광고환영

광고문의환영

«هانا كوريا» قبل عرضه في سيول: فيلم كوري جديد يقترب من قضية المنشقّات من الشمال بعيون إنسانية لا بشعارات سياسية

«هانا كوريا» قبل عرضه في سيول: فيلم كوري جديد يقترب من قضية المنشقّات من الشمال بعيون إنسانية لا بشعارات سياسية

فيلم جديد يختبر المسافة بين السياسة والإنسان

تستعد دور العرض في كوريا الجنوبية يوم 8 يوليو/تموز لاحتضان فيلم «هانا كوريا»، وهو عمل جديد يقترب من واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع الكوري المعاصر: حياة النساء اللواتي غادرن كوريا الشمالية وبدأن رحلة شاقة للاستقرار في الجنوب. الجديد هنا لا يكمن فقط في الموضوع، بل في زاوية النظر إليه. فبحسب ما قالته الممثلة الكورية آن سيو-هيون خلال تقديمها للفيلم في سيول، فإن «هانا كوريا» ليس فيلماً عن الشعار الكبير ولا عن الخطاب السياسي المباشر، بل عن «ذلك الارتجاف الذي يرافق الخطوة الأولى نحو عالم جديد».

هذا التوصيف وحده يكفي لفهم الطموح الفني للعمل. ففي الإعلام، سواء في كوريا أو خارجها، كثيراً ما تُختزل قصة المنشقين من الشمال في أرقام أو تقارير أو اشتباكات جيوسياسية بين دولتين تتشاركان اللغة والتاريخ وتختلفان في النظام والواقع. أما السينما، حين تكون في أفضل حالاتها، فتفعل شيئاً آخر: تنقلنا من خانة «المتابعة» إلى خانة «المرافقة»، ومن موقع المشاهد الخارجي إلى موقع القرب الإنساني. وهذا بالضبط ما توحي به كلمات بطلة الفيلم، حين قالت إن الجمهور قد يدخل القاعة بعين المتفرج، لكنه سيغادرها وقد صار صديقاً لشخصيات العمل.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا النوع من الحكايات بعيداً جغرافياً، لكنه ليس بعيداً عاطفياً أو اجتماعياً. نحن في العالم العربي نعرف جيداً معنى أن يحمل الإنسان حقيبته ويبدأ من جديد، وأن يوازن بين الخبز والكرامة، بين الواجب العائلي والحلم الشخصي، بين ضرورات النجاة ورغبة إثبات الذات. لهذا السبب، فإن أي فيلم ينجح في تحويل قضية ثقيلة إلى حكاية بشرية نابضة، يملك فرصة حقيقية للعبور إلى جمهور أوسع من حدوده الوطنية.

«هانا كوريا» يبدو، من المعلومات المتاحة حتى الآن، عملاً يريد أن يفعل ذلك تحديداً: أن يروي عن نساء خرجن من عالم مغلق إلى مجتمع جديد، لا بوصفهن «ملفاً» أو «ظاهرة»، بل بوصفهن أشخاصاً لهم وجوه وقلق وأحلام وصداقات وأعباء يومية لا تختلف في جوهرها عن أعباء ملايين البشر في أماكن أخرى من العالم.

من هنّ «المنشقّات من الشمال»؟ ولماذا يظل حضورهن في الثقافة الكورية معقداً؟

في السياق الكوري، يشير تعبير «المنشقون من كوريا الشمالية» أو «탈북민» إلى الأشخاص الذين غادروا الشمال واستقروا في الجنوب أو في بلدان أخرى. وعندما يتعلق الأمر بالنساء تحديداً، تصبح الحكاية أكثر تركيباً، لأنهن لا يواجهن فقط صدمة الانتقال من نظام سياسي واقتصادي إلى آخر، بل أيضاً تعقيدات العمل والاندماج والتعليم والعلاقات الاجتماعية والصورة النمطية التي قد تلاحقهن في المجتمع الجديد.

هذه المسألة تحتاج إلى شرح للقارئ العربي بعيداً عن الاختزال. فالعلاقة بين الكوريتين ليست مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل هي انقسام تاريخي طويل لبلد واحد، يشبه في ذاكرته الجمعية ما تتركه الحروب الأهلية والانقسامات الحادة من ندوب في العائلة الواحدة. لذلك فإن انتقال امرأة من الشمال إلى الجنوب ليس سفراً عادياً، بل عبور من بنية كاملة للحياة إلى بنية أخرى مختلفة في الاقتصاد واللغة اليومية وتفاصيل السوق والعمل والإيقاع الاجتماعي. ورغم أن الكوريتين تتشاركان اللغة الكورية، فإن عقود الانقسام صنعت فروقاً في المفردات واللهجات والعادات وأساليب التواصل، ما يجعل الاندماج أكثر صعوبة مما قد يظنه من ينظر إلى الأمر من بعيد.

في الثقافة الشعبية الكورية، حضرت قصص المنشقين الشماليين سابقاً في أعمال مختلفة، لكن حضورها كثيراً ما جاء عبر عدسة أمنية أو سياسية أو ميلودرامية مبالغ فيها. بعض الأعمال ركّز على المطاردة والخطر، وبعضها تعامل مع الشخصية القادمة من الشمال على أنها «رمز» أكثر من كونها إنساناً عادياً. هنا يبدو «هانا كوريا» معنياً بتصحيح العدسة: ليس عبر تجاهل الواقع السياسي، بل عبر إزاحته خطوة إلى الخلف لصالح سؤال أكثر قرباً: كيف تعيش امرأة بدأت من الصفر؟ كيف تكسب قوت يومها؟ كيف تحافظ على صلتها بأسرتها؟ وكيف تواصل الحلم في وقت يطلب منها الواقع أن تكتفي بالبقاء؟

هذا التحول في زاوية السرد مهم للغاية. فحين تنجح السينما في ردّ الاعتبار للفرد داخل العناوين الكبرى، فإنها تنجز ما تعجز عنه نشرات الأخبار. ومن هذه الزاوية، يمكن مقارنة رهان الفيلم بأعمال عربية كثيرة حاولت أن تتجاوز القضايا العامة إلى مصائر الأشخاص؛ إذ ليست قيمة القصة في اسم القضية وحده، بل في قدرة العمل على جعلنا نرى فيها وجهاً قريباً منا، لا مادة بعيدة للاستهلاك الإعلامي.

هيسون في قلب الحكاية: بين علاج الأم وحلم العمل ممرضة

وفقاً للملخص الذي كُشف عنه قبل العرض، تتمحور القصة الأساسية حول شخصية هيسون، وهي امرأة منشقة من كوريا الشمالية تجد نفسها ممزقة بين ضرورة تأمين تكاليف علاج والدتها التي لا تزال في الشمال، وبين سعيها إلى تحقيق حلمها بأن تصبح ممرضة. إلى جوارها، تحضر شخصيتا بومي وسوك-هي، بما يوحي بأن الفيلم لا يكتفي بسرد فردي معزول، بل يبني شبكة من العلاقات النسائية التي تتيح للحكاية أن تتنفس إنسانياً واجتماعياً.

هذا الخط الدرامي يبدو للوهلة الأولى بسيطاً، لكنه في الحقيقة يحمل طبقات كثيفة من التوتر. فالأم هنا ليست فقط فرداً من العائلة يحتاج إلى دواء، بل هي أيضاً صلة روحية ومادية بماضٍ لم يُغلق. والحلم المهني ليس مجرد أمنية شخصية رومانسية، بل محاولة لإعادة تعريف الذات في مجتمع جديد. وبين الطرفين تقف معادلة نعرفها جيداً في عالمنا العربي: ماذا يفعل الإنسان حين يطلب منه الواقع أن يكون معيل الأسرة ومهندس مستقبله في الوقت نفسه؟ كيف يوزع جهده بين من يحبهم وبين نفسه؟

هذه الأسئلة مألوفة في الرواية والدراما العربيتين أيضاً. كم من شخصية عرفناها في السينما المصرية أو الدراما الشامية أو المغاربية وهي تحمل على كتفيها عبء الأسرة، وتحاول في الوقت نفسه ألا تخسر حقها في الحلم؟ غير أن خصوصية «هانا كوريا» تأتي من وضع هذه المعادلة في سياق كوريا المنقسمة، حيث لا يكون الفقر مجرد وضع اقتصادي، بل جزءاً من تاريخ ممزق وحدود مغلقة وحنين مؤجل.

اللافت أن اختيار مهنة التمريض ليس تفصيلاً عابراً. فالتمريض في المخيال الدرامي كثيراً ما يرمز إلى الرعاية والصبر والتطبيب والقدرة على تضميد الجراح، ليس الجسدية فقط بل المعنوية أيضاً. وحين تحلم امرأة نجت من رحلة اقتلاع بأن تصبح ممرضة، فإن الحلم نفسه يكتسب بعداً رمزياً: كأنها تريد أن تنقذ الآخرين وهي تحاول إنقاذ نفسها. هذا النوع من الكتابة، إذا أُنجز بحساسية، يتيح لفيلم مثل «هانا كوريا» أن يتجاوز الخطاب المباشر إلى بناء معنى أكثر عمقاً وهدوءاً.

ثم إن وضع علاج الأم في الشمال مقابل العمل والحياة في الجنوب يفتح باباً آخر يتعلق بأخلاقيات النجاة. فالذين يغادرون بلدانهم أو بيئاتهم القاسية كثيراً ما يحملون شعوراً بالذنب تجاه من تركوهم وراءهم، حتى لو لم يكن لهم خيار آخر. وهذا إحساس ليس غريباً على المشاهد العربي الذي عرف، خلال العقود الأخيرة، موجات واسعة من الهجرة واللجوء والاقتلاع، بكل ما تحمله من توتر بين الأمان الشخصي والوفاء للعائلة البعيدة.

دعوة آن سيو-هيون: من مقعد المشاهد إلى صداقة الشخصيات

واحدة من أكثر العبارات دلالة في التقديم الذي سبق عرض الفيلم جاءت على لسان الممثلة آن سيو-هيون، حين قالت إن الجمهور قد يبدأ المشاهدة من موقع «المتفرج»، لكنه سينتهي وقد صار صديقاً لهيسون وبومي وسوك-هي. هذه العبارة ليست مجرد مجاملة دعائية مألوفة قبل إطلاق الأفلام؛ بل يمكن قراءتها بوصفها مفتاحاً لنبرة العمل واتجاهه. فهي توحي بأن الفيلم لا يسعى إلى إبهار المشاهد بصدمة الحدث، بقدر ما يريد أن يقرّبه وجدانياً من الشخصيات حتى يشعر أنها تشبهه أو تشبه من يعرفهم.

في الصحافة الثقافية العربية، نستخدم أحياناً تعبير «أنسنة القضايا» لوصف الأعمال التي تنجح في إعادة البشر إلى قلب النقاش. وهذا ما يبدو أن «هانا كوريا» يحاول القيام به. فبدلاً من أن تبقى المرأة المنشقة من الشمال حالةً تُدرَس أو موضوعاً يُناقش، تصبح شخصاً يمكن أن نتعرف إلى خوفه وتردده وإصراره وخجله وحتى أخطائه. وعندما تتحقق هذه النقلة، تنخفض المسافة الأخلاقية التي يضعها المجتمع أحياناً بينه وبين الفئات المهمشة أو الوافدة أو الخارجة من تجارب قاسية.

دعوة آن سيو-هيون حملت أيضاً معنى آخر لا يقل أهمية، حين ربطت مشاهدة الفيلم بتشجيع كل من يستعد لخوض تجربة جديدة في حياته. هذا التوسيع للدلالة يخرج بالفيلم من خصوصيته الكورية الصرفة إلى فضاء إنساني أرحب. فليس مطلوباً من المشاهد العربي أن يكون مطلعاً على تفاصيل العلاقة بين سيول وبيونغ يانغ كي يتفاعل مع فكرة البداية الجديدة. يكفي أن يكون قد عرف في حياته، ولو مرة واحدة، رهبة الخطوة الأولى: أول يوم في مدينة جديدة، أول وظيفة، أول انفصال عن العائلة، أول محاولة لإعادة بناء النفس بعد خسارة أو انكسار.

لهذا قد يلقى الفيلم، إذا توفرت له الترجمة والعرض في مهرجانات أو منصات عربية لاحقاً، اهتماماً من جمهور يتابع السينما الكورية ليس فقط بحثاً عن التشويق أو الرومانسية، بل عن الحكايات التي تمس خبرة البشر المشتركة. ولعل هذا ما يميز المرحلة الحالية من «الموجة الكورية» أو «الهاليو»؛ إذ لم تعد جاذبيتها محصورة في البريق البصري أو النجومية، بل صارت مرتبطة أيضاً بقدرة الصناعة الكورية على تقديم موضوعات محلية جداً، ولكن بمشاعر يمكن أن يفهمها الجميع.

مخرج دنماركي يقترب من قصة كورية: ماذا يعني هذا التلاقي؟

من العناصر اللافتة في «هانا كوريا» أن مخرجه دنماركي، هو فريدريك شولبيرغ. وهذه المعلومة وحدها كفيلة بإثارة الفضول، لأننا أمام قصة شديدة الارتباط بتاريخ كوريا الحديث، لكنها تُروى عبر مخرج أجنبي يقترب من الموضوع من خارج التجربة الكورية المباشرة. آن سيو-هيون نفسها أشارت إلى أنها شعرت، منذ قراءتها الأولى للنص، بأن الكتابة «مختلفة»، وأنها كانت تتساءل كيف سينظر مخرج دنماركي إلى حياة النساء المنشقات من الشمال.

في العادة، يثير تدخل النظرة الخارجية في الموضوعات المحلية أسئلة مشروعة. هل يملك المخرج الأجنبي حساسية كافية للتفاصيل؟ هل يقع في فخ التبسيط أو الاستشراق المعكوس؟ أم أنه قد يلتقط ما يغيب أحياناً عن عين الداخل بحكم الاعتياد؟ هذه كلها أسئلة مطروحة، وليس من الممكن حسمها قبل مشاهدة الفيلم كاملاً، لكن وجودها بحد ذاته يمنح العمل مساحة إضافية للنقاش.

السينما العالمية قدّمت نماذج ناجحة وأخرى متعثرة لهذا النوع من التلاقي. أحياناً ينجح المخرج الخارجي في فتح نافذة جديدة على موضوع محلي لأنه يأتي من دون إرث ثقيل من المسلمات، وأحياناً يفشل لأنه يقترب من الواقع بوصفه «فكرة جذابة» أكثر من كونه حياة معاشة. في حالة «هانا كوريا»، تبدو الرهانات مرتفعة لأن الموضوع ليس فولكلوراً ولا خلفية سياحية، بل جرح اجتماعي وتاريخي حيّ.

لكن في المقابل، قد يكون هذا التلاقي بين الخارج والداخل مصدر قوة أيضاً. فإذا استطاع المخرج أن يحتفظ بمسافة تأملية تمنعه من الوقوع في خطابية الداخل، وفي الوقت نفسه أن يعتمد على حساسية الممثلين والكتّاب الكوريين في التفاصيل الدقيقة، فقد يخرج العمل بتركيبة نادرة: محلي في نبضه، عالمي في لغته البصرية والعاطفية. وهذه واحدة من السمات التي جعلت السينما الكورية في العقدين الأخيرين قادرة على مخاطبة جمهور واسع من دون أن تتخلى عن خصوصيتها.

من زاوية عربية، هذه النقطة مثيرة للاهتمام كذلك. فنحن أيضاً نعرف الجدل الذي يرافق الأعمال التي يقترب فيها مخرج أو كاتب أجنبي من قضايا المنطقة. لذلك فإن متابعة «هانا كوريا» لن تكون مهمة فقط بسبب موضوعه، بل أيضاً بسبب طريقته في التوفيق بين العين الخارجية والمادة الكورية الحساسة.

مشاركة شارون تشوي: من الترجمة بين الثقافات إلى كتابة السيناريو

يزيد من جاذبية المشروع اسم شارون تشوي، أو تشوي سونغ-جاي، التي شاركت في كتابة السيناريو. والجمهور العالمي يعرف هذا الاسم منذ ارتبط بترجمة كلمات المخرج بونغ جون-هو في المحافل الدولية، خصوصاً خلال صعود «طفيلي» إلى واجهة السينما العالمية. لكن قيمة مشاركتها هنا لا تتوقف عند شهرة الاسم، بل تمتد إلى الخلفية الثقافية التي تحملها.

فالترجمة، في معناها العميق، ليست نقلاً حرفياً للكلمات، بل عبوراً بين سياقين ثقافيين. والمترجم الجيد لا يبدل المفردات فقط، بل يبحث عن الإيقاع والمعنى والحمولة الاجتماعية الكامنة في الجملة. من هذه الزاوية، تبدو مساهمة شارون تشوي في «هانا كوريا» لافتة، لأنها قد تمنح الفيلم قدرة أكبر على تنظيم مشاعره وسرده بطريقة مفهومة لمشاهد كوري ومشاهد دولي في آن.

هذا لا يعني، بالطبع، أن الفيلم مصنوع لإرضاء الخارج أو لتقديم نسخة «مبسطة» من القضية الكورية. لكن وجود كاتبة خبِرت معنى الوساطة بين اللغات والثقافات قد يساعد على تجنب الانغلاق المحلي من جهة، وتجنب الشرح التقريري الزائد من جهة أخرى. والنتيجة المرجوة في مثل هذه الأعمال هي أن تظل الشخصيات صادقة في بيئتها، فيما تبقى عواطفها وقابليتها للفهم متاحة للمتلقي أينما كان.

في زمن المنصات الرقمية، لم تعد الأفلام تُصنع لجمهورها المحلي فقط، حتى عندما تكون شديدة الخصوصية. والجمهور العربي، الذي صار أكثر انفتاحاً على الدراما والسينما الكوريتين خلال السنوات الماضية، بات يقرأ هذه التفاصيل بعين مختلفة. لم يعد السؤال فقط: هل الفيلم جيد؟ بل أيضاً: هل يملك ما يكفي من الخصوصية ليقول شيئاً جديداً، وما يكفي من الإنسانية ليصل إلينا؟ وجود شارون تشوي في المشروع يعزز الانطباع بأن «هانا كوريا» يحاول أن يوازن بين الأمرين.

لماذا قد يهم هذا الفيلم الجمهور العربي؟

قد يسأل البعض: ما الذي يجعل قصة عن نساء من كوريا الشمالية ذات صلة بقارئ عربي؟ الإجابة لا تكمن في التشابه السياسي بين السياقات، فلكل بلد تاريخه وتعقيداته، بل في التشابه الإنساني والاجتماعي. فالعالم العربي خلال العقود الأخيرة عرف، بأشكال مختلفة، تجربة النزوح واللجوء والهجرة الداخلية والخارجية والانقسام والبحث عن العمل في بيئات جديدة. ولذلك فإن فكرة «البدء من جديد» ليست غريبة عن وعينا الجمعي، بل هي واحدة من أكثر تجاربنا المعاصرة حضوراً.

حين نشاهد شخصية مثل هيسون وهي تلاحق أجرة السكن أو فرصة العمل أو حلم الدراسة، بينما يظل قلبها معلقاً بأم تحتاج العلاج في مكان بعيد، فإننا لا نحتاج إلى معرفة دقيقة بكل تاريخ شبه الجزيرة الكورية حتى نتأثر. هذه المعادلة نفسها عرفتها أسر عربية كثيرة: ابن أو ابنة في المهجر يعملان لإرسال المال إلى أهل في الوطن، شابة تحاول أن تنال شهادة أو وظيفة فيما يضغط عليها الواقع المعيشي، إنسان يريد أن يحيا كفرد من دون أن يتخلى عن مسؤولياته تجاه عائلته.

ثم إن هناك عنصراً آخر يهم المتلقي العربي، وهو الطريقة التي تتعامل بها السينما الكورية مع الفوارق الطبقية والنفسية والضغط الاجتماعي. فهذه السينما أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة كبيرة على مزج الحميمي بالعام، واليومي بالبنية الاجتماعية الكبرى. وإذا نجح «هانا كوريا» في الحفاظ على هذا التقليد، فقد يكون أمامنا عمل لا يقدم فقط قصة مؤثرة، بل أيضاً نافذة على شكل من أشكال التعايش مع الذاكرة المنقسمة والاقتصاد الضاغط والبحث الدائم عن مكان داخل المجتمع.

وفي جانب آخر، فإن الاهتمام العربي المتزايد بالثقافة الكورية لم يعد محصوراً في فرق الكيبوب أو المسلسلات الرومانسية. ثمة جمهور يتوسع باطراد نحو الأعمال الأعمق، تلك التي تكشف طبقات المجتمع الكوري وتاريخه وأسئلته. من هنا، يبدو «هانا كوريا» إضافة محتملة مهمة، لأنه يمنح هذا الجمهور مادة مختلفة: أقل صخباً، أكثر واقعية، وأشد التصاقاً بمسألة الهوية والاندماج والكرامة.

بين ما قبل العرض وما بعده: الرهان الحقيقي للفيلم

حتى الآن، ما نملكه عن «هانا كوريا» هو إشارات قوية، لا حكماً نهائياً. لدينا موضوع حساس، وشخصيات نسائية تحمل عبئاً إنسانياً واضحاً، وممثلة تقدم العمل بلغة وجدانية، ومخرج أجنبي يقترب من قضية كورية دقيقة، وكاتبة سيناريو لديها خبرة في العبور بين الثقافات. كل هذه العناصر تخلق توقعاً، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة فيلم عظيم. الرهان الحقيقي يبدأ عندما تضاء الشاشة وتختبر الشخصيات صدقها أمام الجمهور.

هل سينجح الفيلم في تجنب تحويل شخصياته إلى رموز أكثر من اللازم؟ هل سيمنح هيسون وبومي وسوك-هي حيوات كاملة بتناقضاتها وضعفها وقوتها؟ هل سيتعامل مع مسألة الانشقاق من الشمال بوصفها جرحاً إنسانياً مركباً، لا مادة للاستهلاك العاطفي؟ وهل يستطيع أن يقدم أملاً من دون إنكار القسوة؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد مكانته بعد العرض.

ومع ذلك، فإن مجرد ظهور فيلم يختار أن يقترب من هذه القضية من بوابة الصداقة والحلم والعمل والعائلة، يُعد مؤشراً مهماً على المسار الذي تسلكه السينما الكورية اليوم. إنها سينما باتت أكثر ثقة في أن المحلية لا تعني الانغلاق، وأن القصة الصغيرة قد تكون أبلغ من الخطاب الكبير. وهذا درس تعرفه السينما العربية جيداً حين تكون في أفضل تجلياتها: أن الإنسان هو دائماً المدخل الأعمق لفهم المجتمع.

في النهاية، يبدو «هانا كوريا» في موقع فيلم يريد أن يقول إن البداية الجديدة ليست امتيازاً رومانسياً، بل اختباراً قاسياً للأعصاب والذاكرة والكرامة. وهذا المعنى، مهما اختلفت اللغات والخرائط، مفهوم جيداً في منطقتنا. وإذا أوفى الفيلم بما تعد به مقدمته، فقد يكون واحداً من الأعمال الكورية اللافتة هذا الموسم، ليس لأنه يرفع شعاراً كبيراً، بل لأنه يقترب بهدوء من امرأة تحاول أن تعيش، وأن تعيل أمها، وأن تحلم، في آن واحد.

بالنسبة إلى المشاهد العربي المتابع للسينما الآسيوية، قد يكون من المفيد وضع هذا الفيلم على قائمة الانتظار. فالأعمال التي تتناول القضايا الشائكة من منظور إنساني صادق غالباً ما تعيش أطول من ضجيج الدعاية الأول. و«هانا كوريا» يبدو، حتى إشعار آخر، مرشحاً لأن يكون من هذا النوع: فيلم عن كوريا، نعم، لكنه أيضاً عن ذلك الشعور الذي نعرفه جميعاً حين نقف على عتبة حياة جديدة، مترددين، خائفين، ومتشبثين بالأمل.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات