة بصرية، يصبح المكان شريكاً في إنتاج الذاكرة. هذا ما تفعله «إس إم» هنا على الأرجح: فهي لا تقول للمشارك فقط «تعال شاهد»، بل «تعال عِش يوماً في موقع بعينه، واترك فيه أثرك البدني والعاطفي».
كما أن المسافة نفسها، وهي 10 كيلومترات، ليست قليلة إلى حدّ يجعل الحدث مجرد نزهة رمزية، وليست طويلة إلى حدّ تحصر المشاركة في العدّائين المحترفين. إنها مسافة وسطية تتيح قدراً من التحدي وتمنح الإنجاز معنى. في الخطاب الرياضي العالمي، يمثل سباق العشرة كيلومترات مرحلة يمكن لجمهور واسع الاستعداد لها، من دون أن يفقد السباق جديته. واختيار هذه المسافة في فعالية فنية يوحي بأن المطلوب ليس مشهداً استعراضياً فقط، بل مشاركة فعلية تترك أثراً في الجسد والذاكرة معاً.
أبعد من الحفل: كيف تتغير خبرة معجب الكيبوب؟
لطالما بُنيت صناعة الكيبوب على مهارة استثنائية في تصميم خبرة المعجب. لا يتعلق الأمر بالأغنية وحدها، ولا حتى بالعرض المسرحي وحده، بل بمنظومة كاملة تشمل الصورة والأزياء والسرديات الرقمية والمحتوى اليومي والتفاعل عبر التطبيقات والمتاجر والعضويات الرسمية. لهذا السبب، فإن أي فعالية جديدة تطلقها شركة كبيرة مثل «إس إم» تُقرأ دائماً بوصفها إضافة إلى «هندسة التجربة» لا إلى جدول الأنشطة فقط. ومهرجان الجري هذا يبدو مثالاً واضحاً على ذلك.
المعجب هنا لا يشتري تذكرة ليدخل ويصفق وينصرف، بل يخوض مساراً له بداية ومجهود ونهاية ومكافأة رمزية. بعد الجري، تأتي العروض الفنية كأنها تتويج لشيء تم إنجازه، لا كأنها سلعة منفصلة. هذه النقلة مهمة لأنها تبدّل السؤال الذي يحمله المشارك معه إلى البيت. بدلاً من أن يقول: «ماذا شاهدت؟» فقط، يمكنه أن يقول أيضاً: «ماذا فعلت؟ ومع من فعلته؟». وهذا فارق جوهري في صناعة الولاء، لأن الذكرى القائمة على الفعل المشترك عادة ما تكون أعمق من الذكرى القائمة على التلقي وحده.
في العالم العربي، يمكن أن نفهم ذلك بسهولة إذا تذكرنا الفارق بين حضور حفلة عادية والمشاركة في فعالية مجتمعية مرتبطة بها. حين يكون الفرد جزءاً من المسار، لا من النتيجة فقط، تتغير طبيعة الانتماء. لهذا نلاحظ مثلاً كيف ترتبط بعض الفعاليات الرياضية الخيرية أو المناسبات الشبابية في المنطقة بهوية اجتماعية تتجاوز الحدث نفسه. والجديد في الحالة الكورية أن هذا المنطق يُدمج الآن في صميم صناعة النجوم، لا في المبادرات المدنية فحسب.
ثمة عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو أن هذه الصيغة قد تساعد الشركات على إعادة ضبط العلاقة بين الحماسة الجماهيرية والانضباط. فبدلاً من ترك مشاعر الاقتراب من الفنان تتضخم في فضاء رقمي قد يكون فوضوياً، تُنقل هذه المشاعر إلى نشاط منظم بقواعد ومسافة ومشاركة محسوبة. هذا لا يلغي البعد العاطفي، لكنه يضعه في إطار عملي وآمن نسبياً. ومن هنا يمكن القول إن الحدث يخدم أيضاً حاجة مؤسساتية: بناء تجارب تبدو حميمة من دون أن تنفلت من التنظيم.
«SMTOWN» كعلامة جماعية: ما وراء أسماء الفرق والنجوم
من التفاصيل اللافتة في الإعلان أن الشركة لم تقدّم المهرجان تحت اسم فرقة بعينها، بل تحت علامة «SMTOWN». هذه التسمية ليست جديدة على المتابعين؛ فهي تشير إلى الهوية الجماعية التي تجمع فناني «إس إم» عبر أجيال متعددة، من الأسماء المخضرمة إلى الوجوه الأحدث. لكن استخدامها في مهرجان جري يوضح أن الشركة تريد توسيع معنى هذه العلامة من إطار الحفلات الجماعية والألبومات المشتركة إلى فضاء المشاركة الحركية المباشرة.
في السوق الثقافية، العلامة الجماعية تمنح الشركات مرونة كبيرة. فعندما يكون الحدث مبنياً على اسم المؤسسة الفنية لا على نجم واحد، يصبح بوسعها توزيع الانتباه بين عدة أسماء، وتعزيز صورة «البيت الفني» لا «الفرد اللامع» فقط. وهذه الاستراتيجية مألوفة أيضاً في الإعلام العربي، حيث كثيراً ما تسعى المؤسسات الكبرى إلى ترسيخ علامتها بوصفها مرجعية تتجاوز الارتباط بشخص واحد. في حالة «SMTOWN»، يبدو الهدف هو تأكيد أن الولاء ليس لفرقة منفردة فحسب، بل لعالم كامل من الفنانين والسرديات والمشاعر والرموز المشتركة.
هذا مهم لأن جمهور الكيبوب نفسه يعيش، في كثير من الأحيان، انتماءات متقاطعة. قد يكون المعجب مخلصاً لفرقة معينة، لكنه يتابع أيضاً أعمال فنانين آخرين من الشركة نفسها، خصوصاً عندما يجمعهم تاريخ أو تفاعل أو محتوى مشترك. من هنا تأتي قوة المهرجان: إنه يتيح للجمهور أن يشارك في حدث لا يختزل هويته في اسم واحد، بل يقدّم له شعور الانضمام إلى مجتمع أوسع. وفي المصطلح الكوري، كلمة «سونبيه» و«هوباي» التي تشير إلى علاقة الأكبر سناً بالأصغر داخل المجال المهني أو الفني، تحمل معنى تراتب الخبرة والجيل. وعندما تستثمر الشركة هذا البعد داخل «SMTOWN»، فهي لا تبيع فقط أغاني ووجوهاً، بل تبيع أيضاً فكرة العائلة الفنية الممتدة.
في المقابل، يظل من المهم التمييز بين ما هو معلن وما هو متخيل. حتى الآن، لم تُكشف بصورة تفصيلية أسماء جميع المشاركين في العروض أو طريقة مشاركة كل فنان في الجري نفسه. ولهذا فإن القراءة المهنية تقتضي الاكتفاء بالمؤكد: هناك مهرجان جري هو الأول من نوعه بصيغة «أوفلاين» وفق وصف الشركة، وهناك مسار محدد في إنشون، وهناك عروض فنية لاحقة لنجوم من «إس إم». أما ما عدا ذلك من توقعات وحماسات، فيبقى في دائرة الاحتمال إلى أن يصدر إعلان رسمي.
لماذا يهم هذا الخبر الجمهور العربي؟
قد يسأل قارئ عربي: ما الذي يجعل فعالية جري في مدينة كورية خبراً مهماً لنا إلى هذا الحد؟ الإجابة تتجاوز الفضول بشأن أخبار المشاهير. أولاً، لأن الثقافة الكورية لم تعد بعيدة عن المجال العربي، بل صارت جزءاً من عادات الاستهلاك الثقافي اليومي لشريحة واسعة من الشباب. وثانياً، لأن هذا النوع من الابتكار في العلاقة بين المؤسسة الفنية والجمهور يقدّم نموذجاً يمكن أن يثير نقاشات أوسع حول مستقبل الفعاليات الترفيهية في منطقتنا أيضاً. فهل يمكن مثلاً أن نرى مستقبلاً صيغاً عربية أو آسيوية مشتركة تمزج الموسيقى بالرياضة والهوية الجماهيرية بهذه الطريقة؟ وهل تتحول الفعالية الفنية من عرض إلى تجربة متعددة الطبقات، يشارك فيها الجمهور جسدياً لا عاطفياً فقط؟
ثم إن الحدث يسلّط الضوء على أحد أسرار نجاح الموجة الكورية: قدرتها على تحويل كل تفصيل إلى قصة قابلة للتداول، وكل قصة إلى تجربة قابلة للبيع، وكل تجربة إلى ذاكرة شخصية للمشارك. هذا ليس نقداً بقدر ما هو توصيف لنظام ثقافي شديد الكفاءة. وفي العالم العربي، حيث يتطور قطاع الترفيه بوتيرة متسارعة، تبدو دراسة هذه النماذج أمراً مفيداً، سواء للمنظمين أو لوسائل الإعلام أو حتى للجمهور نفسه الذي صار أكثر تطلباً من أي وقت مضى.
وإذا كانت المهرجانات العربية الكبرى، من موسم الرياض إلى الفعاليات البحرية والثقافية في الخليج ومصر والمغرب، قد أظهرت قدرة لافتة على الدمج بين العرض والاحتفال والتجربة الحية، فإن النموذج الكوري هنا يضيف عنصراً آخر: تحويل المعجب إلى جزء من الحدث قبل صعود الفنان إلى المسرح. وهذا بالتحديد ما يجعل الخبر أوسع من دائرة الترفيه الكوري. إنه خبر عن إعادة تعريف المشاركة الثقافية في زمن باتت فيه الحدود بين المشاهدة والتجربة تتآكل تدريجياً.
حتى موعد 3 أكتوبر/تشرين الأول، ستتجه أنظار المتابعين بطبيعة الحال إلى مزيد من التفاصيل: من سيشارك؟ كيف ستُنظم التجربة؟ ما حجم الإقبال المتوقع؟ لكن جوهر القصة واضح من الآن. «إس إم» لا تنظّم سباقاً بجوار حفل، بل تبني يوماً كاملاً تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الفنان والجمهور على إيقاع الجري أولاً والموسيقى أخيراً. وفي عالم الموجة الكورية، حيث تتبدّل أشكال القرب والولاء بسرعة لافتة، قد يكون هذا المهرجان علامة على مرحلة جديدة: مرحلة يصبح فيها السؤال عن الكيبوب ليس فقط ما الذي نسمعه، بل كيف نعيشه معاً.
0 تعليقات