광고환영

광고문의환영

عودة لي تشانغ دونغ بعد ثماني سنوات تضع السينما الكورية مجددًا تحت مجهر تورونتو

عودة لي تشانغ دونغ بعد ثماني سنوات تضع السينما الكورية مجددًا تحت مجهر تورونتو

خبر يتجاوز حدود الدعوة إلى المهرجان

في خبر استوقف الأوساط السينمائية داخل كوريا الجنوبية وخارجها، أُعلن عن اختيار الفيلم الجديد للمخرج الكوري الجنوبي لي تشانغ دونغ بعنوان «حب ممكن» ضمن قسم «العروض الخاصة» في الدورة الحادية والخمسين من مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، المقرر إقامتها بين 10 و20 سبتمبر المقبل في كندا. وقد يبدو هذا الخبر، للوهلة الأولى، مجرد محطة جديدة لفيلم كوري في مهرجان دولي كبير، لكن التدقيق في تفاصيله يكشف أن المسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن هنا أمام عودة مخرج يُنظر إليه عالميًا بوصفه أحد أهم الأصوات السينمائية في آسيا المعاصرة، وأمام عمل جديد يأتي بعد صمت إبداعي امتد ثماني سنوات منذ فيلمه «برنينغ» الذي لا يزال حتى اليوم مادة للنقاش النقدي في المهرجانات والجامعات وأندية السينما.

بالنسبة إلى القارئ العربي المتابع للموجة الكورية، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط باسم لي تشانغ دونغ، بل أيضًا بالمكان الذي يذهب إليه الفيلم أولًا. فمهرجان تورونتو ليس مجرد منصة لعرض الأفلام، بل مساحة تعكس اتجاهات الذوق السينمائي العالمي، وجسرًا بين السينما الفنية والجمهور الأوسع. كثيرًا ما يُنظر إلى اختياراته بوصفها مؤشرًا على الأعمال التي ستفرض حضورها في الموسم السينمائي الدولي، سواء على مستوى الجوائز أو الجدل النقدي أو الانتشار بين الجمهور. ومن هنا، فإن دخول «حب ممكن» إلى قسم «العروض الخاصة» يعني أن الفيلم يصل منذ البداية محاطًا بتوقعات مرتفعة، لا سيما أنه يجمع أيضًا أربعة من أبرز نجوم التمثيل في كوريا: جون دو يون، سول كيونغ غو، جو إن سونغ، وجو يو جونغ.

في الإعلام العربي، اعتدنا أن نتعامل مع أخبار السينما الكورية غالبًا عبر بوابة النجومية الجماهيرية، أو عبر النجاح التجاري، أو من خلال تأثير الدراما الكورية على الأزياء واللغة والذائقة الشعبية. لكن هذا الفيلم يعيد توجيه البوصلة نحو سؤال آخر: ماذا عن السينما الكورية بوصفها فنًا يفكك الطبقات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية والهشاشة الأخلاقية؟ هذا بالضبط هو المجال الذي صنع فيه لي تشانغ دونغ مكانته. ولذلك، فإن خبر اختياره في تورونتو ليس مجرد احتفاء بعنوان جديد، بل إعلان عن عودة مخرج اعتاد أن يضع المشاهد أمام أسئلة غير مريحة، تشبه في أثرها تلك الروايات العربية الكبرى التي لا تكتفي بالحكاية، بل تفتح الباب على التأويل، وعلى مساءلة المجتمع من داخله.

لي تشانغ دونغ.. عودة مخرج يفضّل الأسئلة الصعبة

لي تشانغ دونغ ليس من المخرجين الذين يقدّمون الأفلام على إيقاع السوق أو منطق السرعة. مسيرته أقرب إلى مسيرة كاتب روائي دقيق، يشتغل على مشروعه ببطء، ويترك بين فيلم وآخر مسافة كافية ليعود بعمل يحمل طبقة جديدة من التأمل والقلق. من يعرف أفلامه السابقة، من «أواسيس» إلى «سيكريت صن شاين» و«بوetry» ثم «برنينغ»، يدرك أنه صانع عوالم مشبعة بالتوتر الأخلاقي والاجتماعي، وأنه يميل إلى الشخصيات التي تبدو عادية من الخارج، لكنها تحمل في الداخل شروخًا معقدة. في هذا المعنى، تبدو عودته بعد ثماني سنوات حدثًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن عودة روائي عربي كبير بعد انقطاع طويل؛ فالقيمة هنا ليست في الإنتاج الغزير، بل في الثقل الفكري والجمالي لكل عمل.

