광고환영

광고문의환영

في مترو دaejeon الكوري.. روبوت يرافق المكفوفين خطوة بخطوة: كيف تختبر كوريا الجنوبية معنى «الوصول الآمن» في النقل العام؟

في مترو دaejeon الكوري.. روبوت يرافق المكفوفين خطوة بخطوة: كيف تختبر كوريا الجنوبية معنى «الوصول الآمن» في النقل العام؟

من المختبر إلى رصيف القطار: عندما تصبح المحطة ميدانًا لاختبار العدالة الحضرية

في كثير من المدن العربية، ما زال الحديث عن النقل العام يدور غالبًا حول الازدحام، وسرعة الوصول، وعدد الخطوط، ومدى اتساع الشبكة. لكن الخبر الآتي من كوريا الجنوبية يلفت الانتباه إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية: من يستطيع استخدام هذه الشبكة فعلًا وبأمان واستقلالية؟ هذا السؤال هو جوهر تجربة جديدة أعلنتها مدينة دايجون الكورية، حيث تستعد هيئة النقل فيها، بالتعاون مع المعهد الكوري لأبحاث الإلكترونيات والاتصالات، لإجراء اختبار ميداني لروبوت ذكي موجّه لمساعدة ذوي الإعاقة البصرية داخل محطات المترو.

الاختبار سيجري في محطتي «نو أون» و«وورلد컵 경기장» ضمن شبكة المترو في دايجون، وليس في بيئة معقمة داخل مركز أبحاث أو ممر تجريبي محدود. هنا تكمن أهمية الخطوة: الروبوت لن يكتفي بالسير في مسار معلوم مسبقًا، بل سيخضع للتقييم داخل فضاء حقيقي يستخدمه الركاب يوميًا، حيث تتداخل البوابات، وصالات الانتظار، والسلالم، ومناطق الصعود إلى القطار والنزول منه، وما يرافق ذلك من حركة بشرية متغيرة وعوائق متبدلة.

الفكرة الأساسية في المشروع بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالتها: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، حين يقترن بالروبوتات المتحركة، أن يقدّم للمكفوفين وضعاف البصر «مرافقة» آمنة وفعالة داخل واحدة من أكثر البيئات الحضرية تعقيدًا، أي محطات المترو؟ بالنسبة للجهات الكورية المعنية، الجواب لا يُحسم بالوعود التسويقية، بل بالاختبار الواقعي. ولهذا جاء القرار بتحويل محطتين فعليتين إلى ساحة تجريب مفتوحة أمام أسئلة الأداء، والدقة، والموثوقية.

وللقارئ العربي، قد يبدو الأمر قريبًا من تلك اللحظة التي نرى فيها التقنيات المتقدمة تخرج من نشرات المؤتمرات إلى تفاصيل الحياة اليومية: باب منزلق يفتح تلقائيًا، أو تطبيق يرشد إلى الطريق، أو خدمة رقمية تقلل الاعتماد على الآخرين. إلا أن الفرق هنا أن التقنية لا تكتفي بعرض المعلومات على شاشة، بل ترافق الشخص جسديًا في مساره، وتشاركه الحركة نفسها. وهذا انتقال مهم من «تقنية تخبرك» إلى «تقنية تمشي معك».

هذا النوع من الأخبار يهم منطقتنا أيضًا، لأن النقاش العربي حول المدن الذكية لا ينبغي أن يبقى حبيس كاميرات المراقبة والذكاء الإداري وأنظمة الدفع الإلكتروني. المعيار الأكثر إنسانية لأي مدينة ذكية هو قدرتها على خدمة الفئات التي تجد صعوبة أكبر في التنقل. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة دايجون أكثر من مجرد خبر تقني؛ إنها اختبار عملي لفكرة المساواة في الوصول إلى الفضاء العام.

ما هو «غايد دوغ»؟ ولماذا لا يتعلق الأمر بكلب إرشاد تقليدي؟

من المهم توضيح مصطلح أساسي ورد في المشروع الكوري، وهو «غايد دوغ» أو «Guide Dog». التعبير قد يربك من يطالع الخبر للمرة الأولى، لأنه لا يشير هنا إلى كلب إرشاد حيّ كما هو شائع في بعض الدول، بل إلى منظومة روبوتية قائمة على الذكاء الاصطناعي صُممت لتؤدي وظيفة شبيهة بفكرة الإرشاد والمرافقة. أي أننا أمام «كلب إرشاد» بمعناه الوظيفي لا البيولوجي، إن صح التعبير.

هذا التوضيح ليس لغويًا فحسب، بل يحمل بُعدًا اجتماعيًا وتقنيًا. فكلاب الإرشاد المعروفة عالميًا تُعد من أكثر وسائل التنقل دعمًا للمكفوفين من حيث الثقة والفاعلية، لكنها تحتاج إلى تدريب طويل وكلفة مرتفعة وبيئة قانونية وثقافية تتقبل وجودها داخل المرافق العامة. كما أن أعدادها تبقى محدودة جدًا مقارنة بعدد المحتاجين إليها. ولهذا تتجه بعض مراكز البحث إلى التفكير في بدائل أو وسائل مكملة يمكن أن توسّع دائرة المساندة المتاحة.

في الحالة الكورية، تؤكد الجهات المشاركة أن الهدف ليس استبدال كلاب الإرشاد التقليدية أو الدخول في منافسة رمزية معها، بل سد فجوة واضحة بين الاحتياج الفعلي والخدمة المتاحة. هذه نقطة محورية تستحق التوقف عندها، لأن أي تناول صحفي سطحي قد يختزل المسألة في «روبوت ضد كلب»، بينما الحقيقة أن المسار أقرب إلى «تقنية إضافية» ضمن منظومة دعم أوسع.

ولعل هذه الفكرة مألوفة في السياق العربي أيضًا. فنحن لا ننظر عادة إلى المصعد على أنه يلغي السلالم، أو إلى الترجمة الفورية على أنها تلغي تعلم اللغات؛ بل نفهمها بوصفها أدوات توسع الخيارات وتمنح استقلالية أكبر لفئات مختلفة. بهذا المعنى، تحاول كوريا الجنوبية أن تجعل المرافقة الذكية أداة إضافية في يد ذوي الإعاقة البصرية، خصوصًا في البيئات التي يصعب فيها الاعتماد على المساعدة البشرية المستمرة.

كما أن لفظة «المرافقة» هنا ليست تفصيلًا إنشائيًا. في الثقافة الكورية، كما في مجتمعات عربية كثيرة، ترتبط فكرة العون في الأماكن العامة بمفهوم الكرامة والاستقلال معًا. المساعدة المثالية ليست تلك التي تجعل الشخص موضع شفقة، بل التي تمنحه قدرة حقيقية على اتخاذ الطريق بنفسه. وإذا نجح الروبوت في تحقيق هذا القدر من الاستقلال العملي، فإنه سيكون قد تجاوز كونه جهازًا تقنيًا إلى كونه أداة تمكين اجتماعي.

لماذا اختيرت محطة المترو تحديدًا؟ تعقيد المكان هو مفتاح الاختبار

قد يسأل البعض: لماذا تبدأ التجربة في محطات المترو لا في الأرصفة الخارجية أو المباني الحكومية أو المراكز التجارية؟ الجواب أن محطة المترو تمثل، من الناحية التشغيلية، واحدًا من أكثر الفضاءات تعقيدًا بالنسبة لأي شخص يحتاج إلى إرشاد دقيق. فالمستخدم لا يدخل إلى مكان واحد ذي وظيفة ثابتة، بل يمر بسلسلة مترابطة من المراحل: الدخول من البوابة الخارجية، تحديد الاتجاه، العثور على بوابة التذاكر أو العبور، الانتقال إلى صالة الانتظار، الوصول إلى الرصيف الصحيح، ثم التعامل مع لحظة الصعود إلى القطار أو النزول منه.

هذه الرحلة قد تبدو روتينية للأغلبية، لكنها بالنسبة لشخص كفيف أو ضعيف البصر مليئة بالتفاصيل الدقيقة التي قد تتحول إلى عوائق حقيقية إذا غاب الإرشاد المناسب. ومن هنا تأتي القيمة الاختبارية العالية لمحطة المترو: إن نجح الروبوت في هذا المكان، فهو يبرهن على قدرة معتبرة في التعامل مع فضاء حضري متعدد الطبقات، وليس مجرد ممر داخلي بسيط.

في تجربة دايجون، سيجمع الباحثون معلومات مكانية دقيقة من داخل المحطتين، ثم ينشئون بيئة اختبار ميدانية تسمح بتقييم أداء الروبوت في ظروف الاستخدام الفعلي. هذه المعلومات المكانية هي بمثابة «الخريطة الذهنية» التي يحتاجها الروبوت ليعرف موقعه الحالي، ويفهم ما حوله، ويحدد المسار الأنسب نحو الوجهة المطلوبة. لكن ما يجعل المهمة أكثر حساسية هو أن الفضاء الحقيقي ليس ثابتًا تمامًا: هناك ركاب يتحركون، واحتمالات ازدحام، وتغيّر في التدفقات البشرية، وعناصر مفاجئة قد تظهر في الطريق.

في مدن عربية كثيرة، نعرف أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الإشارة أو الخريطة، بل في قدرتها على الصمود أمام الفوضى اليومية: ازدحام اللحظة، وتعطّل جهاز، أو إغلاق ممر مؤقت، أو كثافة بشرية تجعل الطريق النظري مختلفًا عن الطريق العملي. لذلك فإن الاختبار الكوري يكتسب أهمية خاصة لأنه لا يتعامل مع المحطة كنموذج هندسي مثالي، بل كساحة ديناميكية مليئة بالتغيّر.

ومن جهة أخرى، اختيار محطتي «نو أون» و«وورلد컵 경기장» ليس مجرد تفصيل إداري. المحطة، في أي نظام مترو، وحدة اجتماعية بقدر ما هي وحدة نقل. هي مكان تتقاطع فيه جداول الناس وأعصابهم وعاداتهم وسرعة خطواتهم. وعندما تختار مؤسسة نقل أن تفتح هذا المكان أمام تجربة متقدمة تخص ذوي الإعاقة، فهي ترسل أيضًا رسالة عن طبيعة الأولويات العامة: لم يعد الرهان فقط على زيادة الكفاءة التشغيلية، بل على إعادة تعريف الخدمة من زاوية شموليتها.

ثلاث قدرات حاسمة: المشي، ومعرفة الموقع، واتخاذ الطريق

الاختبار الكوري سيركز على ثلاث قدرات رئيسية، قد تبدو تقنية في صياغتها، لكنها في الحقيقة تعني جوهر التجربة الإنسانية للمستخدم. القدرة الأولى هي الأداء الحركي أو كفاءة المشي. فالروبوت ليس تطبيقًا في الهاتف يقترح اتجاها ثم ينتهي دوره، بل كيان متحرك يفترض أن يرافق الشخص من نقطة إلى أخرى بثبات واتزان وأمان. أي خلل في الحركة، ولو كان محدودًا، قد ينسف الثقة كلها في الخدمة.

هذه المسألة مهمة للغاية، لأن التنقل في المترو لا يشبه المشي في ممر مفتوح. هناك منعطفات، وبوابات، وحواف، ومناطق انتقال، وربما اختلاف في الأرضيات أو الارتفاعات. لذلك فإن القدرة على الحركة السلسة ليست «ميزة إضافية» بل شرط أساسي لاعتبار الروبوت صالحًا للمرافقة. في التعبير الصحفي المباشر: إذا لم يستطع الروبوت أن يمشي جيدًا، فلن يستطيع أن يكون رفيق طريق موثوقًا.

القدرة الثانية هي تحديد الموقع داخل المحطة. وهذا يبدو لأول وهلة أمرًا بديهيًا، لكنه في عالم الروبوتات من أكثر التحديات تعقيدًا. أن يعرف الإنسان أين يقف مسألة ترتبط بالذاكرة البصرية والعلامات المحيطة والخبرة السابقة، أما الروبوت فيحتاج إلى دمج بيانات حساسات مختلفة مع خرائط المكان ليفهم بدقة: أين أنا الآن؟ وما الذي يحيط بي؟ وما هي أقرب نقطة آمنة للانتقال؟

إذا أخطأ الروبوت في معرفة موقعه، فستنهار السلسلة التالية من القرارات. وهنا يأتي دور المعلومات المكانية التي ستُجمع من المحطتين. هذه البيانات ليست رفاهية بحثية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه كل عملية توجيه لاحقة. ويمكن تشبيهها، للقارئ العربي، بدليل طريق مفصل لا يكفي أن يكون موجودًا، بل يجب أن يكون محدّثًا ومفهومًا ومترجمًا إلى فعل آني.

أما القدرة الثالثة فهي استكشاف المسار أو اختيار الطريق المناسب. وهذه المرحلة لا تقتصر على رسم خط افتراضي من النقطة «أ» إلى النقطة «ب». بل تعني فهم تسلسل الرحلة: من المدخل إلى بوابة العبور، ثم إلى صالة الانتظار، ثم إلى الرصيف، ثم إلى منطقة الصعود والنزول. في كل جزء من هذا التسلسل، على الروبوت أن يقرر ما إذا كان المسار آمنًا وعمليًا ومناسبًا للحظة الراهنة.

الأهم من ذلك أن هذه القدرات الثلاث ليست جزرًا منفصلة. الحركة الجيدة دون تحديد دقيق للموقع لا تكفي، ومعرفة الموقع دون اختيار المسار الصحيح لا تنجز المهمة، وحتى المسار الصحيح يفقد قيمته إذا تعثرت الحركة الفعلية. ما تسعى إليه تجربة دايجون هو إثبات أن هذه العناصر تعمل معًا كوحدة خدمية واحدة، لا كمجموعة وظائف تقنية مبعثرة. وهذا هو الفارق بين «ابتكار يُعرض في مؤتمر» و«خدمة يمكن أن يعتمد عليها الناس».

ما الذي تكشفه التجربة عن كوريا الجنوبية؟ الذكاء الاصطناعي في خدمة الحياة اليومية

حين تُذكر كوريا الجنوبية في الإعلام العربي، غالبًا ما يذهب الذهن سريعًا إلى الدراما الكورية، وموسيقى الكيبوب، وصناعة التجميل، والهواتف والسيارات. لكن هناك وجهًا آخر لكوريا لا يقل حضورًا في السنوات الأخيرة، وهو سعيها إلى دمج التكنولوجيا المتقدمة في البنية اليومية للحياة العامة. من هذه الزاوية، تبدو تجربة دايجون امتدادًا طبيعيًا لنموذج كوري يعتبر أن التكنولوجيا لا تكتمل قيمتها إلا إذا لامست حياة الناس مباشرة.

هذا النموذج لا يعني أن كوريا حلت جميع مشكلاتها أو وصلت إلى المدينة المثالية، لكنه يكشف منهجًا واضحًا في التفكير: تحويل المرافق العامة إلى منصات اختبار حقيقية للتقنيات الناشئة. فبدل أن تبقى الأبحاث حبيسة الأوراق العلمية والمختبرات المغلقة، يجري دفعها نحو فضاء الاستخدام المدني، حيث تظهر الأسئلة الصعبة: هل تعمل التقنية عند الازدحام؟ هل تصمد أمام التباين البشري؟ هل تحترم احتياجات المستخدم لا خيال المهندس فقط؟

ومن اللافت أن معهد الإلكترونيات والاتصالات الكوري، المعروف اختصارًا بـ ETRI، يلعب دورًا مركزيًا في هذا النوع من المشروعات. هذا المعهد يُعد من أبرز مؤسسات البحث في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كوريا الجنوبية، وما يميّز عمله في هذه الحالة أنه لا يطارد «الابتكار المبهر» بمعناه الدعائي فقط، بل يختبر ما إذا كانت التقنية قابلة للاندماج في سياق النقل العام بكل تعقيداته.

بالنسبة للقراء العرب المهتمين بالثقافة الكورية، تحمل التجربة دلالة أبعد من الجانب التقني. فالمجتمع الكوري، الذي كثيرًا ما يظهر في الأعمال الدرامية بوصفه شديد التنظيم وسريع الإيقاع، يبدو هنا منشغلًا أيضًا بسؤال الرعاية والدمج الاجتماعي. وكما نرى في بعض الدراما الكورية الحديثة التي تقترب من قضايا الصحة النفسية أو الاندماج أو الفوارق الاجتماعية، يتكرر في الواقع الكوري هذا السعي إلى مواءمة الكفاءة مع الحساسية الإنسانية.

في عالمنا العربي، يمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها نموذجًا ملهمًا لا للنسخ الحرفي، بل لإعادة ترتيب الأولويات. فقبل أن نسأل عن شكل المحطة الذكية وألوان شاشاتها، ربما يجدر أن نسأل: هل يستطيع المستخدم الأكثر هشاشة أن يدخلها ويخرج منها دون خوف؟ هذا هو السؤال الذي تضعه كوريا على الطاولة اليوم، وهو سؤال يستحق أن يرافق أي نقاش عربي حول تحديث المدن والبنية التحتية.

بين الإمكانات والواقع: لماذا ينبغي الحذر من المبالغة؟

مع كل الحماسة التي قد يثيرها هذا المشروع، ثمة نقطة مهنية أساسية يجب التشديد عليها: ما يجري في دايجون هو «اختبار ميداني» وليس إعلانًا عن خدمة جاهزة للاستخدام الواسع. هذا التفريق مهم جدًا في الصحافة التقنية، لأن الخلط بين التجربة والمنتج النهائي يخلق توقعات غير واقعية، وقد يقود الجمهور إلى الاعتقاد بأن المسألة حُسمت بينما هي ما تزال في طور التقييم.

حتى الآن، لا توجد معطيات معلنة عن موعد تجاري لتعميم هذه الخدمة، أو عن آليات تشغيلها النهائية، أو عن كلفتها، أو عن كيفية دمجها ضمن البنية اليومية لشبكة المترو. كما لا تتوافر نتائج نهائية يمكن البناء عليها للحكم على مستوى النجاح أو الإخفاق. وما هو متاح حاليًا يقتصر على إطار المشروع، وأهدافه، ومواقع الاختبار، والعناصر التي ستخضع للتقييم.

هذا الحذر لا يقلل من أهمية المشروع، بل يضعه في مكانه الصحيح. فالاختبار الحقيقي لأي تقنية مساعدة لا يقتصر على قدرتها على العمل تقنيًا، بل يشمل قبول المستخدمين لها، ومستوى الثقة التي تبنيها، وسهولة التفاعل معها، ومدى قدرتها على تقليل التوتر لا زيادته. أحيانًا تكون التكنولوجيا متقدمة جدًا، لكنها تفشل لأنها لا تنسجم مع التجربة الإنسانية الفعلية.

هناك أيضًا أسئلة أبعد من الأداء الهندسي: ماذا عن الخصوصية إذا كانت المنظومة تجمع بيانات مكانية دقيقة؟ كيف سيتم التعامل مع الطوارئ أو التغييرات المفاجئة في المحطة؟ ما مدى قدرة الروبوت على التعامل مع الحشود أو الأصوات أو الحالات غير المتوقعة؟ وهل ستكون الخدمة متاحة على نطاق واسع أم ستظل محدودة ضمن تجارب أو فئات معينة؟ هذه أسئلة لا تقل أهمية عن مسألة دقة الملاحة.

في الصحافة العربية المهنية، من الضروري ألا ننجرف خلف خطاب «المعجزة التقنية» الذي يَعِد بحل كل شيء دفعة واحدة. الأصح هو النظر إلى مشروع دايجون باعتباره خطوة جادة واعدة، لكنها خطوة في مسار طويل. وإذا نجحت، فقد تؤسس لمرحلة جديدة في دعم استقلالية المكفوفين داخل النقل العام. أما إذا كشفت صعوبات كبيرة، فستكون تلك النتيجة بدورها مفيدة، لأنها تضع حدودًا واقعية لما تستطيع الروبوتات فعله اليوم.

ماذا يعني هذا للعالم العربي؟ من خبر كوري إلى سؤال محلي ملحّ

قد تبدو المسافة بين دايجون وسيول من جهة، والقاهرة أو الرياض أو دبي أو الدار البيضاء من جهة أخرى، مسافة جغرافية وثقافية بعيدة. لكن القضايا التي يطرحها هذا المشروع أقرب إلينا مما نظن. فالمجتمعات العربية بدورها تواجه تحديات كبيرة في جعل الفضاء العام أكثر شمولًا، سواء على مستوى الأرصفة، أو المباني، أو أنظمة النقل، أو الإشارات المخصصة لذوي الإعاقة.

في عدد من العواصم العربية، شهدنا خلال السنوات الماضية توسعًا في مشاريع المترو والقطارات الحضرية، وتزايدًا في الحديث عن المدن الذكية والخدمات الرقمية. غير أن معيار النجاح الحقيقي لا ينبغي أن يبقى عدد الكيلومترات أو حداثة العربات وحدها، بل قدرة هذه الشبكات على خدمة الجميع. وفي القلب من «الجميع» يأتي ذوو الإعاقة، لا كملف هامشي، بل كاختبار مباشر لمدى نضج التخطيط الحضري.

من هنا، تحمل التجربة الكورية درسًا ثمينًا: لا يكفي أن تُبنى المحطات الحديثة؛ يجب أن تُصمم أيضًا بوصفها فضاءً قابلاً للوصول. وإذا كانت الروبوتات والذكاء الاصطناعي قادرة على لعب دور مساعد في ذلك، فربما يصبح من المفيد للمؤسسات العربية المعنية بالنقل والبحث العلمي أن تتابع مثل هذه النماذج عن قرب، لا لتكرارها حرفيًا، بل لاستلهام منطقها: الشراكة بين جهة تشغيل المرفق العام ومؤسسة البحث العلمي، وتحويل الموقع الحقيقي إلى ساحة اختبار، وربط النجاح بمعيار تجربة المستخدم لا بلمعان التقنية وحده.

ولعل ما يمنح الخبر بعدًا إنسانيًا إضافيًا هو أنه يعيد الاعتبار لفكرة كثيرًا ما تُنسى في نقاشات التحديث: الكرامة في التنقل. أن يتمكن شخص كفيف من دخول المحطة والوصول إلى القطار بثقة أكبر، ومن دون اعتماد كامل على صدفة وجود من يساعده، فهذا ليس رفاهية. إنه جزء من حق أساسي في المدينة وفي الحركة وفي المشاركة اليومية في التعليم والعمل والحياة العامة.

في النهاية، لا تقدم لنا دايجون مجرد حكاية عن روبوت جديد، بل تضع أمامنا صورة أوسع: كيف يمكن أن تتغير وظيفة الذكاء الاصطناعي عندما نطالبه بأن يكون أكثر إنسانية وأقل استعراضًا؟ وكيف يمكن للنقل العام أن يتحول من مقياس للسرعة فقط إلى مقياس للعدالة أيضًا؟ الإجابات لم تكتمل بعد، لأن الاختبارات لم تنتهِ بعد. لكن مجرد طرح هذه الأسئلة داخل محطة مترو عامرة بالناس هو بحد ذاته مشهد يشرح الكثير عن المرحلة القادمة، في كوريا الجنوبية وربما خارجها أيضًا.

وبينما يتابع العالم العربي بشغف وجوه الموجة الكورية الناعمة، من الدراما إلى الموسيقى إلى الموضة، تكشف هذه القصة وجهًا آخر من الحضور الكوري المعاصر: ثقافة مؤسساتية ترى أن التقنية الجيدة هي تلك التي تخدم الإنسان في أكثر لحظاته اليومية بساطة وتعقيدًا في آن واحد. من باب المحطة إلى عتبة القطار، ومن الفكرة البحثية إلى التجربة الميدانية، تمضي كوريا هنا في اختبار سؤال شديد البساطة وشديد العمق: هل يستطيع الابتكار أن يرافق الإنسان فعلًا، لا أن يسبقه فقط؟

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات