광고환영

광고문의환영

رحيل «الملك كيفن».. وفاة كيفن كيغان تطوي صفحة من ذاكرة الكرة الإنجليزية وتعيد الحديث عن معنى الأسطورة

رحيل «الملك كيفن».. وفاة كيفن كيغان تطوي صفحة من ذاكرة الكرة الإنجليزية وتعيد الحديث عن معنى الأسطورة

خبر يهز ذاكرة كرة القدم العالمية

في خبر أعاد إلى الواجهة أسماء صنعت ملامح كرة القدم الأوروبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، توفي أسطورة الكرة الإنجليزية كيفن كيغان عن 75 عاما بعد صراع مع السرطان، وفق ما نقلته وسائل إعلام بريطانية ودولية استنادا إلى بيان عائلته. وبرحيل الرجل الذي عُرف بين الجماهير بلقب «الملك كيفن»، لا تفقد إنجلترا مجرد لاعب كبير حمل قميص ليفربول وتألق في ألمانيا ونال الكرة الذهبية مرتين، بل تفقد أيضا وجها من وجوه كرة القدم التي كانت تُلعب بالقلب المفتوح، وبالجهد البدني الهائل، وبفكرة أن القامة ليست دائما شرطا للهيبة.

في العالم العربي، قد لا يكون اسم كيغان متداولا بالقدر نفسه الذي تحظى به أسماء أحدث مثل مارادونا أو زيدان أو ميسي أو رونالدو، لكن الأجيال التي عاشت بدايات البث الفضائي الرياضي، أو تابعت أرشيف الكرة الأوروبية، تعرف أنه كان من أول النجوم الذين رسخوا صورة المهاجم الذي يصنع الفارق بالحركة قبل اللمسة الأخيرة. وإذا كانت بعض أساطير اللعبة قد دخلت الذاكرة من بوابة المهارة الخالصة أو الأهداف الخارقة، فإن كيغان دخلها من باب أوسع: الحضور الطاغي، والاندفاع المتواصل، والشخصية التي جعلت الجماهير ترى فيه بطلا يمكن أن يركض حتى آخر نفس.

وفاة كيغان تأتي أيضا في زمن باتت فيه كرة القدم أكثر سرعة من أي وقت مضى، وأكثر خضوعا للأرقام والتحليلات والبيانات. لذلك فإن استعادة سيرته اليوم تحمل معنى مضاعفا: فهي من جهة لحظة وداع لاسم تاريخي، ومن جهة أخرى فرصة لتذكر جيل من اللاعبين كان تأثيره يتجاوز الإحصاءات الجامدة، لأن صورته في الذاكرة بقيت مرتبطة بالطاقة والروح والمغامرة. وكما يحدث حين يرحل فنان كبير أو شاعر بارز في ثقافتنا العربية، فإن الخبر لا يُقرأ بوصفه حدثا رياضيا فقط، بل باعتباره نهاية فصل من السردية الإنسانية التي تصنعها الرياضة حول الشغف والنجاح والتحدي.

عائلة كيغان أعلنت أن زوجته وابنتيه كنّ إلى جواره في لحظاته الأخيرة، وقدمت الشكر للطواقم الطبية التي رافقته خلال رحلة العلاج. وهذه اللغة العائلية الحميمية، في وداع رجل حمل مجدا عالميا واسعا، تُذكّر بأن الشهرة مهما اتسعت تعود في لحظة الختام إلى دائرتها الأولى: البيت، والعائلة، والوجوه التي تعرف الإنسان خارج الأضواء. وربما لهذا السبب بدا خبر وفاته مؤثرا حتى لمن لم يشاهدوه يلعب مباشرة، لأن الحكاية هنا ليست فقط حكاية نجم، بل حكاية إنسان عاش المجد العام والمحنة الخاصة في آن واحد.

من هو كيفن كيغان بالنسبة للقارئ العربي؟

إذا أردنا تبسيط صورة كيفن كيغان للقارئ العربي المعاصر، فيمكن القول إنه كان نموذجا مبكرا للاعب الذي يجمع بين الشعبية الجارفة والإنجاز الفردي الكبير والحضور القيادي. هو ليس مجرد مهاجم سجل أهدافا، بل أحد الوجوه التي ساهمت في تعريف معنى النجم الإنجليزي خارج إنجلترا. في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي تصنع النجومية في أيام قليلة، كان كيغان اسما ينتشر عبر الصحف والإذاعات وشاشات التلفزيون، ثم عبر الذاكرة الجمعية للجماهير التي تحفظ اللاعبين من طريقتهم في الجري والاحتفال والانقضاض على الكرات قبل أن تحفظ أرقامهم الدقيقة.

وقد يكون من المفيد هنا شرح أمرين يرتبطان بسيرته. الأول هو جائزة «الكرة الذهبية»، أو «بالون دور» كما تعرف عالميا، وهي من أرفع الجوائز الفردية في تاريخ اللعبة، وتُمنح تقليديا للاعب الذي يُنظر إليه بوصفه الأفضل أو الأبرز في العالم خلال العام. فوز كيغان بها مرتين ليس تفصيلا عابرا، بل شهادة تاريخية على أنه لم يكن مجرد لاعب لامع ضمن فريق ناجح، بل كان في قلب المشهد الكروي العالمي. أما الأمر الثاني فهو ألقابه الجماهيرية، وأبرزها «King Kevin» و«Mighty Mouse»؛ الأول يعكس مكانته الاستثنائية في قلوب المشجعين، والثاني يختصر مفارقة لاعب لا يملك بنية العمالقة لكنه يفرض نفسه بقوة أداء تكاد تبدو أكبر من حجمه الجسدي.

في الثقافة الرياضية العربية، نحن نفهم جيدا هذا النوع من الأسماء التي تتجاوز حدود النادي والبلد. تماما كما بقيت أسماء مثل محمود الخطيب أو رابح ماجر أو نوري أو حجي أو سامي الجابر أو عدنان الطلياني مرتبطة لدى جماهيرها بما هو أبعد من الإحصاء الجاف، كان كيغان عند الإنجليز والأوروبيين يمثل صورة اللاعب الذي يختصر مرحلة كاملة. واللافت أن مكانته لم تُبن على الاستعراض وحده، بل على العمل المتواصل، وهو عنصر يحظى بتقدير خاص لدى الجمهور العربي الذي يميل عادة إلى الاحتفاء باللاعب «المقاتل» بقدر احتفائه بالموهوب.

لهذا فإن الحديث عن كيغان اليوم ليس استعادة لاسم قديم من أرشيف الكرة الأوروبية فحسب، بل هو استحضار لقيمة رياضية وإنسانية مفهومة جدا في منطقتنا: أن تكون نجما كبيرا من دون أن تبدو منفصلا عن الناس، وأن تنتزع مكانتك بالجهد والإصرار حتى لو لم تكن مواصفاتك البدنية هي الأكثر إثارة للإعجاب على الورق.

لاعب صغير القامة.. كبير الأثر

من أكثر ما يلفت في سيرة كيفن كيغان أن صورته الكروية لم تُبن على التفوق الجسدي التقليدي. لم يكن من نوعية المهاجمين الذين يفرضون أنفسهم بالطول الفارع أو القوة البدنية الساحقة، بل كان من أولئك الذين يحوّلون محدودية القامة إلى طاقة مضاعفة. سرّه كان في الحركة المستمرة، والسرعة، والقدرة على الضغط، والقراءة المبكرة للمساحات، والإصرار على أن يكون حاضرا في كل لقطة تقريبا.

في لغة كرة القدم الحديثة، يمكن وصف كيغان بأنه كان سابقا لزمنه في بعض الجوانب. فالمهاجم اليوم لم يعد مطلوبا منه أن ينتظر الكرة في منطقة الجزاء فقط، بل أن يبدأ الدفاع من الأمام، وأن يشارك في الضغط، وأن يجر المدافعين، وأن يصنع المساحات لزملائه. هذه الفكرة كانت حاضرة عند كيغان بشكل واضح قبل أن تتحول إلى جزء من القاموس التكتيكي اليومي. لقد كان مهاجما يرهق الخصوم حتى عندما لا يلمس الكرة، وهذا نوع من النفوذ لا يظهر دائما في لقطات الأهداف، لكنه يترك أثرا عميقا في بنية المباراة.

لقب «مايتي ماوس» لم يكن مجرد تسمية لطيفة، بل وصفا دقيقا لجوهر شخصيته الكروية. في الثقافة الشعبية الغربية، الشخصية الكرتونية بهذا الاسم توحي بالكائن الصغير الذي يملك قوة غير متوقعة. وهذه المقارنة مفهومة تماما حتى للقارئ العربي إذا وضعناها في سياقها الرياضي: لاعب لا يبدو للوهلة الأولى مرشحا للهيمنة، لكنه ما إن تبدأ المباراة حتى يفرض إيقاعه على الجميع. كم من لاعب عربي أيضا صنع مجده من الفكرة نفسها: تعويض الفارق الجسدي بالشراسة الإيجابية، والذكاء، والسبق إلى الكرة، والثقة بالنفس.

لهذا السبب بقيت صورة كيغان حية في الذاكرة. ليست المسألة أنه أحرز أهدافا فقط أو جمع ألقابا، بل أنه قدّم سردية محببة في الرياضة: الإنسان الذي لم يسمح للمقاييس الشكلية أن تحدد سقفه. وفي عالم عربي شاب، يزداد فيه حضور كرة القدم كحلم اجتماعي وثقافي، تبدو هذه الرسالة بالغة الأهمية. فكيغان يذكّر بأن الموهبة لا تعمل وحدها، وأن الإرادة يمكن أن تعيد تعريف إمكانات الجسد، وأن النجومية الحقيقية لا تأتي فقط من اللقطة الجميلة، بل من الإلحاح اليومي على ترك أثر.

من سكَنثورب إلى ليفربول.. الطريق إلى المجد

بدأ كيغان مسيرته الاحترافية مع سكنثورب يونايتد عام 1968، قبل أن ينتقل في 1971 إلى ليفربول، النادي الذي شهد انفجار موهبته وتحوله إلى اسم عالمي. هذا المسار من نادٍ متواضع نسبيا إلى أحد أكبر أندية أوروبا يبدو مألوفا جدا لعشاق الكرة العربية، لأنه يعيد إنتاج الحكاية الكلاسيكية التي نحبها دائما: لاعب يبدأ من الهامش ثم يجد المنصة التي تكشف معدنه الحقيقي.

في ليفربول، لم يكن كيغان مجرد مهاجم ضمن منظومة ناجحة، بل صار واحدا من الوجوه التي ساعدت على صناعة العصر الذهبي للنادي. تلك المرحلة كانت مركزية في تاريخ الكرة الإنجليزية، لأنها سبقت التحولات التجارية الهائلة التي عرفتها اللعبة لاحقا، وكانت تقوم أكثر على صلابة الفرق والهوية المحلية والارتباط العاطفي العميق بين المدينة وناديها. ضمن هذا السياق، برز كيغان كأحد نجوم الفريق الذين جمعوا بين الشعبية والفعالية، فصار اسمه ملازما لفكرة ليفربول القوي والواثق والطامح دائما.

وليفربول بالنسبة للقارئ العربي ليس مجرد اسم أوروبي بعيد؛ إنه أحد أكثر الأندية حضورا في الوعي الجماهيري العربي، سواء بسبب تاريخه القديم أو بسبب جماهيريته الواسعة في العصر الحديث. ومن هنا فإن فهم مكانة كيغان داخل هذا النادي يساعد على تقدير حجم إرثه. فاللاعب الذي يسطع في ليفربول لا يحتاج فقط إلى الموهبة، بل إلى الشخصية القادرة على التعايش مع ضغط التوقعات ووزن القميص وتاريخ المدرجات. وكيغان لم ينجح في التعايش مع ذلك فحسب، بل حوّله إلى منصة رسخت صورته كأسطورة.

ما يجعل هذه المرحلة لافتة أيضا أن كيغان لم يأتِ إلى ليفربول كمنتج جاهز، بل نما داخل التجربة وتحوّل معها. وهذا التفصيل مهم، لأنه يعكس قيمة البيئة الرياضية في صناعة الكبار. ففي عالمنا العربي كثيرا ما نتحدث عن أهمية الأكاديميات والاحتراف والانضباط المؤسسي في تطوير المواهب. وسيرة كيغان تؤكد أن الموهبة حين تلتقي بالمسرح المناسب والمدرب المناسب والثقافة التنافسية المناسبة، فإن النتيجة قد تكون اسما خالدا في تاريخ اللعبة.

المغامرة الألمانية.. شجاعة الخروج من المنطقة الآمنة

في عام 1977، اتخذ كيغان قرارا جريئا بالانتقال من إنجلترا إلى هامبورغ الألماني، في خطوة لم تكن عادية بالنسبة إلى نجم إنجليزي كبير في ذلك الزمن. اليوم تبدو التنقلات الدولية بين البطولات الكبرى أمرا مألوفا، لكن في السبعينيات كانت مغادرة لاعب بحجمه للبيئة الإنجليزية المألوفة والذهاب إلى البوندسليغا مغامرة بكل معنى الكلمة. كان عليه أن يثبت نفسه من جديد، في ثقافة كروية مختلفة، ووسط توقعات لا تقل قسوة عن تلك التي تركها وراءه.

هذا القرار يضيف بعدا مهما إلى شخصية كيغان. فهو لم يكتفِ بأن يكون بطلا محليا في الدوري الإنجليزي، بل أراد اختبار نفسه خارج الجغرافيا المريحة. في الثقافة العربية، غالبا ما نصف هذه الخطوة بأنها خروج من «منطقة الأمان»، وهي عبارة تصف بدقة ما فعله. لقد كان بوسعه أن يكتفي بما حققه في ليفربول، لكنه اختار أن يعرض مكانته للاختبار من جديد. وهذا بالذات ما يميز الكبار: لا يكتفون بالمكان الذي منحهم المجد، بل يبحثون عن تحديات جديدة تؤكد أن نجاحهم ليس وليد ظرف عابر.

في هامبورغ، لم يكن كيغان مجرد اسم تسويقي، بل لاعب مطالب بإحداث تأثير فعلي. ونجاحه هناك أسهم في توسيع صورته من نجم إنجليزي إلى نجم أوروبي بالمعنى الكامل. وحين ننظر اليوم إلى تاريخ اللاعبين الذين نجحوا في أكثر من بيئة كروية، ندرك أن هذا النوع من المسارات هو ما يصنع الأسطورة العابرة للحدود. إنه شبيه، بصورة ما، بما يشعر به الجمهور العربي حين يرى لاعبا من المنطقة ينجح في الانتقال من بطولة محلية إلى واحدة من الدوريات الخمسة الكبرى ثم يفرض نفسه فيها؛ فالأمر لا يتعلق فقط بالتغيير المهني، بل بإثبات القيمة على مسرح أوسع وأكثر قسوة.

من هنا نفهم لماذا بدا نبأ وفاة كيغان مؤثرا ليس في إنجلترا فقط، بل في دوائر كروية أوروبية أوسع. فالرجل لم يكن ملكا لمدينة واحدة أو نادٍ واحد أو بطولة واحدة. مسيرته حملت طابعا عابرا للحدود، وهذا ما يجعل الحزن عليه جماعيا إلى حد بعيد.

الكرة الذهبية مرتان.. حين يتحول التأثير إلى اعتراف تاريخي

في عالم كرة القدم، يمكن للجماهير أن تختلف حول أعظم اللاعبين، ويمكن للذكريات أن تتلون بالعاطفة والانحياز، لكن بعض الإنجازات تبقى بمثابة شهادة يصعب تجاهلها. من بين هذه الإنجازات، تأتي الكرة الذهبية في مقدمة ما يمنح اللاعب وزنا تاريخيا خاصا. فوز كيفن كيغان بها مرتين يعني ببساطة أنه كان، في لحظة من لحظات الكرة العالمية، على قمة الهرم أو قريبا جدا منها.

هذا الإنجاز لا يصبح أكثر قيمة فقط بسبب الجائزة نفسها، بل بسبب السياق الذي جاء فيه. كيغان لم يكن نجما في عصر الدعاية الرقمية الواسعة أو الضجيج الإعلامي الفوري، بل في زمن كان على اللاعب أن يراكم حضوره من خلال الأداء المستمر والانطباع العميق الذي يتركه أمام الصحافيين والخبراء والجماهير. لذلك فإن نيله الجائزة مرتين يعكس هيمنة فنية ومعنوية، لا مجرد موسم عابر من التألق.