هذه السنوات الثماني لم تكن فراغًا في ذاكرة الجمهور. على العكس، لقد ساهم الغياب الطويل في رفع منسوب الترقب. فـ«برنينغ» لم يكن فيلمًا عابرًا، بل عملًا أثار نقاشًا واسعًا حول الغموض الطبقي، والعنف الكامن، والهوة بين الظاهر والمخفي. ومنذ ذلك الحين، بقي السؤال مطروحًا: ماذا سيقول لي تشانغ دونغ لاحقًا؟ وهل سيواصل انشغاله بالعزلة والرغبة والطبقة الاجتماعية، أم سيفتح مسارًا جديدًا؟ من هنا يأتي الاهتمام المحيط بـ«حب ممكن»، ليس فقط لأنه الفيلم التالي، بل لأنه يمثل لحظة اختبار جديدة لرؤية مخرج يملك قدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى مرآة لمجتمع بأكمله.

في السياق العربي، يسهل فهم قيمة هذه العودة إذا ما قورنت بأثر أسماء سينمائية قليلة عندما تعود بعد غياب، سواء في مصر أو المغرب أو تونس أو فلسطين، حيث يتحول العمل الجديد إلى حدث تتجاوز أهميته الفيلم نفسه. الجمهور والنقاد معًا لا ينتظرون القصة وحدها، بل ينتظرون موقفًا فنيًا، ولغة بصرية، ونظرة إلى العالم. هذا ما يحدث مع لي تشانغ دونغ تمامًا. فالأمر هنا لا يتعلق بمخرج ناجح تجاريًا، بل بمؤلف بصري له بصمة فكرية. لذلك تبدو عودته إلى الشاشة، ومن بوابة تورونتو تحديدًا، كأنها عودة صوت يعرف كيف يحوّل العلاقات الشخصية إلى سؤال عن المجتمع، ويحوّل الرغبة الفردية إلى امتحان أخلاقي وسياسي في آن واحد.

ما الذي نعرفه عن «حب ممكن»؟

المعطيات المعلنة حتى الآن ما تزال محدودة، لكنها كافية لإشعال فضول المتابعين. تدور الحكاية حول زوجين يلتقيان في سياق إعداد فيلم وثائقي، قبل أن يقودهما هذا اللقاء إلى مواجهة رغبات خفية كانت كامنة تحت سطح الحياة اليومية. في الظاهر، تبدو الفكرة شديدة البساطة: أربعة أشخاص، مشروع وثائقي، وعلاقات تتبدل. لكن في سينما لي تشانغ دونغ، البساطة الظاهرة كثيرًا ما تكون غطاءً لبنية أكثر تعقيدًا، حيث لا يكون الحدث مجرد قصة عن الخيانة أو الانجذاب أو الارتباك العاطفي، بل عن المسافة بين ما يعلنه الإنسان وما يخفيه، وبين الصورة التي يصنعها لنفسه والصورة التي تكشفها الظروف.

هنا تبرز أهمية عنصر الفيلم الوثائقي داخل الفيلم. بالنسبة إلى القارئ العربي الذي قد لا يكون متابعًا للنقاشات السينمائية التقنية، يمكن تبسيط الفكرة بالقول إن وجود كاميرا توثّق حياة الناس داخل العمل لا يضيف فقط أداة سردية، بل يخلق سؤالًا عن معنى النظر نفسه: من يراقب من؟ ومن يملك حق رواية الحكاية؟ وهل ما يظهر أمام العدسة هو الحقيقة فعلًا، أم نسخة مشذبة منها؟ هذا النوع من البنى يسمى في النقد السينمائي أحيانًا «الفيلم الذي يفكر في نفسه»، أي العمل الذي لا يروي قصة فحسب، بل يتأمل أيضًا طبيعة السينما بوصفها وسيلة لالتقاط الواقع أو تشويهه أو إعادة تركيبه. وهذا بالتحديد ما ألمح إليه مهرجان تورونتو حين تحدث عن أن الفيلم يستكشف «السينما نفسها» إلى جانب العلاقات والطبقة.

