
من حدث رياضي إلى سياسة حضرية: ما الذي تفعله سيول صباحًا؟
في وقت تتسابق فيه المدن الكبرى حول العالم لإقناع سكانها بممارسة الرياضة، اختارت سيول مقاربة مختلفة لا تبدأ من الصالة الرياضية ولا من الاشتراكات الباهظة ولا من خطاب اللياقة القاسي الذي يطارد الناس بصور الأجسام المثالية. بل تبدأ من سؤال أبسط وأكثر واقعية: كيف يمكن للمدينة نفسها أن تساعد سكانها على الحركة من دون شعور بالضغط أو الذنب أو الحاجة إلى استعداد خاص؟
هذا هو جوهر برنامج «شويوم شويوم مورنينغ» الذي يمكن تقريب معناه إلى العربية بعبارة مثل «تمهّل.. وتحرك صباحًا» أو «بالراحة صباحًا». البرنامج، الذي أعلنت حكومة سيول المحلية انطلاق أولى مواعيده للنصف الثاني من العام اعتبارًا من عطلة نهاية هذا الأسبوع، يقوم على فتح مسارات في قلب العاصمة الكورية أمام المواطنين للمشي أو الجري الخفيف أو ركوب الدراجات، مع السماح أيضًا بمشاركة من يدفعون عربات الأطفال أو يصطحبون حيواناتهم الأليفة.
اللافت هنا أن الخبر، في ظاهره، يبدو كأنه مجرد استئناف لفعالية رياضية موسمية. لكنه في العمق يعكس تحوّلًا مهمًا في طريقة تفكير المدن الحديثة بالصحة العامة. فبدل أن تُترك مسؤولية النشاط البدني للأفراد وحدهم، تحاول سيول أن تزيل الحواجز الثلاثة الأكثر شيوعًا أمام من يريدون بدء الرياضة: ضيق الوقت، وصعوبة الوصول إلى المكان المناسب، والرهبة النفسية من دخول عالم التمرين.
وبالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو هذا النقاش مألوفًا جدًا. كم من مرة سمعنا نصائح عن أهمية المشي نصف ساعة يوميًا، ثم اصطدمنا بزحام المدن، وحرارة الطقس، وطول ساعات العمل، وضعف المساحات الآمنة للمشاة؟ من القاهرة إلى الرياض، ومن عمّان إلى الدار البيضاء، تتكرر المعضلة نفسها: الجميع يعرف أن الحركة مفيدة، لكن القليل فقط يجد الظروف التي تجعلها ممكنة ومستدامة. هنا بالضبط تحاول سيول أن تقول إن الحل ليس في الوعظ الصحي وحده، بل في إعادة تصميم الإيقاع اليومي للمدينة.
البرنامج ليس موجهًا إلى العدّائين المحترفين ولا إلى هواة كسر الأرقام القياسية. إنه أقرب إلى دعوة عامة تقول للسكان: تحرّكوا بالطريقة التي تناسبكم. وهذه الفلسفة، على بساطتها، تكشف الكثير عن المزاج الاجتماعي الجديد في كوريا الجنوبية، حيث تتزايد النقاشات حول الإرهاق الحضري، والصحة النفسية، وتأثير نمط الحياة السريع على الأجساد والعلاقات اليومية.
«شويوم شويوم».. عبارة كورية صغيرة تحمل فلسفة كبيرة
من المهم هنا التوقف عند اسم البرنامج نفسه. ففي الثقافة الكورية، تحمل عبارة «شويوم شويوم» معنى يرتبط بالتمهّل وأخذ الأمور على مهل، أي السير أو العمل أو الحركة من دون اندفاع مرهق. وعندما تُستخدم هذه العبارة في مشروع للصحة العامة، فهي تبعث برسالة مضادة لثقافة الإنجاز القاسي التي ارتبطت طويلًا بالمدن الآسيوية الكبرى، ومنها سيول.
هذه ليست مجرد لمسة لغوية لطيفة. الاسم يختصر استراتيجية صحية متكاملة: المطلوب ليس أن يتحول الجميع إلى رياضيين محترفين، بل أن يصبح النشاط البدني جزءًا عاديًا من الحياة. المشي، الجري الخفيف، ركوب الدراجة، التنقل مع عربة طفل، الخروج مع كلب العائلة.. كلها أشكال من الحركة اليومية التي يمكن أن تبني عادة صحية إذا تكررت من دون عناء مبالغ فيه.
في العالم العربي أيضًا، لدينا أمثال شعبية وحكم اجتماعية تمجّد الاعتدال والاستمرارية أكثر من الاندفاع المؤقت. كثيرون يرددون مثلًا أن «القليل الدائم خير من الكثير المنقطع»، وهي عبارة تصلح تمامًا لوصف فلسفة هذا البرنامج. فالصحة، في نهاية الأمر، لا تُبنى فقط في المعسكرات الرياضية المكثفة، بل في الروتين الذي يمكن الحفاظ عليه شهرًا بعد شهر.
ولعل هذا ما يجعل التجربة الكورية جديرة بالاهتمام. فهي لا تعيد إنتاج الخطاب الشائع الذي يربط الرياضة بالعذاب والانضباط القاسي والنتائج السريعة. بل تذهب إلى منطقة أكثر إنسانية وواقعية: الناس يريدون أن يتحسنوا، لكنهم لا يريدون أن يشعروا بأنهم فشلوا إذا لم يركضوا عشرة كيلومترات قبل الثامنة صباحًا. لذلك فإن تصميم برنامج يسمح بالمشي كما يسمح بالجري، ويستوعب الأسر كما يستوعب الأفراد، هو في ذاته اعتراف بأن أنماط الحياة متباينة، وأن السياسة الصحية الجيدة هي التي تتسع لهذا التنوع.
في المجتمعات الكورية الحديثة، كما في مجتمعاتنا العربية، تغيّر شكل الأسرة والعمل والتنقل. لم يعد من السهل على الأم أو الأب أو الموظف أو الطالب أن يقتطع ساعة كاملة يوميًا للرياضة المنظمة. لهذا تبدو الفكرة الذكية هنا في دمج الحركة ضمن الحياة القائمة أصلًا، لا في فرض حياة جديدة على الناس. فمن يدفع عربة طفل في المسار المخصص لا يشعر بأنه خرج من مسؤولياته الأسرية كي يمارس الرياضة، بل إنه ينجز الأمرين معًا. ومن يخرج مع حيوانه الأليف لا يحتاج إلى نشاط إضافي منفصل. بهذا المعنى، يتحول «التمرين» من مهمة ثقيلة إلى امتداد طبيعي للحياة اليومية.
لماذا تركّز سيول على الصباح تحديدًا؟
اختيار الصباح ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. في المدن الكبرى، تُعد الساعات الأولى من النهار نافذة حساسة يمكن أن تحدد إيقاع اليوم كله. وقبل أن يبتلع العمل والازدحام ورسائل الهاتف وقت الإنسان وانتباهه، تمنح الحركة الصباحية فرصة لاستعادة الجسد وتنشيط الذهن. لذلك تتعامل سيول مع الفترة الصباحية باعتبارها موردًا حضريًا يمكن استثماره، لا مجرد وقت يسبق الدوام.
في الثقافة الكورية، كما في العديد من الثقافات الآسيوية، يبدأ النهار مبكرًا نسبيًا، وتتسم الحياة العملية بدرجة عالية من الانضباط. لكن هذه الإيقاعات نفسها قد تتحول إلى مصدر إنهاك إذا اقتصرت ساعات الصباح على الاستعداد السريع والخروج نحو العمل في عجلة. من هنا، يأتي البرنامج كنوع من إعادة التفاوض مع الزمن الحضري: بدل أن يكون الصباح مساحة للركض النفسي فقط، يصبح أيضًا مساحة لحركة متدرجة ومريحة.
طبعًا، لا يعني ذلك أن الرياضة الصباحية مناسبة للجميع بنفس الدرجة. فهناك من يعملون ليلًا، ومن يعانون اضطرابات في النوم، ومن لا تسمح لهم ظروفهم بالاستيقاظ المبكر. غير أن القيمة الأساسية للمبادرة تكمن في أنها تفتح خيارًا منظمًا ومتكررًا أمام فئة واسعة من السكان، وتربط هذا الخيار بالمرونة لا بالإلزام. ليس الهدف أن يلتزم الجميع، بل أن يجد من يريدون البدء مدخلًا سهلًا يمكن اختباره من دون رهبة.
في مدن عربية كثيرة، نعرف جيدًا معنى البحث عن ساعة معتدلة من اليوم يمكن فيها المشي براحة. ففي الصيف مثلًا، قد يكون الصباح الباكر هو الوقت الوحيد الذي يسمح بالحركة قبل اشتداد الحرارة. وفي الشتاء، قد تكون الساعات الأولى فرصة لنشاط هادئ قبل امتلاء الشوارع. لذلك فإن فكرة استثمار الصباح صحيًا ليست بعيدة عن واقعنا، لكنها تحتاج إلى بنية تنظيمية ومسارات آمنة وإشارة رسمية تشجع الناس على تحويل النية إلى ممارسة.
ومن منظور الصحة العامة، يكتسب الصباح أيضًا بعدًا سلوكيًا. فالعادة التي تُزرع قبل بداية المهام اليومية تكون، في كثير من الأحيان، أكثر قابلية للاستمرار من العادات التي تُؤجل إلى المساء ثم تُسقطها مشاغل اليوم وإرهاقه. ولهذا يبدو البرنامج الكوري وكأنه يلتقط حقيقة بسيطة يعرفها كثيرون بالتجربة: ما يُنجز باكرًا، يُنجز فعلًا.
المدينة كصالة مفتوحة: عندما يتحول الطريق اليومي إلى بنية صحية
ربما يكون البعد الأهم في التجربة الكورية هو أنها تتعامل مع الفضاء الحضري نفسه بوصفه بنية تحتية للصحة. فبدل حصر النشاط البدني في النوادي والملاعب المغلقة، يوسع البرنامج فكرة المكان الرياضي ليشمل الطرق والمسارات والواجهات النهرية والمساحات المفتوحة في المدينة. هذه النقلة ليست تقنية فحسب، بل تحمل أثرًا اجتماعيًا وثقافيًا عميقًا.
حين يشعر المواطن أن المسار الذي يمر به كل يوم يمكن أن يكون أيضًا مكانًا للمشي أو الجري أو ركوب الدراجة، فإن العلاقة بالمدينة تتغير. لم تعد الشوارع مجرد ممرات إجبارية بين البيت والعمل، بل تصبح مواقع محتملة للعناية بالجسد والتواصل مع الإيقاع الطبيعي للنهار. وهذا التحول مهم في مدينة مثل سيول، المعروفة بسرعة حركتها وكثافة سكانها وتنافسية نمط الحياة فيها.
بالنسبة للقراء العرب، يمكن تشبيه الفكرة بما يحدث عندما تنجح بعض الواجهات البحرية أو الممرات العامة أو الحدائق المركزية في مدننا في جذب الناس للمشي مساءً أو فجرًا. الفارق أن سيول تحاول أن تُنظم هذا الاستخدام، وأن تحوّله إلى برنامج دوري له معنى سياسي وصحي، وليس مجرد استخدام فردي عابر للمكان العام. أي أنها تسأل: كيف نجعل المجال العام صديقًا للحركة؟ وكيف نعطي الناس شعورًا بأن المدينة ليست ضد أجسادهم؟
هذه النقطة شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من النقاشات الصحية في العالم تنزلق نحو تحميل الفرد وحده مسؤولية كل شيء: أنت كسول، أنت لا تلتزم، أنت لا تدير وقتك جيدًا. لكن الحقيقة أعقد من ذلك. فإذا كانت الأرصفة غير مريحة، والمسارات متقطعة، والازدحام خانقًا، والإضاءة غير كافية، فإن دعوة الناس إلى الحركة تصبح وعظًا مجردًا. أما حين توفر المدينة مسارات معقولة وسهلة ومعلنة، فإنها تشارك فعليًا في صنع السلوك الصحي.
سيول أشارت إلى أنها ستواصل، بناءً على نتائج التشغيل وخصائص الفصول المختلفة، اكتشاف مسارات جديدة داخل المدينة. وهذا تفصيل بالغ الدلالة. فالمسألة ليست مجرد تحديد طريق واحد ثم تركه، بل إدارة برنامج يأخذ في الاعتبار المناخ، والسلامة، وراحة المشاركين، وتفاوت الفصول. هنا يظهر بوضوح أن الحديث ليس عن حملة دعائية مؤقتة، بل عن محاولة لبناء نموذج تشغيل يمكن تكراره وتطويره.
من الفعالية العابرة إلى العادة الاجتماعية: ماذا يعني التشغيل المنتظم؟
أعلنت سيول أن الإقبال الجيد على التشغيل التجريبي في النصف الأول من العام شجّعها على تحويل «شويوم شويوم مورنينغ» إلى برنامج منتظم خلال النصف الثاني. وهذه النقلة من التجريب إلى الانتظام هي في حد ذاتها الخبر الأهم. فالمجتمعات لا تغيّر سلوكها بحملات رمزية قصيرة، بل بجداول متكررة تمنح الناس وقتًا لتجريب الفكرة والتعود عليها وإدخالها في روتينهم.
في الخطاب المهني الخاص بالصحة العامة، هناك فارق كبير بين إثارة الانتباه وبين بناء العادة. الحملة الواحدة قد تنجح في لفت الأنظار، وربما تخلق صورًا جميلة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تحوّل مستدام. أما حين يصبح النشاط متكررًا، معروف المواعيد، سهل الانضمام، ومفتوحًا لفئات مختلفة، فإنه يقترب من أن يصير جزءًا من الحياة المدنية.
وهنا يمكن فهم تصريح المسؤولين في سيول عن السعي إلى خلق بيئة تتيح للناس الاستمتاع بالرياضة الصباحية «من دون عبء» وفي إطار «الحياة اليومية». هاتان العبارتان تكادان تكونان مفتاح التجربة كلها. فالعبء قد يكون ماليًا، وقد يكون زمانيًا، وقد يكون نفسيًا. والحياة اليومية هي الميدان الحقيقي لأي سياسة صحية ناجحة. إذا بقيت الرياضة نشاطًا استثنائيًا، فلن يمارسها سوى الأقلية القادرة على تخصيص وقت وطاقة وميزانية لها. أما إذا صارت امتدادًا ليوم عادي، فإن قاعدة المشاركة تتسع.
في مدننا العربية، لطالما عانت مبادرات الصحة المجتمعية من مشكلة الاستمرارية. كثير من المشاريع تبدأ بحماس، ثم تتعثر لأنها تعتمد على الحدث أكثر من اعتمادها على النظام. ولذلك تبدو التجربة الكورية مثيرة للاهتمام ليس لأنها اخترعت المشي أو الجري، بل لأنها تعيد تنظيمهما ضمن إطار مؤسسي منتظم. هذا ما يميز السياسة العامة عن النشاط الموسمي.
كما أن انتظام البرنامج يرسل رسالة رمزية إلى السكان مفادها أن الصحة ليست شأنًا فرديًا معزولًا، بل بندًا مستمرًا على جدول المدينة. وهذه الرسالة مهمة في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية من نمط الحياة الخامل، وارتفاع معدلات التوتر، وطول الجلوس، وما يرتبط بذلك من مشكلات مزمنة لا تُحل فقط داخل المستشفيات، بل قبل ذلك بكثير في الشارع والمدرسة ومكان العمل.
الأسر والحيوانات الأليفة والدراجات.. توسيع معنى المشاركة الصحية
أحد أكثر الجوانب لفتًا للنظر في البرنامج هو اتساع تعريف «المشارك». فالقائمون عليه لم يحصروه في فئة المتدربين أو العدّائين، بل فتحوه أيضًا لمن يأتون مع عربات الأطفال أو مع حيواناتهم الأليفة، إلى جانب راكبي الدراجات والمشاة. هذا التفصيل يكشف تحولًا ثقافيًا مهمًا في سياسات الصحة الحضرية: لم يعد النشاط البدني يُفهم بوصفه تمرينًا منفصلًا عن الحياة، بل ممارسة يمكن أن تتقاطع مع الرعاية الأسرية والرفقة اليومية وأنماط التنقل المختلفة.
في المجتمع الكوري الجنوبي، كما في مجتمعات أخرى حديثة، ارتفعت خلال السنوات الأخيرة مكانة الحيوانات الأليفة في الحياة الحضرية، وصارت جزءًا من روتين يومي لكثير من الأسر والأفراد. إدراج هذه الفئة داخل البرنامج لا يبدو إذًا تفصيلًا ثانويًا، بل اعترافًا رسميًا بأن ما يفعله الناس أصلًا في صباحهم يمكن أن يتحول إلى نشاط صحي معترف به ومدعوم.
الأمر نفسه ينطبق على من يدفعون عربات الأطفال. ففي كثير من الأحيان، تُقصي البرامج الرياضية التقليدية الآباء والأمهات، لأنها تفترض تفرغًا كاملًا أو ترتيبات معقدة للرعاية. أما هذا النموذج، فيحاول أن يخبرهم بأن الرعاية نفسها يمكن أن تتعايش مع الحركة. وهنا تبرز حساسية اجتماعية مهمة: الرياضة لا ينبغي أن تكون امتيازًا لمن يملكون وقتًا حرًا فقط.
بالنسبة للقارئ العربي، تبدو هذه الزاوية مألوفة للغاية. فالكثير من النساء والرجال في عالمنا العربي يتركون فكرة الرياضة لأنهم يشعرون أنها تتطلب فصلًا كاملًا بين الالتزامات الأسرية والنشاط الشخصي. لذلك فإن أي نموذج يدمج الاثنين معًا يحمل قيمة عملية واضحة. من هنا، قد تبدو تجربة سيول وكأنها تقدم درسًا أبسط مما يبدو: إذا أردت إشراك الناس، فاذهب إلى حياتهم كما هي، لا كما تتخيلها أنت في الكتيبات الدعائية.
كما أن إشراك الدراجات والمشي والجري الخفيف في برنامج واحد يرسل إشارة أخرى عن المساواة في الوصول. ليس هناك مسار واحد للصحة، ولا طريقة واحدة للحركة. هذا التعدد في الخيارات يحمي البرنامج من التحول إلى مساحة نخبوية أو تنافسية، ويجعله أقرب إلى مفهوم «الرفاه العام» منه إلى «الإنجاز الرياضي».
ما الذي يمكن أن تتعلمه المدن العربية من التجربة الكورية؟
ليس المطلوب من المدن العربية أن تنسخ نموذج سيول حرفيًا، فلكل مدينة مناخها وكثافتها السكانية وعاداتها الاجتماعية وتحدياتها الاقتصادية. لكن ثمة دروسًا واضحة يمكن استخلاصها من هذه التجربة، أولها أن تعزيز الصحة لا يبدأ دائمًا من بناء منشآت ضخمة، بل قد يبدأ من استخدام أذكى للفضاء القائم. طريق مشاة محسّن، مسار دراجات آمن، فعالية صباحية منتظمة، ورسالة إعلامية ذكية.. أحيانًا تكفي هذه العناصر لتغيير سلوك قطاع واسع من السكان.
الدرس الثاني هو أن الوصول أهم من الوعظ. كثير من الخطابات الصحية في منطقتنا تتحدث إلى الناس بلغة الأمر: مارسوا الرياضة، امشوا أكثر، خففوا الجلوس. لكن من دون بيئة مشجعة، تتحول هذه النصائح إلى عبء إضافي. ما تفعله سيول هو أنها تحاول تقليل تكلفة البداية: لا تحتاج إلى مهارة خاصة، ولا إلى تجهيزات معقدة، ولا إلى عضوية مرتفعة الثمن، ولا إلى شعور بأنك داخل امتحان لياقة.
الدرس الثالث يتعلق بالاستمرارية. إذا أرادت أي مدينة عربية أن تشجع النشاط البدني، فلا يكفي أن تنظّم «ماراثونًا» سنويًا للتصوير والترويج، ثم تنصرف. الأهم هو بناء تقويم متكرر وواضح، ومسارات يعرفها الناس، وتعاون بين البلديات والجهات الصحية والمجتمعية، بحيث تتحول الحركة إلى عنصر ثابت في الحياة المدنية. وهذا يتطلب أيضًا إنصاتًا لاحتياجات الفئات المختلفة: النساء، كبار السن، الأطفال، الموظفون، وذوو المسؤوليات الأسرية.
أما الدرس الرابع، فهو أن الصحة العامة ليست فقط ملف علاج، بل ملف وقاية وسلوك حضري. حين تتبنى المدينة خطابًا يعتبر المشي وركوب الدراجة جزءًا من سياساتها، فإنها تخفف الضغط على المدى الطويل عن أنظمتها الصحية، وتبني ثقافة وقائية أقل كلفة وأكثر إنسانية. هذا منطق باتت تتبناه مدن كثيرة حول العالم، من شرق آسيا إلى أوروبا، وقد حان الوقت لكي يصبح أكثر حضورًا في النقاشات العربية أيضًا.
وأخيرًا، تكشف التجربة الكورية عن حقيقة ربما نعرفها جميعًا لكننا نحتاج إلى من يترجمها إلى سياسة: الناس لا يرفضون الحركة في ذاتها، بل يرفضون الشعور بأن الرياضة مشروع شاق ومغلق على قلة من الملتزمين. وإذا استطاعت المدينة أن تجعل بداية الطريق أسهل، وأن تقول للسكان «تحركوا كما أنتم، وبالسرعة التي تناسبكم»، فربما تكون قد أنجزت أكثر مما تنجزه حملات توعوية طويلة.
سيول والصحة كجزء من أسلوب الحياة الكورية الجديدة
في السنوات الأخيرة، أصبحت الثقافة الكورية الجنوبية تُقرأ عالميًا غالبًا من بوابة الدراما والكي-بوب والمطبخ والجمال والعناية بالبشرة. غير أن ثمة بعدًا آخر يتشكل بهدوء داخل هذه الموجة الثقافية، وهو طريقة تنظيم الحياة اليومية في المدن الكورية، بما فيها العلاقة بين العمل والرفاه والصحة. ومن هذه الزاوية، يبدو برنامج «شويوم شويوم مورنينغ» أكثر من مجرد خبر محلي؛ إنه نافذة على كيف تحاول كوريا الجنوبية تحديث نموذجها الحضري بعد عقود من السرعة والإنجاز المكثف.
فسيول، المدينة التي تمثل في المخيال العالمي صورة الحداثة السريعة والتكنولوجيا الكثيفة والإيقاع العالي، تبدو هنا وكأنها تمنح سكانها إذنًا رسميًا بالتمهل. وهذه مفارقة جذابة: مدينة معروفة بالعجلة، تفتح في الصباح مساحة لحركة غير متعجلة. وربما لهذا السبب يلفت البرنامج الانتباه خارج كوريا أيضًا، لأنه يضع سؤال الصحة في قلب أسلوب العيش، لا على هامشه.
بالنسبة للقراء العرب المهتمين بكوريا وثقافتها، فإن مثل هذه الأخبار مهمة لأنها تكشف ما وراء الصور اللامعة المعتادة. فالحياة الكورية ليست فقط حفلات موسيقية ومؤثرين ومسلسلات ناجحة، بل أيضًا سياسات يومية صغيرة تعكس كيف تفكر الدولة المحلية في مواطنيها. وعندما تختار العاصمة الكورية أن تنظّم حركة الناس الصباحية بهذا الشكل المرن، فإنها تعلن ضمنًا أن جودة الحياة لم تعد تُقاس فقط بسرعة الإنتاج، بل أيضًا بقدرة المدينة على حماية إيقاع إنساني قابل للعيش.
ربما لا يحل هذا البرنامج وحده مشكلات الخمول أو التوتر أو ضيق الوقت. وربما ستبقى فعاليته الفعلية مرتبطة بنسبة المشاركة وسهولة المسارات ورضا السكان مع مرور الوقت. لكن أهميته الحقيقية تكمن في المبدأ الذي يدافع عنه: الصحة تبدأ من الشارع، ومن العادة، ومن اللحظات الصغيرة القابلة للتكرار. وهذا مبدأ يبدو، في زمن المدن المنهكة، أكثر حكمة من أي وقت مضى.
وفي النهاية، قد لا تكون القيمة الأبرز في تجربة سيول أنها تدعو الناس إلى الجري، بل أنها تعيد تعريف النجاح الصحي نفسه. النجاح ليس أن تتحول المدينة كلها إلى نادٍ رياضي، بل أن يشعر أكبر عدد ممكن من سكانها بأن بإمكانهم أن يبدأوا الحركة بلا خوف، وبلا كلفة نفسية، وبلا شروط معقدة. تلك، في جوهرها، ليست مجرد سياسة رياضية، بل رؤية حضرية أرحب لمعنى العيش الجيد في القرن الحادي والعشرين.
0 تعليقات