في الصحافة الرياضية العربية، اعتدنا أن نصف بعض اللاعبين بأنهم «لاعبو حقبة». وهذا الوصف ينطبق على كيغان بامتياز. فالكرة الذهبية هنا ليست رقما إضافيا في السيرة الذاتية، بل عنوانا لعصر كان فيه الرجل من أبرز الوجوه. وربما لهذا السبب ورد في بيان عائلته التذكير بأنه حائز على الجائزة مرتين؛ كأن الأسرة، وهي تودعه، أرادت أن تجمع بين صورتين: صورة البطل الذي عرفه العالم، وصورة الأب والزوج والجد الذي عرفه المقربون. هذا الجمع بين العام والخاص هو ما يمنح الوداع نبرة إنسانية مؤثرة.

وفي عالم عربي يعشق المقارنات الكروية ويستحضر الجوائز الفردية باستمرار في نقاشاته، قد يبدو مهما التذكير بأن الكرة الذهبية ليست وحدها ما يخلد اللاعب، لكنها حين تجتمع مع أسلوب لعب مميز ومسار احترافي ثري، فإنها تتحول إلى ختم تاريخي. وهذا بالضبط ما حدث مع كيغان: الجائزة أكدت مكانته، لكن شخصيته داخل الملعب هي التي أبقت هذه المكانة حية حتى بعد مرور عقود.

من الملعب إلى الدكة.. حياة كروية لم تتوقف عند الاعتزال

كثير من النجوم يلمعون كلاعبين ثم يختفون تدريجيا بعد تعليق الأحذية، لكن كيفن كيغان اختار أن يواصل رحلته من زاوية أخرى، فانتقل إلى التدريب وتولى لاحقا مسؤولية المنتخب الإنجليزي. هذا التحول ليس تفصيلا ثانويا، لأن الانتقال من اللاعب إلى المدرب يقتضي أدوات مختلفة تماما: رؤية شاملة، وإدارة شخصيات، وقدرة على اتخاذ القرار تحت ضغط من نوع آخر.

اللاعب يعيش المباراة من داخل جسده، أما المدرب فيعيشها بعينيه وعقله وأعصابه. الأول يهاجم المساحة، والثاني يقرأ المشهد كله. وكيغان، بحضوره القوي وسيرته الثقيلة، مثّل هذا الانتقال من الفرد المؤثر إلى القائد الذي يحاول التأثير في جماعة كاملة. وقد لا يتفق الجميع على تقييم كل محطاته التدريبية، لكن مجرد وصوله إلى تدريب منتخب إنجلترا يكشف عن مكانته داخل المؤسسة الكروية الإنجليزية، وعن الثقة التي حظي بها بوصفه شخصية تفهم اللعبة من أكثر من زاوية.

هذا البعد المركب مهم في قراءة إرثه. فهو ليس أسطورة قائمة على ذكريات اللعب فقط، بل على مسار كروي متصل يعكس التزاما عميقا باللعبة. وفي الثقافة العربية، هناك تقدير خاص لهذا النوع من الشخصيات التي «تعطي عمرها كله» للمجال الذي أحبته. نشاهد ذلك في تقديرنا للمدربين الوطنيين الكبار، أو للنجوم الذين يعودون لتكوين الأجيال الجديدة. وكيغان ينتمي إلى هذا النوع من أبناء اللعبة الذين لم يعاملوها كمهنة مؤقتة، بل كهوية تستمر وتتبدل أشكالها مع الزمن.

ومن هنا يصبح لقبه «أسطورة إنجليزية» مفهوما بصورة أشمل. ليس لأنه أحرز الجوائز فقط، ولا لأنه لعب لأندية كبيرة فقط، بل لأنه عاش كرة القدم على نحو كامل: لاعبا، رمزا جماهيريا، ثم مدربا ومسؤولا عن توجيه فريق بأكمله. هذه السيرة متعددة الوجوه هي ما يجعل رحيله أكبر من خبر وفاة رياضي سابق؛ إنه رحيل سيرة متكاملة من سير اللعبة نفسها.

مرضه الأخير.. حين تواجه الأسطورة هشاشة الجسد

كانت التقارير قد كشفت في وقت سابق من هذا العام أن كيغان يصارع السرطان، ثم تردد لاحقا أن المرض بلغ مرحلة متقدمة. وبالنسبة إلى الجماهير، يحمل هذا النوع من الأخبار دائما وقعا خاصا، لأن الرياضة تعودنا على رؤية الأبطال في صورة القوة والصلابة والتحمل. حين نسمع أن لاعبا اشتهر بالنشاط المتدفق والحيوية التي لا تهدأ يخوض معركة المرض، فإن الصدمة لا تكون مرتبطة فقط بفداحة الخبر، بل أيضا بالتناقض بين صورة الجسد في الذاكرة وصورته في الواقع الأخير.

ومع ذلك، فإن هذا الجانب الإنساني هو ما يجعل قصص الرياضيين أكثر قربا منا. فالأسطورة، مهما علت، تظل إنسانا يمرض ويتألم ويحتاج إلى عائلته وأطبائه. وبيان الأسرة في وداع كيغان لم يركز على الأمجاد وحدها، بل على وجود زوجته وابنتيه إلى جواره، وعلى الامتنان للطواقم الطبية. هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها هي التي تمنح الخبر معناه الإنساني العميق، وتحرره من الجفاف المعتاد في أخبار الوفيات العامة.

في مجتمعاتنا العربية، نعرف جيدا قيمة أن يرحل الإنسان بين أهله، وأن يُذكر في الوداع بصفاته العائلية لا المهنية فقط. لذلك ربما يجد القارئ العربي في هذه الصيغة ما يلامسه مباشرة: البطل الذي صفق له الملايين يعود في لحظته الأخيرة إلى اسمه الأول داخل البيت. هذه ليست نهاية لمجد رياضي بقدر ما هي اكتمال لحكاية بشرية، وهذا ما يفسر كثافة التأثر الذي يرافق رحيل الشخصيات العامة حين تكشف لحظة الوداع عن وجهها الإنساني الصافي.

ما الذي يبقى بعد الرحيل؟

حين يرحل لاعب مثل كيفن كيغان، يبقى السؤال الأهم: ماذا يظل منه بعد أن تخفت الضجة الأولى للخبر؟ الجواب في العادة لا يكون في الأرقام وحدها، مهما كانت كبيرة. يبقى منه الإيقاع الذي أدخله إلى اللعبة، والصور التي احتفظت بها الجماهير، والقيم التي جسدها في زمنه. وكيغان، في هذا المعنى، يترك خلفه أكثر من لقب وأكثر من جائزة؛ يترك نموذجا للاعب الذي بنى هيبته من الجهد والحضور والإصرار، لا من الصفات الجسدية النادرة وحدها.

بالنسبة إلى الأجيال الشابة في العالم العربي، قد تبدو قصة كيغان أشبه برسالة من زمن مختلف، لكنها ما تزال صالحة تماما لليوم. الرسالة تقول إن الانطلاق من نادٍ صغير لا يمنع الوصول إلى القمة، وإن التحدي الحقيقي يبدأ أحيانا بعد النجاح الأول، وإن اللاعب يمكن أن يصنع لنفسه مكانة خالدة إذا عرف كيف يحول نقاطه البسيطة إلى هوية واضحة. وهي أيضا تذكير بأن كرة القدم ليست فقط صناعة ضخمة وأموالاً وانتقالات، بل قصص بشرية ملهمة تعبر القارات والأزمنة.

رحيل كيغان يفتح كذلك بابا لتأمل العلاقة بين الذاكرة الرياضية والزمن. فهناك أبطال يبقون أحياء في وعي الجماهير لأن صورهم أعيد تدويرها باستمرار عبر المنصات الحديثة، وهناك آخرون يحتاجون في كل جيل إلى من يعيد سرد قصتهم. والصحافة، هنا، لا تقوم فقط بنقل خبر الوفاة، بل بمهمة أشبه بحراسة الذاكرة: أن تقول للقراء من كان هذا الرجل، ولماذا اهتزت له مدرجات أوروبا، ولماذا يستحق أن يُذكر اليوم في صفحات الثقافة والرياضة معا، لا في صفحة النعيات وحدها.

في النهاية، يرحل «الملك كيفن» جسدا، لكن صورته كلاعب يطارد الكرة بطاقة لا تنطفئ، ويجسد فكرة أن القلب قد يهزم الفارق الجسدي، ستبقى جزءا من تاريخ اللعبة. وكما نقول في العربية عن الكبار الذين يغادرون ويتركون أثرا لا يُمحى: يموت الجسد، لكن السيرة تبقى. وهذه، ربما، هي أعدل طريقة لوداع كيفن كيغان؛ لا بوصفه نجما إنجليزيا سابقا فقط، بل بوصفه أحد الوجوه التي منحت كرة القدم روحا يصعب أن تتكرر.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات