
رسالة كورية من قلب مانيلا: القانون قبل الاصطفاف
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، اختارت كوريا الجنوبية أن تتحدث بلغة القواعد لا بلغة المبارزة السياسية. فمن العاصمة الفلبينية مانيلا، أكدت نائبة وزير الخارجية الكوري الجنوبي للشؤون السياسية، جونغ أوي-هيه، أن مبادئ القانون الدولي يجب أن تُحترم بصورة كاملة في جميع المجالات البحرية، بما في ذلك بحر الصين الجنوبي. هذه الرسالة لم تأتِ في مؤتمر عابر أو تصريح بروتوكولي على الهامش، بل صدرت خلال اجتماع رفيع للدول الأطراف في معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا، وفي مناسبة دبلوماسية حضرها أيضاً عشاء استضافه الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن.
اللافت في الموقف الكوري ليس فقط ما قيل، بل الكيفية التي قيل بها. سيول لم تدخل في لعبة تسمية الخصوم أو توزيع الاتهامات، ولم تحاول أن تظهر بمظهر القاضي الذي يفصل في نزاع معقد ومتشابك. بدلاً من ذلك، وضعت إطاراً معيارياً واضحاً: احترام السيادة، صون السلامة الإقليمية، تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ورفض التهديد بالقوة أو استخدامها. هذه المفردات ليست جديدة في عالم الدبلوماسية، لكنها تكتسب وزناً خاصاً عندما تُعاد صياغتها لتشمل الفضاء البحري، في منطقة تُعد من أكثر المساحات توتراً في آسيا والعالم.
وبالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو هذا التطور بعيداً جغرافياً، لكن تداعياته ليست بعيدة على الإطلاق. فالعالم العربي، من الخليج إلى البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، يعرف جيداً معنى أن تكون البحار شرايين للاقتصاد والسيادة والأمن القومي. وإذا كان الأدب العربي القديم قد وصف البحر باعتباره باباً للتجارة والمغامرة والرزق، فإن لغة السياسة الحديثة تضيف إليه بعداً آخر: البحر هو أيضاً ساحة اختبار للنظام الدولي نفسه. ومن هنا، فإن ما تقوله سيول عن بحر الصين الجنوبي لا يخص شرق آسيا وحدها، بل يهم كل من يتابع مستقبل حرية الملاحة واحترام القواعد الدولية في عالم يزداد اضطراباً.
في هذا السياق، تبدو الرسالة الكورية الجنوبية أقرب إلى محاولة لتثبيت ميزان دقيق: لا استفزاز مباشر، ولا صمت مريح؛ لا انخراط في خصومة مفتوحة، ولا تنازل عن المبادئ. إنها دبلوماسية تعرف أن الإشارة الذكية قد تكون أبلغ من الخطاب العالي، وأن التمسك بالقانون الدولي أحياناً يكون الطريقة الأكثر فعالية لتجنب الانزلاق إلى منطق الاستقطاب الحاد.
ما الذي جرى في مانيلا؟ ولماذا يهم؟
الاجتماع الذي شهد هذا الموقف انعقد في إطار معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا، وهي معاهدة قد لا تكون مألوفة لكثير من القراء العرب بالقدر نفسه الذي يعرفون به جامعة الدول العربية أو منظمة التعاون الإسلامي، لكنها تحتل مكانة أساسية في البنية الدبلوماسية لجنوب شرق آسيا. هذه المعاهدة تقوم على مبادئ تبدو للوهلة الأولى عامة: الاحترام المتبادل للسيادة، عدم التدخل، التسوية السلمية للنزاعات، ورفض استخدام القوة. غير أن أهميتها تكمن في أنها تمثل، بالنسبة لرابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، نوعاً من الميثاق الأخلاقي والسياسي لإدارة الخلافات داخل الإقليم ومحيطه.
حين تؤكد كوريا الجنوبية، وهي دولة طرف في هذه المعاهدة، أن روحها يجب أن تُطبّق أيضاً على المساحات البحرية، فهي لا تضيف بنداً تقنياً جديداً بقدر ما تعيد توسيع مجال هذه المبادئ. المعنى هنا واضح: لا ينبغي أن تكون اليابسة مكاناً للقانون والبحر مكاناً لفرض الأمر الواقع. وإذا كان المجتمع الدولي يقبل بأن النزاعات الحدودية البرية تُدار وفق قواعد معلومة، فمن المنطقي، في الرؤية الكورية، أن تخضع النزاعات البحرية للمعايير نفسها.
هذا التوسع في المعنى له أهمية خاصة في بحر الصين الجنوبي، وهو ممر مائي استراتيجي تمر عبره تجارة عالمية هائلة، وتتشابك فيه مطالب سيادية ومناطق نفوذ ورهانات عسكرية واقتصادية. ولأن هذا البحر ليس مجرد مساحة زرقاء على الخريطة، بل عقدة أساسية في شبكة التجارة والطاقة والإمداد العالمية، فإن أي اضطراب فيه يمكن أن يصل أثره إلى موانئ عربية وأسواق عربية ومستهلك عربي ربما لا يتابع يومياً أخبار مانيلا أو سيول أو هانوي.
من هنا، يصبح حضور المسؤولة الكورية في الاجتماع ثم في العشاء الذي استضافه الرئيس الفلبيني دلالة سياسية بحد ذاته. فالمسألة لا تقتصر على تسجيل موقف نظري، بل تعكس استمرار انخراط سيول في النقاشات التي تقودها دول جنوب شرق آسيا بشأن الأمن الإقليمي والحوكمة البحرية. وفي لغة الدبلوماسية، مجرد الوجود في المكان المناسب، مع الرسالة المناسبة، يعبّر عن رغبة في أن تكون جزءاً من صياغة البيئة السياسية، لا مجرد متابع لها من بعيد.
بحر الصين الجنوبي بلغة مبسطة: لماذا كل هذا التوتر؟
لفهم خلفية الموقف الكوري، من المفيد تبسيط المشهد. بحر الصين الجنوبي منطقة بحرية واسعة تتقاطع فيها مطالب سيادية متعددة من دول عدة في المنطقة. تكمن أهمية هذا البحر في ثلاثة أبعاد رئيسية: أولاً، موقعه الحيوي للتجارة العالمية؛ ثانياً، موارده المحتملة من الأسماك والطاقة؛ وثالثاً، قيمته العسكرية والاستراتيجية. لهذا السبب، لا يُنظر إليه على أنه مجرد نزاع حدودي محدود، بل كاختبار مستمر للتوازن بين النفوذ والقانون.
في عالمنا العربي، يمكن تقريب الصورة من خلال التفكير في الأهمية المعقدة لممرات مثل مضيق هرمز أو باب المندب أو قناة السويس. فحين تتوتر هذه الممرات، لا يتأثر بلد واحد فقط، بل تمتد الارتدادات إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتأمين البحري وحركة التجارة. وبالمنطق نفسه، فإن أي تصعيد في بحر الصين الجنوبي لا يبقى داخل آسيا، بل قد ينعكس على الاقتصاد الدولي بأكمله، بما في ذلك أسواق تستورد وتصدر عبر الممرات البحرية المرتبطة به.
لكن ما يزيد التعقيد هنا هو أن أطراف النزاع لا تتفق فقط على الخطوط البحرية، بل تختلف أيضاً على تفسير التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي. لذلك، يصبح من الصعب الوصول إلى تسوية نهائية سريعة. ولهذا تحديداً تكتسب لغة «إدارة النزاع» أهمية لا تقل عن لغة «حل النزاع». فحين يتعذر الحسم الفوري، يكون الهدف الواقعي هو منع التوتر من التحول إلى مواجهة، ومنع الحوادث البحرية من التسبب في أزمات أوسع.
في هذا الإطار، تبدو صياغة سيول متعمدة بعناية. هي لا تقول من المحق في كل تفصيل، لكنها تقول إن الطريق إلى التعامل مع الخلاف يجب أن يمر عبر القانون الدولي والوسائل السلمية. هذا النوع من الخطاب قد يبدو أقل إثارة من التصريحات الحادة، لكنه في حسابات الدول المتوسطة والقوى الاقتصادية الكبرى يحمل قيمة عملية عالية، لأنه يفتح هامشاً للحركة ويحفظ العلاقات مع أطراف عدة من دون التخلي عن المعيار المعلن.
ماذا تعني «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» للقارئ العربي؟
أحد أهم عناصر الرسالة الكورية كان الإشارة الصريحة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي الوثيقة الأساسية التي تنظم حقوق الدول وواجباتها في البحار والمحيطات. ويمكن تشبيه هذه الاتفاقية، بلغة مبسطة، بدستور دولي للبحار. فهي تحدد كيفية رسم مناطق مثل المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وتضع قواعد للمرور الملاحي واستغلال الموارد وتسوية بعض النزاعات القانونية المتعلقة بالبحر.
حين تقول كوريا الجنوبية إن هذه الاتفاقية يجب أن تُحترم في بحر الصين الجنوبي وفي كل المجالات البحرية، فهي تحاول سحب النقاش من ساحة موازين القوة إلى ساحة النصوص والمعايير. والمعنى العميق لذلك هو أن البحر لا ينبغي أن يُدار بمنطق من هو الأقوى أو الأقدر على فرض وجوده، بل بمنطق ما الذي يسمح به القانون الدولي وما الذي يقيّده.
هذا المفهوم ليس غريباً عن الخبرة العربية. فالدول العربية المطلة على البحار والمضائق تعرف قيمة وجود قواعد واضحة لتنظيم الحقوق البحرية، سواء تعلق الأمر بترسيم الحدود أو حقوق الصيد أو استغلال الغاز أو حماية خطوط الملاحة. وقد أثبتت تجارب المنطقة أن غياب التفاهم القانوني أو إضعافه يفتح الباب أمام أزمات ممتدة، بينما يوفّر الاحتكام إلى الأطر القانونية، مهما كان بطيئاً، أساساً أكثر استقراراً من منطق الضغوط الخشنة.
وإذا كانت بعض القوى الكبرى تنظر أحياناً إلى القانون الدولي بوصفه أداة تفاوض أو ورقة ضغط، فإن الدول المتوسطة مثل كوريا الجنوبية تميل غالباً إلى التمسك به كشبكة أمان استراتيجية. فهذه الدول، التي تعتمد على التجارة والأسواق المفتوحة واستقرار الممرات البحرية، تدرك أن العالم الذي تُحترم فيه القواعد أكثر قابلية للتنبؤ من العالم الذي تحكمه المفاجآت العسكرية والسياسات الأحادية.
من هذه الزاوية، لا تبدو الإشارة الكورية إلى قانون البحار مجرد عبارة تقليدية، بل جزءاً من عقيدة أوسع: أن الازدهار الاقتصادي، ولا سيما بالنسبة للدول الصناعية المصدِّرة، يحتاج إلى بحر تحكمه القواعد لا التوترات المنفلتة. وهذا يفسر لماذا حرصت سيول على أن يكون حديثها عن «جميع البحار» لا عن بحر الصين الجنوبي وحده، في إشارة إلى أن المسألة بالنسبة إليها تتعلق بمبدأ عالمي لا بملف محلي فحسب.
سيول و«آسيان»: لماذا تصر كوريا الجنوبية على مركزية جنوب شرق آسيا؟
في التصريحات المرتبطة باجتماع مانيلا، شددت كوريا الجنوبية كذلك على دعمها الثابت لما يُعرف بـ«مركزية آسيان». وهذا المصطلح يحتاج بدوره إلى شرح. المقصود هنا أن رابطة دول جنوب شرق آسيا، أي «آسيان»، ينبغي أن تبقى المنصة الأساسية التي تُدار عبرها قضايا الإقليم الكبرى، بدلاً من أن تتحول المنطقة إلى ساحة تتصارع فوقها القوى الكبرى من دون اعتبار كافٍ لرأي دولها ومؤسساتها.
للقارئ العربي، يمكن تقريب هذه الفكرة من الحساسية العربية القديمة تجاه أن تكون قضايا المنطقة رهينة حسابات الخارج وحده. فكما يطالب العرب، في أزمات كثيرة، بأن يكون لهم صوت فاعل في إدارة شؤونهم الإقليمية، ترى دول جنوب شرق آسيا أن ترتيب بيتها الأمني يجب ألا يُفرض عليها من الخارج بالكامل. من هنا، حين تدعم سيول مركزية آسيان، فهي لا تكتفي بمجاملة دبلوماسية، بل تعترف بشرعية الإطار الإقليمي الذي تفضله دول المنطقة لمعالجة خلافاتها.
لكن الأهم أن كوريا الجنوبية لم تطرح مركزية آسيان بوصفها بديلاً من القانون الدولي، بل كمكمل له. الرسالة هنا دقيقة: القضايا تُناقش في إطار تقوده دول المنطقة، لكن وفق معايير دولية عامة لا يجوز تجاوزها. هذه الصيغة تتيح الجمع بين الشرعية الإقليمية والشرعية القانونية، وهو توازن بالغ الأهمية في الملفات الحساسة، لأن الاقتصار على واحدة منهما قد يثير اعتراضات واسعة. فالشرعية الإقليمية وحدها قد لا تكفي إذا غابت القواعد العامة، والشرعية القانونية وحدها قد تبدو منفصلة عن الواقع السياسي إذا جرى تجاهل هواجس الدول المعنية مباشرة.
ومن منظور كوري جنوبي، فإن هذا النهج يخدم أيضاً مصالح سيول الاستراتيجية. فالعلاقة مع دول آسيان تتجاوز البعد السياسي إلى الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والاستثمار والثقافة الشعبية. والمنطقة باتت شريكاً متنامياً لكوريا الجنوبية، ليس فقط في التبادل التجاري، بل كذلك في الحضور الثقافي الذي تعززه الدراما الكورية والموسيقى والمنتجات التكنولوجية. لذلك، فإن استقرار جنوب شرق آسيا، بحرياً وسياسياً، ليس ملفاً جانبياً بالنسبة لسيول، بل جزء من رؤيتها الأوسع لدورها في آسيا والعالم.
كوريا الجنوبية كدولة بحرية: من اقتصاد التصدير إلى دبلوماسية القواعد
واحدة من العبارات المفتاحية في الموقف الكوري كانت تأكيد أن كوريا الجنوبية «دولة بحرية». قد تبدو العبارة وصفاً جغرافياً بسيطاً، لكنها في الحقيقة تحمل مضموناً استراتيجياً كاملاً. فالدولة التي يقوم اقتصادها على الصناعة والتصدير والاستيراد وسلاسل الإمداد البحرية، لا تنظر إلى أمن البحار على أنه قضية نظرية أو بعيدة. بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، البحر هو طريق المصانع إلى الأسواق، وطريق الطاقة إلى الداخل، وطريق المكانة الاقتصادية إلى العالم.
هذا البعد مفهوم جيداً في مجتمعات عربية تعرف قيمة الموانئ والبحار. من الإسكندرية إلى جدة، ومن دبي إلى الدار البيضاء، ظل البحر على مر التاريخ أحد أبواب القوة والازدهار والانفتاح. وفي الأدب العربي، كثيراً ما ارتبط البحر بالحركة والرزق والتبادل. أما في السياسات الحديثة، فهو ساحة تقاس فيها قدرة الدول على حماية مصالحها دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة. من هنا، فإن تعريف كوريا الجنوبية لنفسها كدولة بحرية هو أيضاً إعلان عن أن استقرار النظام البحري جزء من أمنها القومي والاقتصادي المباشر.
لكن كوريا الجنوبية لا تترجم هذا الإدراك بخطاب صدامي، بل بما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية القواعد». فهي تدرك أنها ليست بصدد قيادة مواجهة في بحر الصين الجنوبي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تبدو غير مكترثة. لذا تختار الدفاع عن مبادئ عامة قابلة للتأييد الواسع: احترام القانون، نبذ القوة، تشجيع التسوية السلمية، ودعم الأطر الإقليمية. وهذه صيغة تمنحها مساحة للحضور السياسي من دون أن تضعها في قلب الاستقطاب.
واللافت أن هذا النهج ينسجم مع الصورة التي تسعى سيول إلى تكريسها عن نفسها في السنوات الأخيرة: دولة تكنولوجية واقتصادية متقدمة، وشريك يعتمد عليه، وفاعل دولي يفضّل الاستقرار والانفتاح ووضوح القواعد. في هذا المعنى، فإن التصريح الصادر من مانيلا لا يمكن فصله عن سعي كوريا الجنوبية إلى توسيع وزنها الدبلوماسي بما يتجاوز شبه الجزيرة الكورية وحدها، نحو ملفات آسيوية وعالمية تمس التجارة والطاقة والأمن البحري.
بين الحذر والوضوح: لماذا تجنبت سيول تسمية أي طرف؟
أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الموقف الكوري هو أنه تجنب توجيه اتهام مباشر إلى أي دولة بعينها، رغم أن المقصود السياسي من خلفية التوترات في بحر الصين الجنوبي معروف في الأوساط الدولية. هذا الأسلوب ليس علامة تردد بالضرورة، بل قد يكون تعبيراً عن براغماتية محسوبة. فالدبلوماسية لا تُقاس فقط بمدى صخب خطابها، بل أيضاً بقدرتها على تمرير رسالة واضحة من دون إغلاق الأبواب.
في التقليد الصحافي العربي، كثيراً ما نصف هذا الأسلوب بأنه «إيصال المعنى من دون كسر الجسور». وهو أسلوب مألوف في البيئات الإقليمية الحساسة، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع التوازنات الأمنية. كوريا الجنوبية ترتبط بعلاقات معقدة ومتعددة مع أطراف عدة في المنطقة، وهي لا تريد أن تتحول إلى لاعب صدامي في ملف بالغ الحساسية. لذلك، فإن التمسك بالمبدأ العام يمنحها فرصة للقول إنها لم تصمت عن المعايير، وفي الوقت نفسه لم تنزلق إلى خطاب قد يقيّد قدرتها على الحركة لاحقاً.
هذا مهم أيضاً لأن بحر الصين الجنوبي ليس ملفاً منفصلاً عن البنية الاستراتيجية الأوسع في آسيا. هناك تنافس أميركي-صيني، وحسابات تخص الحلفاء والشركاء، وهواجس أمنية لدول جنوب شرق آسيا نفسها. وفي وسط هذا المشهد، تميل دول مثل كوريا الجنوبية إلى تقديم نفسها كداعمة للنظام القائم على القواعد، لا كطرف يدفع نحو مزيد من الاستقطاب. لهذا تبدو عباراتها أحياناً موزونة بعناية شديدة، لكنها مع ذلك تحمل مضموناً صلباً: القانون الدولي يجب أن يُطبّق، والقوة ليست بديلاً من الشرعية.
بكلمات أخرى، اختارت سيول أن تتحدث كما تتصرف الدول التي تعرف حجم مصالحها وتشابك بيئتها. لا شعارات حادة، ولا حياد رمادي. بل مسار ثالث: وضوح في المعيار، ومرونة في الصياغة.
ما الذي يعنيه ذلك للعالم العربي وللقارئ المتابع للموجة الكورية؟
قد يسأل البعض: لماذا ينبغي للقارئ العربي، وخصوصاً المتابع للشأن الكوري من بوابة الثقافة والدراما والموسيقى، أن يهتم بموقف دبلوماسي كهذا؟ الجواب أن كوريا الجنوبية التي نعرفها عبر الشاشات ليست فقط بلد «الهاليو» أو الموجة الكورية، بل أيضاً دولة تحاول إعادة تعريف موقعها السياسي في عالم مضطرب. ومن الخطأ النظر إلى الثقافة والسياسة كعالمين منفصلين تماماً. فصعود الصورة الكورية عالمياً، من السينما إلى التكنولوجيا، ترافق مع سعي متدرج إلى توسيع الحضور الدبلوماسي والاقتصادي، وإلى تقديم سيول بوصفها فاعلاً دولياً له رأي ومصلحة ومسؤولية.
بالنسبة إلى العالم العربي، هناك أكثر من زاوية اهتمام. أولاً، لأن استقرار البحار والممرات المائية قضية تمسنا مباشرة، سواء من منظور الطاقة أو التجارة أو الأمن البحري. ثانياً، لأن كثيراً من الدول العربية تتعامل هي الأخرى مع سؤال مشابه: كيف يمكن للدول المتوسطة أو الصاعدة أن تدافع عن مصالحها في ظل تنافس القوى الكبرى؟ التجربة الكورية هنا تقدم نموذجاً لافتاً: التمسك بالقانون الدولي، العمل عبر الأطر المتعددة الأطراف، وتجنب اللغة التي تُشعل أكثر مما تُصلح.
وثالثاً، لأن المتابع العربي للشأن الكوري يحتاج إلى رؤية أكثر اكتمالاً عن هذا البلد. فكما أن الدراما الكورية كشفت للعالم وجهاً اجتماعياً وإنسانياً وثقافياً لكوريا الجنوبية، تكشف مواقف كهذه عن وجه آخر: دولة بحرية صناعية تعتمد على الاستقرار الإقليمي، وتحاول أن تتموضع كقوة مسؤولة تفضّل القواعد على المغامرة. وهذا الفهم الأوسع مهم لكل من يتابع كوريا ليس كظاهرة ثقافية فقط، بل كشريك آسيوي مؤثر في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
لعل أبرز ما في الرسالة الكورية من مانيلا أنها تذكّرنا بحقيقة كثيراً ما تضيع وسط ضجيج الجغرافيا السياسية: أن القانون الدولي، رغم كل ما يحيط به من انتقادات وانتقائية، يبقى اللغة الأقل تكلفة عندما تريد الدول تفادي الفوضى. وفي زمن تتزايد فيه النزاعات حول الحدود والممرات والموارد، تبدو الدعوة إلى احترام السيادة، وتسوية النزاعات سلمياً، ورفض استخدام القوة، أقرب إلى الحد الأدنى الضروري لحماية النظام العالمي من مزيد من التشقق.
أما سيول، فقد اختارت في هذه المحطة أن تقول كلمتها بهدوء الواثق: إن البحر، مثل اليابسة، يجب أن تحكمه القواعد. وربما هذا هو جوهر الخبر كله؛ ليس فقط ما أعلنته كوريا الجنوبية، بل ما أرادت أن ترسله إلى المنطقة والعالم: أن الاستقرار البحري ليس ترفاً دبلوماسياً، بل شرطاً أساسياً لازدهار الدول وطمأنينة الأسواق، وأن احترام القانون في البحار البعيدة قد يكون، في نهاية المطاف، مسألة قريبة جداً من حياة الناس اليومية، من أسعار السلع إلى أمن الطاقة إلى سلامة طرق التجارة التي تربط الشرق بالشرق الأوسط، ثم بالعالم.
0 تعليقات