
لحظة أكاديمية تكشف تحوّلاً أعمق من خبر جامعي
في مشهد قد يبدو للوهلة الأولى خبراً جامعياً عابراً، برزت في كوريا الجنوبية واقعة تحمل دلالات ثقافية وصناعية تتجاوز حدود الحرم الأكاديمي: تخريج أول حاصلة على درجة ماجستير تحمل في اسمها الصريح «ثقافة كورية وترفيه» أو ما يُعرف اختصاراً عالمياً بـ«K-Culture & Entertainment». صاحبة هذه السابقة ليست طالبة كورية، بل باحثة شابة من الفلبين، اسمها أبيغيل جازمين ريامو، وجدت طريقها من شغف المراهقة بأغاني «شايني» إلى دراسة علمية تقارن بين سلوك جمهور حفلات الكي-بوب في كوريا والفلبين، وتفكك في الوقت نفسه استراتيجيات الجهات المنظمة لهذه الحفلات.
أهمية الخبر لا تكمن فقط في أنه «الأول»، بل في طبيعة هذا الأول. فالجامعات اعتادت منذ سنوات تدريس الفنون والإعلام وإدارة الثقافة والصناعات الإبداعية ضمن عناوين واسعة، أما أن يتحول «K-Culture» نفسه إلى اسم شهادة عليا، فهذه علامة على أن الموجة الكورية لم تعد مجرد حالة شعبية أو ظاهرة ترفيهية موسمية. لقد باتت موضوعاً معرفياً قائماً بذاته، له أدواته وأسئلته ومناهجه وامتداداته المهنية.
بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الأمر قريباً من اللحظة التي تنتقل فيها ظاهرة ثقافية من صفحات الفن والشباب إلى مراكز البحث وصناعة السياسات. فكما لم تعد الدراما التركية أو الأغنية العربية الحديثة مجرد مواد استهلاك جماهيري، بل موضوعات لقراءة التحول الاجتماعي والاقتصاد الإعلامي والهوية، فإن الكي-بوب والمنتج الثقافي الكوري باتا اليوم يُدرسان لا بوصفهما «موضة» بل باعتبارهما نموذجاً متكاملاً للإنتاج الثقافي العابر للحدود.
واللافت هنا أن أول من جسّد هذا التحول أكاديمياً جاءت من خارج كوريا، من سوق آسيوية شديدة الحيوية في استقبال المحتوى الكوري. وهذا التفصيل ليس ثانوياً. فهو يقول إن الموجة الكورية لم تعد تكتب قصتها من سيول وحدها، بل يشارك في صياغتها باحثون ومعجبون ومهنيون محتملون من مانيلا وجاكرتا ودبي والرباط والقاهرة والرياض، ممن يرون في هذه الصناعة أكثر من مجرد ترفيه: يرون فيها معرفة، وفرصة، ومجال عمل، وربما نموذجاً قابلاً للفهم والتكييف.
من شغف المعجبة إلى مشروع الباحثة
قصة أبيغيل ريامو تصلح وحدها لشرح واحد من أسرار القوة الناعمة الكورية. فهي لم تدخل هذا المجال من باب البحوث الباردة أو الضرورات الأكاديمية المجردة، بل من باب الشغف الشخصي الذي يعرفه جيداً جمهور الشباب العربي المتابع للثقافة الكورية. تقول إنها بدأت رحلتها مع الكي-بوب نحو عام 2010 عبر فرقة «SHINee»، ثم امتدت ذائقتها إلى فرق مثل «EXO» و«NCT DREAM» و«SEVENTEEN». هذا التسلسل لا يروي فقط ذوقاً موسيقياً، بل يلخّص أجيالاً متعاقبة من الكي-بوب عبرها ملايين المتابعين حول العالم.
في العالم العربي، يمكن فهم هذه الرحلة على نحو يشبه انتقال بعض الجمهور من جيل عمرو دياب إلى البوب العربي الجديد، أو من نجوم الدراما السورية التقليدية إلى المنصات الحديثة؛ فالمتابعة لا تبقى ثابتة عند عمل واحد، بل تتحول إلى مسار حياة وذاكرة جماعية وعلاقات اجتماعية رقمية. في حالة ريامو، لم يتوقف الشغف عند الاستماع والمشاهدة وجمع المعلومات. لقد قادها إلى تعلم اللغة الكورية خلال جائحة كورونا، ثم إلى الالتحاق ببرنامج دراسات عليا مستحدث، لتصبح أول طالبة فيه، ثم أول متخرجة منه.
هنا تظهر نقطة بالغة الأهمية: الفاندوم، أو ثقافة المعجبين، لم يعد مجرد انخراط عاطفي في دعم الفنانين. في البيئة الكورية، الفاندوم أصبح نظاماً كاملاً من الممارسات: شراء الألبومات، تنسيق حملات الدعم، متابعة الحفلات، المشاركة في الفعاليات، فهم المنصات الرقمية، والتفاعل مع الاقتصاد الموازي للبضائع الرسمية والمحتوى الحصري. وعندما تنتقل هذه الخبرة إلى قاعة الدراسة، فإنها تمنح الباحثة نقطة انطلاق مختلفة؛ فهي لا تراقب الجمهور من الخارج، بل تفهم من الداخل كيف تُبنى الحماسة، وكيف تتحول التجربة الفنية إلى طقس اجتماعي واقتصادي.
ريامو، التي درست سابقاً ريادة الأعمال في جامعة «دي لا سال» الفلبينية، تقدم أيضاً نموذجاً جديداً في تكوين المتخصصين بالمجال الثقافي. هي ليست خريجة موسيقى أو نقد فني بالمعنى التقليدي، بل تحمل خلفية في الأعمال، ثم دخلت عالم الثقافة والترفيه من بوابة اللغة والاهتمام الصناعي. وهذا بالضبط ما يجعل قصتها معبرة عن طبيعة الكي-بوب نفسه: صناعة هجينة تجمع الفن بالإدارة والتسويق بالتقنية بالسرد البصري بالعلاقات العامة.
عندما تقول الشابة الفلبينية إن حلمها أن تكتسب خبرة عملية في مجال حفلات الكي-بوب داخل كوريا، وأن تصبح يوماً ما مخرجة أو مديرة عروض، فإننا لا نكون أمام قصة إعجاب رومانسية، بل أمام انتقال حقيقي من خانة المستهلك إلى خانة الفاعل. وهذه النقلة تستحق التوقف عندها عربياً أيضاً، لأنها تفتح سؤالاً مهماً: كم من الجمهور الذي نعامله بوصفه «متابعاً» يمكن أن يتحول، إذا وُجدت البنية التعليمية المناسبة، إلى باحث أو منظم فعاليات أو منتج محتوى أو مدير مشروع ثقافي؟
حين يصبح الحفل مختبراً اجتماعياً لا مجرد سهرة موسيقية
عنوان رسالة الماجستير التي أنجزتها ريامو يكشف جوهر التحول: «استهلاك الحفلات لدى فاندوم الكي-بوب في كوريا والفلبين واستراتيجيات تخطيط الجهات المنظمة». ومن المهم هنا التوقف عند كلمة «الاستهلاك»، لأنها في اللغة البحثية لا تعني الاستهلاك السطحي أو الاستهلاك المالي فحسب، بل طريقة عيش التجربة الثقافية والتفاعل معها وإعادة إنتاج معناها.
حفلات الكي-بوب ليست مجرد منصة يصعد إليها فنانون ويغنون لساعتين. إنها منظومة متكاملة تبدأ قبل أشهر من يوم العرض: الترقب، سباق شراء التذاكر، متابعة خرائط المقاعد، تنسيق الملابس والألوان، تحضير أدوات التشجيع، ترتيب السفر أحياناً من مدينة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى، ثم المشاركة في طقوس ما قبل الحفل وما بعده، من تداول المقاطع إلى تبادل البضائع والهدايا والصور. بهذا المعنى، الحفل ليس حدثاً فنياً فقط، بل اقتصاد مصغر وثقافة مشاركة وذاكرة رقمية.
من هنا تبدو المقارنة بين كوريا والفلبين شديدة الثراء. فالجمهور في البلدين يحب المحتوى نفسه إلى حد بعيد، لكنه يعيش التجربة ضمن سياقين مختلفين: البنية التحتية للحفلات، القدرة الشرائية، العلاقة مع المدينة، سهولة الوصول إلى الفنانين، حضور اللغة، ودور الشركات المحلية المنظمة. في كوريا، حيث الصناعة الأم، هناك قرب أكبر من مراكز الإنتاج، وإيقاع أسرع للأحداث، ومشهد أكثر انتظاماً في إدارة الفعاليات. أما في الفلبين، وهي سوق جماهيرية كبرى في جنوب شرق آسيا، فتتداخل الحماسة العالية مع شروط محلية مختلفة، ما يفرض على المنظمين قراءة أذواق الجمهور وإمكاناته وتوقعاته بدقة أكبر.
هذه الفكرة يمكن أن يتلمسها القارئ العربي بسهولة. فنحن نعرف أن الحفل نفسه قد يُستقبل بصورة مختلفة بين مدينة وأخرى، فكيف إذا عبر الحدود والثقافات؟ جمهور الرياض ليس بالضرورة هو جمهور الدار البيضاء، وجمهور القاهرة يختلف عن جمهور دبي من حيث عادات الحضور والإنفاق وتوقعات التنظيم. لذلك فإن دراسة سلوك جمهور الحفلات ليست ترفاً أكاديمياً، بل أداة مباشرة لفهم السوق وتجنب الأخطاء وتحسين التجربة.
وفي حالة الكي-بوب تحديداً، فإن فهم جمهور الحفلات يعني فهم قلب الصناعة. فالكثير من قوة هذا القطاع لا يأتي من الأغنية وحدها، بل من القدرة على تحويل الأداء المباشر إلى تجربة غامرة، متقنة، محسوبة التفاصيل، بحيث يشعر الجمهور أنه يشارك في حدث نادر يستحق الوقت والمال والسفر والانتظار. ولهذا السبب، فإن من يدرس «استهلاك الحفلات» لا يدرس الذوق الموسيقي فقط، بل يدرس السلوك الثقافي، والاقتصاد العاطفي، واستراتيجيات التنظيم، والصورة الدولية للعلامة الكورية نفسها.
ما معنى أن تحمل الشهادة اسم «K-Culture»؟
في كثير من الجامعات حول العالم، تُدرج الظواهر الثقافية الجديدة داخل أقسام قديمة: الإعلام، الاتصال، الأنثروبولوجيا، إدارة الفنون، أو الدراسات الآسيوية. أما أن يظهر برنامج ماجستير بعنوان واضح ومباشر يضع «K-Culture» و«Entertainment» في صلب تعريفه، فهذه خطوة رمزية وعملية في آن واحد. رمزية لأنها تمنح الموجة الكورية اعترافاً مؤسسياً بأنها حقل يستحق التسمية المستقلة. وعملية لأنها توحي بوجود مناهج وتدريب وتصور مهني مخصص لهذه الصناعة بما يتجاوز التناول العام.
في التجربة العربية، نعرف جيداً قوة الاسم. فحين تنتقل ظاهرة من وصف صحافي شائع إلى مسمى أكاديمي أو مهني معترف به، فإنها تدخل مرحلة جديدة من النضج. الاسم هنا ليس زينة، بل إعلان عن تحول في طريقة التفكير. بدلاً من أن يُنظر إلى الكي-بوب والدراما الكورية والترويج السياحي والموضة والأداء المسرحي ومنصات المعجبين كعناصر متفرقة، يوضع كل ذلك تحت مظلة واحدة: ثقافة كورية معاصرة بوصفها منظومة إنتاج وتوزيع وتلقي.
هذا التطور يعكس أيضاً قدرة كوريا الجنوبية على تحويل نجاحها الجماهيري إلى بنية مؤسسية. فالنجومية وحدها لا تصنع استدامة. ما يصنعها هو أن تصبح التجربة قابلة للدراسة، والتطوير، وتدريب الكفاءات، وإنتاج معرفة قابلة للتطبيق في السوق. من هذه الزاوية، يبدو البرنامج الأكاديمي امتداداً طبيعياً لما فعلته كوريا على مدى عقدين: لم تكتفِ بتصدير المحتوى، بل بنت سردية كاملة حوله، ثم بدأت تؤسس له لغة تعليمية ومهنية.
لكن من الضروري أيضاً الابتعاد عن المبالغة. تخريج أول باحثة في هذا المسار لا يعني أن الصناعة تغيّرت كلها في ليلة واحدة، ولا أن الجامعات الكورية أعادت رسم الخريطة الأكاديمية بالكامل. غير أن السوابق الأولى كثيراً ما تكتسب أهميتها لأنها تفتح الباب لما بعدها. فالبرنامج الذي يبدأ بطالبة واحدة قد يصبح لاحقاً نقطة جذب لطلاب من آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، تماماً كما بدأت موجات ثقافية كثيرة من دوائر صغيرة ثم تحولت إلى بنى مستقرة.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: أول من حصل على هذا اللقب الأكاديمي ليست من المركز المنتج للمحتوى، بل من خارجه. وهذا ينسجم مع الطبيعة الحقيقية للموجة الكورية اليوم. فهي لم تعد خطاباً وطنياً تصنعه كوريا لنفسها ثم تصدره، بل فضاءً تشاركياً تصنعه أيضاً عيون الخارج، وتأويلات الخارج، وطموحات الخارج.
الفلبين بوصفها مرآة مهمة لانتشار الموجة الكورية
اختيار الفلبين كجزء رئيسي من الدراسة ليس تفصيلاً مرتبطاً فقط بجنسية الباحثة، بل يعكس أهمية هذا البلد في خريطة الكي-بوب الآسيوية. فالفلبين تعد من الأسواق النشطة جماهيرياً، وتملك كتلة شبابية واسعة وحضوراً قوياً لثقافة المعجبين، إلى جانب قدرة كبيرة على التفاعل الرقمي وصناعة المجتمعات المتحمسة حول الفرق والنجوم. كما أن الساحة الفنية المحلية هناك تأثرت بوضوح بالنموذج الكوري، سواء في تشكيل فرق غنائية محلية أو في استلهام أساليب الأداء والتسويق والتدريب.
هذه العلاقة المتبادلة مهمة جداً. فالموجة الكورية لا تعمل في اتجاه واحد فقط، من سيول إلى بقية العالم، بل تثير في الأسواق المحلية ردود فعل إبداعية. تظهر فرق جديدة، تتغير طرق إنتاج الفيديو الموسيقي، تتبدل معايير التفاعل مع الجمهور، وتتصاعد أهمية التدريب الجماعي والانضباط البصري وصناعة الهوية. بمعنى آخر، الكي-بوب لا يكتفي بجمع المعجبين، بل يعيد تشكيل الخيال المهني نفسه في بلدان أخرى.
في العالم العربي، رأينا أشكالاً مشابهة وإن كانت بدرجات مختلفة. هناك فرق رقص تغطي أعمال الكي-بوب، ومجتمعات رقمية واسعة، ومشاريع صغيرة في الموضة والتجميل والمحتوى مستلهمة من الثقافة الكورية. لذلك فإن قراءة الحالة الفلبينية تقدم درساً مهماً: الانتشار الثقافي لا يقاس فقط بعدد المشاهدات أو الحفلات المباعة التذاكر، بل أيضاً بحجم الأثر الذي يتركه المحتوى في الصناعات المحلية، وفي طموحات الشباب، وفي أشكال التنظيم الجماهيري.
ومن منظور اقتصادي، فإن سوقاً تضم أكثر من مئة مليون نسمة مثل الفلبين تمثل مختبراً حقيقياً لقياس قدرة الكي-بوب على التكيف خارج موطنه. هل يظل النجاح قائماً عندما تتغير القوة الشرائية؟ كيف يتعامل المنظمون مع فروق البنية التحتية؟ كيف تُحافظ العلامة الكورية على تميزها في بيئة بدأت تنتج نسخها المحلية من الفرق والمحتوى؟ هذه أسئلة لا تخص الفلبين وحدها، بل تخص كل سوق تطمح الشركات الكورية إلى ترسيخ وجودها فيها، ومن بينها أسواق عربية تتزايد أهميتها عاماً بعد عام.
بين العالمية والهوية: لماذا يصرّ الجمهور الأجنبي على «العنصر الكوري»؟
من أكثر الجوانب إثارة في هذه القصة أن باحثة ومعجبة أجنبية تلفت الانتباه إلى ضرورة الحفاظ على «العناصر الكورية» في الكي-بوب. هذا الموقف يكسر تصوراً شائعاً مفاده أن التوسع العالمي يقتضي بالضرورة تخفيف الخصوصية المحلية حتى يصبح المنتج «أكثر عالمية». الواقع أن كثيراً من جماهير الموجة الكورية حول العالم أحبوا هذا المحتوى لأنه مختلف، لا لأنه نسخة من البوب الغربي.
العنصر الكوري هنا لا يعني مجرد اللغة، رغم أهميتها، بل يشمل طريقة بناء الفرق، أسلوب التدريب، العلاقة المنظمة مع الفاندوم، جمالية المسرح، السرد البصري في الفيديوهات، والقدرة على مزج الحداثة بإشارات محلية أو آسيوية أوسع. إن ما يجذب المتابع العربي إلى الدراما الكورية مثلاً ليس فقط الحكاية العاطفية، بل أيضاً الإيقاع المختلف، والاهتمام بالتفاصيل، والخصوصية الاجتماعية، وهو منطق مشابه لما يحدث في الموسيقى والعروض الحية.
بالنسبة للشركات الكورية، هذه الرسالة تستحق الإصغاء. فالتدويل الناجح لا يعني ذوبان الهوية، بل القدرة على تقديمها بطريقة مفهومة وجذابة من دون أن تفقد نواتها الأصلية. والكي-بوب في أفضل حالاته يقدم مثالاً على ذلك: منتج بالغ الحداثة، يستخدم أحدث أدوات التسويق والمنصات الرقمية، لكنه لا يتخلى عن بصمته الخاصة. وربما لهذا السبب يصر بعض الجمهور الأجنبي على أن يبقى «K» في الكي-بوب أكثر من مجرد حرف تسويقي.
في السياق العربي، تبدو الفكرة مألوفة. فالفن العربي نفسه يواجه دائماً هذا السؤال: كيف يكون معاصراً وعالمياً من دون أن يفقد ملامحه؟ كيف يمكن للأغنية أو الفيلم أو المهرجان أن يخاطب جمهوراً واسعاً مع الحفاظ على النكهة المحلية؟ لذلك فإن النقاش الدائر داخل الكي-بوب حول الهوية والعولمة ليس نقاشاً كوريّاً صرفاً، بل جزء من سؤال ثقافي عالمي تمسه كل الصناعات الإبداعية التي تعبر الحدود.
من الفاندوم إلى المهنة: درس قد يهم الجامعات العربية أيضاً
ما تكشفه تجربة ريامو يتجاوز كوريا والفلبين معاً. نحن أمام زمن جديد لم يعد فيه الجمهور مجرد متلقٍ سلبي. المعجب قد يصبح مترجماً، صانع محتوى، محللاً للبيانات، منظم فعاليات، باحثاً أكاديمياً، أو مدير مشروع داخل القطاع نفسه الذي بدأ متابعته من باب الهواية. هذا التحول ربما يكون أحد أهم ملامح الاقتصاد الثقافي المعاصر، حيث تُنتج الشغفَ منصاتٌ رقمية، ثم تعيد الجامعات والشركات تحويله إلى خبرة واحتراف.
ولعل في هذا ما يستحق أن تتأمله المؤسسات الأكاديمية العربية. فلدينا اليوم جماهير واسعة متخصصة عملياً في مجالات تبدو ترفيهية، من الموسيقى الرقمية إلى الألعاب الإلكترونية والدراما الآسيوية وصناعة المؤثرين. لكن الفجوة ما زالت كبيرة بين هذه الخبرات غير الرسمية وبين التعليم المنظم الذي يحوّلها إلى مسارات مهنية. من هنا يمكن النظر إلى برنامج «K-Culture & Entertainment» لا باعتباره حالة كورية فقط، بل نموذجاً لكيفية التقاط الجامعات للتحولات الحية في الثقافة الشعبية قبل أن تبرد وتتحول إلى موضوعات مؤرشفة.
الأهم من ذلك أن هذا النوع من البرامج يقرّ بأن الصناعات الثقافية لم تعد هامشاً. هي اليوم جزء من الاقتصاد، والسياحة، والصورة الدولية للدول، ودبلوماسيتها الناعمة. ولذلك فإن تدريب باحثين ومهنيين يفهمون العلاقة بين الجمهور والمنصة، بين الحفل والهوية، بين السوق والسردية الوطنية، لم يعد ترفاً نظرياً. إنه استثمار في صناعة المستقبل.
في النهاية، تبدو قصة أبيغيل ريامو أكثر من مجرد نجاح فردي لطالبة أجنبية في جامعة كورية. إنها مرآة لزمن باتت فيه الثقافة الشعبية قادرة على فتح أبواب الهجرة التعليمية، وتشكيل الطموحات المهنية، وإنتاج المعرفة العابرة للحدود. من متابعة «شايني» إلى كتابة رسالة ماجستير عن اقتصاد الحفلات وسلوك الفاندوم، يتجسد مسار كامل يختصر ما فعلته الموجة الكورية في جيل عالمي جديد: لم تمنحه فقط ما يسمعه ويشاهده، بل منحته أيضاً ما يدرسه وما يحلم بأن يصبحه.
ولهذا تحديداً، فإن هذا الخبر يستحق اهتمام القارئ العربي. لأنه لا يحكي فقط عن كوريا التي نجحت في تحويل ثقافتها الشعبية إلى مؤسسة، بل يحكي أيضاً عن عالم يتغير، حيث يمكن لأغنية أن تكون بداية مسار أكاديمي، ولحفل موسيقي أن يصبح موضوعاً بحثياً، ولمعجبة شابة أن تتحول إلى خبيرة محتملة في صناعة الترفيه الدولية.
0 تعليقات