في مجتمعاتنا العربية، لسنا بعيدين عن هذه الأسئلة. يكفي أن نتأمل حضور الكاميرا اليوم في الحياة اليومية، من برامج الواقع إلى مقاطع الهواتف الذكية، وكيف غيّرت فكرة «التوثيق» سلوك الناس وتعريفهم لذواتهم. الشخص أمام العدسة ليس كما هو بعيدًا عنها. هناك دائمًا أداء ما، قناع ما، محاولة للسيطرة على الصورة. وإذا كان «حب ممكن» سيبني توتره على الفجوة بين الحياة المصورة والرغبات الفعلية، فإنه يقترب من قلق عالمي يتجاوز كوريا: كيف نعيش حين نعرف أننا مرئيون؟ وكيف تتبدل العلاقات الحميمة عندما تصبح مراقَبة أو قابلة للتسجيل؟ لهذا يبدو الفيلم، رغم محليته الكورية، قابلًا للقراءة عربيًا أيضًا، لأن موضوعه يمس الإنسان المعاصر في جوهره.

العلاقات الزوجية والطبقة.. من الحكاية الخاصة إلى السؤال الاجتماعي

أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في التقديم الأولي للفيلم هو الربط بين العلاقات الزوجية والطبقة الاجتماعية. هذا الربط ليس تفصيلًا ثانويًا، بل مفتاح أساسي لفهم لماذا يحظى العمل بكل هذا الاهتمام. كثير من الأفلام تتناول الزواج والرغبة والغيرة، لكن القليل منها يضع هذه العناصر داخل شبكة من التفاوت الطبقي، حيث لا تعود المشاعر مسألة شخصية خالصة، بل تصبح أيضًا انعكاسًا لمواقع اجتماعية، وامتيازات، وحرمان، وتوازنات قوة خفية. حين يلتقي زوجان من خلفيات أو شروط حياتية مختلفة، فإن ما يُقال بينهما لا ينفصل عما لا يُقال عن المال والمكانة والفرص ونظرة كل طرف إلى الآخر.

هذا البعد تحديدًا يقرّب الفيلم من مزاج السينما الكورية الحديثة التي أثبتت، خلال العقدين الماضيين، براعة خاصة في تشريح الطبقة الاجتماعية. من «طفيلي» لبونغ جون هو إلى أعمال كثيرة في الدراما والسينما، صار واضحًا أن الثقافة الكورية لم تعد تصدّر فقط الصورة اللامعة للموضة والموسيقى والطعام، بل أيضًا سرديات أكثر تعقيدًا عن التفاوت والضغط الاجتماعي وانقسام المدينة الحديثة. ولعل ما يهم القارئ العربي هنا هو أن هذه الأسئلة ليست غريبة عنا. بل على العكس، تبدو شديدة القرب من واقع عربي يعرف بدوره توترات الطبقة، والفوارق الصامتة داخل العلاقات، والكيفية التي يتدخل بها الوضع الاقتصادي في الحب والزواج والاختيارات الشخصية.

لو أردنا استعارة مرجع ثقافي عربي لفهم هذه الفكرة، يمكن القول إن بعض الأعمال الكبرى في الأدب العربي نجحت لأنها لم تتعامل مع الحب بوصفه عاطفة معلقة في الفراغ، بل بوصفه مشدودًا إلى المجتمع والسلطة والطبقة والعائلة. وهذا ما يجعل «حب ممكن» واعدًا من الآن: ليس لأنه يروي حكاية عاطفية فحسب، بل لأنه يبدو ذاهبًا إلى تلك المنطقة التي يصبح فيها الخاص سياسيًا، والحميمي اجتماعيًا، والبوح الشخصي مرآة لبنية أوسع. وإذا صحّ هذا الانطباع، فنحن قد نكون أمام فيلم لا يكتفي بتشريح الشغف، بل يضعه في سياق شروط الحياة نفسها: من يملك رفاهية الرغبة؟ من يدفع ثمنها؟ ومن يستطيع إعادة كتابة صورته أمام الآخر وأمام الكاميرا؟

نجوم الفيلم.. أكثر من مجرد أسماء لامعة

اختيار جون دو يون، سول كيونغ غو، جو إن سونغ، وجو يو جونغ ليس تفصيلًا تسويقيًا فقط، بل عنصر جوهري في رفع التوقعات تجاه الفيلم. في عالم الصحافة الفنية العربية، كثيرًا ما يُستخدم تعبير «توليفة النجوم» للدلالة على اجتماع أسماء كبيرة في عمل واحد، لكن في حالة «حب ممكن» تبدو القيمة أبعد من فكرة الحضور الجماهيري. نحن أمام ممثلين لكل منهم سجل حافل يثبت قدرته على أداء الشخصيات المركبة، لا الشخصيات السهلة أو المصممة للاستعراض. وهذا أمر حاسم في فيلم يفترض أن يشتغل على النبرة الدقيقة، وعلى التبدلات الخفية في النظرات والصمت واللغة الجسدية.

جون دو يون، على سبيل المثال، تُعد واحدة من أهم ممثلات كوريا الجنوبية، وهي معروفة بقدرتها على حمل أدوار تتطلب هشاشة داخلية وقوة في الوقت نفسه. سبق لها أن تعاونت مع لي تشانغ دونغ في «سيكريت صن شاين»، وهو تعاون ترك أثرًا عميقًا في تاريخ السينما الكورية الحديثة. أما سول كيونغ غو، فهو اسم يرتبط غالبًا بالأداء المكثف والشخصيات التي تعيش صراعًا داخليًا واضحًا، بينما يحمل جو إن سونغ حضورًا يجمع بين الكاريزما الشعبية والقدرة على التمثيل النفسي، في حين تأتي جو يو جونغ وفي رصيدها خبرة مهمة في أدوار تستكشف الواجهة الاجتماعية اللامعة وما يخفيه بريقها من تناقضات.

اجتماع هؤلاء الأربعة يوحي بأن الفيلم سيعتمد على توازن شديد الحساسية بين الشخصيات الأربع، لا على بطل واحد يبتلع المشهد. وهذا مهم للغاية لأن قصص الأزواج المتقاطعين تفشل أحيانًا حين تتحول إلى مجرد استعراض لحدث صادم أو علاقة مثلثة تقليدية. أما في الأعمال الجادة، فالقيمة تكمن في الشبكة المعقدة من التأثيرات المتبادلة: كيف تغيّر كلمة واحدة مسار علاقة؟ كيف يفضح الصمت ما تعجز الجملة عن قوله؟ كيف تتبدل القوة داخل الغرفة من شخص إلى آخر في لحظة واحدة؟ هذه أسئلة تمثيلية بقدر ما هي سردية، واختيار هذا الطاقم يوحي بأن الفيلم يعوّل كثيرًا على التفاصيل الدقيقة، لا على الصدامات المباشرة فقط.

لماذا تورونتو مهم للكوريين وللمتابع العربي؟

من المهم هنا توضيح معنى قسم «العروض الخاصة» في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي. هذا القسم يُخصص عادة للأعمال الجديدة لمخرجين وممثلين يحظون باهتمام عالمي، وهو مساحة تجمع بين القيمة الفنية والقدرة على الوصول إلى جمهور واسع نسبيًا. بعكس بعض الأقسام الأكثر تخصصًا أو تجريبية، يمنح هذا القسم الفيلم حضورًا واضحًا داخل برنامج المهرجان، ويضعه منذ البداية في دائرة المتابعة النقدية والإعلامية الدولية. لذلك، فإن وجود «حب ممكن» فيه لا يعني فقط أن الفيلم جيد على الورق، بل أن المهرجان يراه عنوانًا مهمًا ضمن خارطة الموسم.

في الذاكرة السينمائية الحديثة، صار تورونتو محطة رئيسية للأفلام التي تريد أن تخلق حوارًا عالميًا حول نفسها، سواء أتت من هوليوود أو من آسيا أو أوروبا. وهو مهرجان له وزن خاص لأنه يخاطب الصناعة والنقاد والجمهور معًا. بالنسبة إلى السينما الكورية، سبق أن مرّت من هذه النافذة أعمال بارزة، من بينها «طفيلي» و«قرار بالرحيل» و«الخادمة» و«جاسوسية» وغيرها من الأفلام التي ساهمت في ترسيخ صورة كوريا الجنوبية كقوة سينمائية لا تختزل في نجومية الكيبوب أو الدراما التلفزيونية. واليوم يأتي «حب ممكن» ليواصل هذا الحضور، لكن بطريقته الخاصة، ومن خلال توقيع مخرج له عالم مختلف عن كثير من زملائه.

أما بالنسبة إلى المتابع العربي، فإن أهمية تورونتو تكمن أيضًا في أنه مساحة تقرّب الأفلام الكورية من جمهور عالمي متنوع، ما يفتح الباب أمام وصولها لاحقًا إلى منصات وخدمات مشاهدة أوسع، ومن ثم إلى النقاش الثقافي العربي. كثير من القراء العرب تعرّفوا إلى السينما الكورية الجادة عبر مسارات مشابهة: فيلم يلفت الأنظار في مهرجان كبير، ثم تبدأ حوله الكتابات، ثم يتوسع الاهتمام به عربيًا. ومن هنا، فإن دعوة «حب ممكن» إلى تورونتو ليست شأنًا كوريًا داخليًا، بل حدثًا يعني كل متابع عربي مهتم بالسينما العالمية، لأن ما يُحتفى به هناك اليوم قد يصبح غدًا محور نقاش في النوادي السينمائية والبرامج الثقافية وصفحات النقد في صحافتنا العربية.

منصة نتفليكس والسينما الفنية.. هل تغيّرت المعادلة؟

من التفاصيل اللافتة في هذا الخبر أن الفيلم مرتبط بمنصة نتفليكس، وهو ما يضيف طبقة أخرى من النقاش. فعلى مدى السنوات الأخيرة، لم يعد الجدل حول المنصات في العالم العربي والكوري على السواء مقتصرًا على مسألة التوزيع، بل امتد إلى طبيعة الإنتاج نفسه: هل تستطيع المنصات أن تكون حاضنة للسينما الفنية، أم أنها تدفع باتجاه التبسيط وتسريع الإيقاع وإخضاع الأعمال لمنطق المشاهدة المنزلية؟ وصول «حب ممكن» إلى تورونتو يقدّم إجابة أولية مفادها أن الحدود بين فيلم المهرجان وفيلم المنصة لم تعد كما كانت. صار بالإمكان أن يخرج عمل يحمل توقيعًا مؤلفيًا واضحًا، ويعرض في مهرجان دولي كبير، وفي الوقت نفسه ينتمي إلى منصة عالمية تتوجه إلى جمهور عابر للقارات.

هذا التحول مهم عربيًا أيضًا، لأن كثيرًا من القراء باتوا يكتشفون السينما الآسيوية من خلال المنصات أكثر من صالات العرض. في السابق، كان الوصول إلى أفلام من هذا النوع محدودًا، ويحتاج إلى مهرجانات محلية أو عروض خاصة أو نسخ مترجمة يصعب العثور عليها. أما اليوم، فإن وجود منصة عالمية خلف العمل يزيد فرص انتشاره لاحقًا خارج الدوائر النخبوية. لكن هذا لا يلغي التحدي الأساسي: كيف يحافظ فيلم شديد الخصوصية والهدوء والتأمل على قوته في بيئة مشاهدة سريعة ومشتتة؟ هنا تحديدًا سيكون الرهان على اسم لي تشانغ دونغ، وعلى قدرته على فرض إيقاعه الخاص حتى داخل نظام عرض عالمي يقوم في كثير من الأحيان على الاستهلاك المتتابع والسريع.

ولعل المفارقة الجميلة أن السينما الكورية نفسها، التي حققت في العقد الأخير نجاحات جماهيرية ضخمة بفضل المنصات، تعود الآن لتذكّر العالم بأن قوتها لا تكمن فقط في الانتشار، بل في العمق أيضًا. فكما أن الكيبوب نجح في إدخال الثقافة الكورية إلى البيوت العربية، فإن أفلامًا من هذا النوع تذكّر بأن خلف الصورة الشعبية اللامعة توجد أيضًا تقاليد فنية راسخة، ومخرجون يطرحون أسئلة ثقيلة عن الإنسان والمجتمع والسلطة والرغبة. وهذا التوازن بين الشعبية والجدية هو أحد أسرار قوة الموجة الكورية أصلًا.

كيف يمكن أن يقرأ المشاهد العربي هذا الفيلم؟

حين يصل «حب ممكن» إلى الجمهور، سواء عبر المهرجان أولًا أو عبر المنصات لاحقًا، فمن المرجح أن يجد المشاهد العربي نفسه أمام عمل لا يعتمد على الإثارة السطحية بقدر ما يستند إلى الطبقات الداخلية. وهذا النوع من الأفلام يحتاج إلى مشاهدة صبورة، وإلى استعداد لالتقاط ما بين السطور، لا الاكتفاء بما يحدث على السطح. لكن هذا لا يعني أنه سيكون بعيدًا عن الحساسية العربية. على العكس، هناك موضوعات كثيرة تبدو شديدة الألفة لنا: الزواج بوصفه مؤسسة اجتماعية، الرغبة بوصفها منطقة مسكوتًا عنها، الطبقة بوصفها قدرًا يتدخل في كل شيء، والكاميرا بوصفها عينًا قد تكشف وقد تخون.

في الثقافة العربية، لطالما شغلت العلاقة بين الظاهر والمستور مساحة واسعة في الأدب والدراما والسينما. ولذلك، فإن فيلمًا عن زوجين يواجهان ما أخفياه عن نفسيهما وعن بعضهما البعض، في ظل عدسة وثائقية تراقب وتكشف، يبدو قريبًا من أسئلتنا نحن أيضًا. قد تختلف المرجعيات الاجتماعية بين سيول والقاهرة أو بيروت أو الدار البيضاء، لكن توتر العلاقات الإنسانية في ظل التوقعات الاجتماعية والمراتب الطبقية يظل مفهومًا ومألوفًا. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لمتابعة هذا الفيلم عربيًا لا تكمن فقط في التعرف إلى إنتاج كوري جديد، بل في اكتشاف كيف تستطيع سينما من ثقافة أخرى أن تضيء مناطق نعرفها في حياتنا نحن، ولو بأسماء مختلفة.

إذا صحّت التقديرات الأولية، فإن «حب ممكن» قد يكون من تلك الأفلام التي لا تنتهي عند مشهدها الأخير، بل تبدأ بعدها المناقشة الفعلية: ماذا أراد المخرج أن يقول عن الحب؟ عن التملك؟ عن الصورة؟ عن الفوارق بين البشر؟ وهل الكاميرا تكشف الحقيقة أم تصنع نسخة مغرية منها؟ هذه هي النوعية من الأعمال التي تحبها الصحافة الثقافية الجادة لأنها لا تقدّم خبرًا ينتهي في يومه، بل تفتح ملفًا للنقاش النقدي يمتد طويلًا. ولذلك، يمكن القول إن تورونتو منح الفيلم منصة الانطلاق، لكن الامتحان الحقيقي سيبدأ عندما يواجه المشاهدين، وعندما يُطلب منه أن يبرر كل هذه التوقعات الهائلة المحيطة به.

توقعات كبيرة.. لكن الكلمة الأخيرة للفيلم نفسه

في نهاية المطاف، من الضروري التمييز بين أهمية الحدث وقيمة العمل نفسه. صحيح أن دعوة «حب ممكن» إلى قسم بارز في مهرجان تورونتو تمنحه زخمًا دوليًا كبيرًا، وصحيح أن اسم لي تشانغ دونغ وحده يكفي لصنع حالة ترقب، وأن اجتماع أربعة ممثلين من الصف الأول يرفع السقف أكثر، لكن كل ذلك يظل تمهيدًا فقط. الأفلام الكبرى لا تعيش على الضجيج المسبق، بل على قدرتها على البقاء في ذاكرة الجمهور بعد المشاهدة. وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة: هل سينجح الفيلم في تحويل وعوده إلى تجربة مكتملة؟ هل سيضيف فصلًا جديدًا إلى مسيرة مخرج اعتاد أن يُربك المشاهد بقدر ما يبهره؟

المؤكد حتى الآن أن السينما الكورية تكسب مرة أخرى موقعًا متقدمًا في الأجندة الثقافية العالمية، وأن اسم لي تشانغ دونغ عاد ليحتل مكانه الطبيعي في صدارة النقاش. أما بالنسبة إلى القارئ العربي، فربما يكون هذا الخبر دعوة مناسبة لتوسيع زاوية النظر إلى الثقافة الكورية خارج حدود الدراما الخفيفة والأغاني الرائجة، والاقتراب أكثر من السينما التي تحفر في الأعماق. فالموجة الكورية ليست قالبًا واحدًا، بل طيف واسع يمتد من الترفيه الجماهيري إلى الفن الرفيع، ومن السرد السلس إلى الأسئلة الوجودية والاجتماعية الصعبة.

في هذا المعنى، لا يبدو «حب ممكن» مجرد فيلم جديد في رزنامة الخريف السينمائي، بل عنوانًا قد يعيد تذكير العالم كله، ومنه جمهورنا العربي، بأن كوريا الجنوبية لا تنتج فقط ما يُشاهَد بسهولة، بل أيضًا ما يُفكَّر فيه طويلًا. وبين انتظار العرض الأول في تورونتو، وترقب ما سيكشفه الفيلم عن الحب والطبقة والسينما نفسها، تبقى الحقيقة الأهم أن عودة لي تشانغ دونغ وحدها حدث يستحق المتابعة. أما ما إذا كان «حب ممكن» سيصبح علامة جديدة في تاريخ السينما الكورية، فذلك سؤال سيجيب عنه الفيلم عندما تُطفأ الأنوار وتبدأ الصور بالكلام.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات