
من نجم منصة إلى وجه لرسالة ثقافية عالمية
في تطور يكشف اتساع الدور الذي باتت تلعبه صناعة الترفيه الكورية خارج حدود الموسيقى والأزياء والجماهيرية الرقمية، عيّنت إدارة التراث الكوري المغني الكوري الجنوبي جيدراجون، واسمه الحقيقي كوون جي يونغ، سفيرًا دعائيًا للدورة الثامنة والأربعين لاجتماع لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، والمقرر عقدها هذا الشهر في مدينة بوسان. الخبر في ظاهره ينتمي إلى أخبار المشاهير، لكنه في عمقه يحمل دلالة أكبر بكثير: كوريا الجنوبية لم تعد تُصدّر الأغنية والمسلسل وحسب، بل باتت تستخدم نجوم الثقافة الشعبية بوصفهم أدوات قوة ناعمة لإيصال رسائل عامة تتعلق بالتراث والذاكرة والهوية والإنسانية المشتركة.
وبالنسبة إلى القارئ العربي، فالمشهد ليس بعيدًا تمامًا عن فكرة أن تستعين مؤسسة ثقافية كبرى في العالم العربي بنجم جماهيري واسع التأثير للترويج لقضية حضارية أو مناسبة دولية، لأن الرسالة هنا لا تُبنى فقط على المكانة الرسمية، بل على القدرة على الوصول إلى الناس بلغتهم العاطفية اليومية. فإذا كانت بعض المؤسسات العربية تلجأ إلى وجوه فنية معروفة للتوعية بالقراءة أو دعم المبادرات الصحية أو التعريف بمواسم ثقافية، فإن كوريا الجنوبية تمضي بهذا المنطق إلى مستوى أكثر تعقيدًا: ربط نجم من الصف الأول في عالم الكيبوب بمنصة أممية تُعنى بواحد من أكثر الملفات حساسية في العالم، وهو ملف التراث الإنساني.
اختيار جيدراجون تحديدًا ليس تفصيلًا عابرًا. فهو ليس مجرد مطرب ناجح، بل أحد أبرز الوجوه التي ساهمت في رسم صورة الكيبوب الحديثة عالميًا، سواء عبر الموسيقى أو الموضة أو الصورة البصرية أو الحضور الثقافي الأوسع. لذلك فإن ظهوره هذه المرة ليس بصفته مؤديًا على المسرح، بل بصفته حاملًا لرسالة ثقافية، يعبّر عن مرحلة جديدة من تطور العلاقة بين الدولة الكورية وصناعاتها الإبداعية. هنا لا يعود الفنان مجرد منتج ترفيهي، بل يتحول إلى وسيط بين الجمهور العالمي وقضايا عامة ذات طابع حضاري.
ومن هذه الزاوية، تبدو بوسان أكثر من مجرد مدينة مضيفة، ويبدو جيدراجون أكثر من مجرد اسم على ملصق ترويجي. ما يجري هو تقديم كوريا الجنوبية بوصفها دولة قادرة على الجمع بين الحداثة الشعبية التي يمثلها الكيبوب، والعمق الحضاري الذي تمثله مؤسسات مثل اليونسكو. وهذه معادلة شديدة الذكاء في زمن تتنافس فيه الدول ليس فقط على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل أيضًا على من يملك السردية الثقافية الأكثر جاذبية وإقناعًا.
ما هي لجنة التراث العالمي ولماذا يهم انعقادها في بوسان؟
لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو هي الهيئة الدولية المعنية بمتابعة الملفات المرتبطة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، سواء كانت مواقع ثقافية أو طبيعية أو مختلطة. وبعبارة مبسطة للقارئ غير المتخصص، فهذه اللجنة هي إحدى أهم المساحات التي يناقش فيها العالم كيفية حماية المواقع التي لا تخص دولة بعينها فقط، بل تُعد جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة. عندما نتحدث عن التراث العالمي، فنحن نتحدث عن معابد ومدن تاريخية وقلاع ومواقع طبيعية وممرات حضارية تشبه في وجداننا العربي قيمة أهرامات الجيزة، والبتراء، ومدائن صالح، ومدينة صنعاء القديمة، وفاس العتيقة، وآثار بعلبك، وأهوار العراق، وسواها من الأماكن التي تتجاوز حدود الجغرافيا إلى معنى أوسع يتعلق بالذاكرة والهوية والإنسان.
من هنا تكتسب استضافة بوسان للدورة الثامنة والأربعين أهمية خاصة، لا سيما أن هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها كوريا الجنوبية اجتماع لجنة التراث العالمي على أراضيها. وفي لغة السياسة الثقافية، فإن «الاستضافة الأولى» ليست مجرد حدث بروتوكولي؛ إنها إعلان مكانة. فالدول حين تستضيف حدثًا أمميًا بهذا الحجم، فإنها لا تقول فقط إنها قادرة تنظيميًا، بل إنها تريد أن تُرى بوصفها طرفًا فاعلًا في النقاش العالمي حول الثقافة والحفاظ على الإرث البشري.
وبوسان نفسها مدينة ذات رمزية خاصة في السياق الكوري. فهي مدينة بحرية كبرى، وبوابة تجارية وثقافية، واسم حاضر بقوة في الذاكرة الشعبية المعاصرة عبر السينما والمهرجانات والاقتصاد البحري والانفتاح الدولي. ولعل القارئ العربي يعرف بوسان من خلال مهرجانها السينمائي الدولي، أو من خلال حضورها في بعض الأعمال الدرامية والسينمائية الكورية، أو حتى باعتبارها مدينة تختلف في نبرتها وإيقاعها عن العاصمة سيؤول. استضافة اجتماع بحجم لجنة التراث العالمي في بوسان تعني أن كوريا لا تريد تقديم صورتها فقط من بوابة العاصمة، بل من خلال مدينة تمثل الانفتاح البحري والتنوع والتواصل مع الخارج.
ولذلك، فإن تعيين سفير دعائي لهذا الحدث لا يُفهم على أنه مجرد خطوة دعائية تقليدية. المطلوب هنا هو تحويل اجتماع قد يبدو للناس متخصصًا أو بيروقراطيًا أو حبيس لغة الخبراء، إلى مناسبة حية تصل إلى شرائح أوسع، وخاصة الأجيال الشابة والجمهور الدولي غير المتابع عادة لملفات اليونسكو. وفي هذا التحدي تحديدًا تظهر قيمة الاسم المختار.
لماذا جيدراجون؟ منطق الاختيار بين الشهرة والرمزية
بحسب ما أعلنته إدارة التراث الكوري، فإن اختيار جيدراجون جاء انطلاقًا من كونه فنانًا مارس تأثيرًا عالميًا يتجاوز الكيبوب إلى مجالات الثقافة والفنون عمومًا. هذه العبارة مهمة للغاية، لأنها تعني أن المؤسسة الرسمية لا تنظر إليه بوصفه نجمًا جماهيريًا فقط، بل بوصفه شخصية لها رمزية ثقافية. وهذا فارق جوهري. فليس كل مشهور صالحًا لأن يحمل رسالة ترتبط بالتراث، وليس كل صاحب قاعدة جماهيرية قادرًا على ربط صورته الشخصية بقضية عامة ذات طابع أممي.
جيدراجون في الحالة الكورية يمثل ظاهرة ثقافية أكثر من كونه مطربًا ناجحًا فحسب. مسيرته الطويلة جعلت منه اسمًا ملازمًا لتحولات الكيبوب نفسه: من مرحلة الصعود الإقليمي إلى مرحلة التمدد العالمي. كما أن صورته ارتبطت على مدى سنوات بحس فني واضح في الموضة والابتكار البصري، ما منحه مكانة خاصة داخل الثقافة الكورية المعاصرة وخارجها. في العالم العربي أيضًا، يعرف جمهور الموجة الكورية أن بعض الأسماء لا تُقاس فقط بعدد الأغنيات الضاربة أو الحفلات، بل بقدرتها على تشكيل الذوق العام والتأثير في اللغة البصرية لجيل كامل. وجيدراجون ينتمي بوضوح إلى هذه الفئة.
لكن الجانب الأهم في الاختيار يتصل بما يمكن تسميته «تحويل النفوذ الرمزي إلى وظيفة عامة». فالفنان هنا لا يُستدعى للغناء في مناسبة رسمية، بل ليكون جسرًا بين مؤسسة أممية وجمهور عالمي متنوع. هذا النوع من الأدوار يقوم على الثقة بأن اسم الفنان كفيل بفتح أبواب الاهتمام أمام موضوع قد لا يلتفت إليه كثيرون في الظروف العادية. وعندما يتابع ملايين المعجبين نشاط نجمهم، فإن أي رسالة يضع اسمه عليها تصبح أكثر قدرة على الانتشار، سواء عبر المنصات الرقمية أو عبر الإعلام التقليدي أو من خلال التداول العابر للغات.
في هذا السياق، يبدو الاختيار متسقًا مع التحول الأوسع في وظيفة نجوم الكيبوب. لم يعودوا مجرد وجوه تسويقية للألبومات والعروض، بل صاروا جزءًا من آلة دبلوماسية وثقافية أوسع، تستخدم الشهرة العابرة للحدود في خدمة سردية وطنية أو رسالة إنسانية أو حدث دولي. وهذا ما يجعل خبر تعيين جيدراجون سفيرًا للجنة التراث العالمي خبرًا يستحق المتابعة خارج صفحات الفن التقليدية.
الكيبوب كقوة ناعمة: من الترفيه إلى الدبلوماسية الثقافية
طوال السنوات الماضية، اعتاد الجمهور العربي قراءة أخبار الكيبوب من زاوية الأرقام القياسية، والجولات العالمية، والمنصات الرقمية، والموضة، وتفاعلات الفاندومات، أي جماعات المعجبين المنظمة والفاعلة على الإنترنت. لكن خبرًا من هذا النوع يضعنا أمام مستوى آخر من الحكاية: كيف تحوّل الكيبوب من صناعة ترفيهية ناجحة إلى أداة دبلوماسية وثقافية ذات استخدامات متعددة؟
في العلوم السياسية والإعلامية، يُستخدم مفهوم «القوة الناعمة» لوصف قدرة دولة ما على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والقيم والصورة العامة، لا عبر القوة الصلبة أو الضغط المباشر. وكوريا الجنوبية تُعد واحدة من أبرز النماذج الحديثة على هذا المسار. فمن خلال الدراما والموسيقى والسينما والجمال والموضة والمطبخ، بنت صورة عالمية تتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي. وإذا كانت الدراما الكورية قد فتحت نوافذ عاطفية واسعة لدى الجمهور العربي، فإن الكيبوب منح كوريا قدرة هائلة على مخاطبة الشباب بلغة عابرة للحدود.
غير أن المرحلة الحالية تبدو أكثر نضجًا. لم تعد المسألة مجرد تصدير منتج ثقافي ناجح، بل توظيف هذا النجاح في خدمة مناسبات وقضايا أوسع. حين يصبح نجم كيبوبي وجهًا لاجتماع أممي معني بالتراث، فنحن أمام إعادة تعريف لوظيفة الشهرة نفسها. لقد بات الفنان هنا جزءًا من خطاب مؤسساتي يريد أن يقول للعالم إن الثقافة الشعبية ليست خصمًا للثقافة الرفيعة أو للقضايا العامة، بل يمكن أن تكون جسرا إليها.
ولعل ما يجعل هذه النقطة لافتة عربيًا هو أننا نعيش بدورنا نقاشًا مشابهًا: كيف يمكن للصناعات الإبداعية أن تخدم صورة البلدان العربية في الخارج؟ وكيف يمكن للموسيقى والسينما والنجوم أن يساهموا في لفت الانتباه إلى المتاحف والمواقع الأثرية والذاكرة الجماعية؟ في هذا المعنى، تقدم التجربة الكورية درسًا مهمًا. فهي لا تفصل بين الترفيه والهوية الوطنية، ولا تنظر إلى الشعبية الواسعة باعتبارها شيئًا هامشيًا، بل تتعامل معها كأصل استراتيجي يمكن تسخيره بذكاء في السياسة الثقافية.
ومن المتوقع أن يؤدي اسم جيدراجون إلى توسيع دائرة الاهتمام باجتماع بوسان، خصوصًا لدى جمهور قد لا يتابع عادة أخبار اليونسكو. فالفاندومات الكورية، كما يعرف متابعوها في العالم العربي، لا تكتفي بالاستهلاك العاطفي للمحتوى، بل تنخرط في النشر والترجمة والتفسير والتداول الكثيف. هذا يعني أن خبرًا رسميًا من هذا النوع يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى موضوع نقاش بلغات عدة، وأن يدخل إلى فضاءات رقمية كان يصعب على مؤسسة تراثية تقليدية الوصول إليها وحدها.
رسالة «السلام» والعمل العام: ما الذي تضيفه خلفية جيدراجون الخيرية؟
أحد العناصر المهمة في هذه القصة هو البعد المرتبط برسالة «السلام» والعمل العام. فقد أشير إلى أن جيدراجون أسس في عام 2024 مؤسسة «جاست بيس» بعد التبرع بحقوق الملكية الفكرية، وتولى فيها منصب الرئيس الفخري. واسم المؤسسة نفسه يجمع بين كلمتي العدالة والسلام، وهو ما يضيف بعدًا رمزيًا لا يمكن تجاهله في قراءة اختياره لهذا الدور.
في العمل الصحفي المهني، من المهم التمييز بين الوقائع المباشرة والاستنتاجات الممكنة. الوقائع المؤكدة هنا هي أن المؤسسة الرسمية الكورية رأت في نشاطه العام وتوسعه خارج المجال الغنائي عنصرًا يعزز أهليته كسفير دعائي. أما الاستنتاج الأوسع، فهو أن هذه الخلفية تجعل صورته أكثر ملاءمة لحدث يتحدث، في جوهره، عن ملكية إنسانية مشتركة وعن ضرورة صون ما هو ثمين من ذاكرة العالم. ففكرة التراث العالمي نفسها تقوم على أن بعض المواقع والآثار ليست مجرد ممتلكات وطنية، بل مسؤولية أخلاقية مشتركة.
وهذا ينسجم مع المعنى الرمزي للسلام في الخطاب الثقافي الدولي. فالحفاظ على التراث ليس نشاطًا تقنيًا فقط، ولا هو رفاهية خاصة بالدول الغنية أو المستقرة. في منطقتنا العربية، نعرف جيدًا كيف تصبح حماية التراث فعل مقاومة للنسيان والخراب، من الموصل إلى حلب، ومن غزة التي تعاني اليوم مأساة مركبة، إلى المدن القديمة التي أنهكتها الحروب أو الإهمال أو التوسع العمراني غير المنضبط. لذلك، حين تُربط صورة نجم جماهيري برسالة تتصل بالسلام والذاكرة العامة، فإن المسألة تكتسب صدى يتجاوز المجاملة الإعلامية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تعيينه سيترافق مع حفلات أو عروض أو برنامج موازٍ واسع، فالمعطيات المعلنة لا تشير إلى شيء محدد من هذا القبيل. لكن يكفي أن يحمل الحدث وجهًا جماهيريًا معروفًا بهذه الحمولة الرمزية حتى يتغير شكل تلقيه لدى الرأي العام. ففي زمن كثيف الضجيج، تحتاج القضايا العامة إلى رواة قادرين على جذب الانتباه، لا إلى البيانات الرسمية فقط.
من هنا، يمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من اتجاه أوسع في العالم: إسناد بعض الرسائل العامة إلى شخصيات ذات نفوذ ثقافي وشعبي، لأن الجمهور يثق غالبًا بالوجوه التي يعرفها ويتابعها يوميًا أكثر مما يثق باللغة المؤسسية الجافة. والنجاح الحقيقي هنا لا يقاس فقط بنسبة التغطية الإعلامية، بل بمدى انتقال موضوع مثل التراث العالمي من دائرة النخبة إلى دائرة الجمهور الواسع.
كيف سيتلقى الجمهور العربي هذا الخبر؟
في العالم العربي، يملك جيدراجون مكانة معروفة لدى جمهور الموجة الكورية، خاصة بين متابعي الجيل الذي شاهد مبكرًا اتساع نفوذ فرق الكيبوب الكبرى وتأثيرها على الأزياء والذائقة الموسيقية وأساليب التعبير على المنصات الاجتماعية. لكن أهمية الخبر بالنسبة إلى القارئ العربي لا تأتي فقط من اسم الفنان، بل من الفكرة التي يحملها الحدث نفسه: أن الثقافة الشعبية يمكن أن تكون بوابة إلى نقاشات حضارية أعمق.
الجمهور العربي، وخصوصًا فئة الشباب، لا يتابع كوريا اليوم باعتبارها بلدًا بعيدًا وغريبًا، بل باعتبارها مرجعًا حاضرًا في الترفيه الرقمي، وفي اللغة اليومية لبعض المنصات، وفي أنماط الاستهلاك الثقافي الجديدة. لهذا السبب، فإن أي تقاطع بين الكيبوب وملف دولي مثل التراث العالمي يصبح خبرًا سهل العبور إلى الوعي العربي، بل وقادرًا على إثارة أسئلة مفيدة: لماذا تنجح كوريا في تحويل نجومها إلى سفراء لقضايا عامة؟ وهل يمكن أن نرى أشكالًا مشابهة في منطقتنا بين الفنانين ومشاريع حماية التراث؟ وكيف يمكن استثمار الشعبية الفنية في خدمة الذاكرة الوطنية بدل قصرها على السوق والإعلان؟
هذا النوع من الأخبار يلفت الانتباه أيضًا إلى نقطة شديدة الأهمية: أن خطاب حماية التراث يحتاج إلى لغة معاصرة. فالكثير من الحديث عن المواقع الأثرية والمتاحف يظل أسيرًا للمناسبات الرسمية أو المواد التعليمية الجامدة. بينما تدرك كوريا، على ما يبدو، أن إشراك نجم من وزن جيدراجون يمكن أن يضخ حياة جديدة في خطاب يبدو أحيانًا بعيدًا عن اهتمام الأجيال الأصغر سنًا. وهذه ليست مسألة سطحية، لأن المعركة الحقيقية في قضايا التراث تبدأ من الوعي العام، لا من أرشيف الخبراء وحده.
من جهة أخرى، قد يرى بعض المتابعين أن الاستعانة بنجم بوب لترويج حدث أممي تعكس هيمنة المنطق الاستعراضي على كل شيء. غير أن هذا الاعتراض، رغم وجاهته النظرية أحيانًا، لا يصمد كثيرًا أمام الواقع العملي. المؤسسات الدولية والوطنية تحتاج اليوم إلى أدوات تواصل جديدة، وإذا كان الهدف هو إيصال فكرة التراث إلى جمهور أوسع، فإن المزج بين الرمز الشعبي والرسالة العامة يبدو خيارًا مفهومًا، بل وربما ضروريًا.
ما الذي تقوله هذه الخطوة عن كوريا اليوم؟
إذا وضعنا الخبر في سياقه الأوسع، سنجد أنه يكشف عن صورة كوريا الجنوبية كما تريد أن تقدم نفسها للعالم في هذه المرحلة: دولة حديثة، واثقة من صناعاتها الثقافية، وقادرة على استخدام نجومها ليس فقط لبيع المنتجات الفنية، بل أيضًا لتعزيز حضورها في النقاشات الدولية ذات الطابع الثقافي والإنساني. وهذا ما يجعل تعيين جيدراجون سفيرًا دعائيًا لاجتماع لجنة التراث العالمي أكثر من خبر ترويجي عابر؛ إنه جزء من بنية متكاملة ترى الثقافة موردًا استراتيجيًا.
كوريا هنا لا تفصل بين الماضي والحاضر. فهي لا تعرض تراثها بوصفه مادة محفوظة في المتاحف فحسب، ولا تعرض ثقافتها المعاصرة بوصفها اندفاعة استهلاكية بلا جذور. على العكس، يبدو أنها تحاول وصل الاثنين معًا: التراث كجذر، والكيبوب كأداة انتشار، والفنان كنقطة التقاء بين المحلي والعالمي. في هذا التوازن تكمن براعة النموذج الكوري، وهي براعة تستحق التأمل من أي بلد يسعى إلى بناء صورة دولية متماسكة.
الرسالة الأخرى التي تبرز من هذه الخطوة هي أن التأثير الثقافي في القرن الحادي والعشرين لم يعد محصورًا بالنخب الفكرية التقليدية. فالأسماء التي تصنع الأثر قد تأتي من خشبة المسرح، ومن تطبيقات البث، ومن ساحة الموضة، ومن جماهير رقمية عابرة للقارات. هذا لا يعني تراجع قيمة الخبراء أو المؤسسات، لكنه يعني أن الوصول إلى العالم بات يحتاج إلى تحالف بين السلطة الرمزية الشعبية والشرعية المؤسسية.
بالنسبة إلى بوسان، يحمل الحدث بدوره قيمة مضاعفة. فالمدينة ستظهر أمام العالم ليس فقط كميناء كبير أو محطة سياحية وثقافية، بل كمسرح لاجتماع يناقش معنى الحفاظ على ما تبقى من ذاكرة الإنسان على هذا الكوكب. وعندما يكون الوجه الدعائي لهذا الاجتماع نجمًا يعرفه الملايين، فإن المشهد الكوري بأكمله يخرج بصورة أكثر تماسكًا: مدينة دولية، ومؤسسة أممية، وتراث إنساني، وفنان عالمي، ورسالة سلام.
في النهاية، يمكن القول إن جوهر الخبر يتمثل في أن جيدراجون لم يُعيَّن ليضيف بريقًا مؤقتًا إلى فعالية دولية فحسب، بل ليجسد لحظة تتقاطع فيها عدة خطوط معًا: صعود الكيبوب من ظاهرة ترفيهية إلى منصة تأثير عالمي، وسعي كوريا إلى تعميق حضورها في الدبلوماسية الثقافية، ومحاولة المؤسسات التراثية تحديث أدواتها في التواصل مع العالم. وهذا تحديدًا ما يجعل الخبر مهمًا للقراء العرب المهتمين بالموجة الكورية: لأنه يكشف أن الحكاية لم تعد حكاية أغنية ناجحة أو موضة عابرة، بل حكاية بلد عرف كيف يحوّل نجومه إلى جزء من روايته الحضارية أمام العالم.
0 تعليقات