«سانيانغدول».. فيلم كوري يضع المراهقات خارج قفص الامتحانات ويبحث عن ملاذ للإنسان والحيوان

«سانيانغدول».. فيلم كوري يضع المراهقات خارج قفص الامتحانات ويبحث عن ملاذ للإنسان والحيوان

فيلم جديد من كوريا يبتعد عن الحكاية المدرسية التقليدية

في كل موسم سينمائي كوري تقريباً، يخرج عمل جديد يحاول أن يعيد طرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة: ماذا يعني أن تكون شاباً أو شابة في مجتمع شديد التنافس، حيث تبدو الجامعة بوابة العبور الوحيدة إلى الاعتراف الاجتماعي؟ لكن الفيلم الكوري الجديد «سانيانغدول» للمخرج يو جاي-ووك لا يذهب إلى هذا السؤال عبر الطريق المعتاد، أي طريق الدرجات والاختبارات والصداقات المدرسية المألوفة، بل يختار ممراً أكثر حساسية وجرأة: أربع طالبات في السنة الأخيرة من الثانوية، لا يملكن إجابات جاهزة عن المستقبل، يجدن أنفسهن أمام مهمة إنقاذ حيوانات مهددة، ثم بناء ملاذ لهن وللكائنات التي يرفضن التخلي عنها.

وبحسب ما كُشف في اللقاء الصحافي الذي عُقد في سيول، فإن الفيلم يقدّم نفسه بوصفه «مغامرة فتيات» قبل أي شيء آخر، وهي عبارة ليست عابرة في الخطاب الدعائي للعمل. فالمخرج شدد أكثر من مرة على فكرتين مركزيتين: المغامرة، والملاذ. وبين الكلمتين تتضح هوية المشروع: لسنا أمام فيلم عن التمرد المدرسي الساذج، ولا أمام خطبة مباشرة ضد نظام التعليم، بل أمام حكاية عن شابات لم يجدن لأنفسهن مكاناً في القوالب الجاهزة، فقررن أن يصنعن مكاناً بجهدهن، حتى لو كان ذلك في الغابة، بعيداً من رقابة المدرسة ولغة الملفات والاستمارات.

عنوان الفيلم نفسه يستدعي صورة برية وقلقة في آن، ويمنح العمل نبرة شاعرية من البداية. وفي قلب القصة تقف الشخصيات الأربع: إن-هي، سيو-هي، جونغ-آي، وسو-مين، تؤديها بارك هيه-جين، ولي سونغ-يون، وبارك هيو-أون، وتشوي سو-إن. هؤلاء لسن صديقات بالضرورة منذ البداية، ولا يجمعهن صف واحد أو طموح واحد أو مزاج واحد. ما يجمعهن هو الفراغ: ورقة بيضاء في خانة «خطة الدراسة الجامعية»، وعجز صادق عن ادعاء رغبة لا يشعرن بها. في ثقافة تعليمية تضغط على المراهقين لتحديد مستقبلهم مبكراً، يبدو هذا الفراغ في نظر المؤسسة نقصاً يجب إصلاحه. أما الفيلم فيتعامل معه بوصفه مساحة لاحتمال آخر.

من هنا تأتي أهمية هذا العمل بالنسبة للمتلقي العربي أيضاً. ففكرة الشاب الذي يُسأل مراراً: «ماذا ستدرس؟» أو «إلى أين ستتجه؟» ليست غريبة عن بيوتنا ومدارسنا. في كثير من المجتمعات العربية، كما في كوريا الجنوبية، تتحول لحظة اختيار التخصص إلى محكمة اجتماعية صغيرة، يُوزن فيها الابن أو الابنة بميزان المستقبل المتوقع، لا بما يشعر به الآن أو بما يقدر على بنائه بهدوء. لذلك، فإن فيلم «سانيانغدول» لا يبدو بعيداً عن أسئلة المنطقة العربية، حتى وإن انطلق من تفاصيل كورية خالصة.

ورقة بيضاء في نظام لا يحب الفراغ

أحد أكثر عناصر القصة ذكاءً هو هذا التفصيل البسيط ظاهرياً: الطالبات الأربع سلّمن المدرسة استمارات متابعة القبول الجامعي من دون أن يكتبن فيها شيئاً. في السياق الكوري، لا يُنظر إلى هذه الورقة كمسألة إدارية هامشية. كوريا الجنوبية تعرف واحداً من أكثر أنظمة التعليم تنافسية في العالم، ويشكّل امتحان القبول الجامعي، أو ما يشبهه من مسارات الفرز الأكاديمي، حدثاً مصيرياً ليس للطالب فقط، بل للأسرة بأكملها. لهذا فإن ترك الاستمارة فارغة يعني، في نظر المدرسة، أن هناك خللاً في المسار ينبغي التدخل لإصلاحه سريعاً.

الفيلم يبني على هذا المعطى من دون أن يحوّله إلى خطاب تعليمي مباشر. المدرسة تجمع الطالبات الأربع في صف خاص للتحضير لمقابلات القبول المبكر، لأنهن مصنفات بوصفهن «حالات تحتاج إلى متابعة». هذه العبارة وحدها كاشفة: النظام لا يرى فيهن أفراداً يمرون بحيرة طبيعية، بل ملفاً جماعياً تحت عنوان واحد. هنا يتجلى أحد أكثر وجوه الحداثة التعليمية قسوة: كل ما لا يدخل في الخطة يُعد خطأ، وكل من يتأخر في إنتاج إجابة واضحة يصبح موضع قلق إداري.

لكن الفيلم، وفق المعطيات المعلنة، يرفض أن يعامل الورقة البيضاء بوصفها دليلاً على الفشل فقط. على العكس، يبدو أنه يعتبرها بداية سردية لا تقل ثراء عن قصص المتفوقين أو الحالمين بأسماء جامعات بعينها. إن-هي ورفيقاتها لا يعرفن بعد ماذا يردن أن يصبحن، وهذه في حد ذاتها حقيقة إنسانية مألوفة، وإن كانت المؤسسات التعليمية والاجتماعية لا تتسامح معها كثيراً. كم من شاب عربي جلس في الصف الثالث الثانوي أو في السنة الأولى الجامعية وهو يشعر بأنه يتحرك داخل ممر لم يختره تماماً؟ وكم من فتاة سُمعت في أذنها جملة من قبيل «الوقت لا ينتظر أحداً» بينما كانت تحاول فقط أن تفهم نفسها؟

ميزة هذا الطرح أنه لا يجمّل الحيرة ولا يجعلها بطولة رومانسية زائفة. بل يضعها في موضعها الصحيح: ارتباك حقيقي، وربما ألم صامت، لكنه أيضاً نقطة انطلاق للتعارف. الفتيات الأربع لا يتقاربن لأنهن يشتركن في حلم كبير، بل لأنهن يشتركن في عدم القدرة على كتابة الجواب الذي يريده الكبار. وهذه مفارقة شديدة الإنسانية: أحياناً لا يتكوّن التضامن بين المراهقين من التشابه في الإنجاز، بل من التشابه في العجز عن تمثيل ما هو متوقع منهم.

في الصحافة الثقافية العربية، اعتدنا كثيراً على تغطية الأعمال التي تتناول الشباب من بوابة النجاح أو الانكسار الحاد. أما المساحات الرمادية، حيث لا فشل واضحاً ولا نجاحاً محسوماً، فتُترك أقل إضاءة. لذلك، فإن اختيار «سانيانغدول» لهذه المنطقة بالذات يبدو لافتاً، لأنه يقترب من الحياة كما هي، لا كما تحب المؤسسات أو وسائل التواصل الاجتماعي أن تعرضها.

حين تصبح الحيوانات بوابة النجاة من لغة الملفات

المنعطف الأساسي في الفيلم يأتي مع إغلاق حظيرة الحيوانات التابعة للمدرسة، ثم وصول خبر يفيد بأن الحيوانات التي كانت فيها قد تُعدم. هنا تنتقل القصة من حيّز الاستمارات والمقابلات إلى حيّز أخلاقي مباشر: هل يمكن تجاهل كائنات اعتادت هذه الفتيات رؤيتها والعناية بها، فقط لأن المؤسسة قررت أن وجودها لم يعد مناسباً؟ إن-هي، التي كانت ترعى الحظيرة باهتمام، تقرر أن تتدخل. قرارها لا ينبع من نزوة مراهقة أو بحث عن مغامرة للهرب فقط، بل من شعور بالمسؤولية تجاه كائنات عاشت تحت رعايتها.

هذا التفصيل شديد الأهمية، لأنه يمنح الفيلم ثقله الأخلاقي. كثير من قصص المراهقة في السينما تنطلق من رفض السلطة لمجرد الرفض، أو من رغبة غامضة في التحرر. أما هنا، فإن التمرد يتخذ شكلاً أكثر نضجاً: حماية الضعيف الذي لا يملك صوتاً. وهنا أيضاً يلتقي الفيلم مع حساسية عربية واسعة تجاه فكرة الرحمة بالحيوان، وهي قيمة راسخة في الوجدان الشعبي والديني. في ثقافتنا، لا تبدو العناية بالحيوان فعلاً هامشياً أو ترفاً مدينياً، بل يمكن أن تُقرأ بوصفها امتحاناً للأخلاق والضمير. ومن هذه الزاوية، قد يجد القارئ العربي في الفيلم خيطاً مألوفاً يقوده إلى فهم أعمق لأبطال الحكاية.

مع انضمام سيو-هي وجونغ-آي وسو-مين إلى عملية الإنقاذ، تتحول المبادرة الفردية إلى فعل جماعي. وهذه النقلة ليست بسيطة. في الصف المدرسي المخصص للمقابلات، كان المطلوب من الفتيات أن يشرحن أنفسهن بالكلام: ماذا تريدن؟ إلى أين تتجهن؟ ما خطتكن؟ أما في مهمة الإنقاذ، فإن المطلوب مختلف تماماً: اتخاذ قرارات سريعة، تقاسم المسؤولية، تحمل المخاطرة، والثقة المتبادلة. بكلمات أخرى، تنتقل الفتيات من عالم يطلب منهن توصيف مستقبلهن نظرياً، إلى عالم يختبر قدرتهن على الفعل الآن.

هذا التحول يضيء بذكاء التناقض بين نوعين من الكفاءة. ثمة كفاءة تحبها المدرسة والأنظمة الرسمية: حسن التعبير عن مشروع شخصي منسق ومقنع. وثمة كفاءة أخرى لا تقل قيمة: أن ترى حياة مهددة فتتحرك لإنقاذها، وأن تعرف كيف تعمل مع آخرين رغم اختلافك معهم. الفيلم، على ما يبدو، لا يلغي الأولى، لكنه يوسّع المعنى الإنساني للجدارة. فالطالبة التي لا تملك خطاباً ناضجاً عن مستقبلها قد تملك في الوقت نفسه شجاعة عملية وإحساساً بالمسؤولية لا يقلان أهمية عن أي سيرة ذاتية ناجحة.

ومن الناحية الدرامية، تمثل الحيوانات هنا أكثر من مجرد ذريعة لتحريك الأحداث. هي مرآة أيضاً. فمثلما وجدت هذه الكائنات نفسها مهددة بالإزالة حين لم تعد منسجمة مع النظام المدرسي، تبدو الفتيات الأربع بدورهن مهددات بالتهميش المعنوي لأنهن لا ينسجمن مع إيقاع المسار الأكاديمي المنتظر. الرابط بين الطرفين ليس عاطفياً فقط، بل بنيوي أيضاً: الكائنات الضعيفة، البشرية وغير البشرية، تُقصى أولاً حين تصبح المؤسسة أكثر انشغالاً بالترتيب من الرحمة.

الغابة كمساحة بديلة: من الهروب إلى إعادة التكوين

بعد عملية الإنقاذ، تمضي الفتيات إلى الغابة، حيث يشرعن في بناء ملاذ للحيوانات ولهن أيضاً. وهذا هو القلب الرمزي للعمل. فالغابة ليست مجرد خلفية طبيعية جميلة، ولا مجرد مكان للاختباء من سلطة المدرسة. إنها فضاء بديل يعيد توزيع الأدوار. في المدرسة، كانت الفتيات موضوعات للمراقبة والتصنيف. أما في الغابة، فهن من يصنعن المكان، وينظمن الحياة داخله، ويتحملن نتائج قراراتهن.

في الأدب والسينما، كثيراً ما ترمز الغابة إلى العودة إلى الأصل أو إلى مواجهة الذات بعيداً من ضجيج المدينة. لكن «سانيانغدول» يمنح هذا الرمز بعداً اجتماعياً أيضاً. إنهن لا يذهبن إلى الطبيعة من أجل التأمل الفردي فقط، بل من أجل تأسيس علاقة جديدة: مع الحيوان، ومع المكان، ومع بعضهن بعضاً. الملاذ هنا لا يُمنح لهن من جهة حانية، بل يُبنى باليد. وهذه فكرة ذات وقع قوي، لأنها تعاكس تصوراً شائعاً في قصص اليافعين، حيث ينتظر الأبطال دائماً أن يفهمهم أحد أو أن ينقذهم شخص أكبر.

الأقرب إلى التجربة العربية في هذا السياق أن نقرأ الغابة بوصفها «فسحة خارج النص». فكما أن بعض الشباب العرب يجدون أنفسهم أحياناً مضطرين إلى اختراع فضاءاتهم الخاصة، الثقافية أو الاجتماعية أو حتى النفسية، بعيداً من المؤسسات الثقيلة والأحكام السريعة، كذلك تفعل بطلات الفيلم. هن لا يملكن حلاً شاملاً لأزمتهن، لكنهن يملكن القدرة على خلق مساحة مؤقتة للتنفس، مساحة لا تطلب منهن أن يكنّ نسخة مطابقة للتوقعات.

ومن المهم هنا التوقف عند كلمة «ملاذ». في العربية، تحمل هذه الكلمة حمولة وجدانية عميقة؛ فهي ليست مجرد مكان آمن، بل مكان يشعر فيه الإنسان بأنه غير مطرود من نفسه. وحين يختار المخرج أن يركز على فكرة الملاذ للفتيات وللحيوانات معاً، فإنه يوسّع مفهوم الأمان ليشمل كل من لا يجد مقعداً مريحاً في الترتيب القائم. بذلك يصبح الفيلم أقرب إلى تأمل في معنى الحماية: من يحمي من؟ وهل يمكن لمن يُنظر إليهم على أنهم ضعفاء أو ضائعون أن يصبحوا هم أنفسهم صانعي الحماية؟

هذا السؤال مهم أيضاً لأن السينما الكورية، رغم غناها الكبير، كثيراً ما تُقرأ عربياً عبر بوابة الإثارة أو الدراما العائلية الثقيلة أو الأعمال التاريخية. أما هذا النوع من أفلام المغامرة الهادئة، التي تعيد التفكير في النمو والنجاة على مهل، فيستحق اهتماماً خاصاً. هو يقدّم كوريا أخرى غير كوريا الأبراج اللامعة والسباق المحموم: كوريا التي يناقش فنانوها ثمن هذا السباق، وما يخلّفه في النفوس الشابة من وحدة وأسئلة معلقة.

هل يقدّم الفيلم نقداً للامتحانات أم دفاعاً عن معنى آخر للنضج؟

قد يكون من السهل اختزال «سانيانغدول» في عبارة من نوع «فيلم ضد ضغط الدراسة»، لكن هذا التوصيف يبدو أقل من طموح العمل. فالمعطيات المعلنة تشير إلى أن الفيلم لا يكتفي بإدانة منظومة الامتحانات، بل يحاول أن يقترح معياراً آخر للنضج. في العادة، يُقاس النضج في القصص المدرسية بقدرة الشاب على اتخاذ قرار واضح بشأن مستقبله، أو على إثبات جدارته داخل النظام. أما هنا، فثمة سؤال مختلف: ماذا لو ظهر نضج الشخصية في قدرتها على رعاية حياة أخرى، وعلى بناء تضامن عملي، وعلى اختيار ما تعتبره صحيحاً حتى لو لم تستطع بعد تسميته ضمن خطة مهنية متكاملة؟

هذا لا يعني أن الفيلم يحتفي بالضياع أو يدعو إلى تجاهل المستقبل. بل لعل قوته تكمن في رفضه الثنائية الكسولة: إما طالب ناجح يعرف كل شيء، أو شاب فاشل لا يعرف شيئاً. الفتيات الأربع لا يملكن إجابات عن الجامعة، لكن ذلك لا يلغي ما يملكنه من حس أخلاقي وذكاء اجتماعي واستعداد لتحمل المسؤولية. ومن هنا تنبع القيمة النقدية للفيلم: هو يضع المؤسسة التعليمية أمام مرآة تسألها إن كانت تعرف فعلاً كيف تقيس البشر.

في السياق العربي، يبدو هذا النقاش شديد الصلة بواقعنا. ليس سراً أن كثيراً من العائلات تنظر إلى التخصص الدراسي كما لو أنه قدر نهائي، وأن الهوامش المسموح بها للتجربة محدودة للغاية، خصوصاً للفتيات. لذا فإن مشاهدة فيلم عن أربع مراهقات يخرجن من تعريفات المدرسة والأسرة، من دون أن يتحولن إلى نماذج متمردة جوفاء، تفتح باباً مهماً للتفكير. هي ليست دعوة إلى كسر كل شيء، بل إلى إعادة سؤال: ما الذي يجعل الشاب صالحاً للحياة فعلاً؟ هل هي ورقة ممتلئة بالخانات الصحيحة فقط، أم القدرة على الفعل الرحوم والمسؤول حين تدعو الحاجة؟

ومن المرجح أن المقابلة بين «صف المقابلات الجامعية» و«ملاذ الغابة» ستكون من أبرز أدوات الفيلم الجمالية والفكرية. الأول فضاء لغة وتمثيل وإقناع، والثاني فضاء عمل وتعب وتشارك. الأول تحكمه الأسئلة المسبقة، والثاني تفرضه الوقائع المتغيرة. وبين الفضاءين، تتبدل صورة الفتيات في أعيننا: من «حالات خاصة» تحتاج إلى رعاية إدارية، إلى ذوات قادرة على صناعة معنى مشترك. هذه النقلة، إن نجح الفيلم في تجسيدها درامياً، ستجعله أكثر من مجرد فيلم عن مراهقات؛ ستجعله نصاً سينمائياً عن السلطة والمعيار والاعتراف.

أربع ممثلات وأربع شخصيات: تنوع لا يسعى إلى الصهر

من العناصر الواعدة في «سانيانغدول» أيضاً أن بطلاته الأربع لا يقدَّمن بوصفهن نسخة واحدة مكررة من «فتاة متمردة». إن-هي هي الأكثر التصاقاً بالحيوانات، ومن هنا تنطلق شرارة الحدث. لكن سيو-هي وجونغ-آي وسو-مين لا يظهرن بوصفهن تابعاً باهتاً لها، بل كأطراف مختلفة في جماعة تتشكل على مهل. في مثل هذه الأفلام، يكون نجاح التمثيل مرهوناً بالقدرة على الحفاظ على التباين بين الشخصيات من دون تفكيك روح الفريق. وهذا ما يجعل أداء بارك هيه-جين، ولي سونغ-يون، وبارك هيو-أون، وتشوي سو-إن عنصراً حاسماً في مصداقية العمل.

الأعمال الجماعية عن المراهقات تقع أحياناً في فخين متعاكسين: إما أن تذيب الشخصيات في قالب واحد بحجة الصداقة، أو تبالغ في تضخيم الفروق حتى تبدو المجموعة مصطنعة. أما المؤشرات الأولى في هذا الفيلم فتلمح إلى خيار ثالث أكثر نضجاً: الاعتراف بالاختلاف بوصفه مادة للتوتر والتكامل معاً. فهؤلاء الفتيات لا يجمعهن الانسجام الفوري، بل يتعلمن ربما كيف يتعاونّ رغم اختلاف الطباع والاهتمامات وطرق النظر إلى العالم.

هذا مهم لأن جمهور المنطقة العربية بات أكثر حساسية تجاه تمثيل الفتيات في الدراما والسينما. لم تعد الصورة النمطية عن «رفيقات المدرسة» مقنعة كما كانت، ولا تكفي العناوين الواسعة عن التمكين النسائي إذا لم تسندها تفاصيل بشرية دقيقة. من هذه الزاوية، يبدو «سانيانغدول» معنيّاً بأن يقدّم الشابات الأربع بوصفهن أفراداً لا شعارات. لكل واحدة منهن طريقتها في فهم الخطر، وفي التعامل مع الخوف، وفي الانخراط في المجموعة. وهذه التفاصيل هي ما سيمنح المغامرة ثقلها العاطفي الحقيقي.

كذلك، يحمل حضور أربع بطلات في سنة دراسية مفصلية قيمة رمزية لافتة. ففي كثير من المجتمعات، تُعامَل الشابة في هذا العمر على أنها مشروع ينبغي ضبطه بعناية: دراسة، سمعة، مستقبل، اختيارات محسوبة. وحين يضع فيلم كوري أربع فتيات في مركز مغامرة أخلاقية وجسدية ونفسية، فهو يمنحهن مساحة فعل لا مجرد موقع رد فعل. بالنسبة للمتلقي العربي، يمكن لهذه النقطة أن تكون شديدة الجاذبية، خصوصاً إذا قُدمت الشخصيات من دون خطاب وعظي مباشر.

ما الذي يمكن أن يتركه «سانيانغدول» في النقاش الثقافي العربي؟

لن يكون من المبالغة القول إن قيمة هذا الفيلم، إذا حافظ على الوعد الذي تحمله قصته، تتجاوز حدود السوق الكورية. فالعالم العربي يعيش بدوره نقاشاً متجدداً حول معنى التعليم، وضغط التوقعات، وصحة المراهقين النفسية، ومساحة الرحمة في مؤسسات تبدو أحياناً مهووسة بالنتائج وحدها. من هنا، قد يجد «سانيانغدول» طريقه إلى قراء ومشاهدين عرب لا لأنهم مهتمون بالثقافة الكورية فحسب، بل لأنهم سيرون في الحكاية مرآة لأسئلتهم الخاصة.

الفيلم يفتح أكثر من باب للتأمل. هناك أولاً باب العلاقة بين الإنسان والطبيعة في زمن مديني صاخب، حيث تتحول العناية بالحيوان إلى فعل مقاومة ضد اللامبالاة. وهناك ثانياً باب الصداقة بوصفها فعلاً ينشأ من المسؤولية المشتركة، لا من التشابه السهل. وهناك ثالثاً باب الفتيات اليافعات حين يخرجن من كونهن موضوعاً للقلق الأسري أو المدرسي إلى كونهن صاحبات قرار وتجربة. وكل هذه الأبواب شديدة الصلة بمزاج ثقافي عربي يتابع اليوم باهتمام أكبر القصص التي تتناول الصحة النفسية، والهشاشة، والبحث عن مكان في عالم قاسٍ.

الأهم أن العمل، بحسب ما ظهر حتى الآن، لا يقدّم خطاباً يائساً عن جيل ضائع، ولا بروباغندا وردية عن جيل قادر على كل شيء. هو يقف في منطقة أكثر صدقاً: جيل مرتبك، نعم، لكنه ليس فارغاً من المعنى. جيل قد لا يعرف كيف يملأ استمارة المستقبل، لكنه يعرف أحياناً كيف يلتقط كائناً مهدداً من حافة الفقد، وكيف يبني مع الآخرين مكاناً صغيراً للحياة. هذه الفكرة وحدها كافية لتمنح الفيلم ثقلاً إنسانياً يتجاوز اللغة والحدود.

في نهاية المطاف، يبدو «سانيانغدول» واحداً من تلك الأعمال التي قد تتسلل إلى الذاكرة بهدوء، لا عبر الضجيج أو المفاجآت الكبيرة، بل عبر سؤال بسيط وعميق: ماذا يحدث حين يتوقف الشباب عن محاولة إرضاء النموذج المفروض عليهم، ويبدؤون بدلاً من ذلك في حماية ما يحبونه؟ بين المدرسة والغابة، بين الورقة البيضاء والمأوى المشيّد بالأيدي، تقترح هذه الحكاية الكورية أن النضج لا يولد دائماً في قاعات الامتحان. أحياناً يولد في مكان آخر تماماً: حيث تتعلم فتاة أن تنقذ حياة، وأن تثق بأخرى تشبهها في الحيرة، وأن تبني معاً ملاذاً صغيراً ضد قسوة العالم.

ولهذا تحديداً، يستحق الفيلم المتابعة من الجمهور العربي المهتم بالسينما الآسيوية وبالقصص التي تمس أسئلة الجيل الجديد من دون افتعال. إنه عمل يبدو، من ملامحه الأولى، كأنه يقول إن الفراغ ليس دائماً علامة نقص، وإن من لا يملك جواباً اليوم قد يملك غداً شجاعة صناعة الطريق نفسه. وفي زمن تتسارع فيه الأحكام على الشباب، تبدو هذه رسالة ثمينة، سواء جاءت من سيول أو من أي مدينة عربية تعرف جيداً معنى أن تكبر تحت ضغط الأسئلة الكبرى.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

تعليقات