광고환영

광고문의환영

وجه الدراما اليابانية الشهير يقدّم جيجو إلى جمهوره: كيف تتحول الجزيرة الكورية إلى قصة ثقافية عابرة للحدود؟

وجه الدراما اليابانية الشهير يقدّم جيجو إلى جمهوره: كيف تتحول الجزيرة الكورية إلى قصة ثقافية عابرة للحدود؟

جيجو على شاشة يابانية... لكن الحكاية أبعد من برنامج سياحي

في زمن لم تعد فيه السياحة تُسوَّق بالصور اللامعة وحدها، بل عبر السرد الثقافي والوجوه المألوفة والذاكرة الشعبية التي يحملها النجوم، تأتي الخطوة الكورية الجديدة لتقديم جزيرة جيجو إلى الجمهور الياباني من بوابة مختلفة: بوابة الدراما والذائقة والرحلة الهادئة. فقد أعلنت سلطات السياحة في جيجو، بالتعاون مع فرع هيئة السياحة الكورية في فوكوؤكا وهيئة جيجو للسياحة، إنتاج برنامج تلفزيوني خاص مدته ساعة بالتعاون مع محطة RKB ماينيتشي اليابانية في إقليم كيوشو، يسلّط الضوء على طبيعة الجزيرة ومطبخها المحلي وتجربتها بوصفها وجهة للراحة والتأمل.

العنصر الأكثر جذباً للانتباه في هذا المشروع ليس فقط جمال جيجو المعروف، بل حضور الممثل الياباني يوتاكا ماتسوشيغه، الوجه المرتبط لدى ملايين المشاهدين اليابانيين بصورة الرجل الذي يكتشف المدن عبر الطعام في الدراما الشهيرة "كودوكو نو غورومي"، المعروفة لدى كثير من المتابعين العرب باسم "الذوّاق المنعزل" أو "المتذوق الوحيد". وحين يظهر ممثل بهذه الحمولة الرمزية وهو يتنقل بين جبل سونغسان إلتشولبونغ، وغابة الشفاء في سوغويبو، والمائدة الجيجوية التي تقوم على المكونات البحرية والنباتات المحلية، فإن الرسالة تتجاوز الترويج التقليدي. هنا لا يُطلب من الجمهور أن يزور مكاناً فحسب؛ بل أن يثق في تجربة يقدّمها له شخص ارتبط في وعيه بفكرة الأكل المتأني، والاكتشاف الحميمي، والتفاصيل اليومية الصغيرة التي تصنع معنى الرحلة.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا النمط مألوفاً على نحو ما. فكما لا تنفصل بعض المدن العربية في المخيال العام عن أصوات مطربيها أو روائح مطابخها أو مشاهدها في السينما، من القاهرة التي تُحكى عبر حواريها ومقاهيها، إلى بيروت التي تُقرأ عبر بحرها وموسيقاها، إلى مراكش التي تُسوَّق اليوم عبر تجربتها الحسية لا بوصفها مجرد معالم، فإن جيجو تدخل هنا المسار نفسه: تتحول من اسم على خريطة كوريا الجنوبية إلى قصة قابلة للتذوق والمشاهدة والتخيل. وهذه بالضبط هي القوة الناعمة حين تعمل في صيغتها الأهدأ والأكثر إقناعاً.

المهم أيضاً أن البرنامج لا يكتفي بخطاب "المناظر الخلابة" الذي يكاد يكون قاسماً مشتركاً في المواد الترويجية حول العالم. بل يربط الطبيعة بالوجدان، والمطبخ بالإيقاع البطيء للحياة، والرحلة بفكرة المكوث لا المرور السريع. وهذا التحول في تقديم جيجو مهم لأن الجزيرة، رغم شهرتها الواسعة داخل كوريا الجنوبية وكونها إحدى أبرز الوجهات الآسيوية، لا تزال بالنسبة إلى جزء من الجمهور العربي اسماً مرتبطاً في الغالب بعطلات المشاهير أو بمشاهد من الدراما الكورية، أكثر من كونها فضاءً ثقافياً كاملاً له نكهته الخاصة.

من "جزيرة للعطلات" إلى "جزيرة للشفاء"... ترجمة ذكية لفكرة كورية

يرتكز البرنامج على مفهوم تصفه الجهات الكورية بـ"جزيرة الشفاء"، وهو تعبير قد يحتاج إلى شرح خارج السياق الكوري والآسيوي. المقصود هنا ليس العلاج الطبي بمعناه المباشر، بل نوع من السفر القائم على الاسترخاء، واستعادة التوازن النفسي، والاقتراب من الطبيعة، والابتعاد عن صخب المدن وأنماط الاستهلاك السريعة. هذا المفهوم يلقى رواجاً متزايداً في شرق آسيا، وخصوصاً في كوريا الجنوبية واليابان، حيث باتت رحلات الغابات والمشي الهادئ والينابيع والأطعمة الموسمية جزءاً من ثقافة "العناية بالذات".

جيجو تبدو مناسبة تماماً لهذه الفكرة. فهي جزيرة ذات طبيعة بركانية فريدة، وتضم مواقع مسجّلة على قائمة اليونسكو للتراث الطبيعي العالمي منذ عام 2007، كما تجمع بين البحر ذي اللون الزمردي، والمسارات الجبلية، والغابات الكثيفة، والكهوف البركانية، والقرى التي لا تزال تحتفظ بشيء من إيقاعها الأبطأ مقارنة بالمدن الكورية الكبرى. بهذا المعنى، يجري تقديم جيجو لا كمنتجع استوائي فحسب، بل كمساحة تتراكم فيها الأزمنة: زمن الطبيعة، وزمن الزراعة، وزمن الصيد، وزمن الطعام الذي لا يستعجل طبقاته.

ولعل ما يلفت النظر في هذه المقاربة أنها شديدة القابلية للعبور إلى جمهور دولي متنوع، بما فيه الجمهور العربي. ففكرة "السفر من أجل الراحة" لم تعد غريبة في مدن عربية كثيرة أنهكها ضغط الحياة اليومية، من ازدحام القاهرة والدار البيضاء والرياض، إلى الإيقاع المتسارع في دبي وجدة وعمّان. ثمة شريحة متزايدة من المسافرين العرب لم تعد تبحث فقط عن التسوق أو الصورة أمام المعلم الشهير، بل عن أماكن تُمنح فيها الفرصة للمشي، والتأمل، وتذوق المأكولات المحلية، والجلوس في فضاء هادئ يطل على البحر أو الجبل. ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو جيجو، حتى من بعيد، جزيرة قابلة للتسويق عاطفياً بلغات عدة.

البرنامج، بحسب ما أُعلن عنه، يركّز على مواقع مثل سونغسان إلتشولبونغ، وهو مخروط بركاني تشكل قبل آلاف السنين ويُعد من أبرز رموز جيجو الطبيعية، إضافة إلى غابة الشفاء في سوغويبو، وهي من الأماكن التي تقترح على الزائر علاقة مختلفة مع المكان: لا زيارات سريعة والتقاط صور ومغادرة، بل بطء مقصود، تنفس عميق، ومشي يشبه طقوس الاستعادة النفسية. في المنطقة العربية، يمكن تشبيه هذا التحول بما حدث مع بعض الوجهات التي باتت تُسوَّق بوصفها تجارب للسكينة، مثل الواحات الجبلية في عُمان، أو مدن الشمال التركي لدى السائح العربي، أو حتى بعض القرى المغربية التي تحولت من نقاط عبور إلى وجهات للاسترخاء والإقامة البطيئة.

هذا النوع من الترجمة الثقافية مهم لأن النجاح في السياحة المعاصرة لا يقوم على الشرح المباشر فقط، بل على اختيار كلمات قادرة على خلق خيال مشترك. وعبارة "جزيرة الشفاء" تؤدي هذا الدور بفاعلية؛ فهي تختصر الوعد الذي يقدمه المكان من دون حاجة إلى شروحات تقنية كثيرة. إنها لغة عالمية تقريباً: طبيعة، هدوء، طعام، ومكوث. وهذه العناصر، حين تُجمع جيداً، تكفي لكي تُقنع مشاهداً لم يفكر من قبل في جيجو بأن يضعها على قائمته المقبلة.

حين يقود الطعام الحكاية: لماذا يوتاكا ماتسوشيغه اختيار ذكي؟

إذا كان للمكان بطل، فإن للطريقة التي يُروى بها المكان بطلاً آخر. وهنا تكمن دلالة اختيار يوتاكا ماتسوشيغه. الرجل ليس نجماً عادياً في اليابان؛ صورته الجماهيرية مرتبطة بنوع خاص من السرد التلفزيوني الذي يجعل الطعام مرآة للمدينة والناس واليوميات. في أعمال من هذا النوع، لا يكون الطبق مجرد وصفة، بل نافذة على المزاج الاجتماعي، وعلى علاقة الإنسان بمحيطه، وعلى التفاصيل التي لا تلتقطها الكتيبات السياحية الرسمية.

لهذا السبب تحديداً يبدو ظهوره في جيجو أكثر من مجرد استضافة لممثل معروف. الجمهور الياباني الذي تابع ماتسوشيغه وهو يدخل مطاعم صغيرة، ويتأمل الأطباق، ويمنح الطعام وقتاً واحتراماً، سيكون مستعداً نفسياً لتصديق تجربته في الجزيرة الكورية. وحين يتذوق مكونات محلية نظيفة، أو يتوقف عند أطباق مستمدة من البحر ومن الحقول البركانية، فإنه يمنح تلك الأطعمة شهادة غير مكتوبة من قلب صورة جماهيرية راسخة.

في الصحافة الثقافية العربية، نعرف جيداً أثر الوجه المألوف في تغيير موقع بأكمله على الخريطة. يكفي أن يظهر فنان محبوب في حي قديم أو مطعم تراثي أو مدينة ساحلية حتى يبدأ الجمهور في ربط المكان بذلك الظهور، وتتحول الزيارة من فعل سياحي إلى نوع من الاقتداء العاطفي. وهذا ما تعوّل عليه جيجو هنا بذكاء. فالمشاهد لا يتلقى معلومات عن الجزيرة على شكل أرقام ومسافات وخرائط، بل يراها بعين شخصية يعرفها ويثق بها.

الأهم أن الطعام في جيجو ليس زينة جانبية. الجزيرة تمتلك بالفعل ثقافة غذائية مخصوصة نتجت عن عزلتها النسبية وطبيعتها البركانية واقترابها اللصيق من البحر. المكونات البحرية الطازجة، والأعشاب والنباتات البرية، والاعتماد على موسمية واضحة، كلها عناصر تمنح مطبخ جيجو شخصيته المستقلة داخل المطبخ الكوري نفسه. وفي هذا السياق، لا يصبح تقديم الطعام عرضاً لقائمة أطباق، بل شرحاً لطريقة عيش كاملة: كيف تصنع البيئة الذائقة، وكيف يصوغ البحر والريح والتربة البركانية تفاصيل المائدة.

من زاوية أوسع، ينسجم هذا مع مسار معروف في الموجة الكورية. فـ"الهاليو" لم تعد محصورة في الدراما والكيبوب، بل باتت تتسع لتشمل الطعام، ومستحضرات التجميل، والتصميم، ونمط العيش، وحتى خيال السفر ذاته. وحين يرتبط اسم ممثل ذائع الصيت بالطعام والطبيعة في مكان كجيجو، فإننا نكون أمام توسع واضح في مفهوم المحتوى الكوري: من الشاشة إلى الجغرافيا، ومن الإعجاب بالنجم إلى الرغبة في تقليد مساره.

صورة أخرى للجزيرة: البحر والمقاهي والرحلة الحسية

لا يقتصر البرنامج على ماتسوشيغه وحده، إذ تشارك فيه أيضاً المذيعة والممثلة اليابانية هيرويه إيغيـتا، التي تضيف للرحلة زاوية مختلفة وأكثر خفة وحساسية بصرية. فبينما يقود ماتسوشيغه خطاً يعتمد على الطعام والطبيعة العميقة والمشي في الغابة والجبل، تتجه إيغيـتا إلى البحر والشمس والتجارب الترفيهية وزيارة المقاهي ذات الطابع الخاص. وبهذا يتشكل سرد مزدوج: جيجو بوصفها مكاناً للتأمل البطيء، وجيجو أيضاً بوصفها مساحة عصرية للتجربة والصورة والاستمتاع اليومي.

هذه الثنائية ليست تفصيلاً ثانوياً. فهي تعكس بدقة الطريقة التي تُستهلك بها الوجهات السياحية اليوم، وخصوصاً بين الأجيال الشابة. فالمسافر المعاصر يريد غالباً أكثر من نوع واحد من الخبرة؛ يريد الطبيعة لكنه يريد أيضاً فضاءً جذاباً بصرياً، ويريد الثقافة لكنه يريد كذلك أماكن قابلة للمشاركة على المنصات الاجتماعية. ومن هنا يأتي التركيز على المقاهي في جيجو، وهي ليست مجرد أماكن لشرب القهوة، بل فضاءات تجمع بين العمارة والمنظر والتصميم والهدوء والتقاط الصور.

وللقارئ العربي، قد يبدو هذا مألوفاً تماماً. فقد أصبحت ثقافة المقاهي المميزة جزءاً من خرائط السفر الحديثة في العالم العربي أيضاً، من المقاهي المطلة على النيل أو البوسفور أو جبال أبها، إلى تلك التي تجمع بين المنظر والهوية البصرية والطعام الخفيف. وفي كوريا الجنوبية، كما في اليابان، تلعب هذه الأمكنة دوراً أكبر من وظيفتها التقليدية؛ إنها محطات للعيش البطيء وإنتاج الذكرى الشخصية، ومسرح صغير لإحساس مؤقت بالسكينة والأناقة.

عبر هذه المقاربة، يُعاد تعريف جيجو أمام المشاهد الياباني بوصفها مكاناً متعدد الطبقات: يمكنك أن تمشي في غابة علاجية صباحاً، وأن تتأمل البحر بعد الظهر، وأن تختم يومك في مقهى مصمم بعناية يطل على الأفق المفتوح. وهذه الصورة المركبة هي على الأرجح ما يجعل الجزيرة تبدو قريبة من تطلعات جمهور شرق آسيا، وربما أيضاً من تطلعات عدد متزايد من المسافرين العرب الباحثين عن تجارب أقل صخباً وأكثر حسية.

كما أن هذا المزج بين الطبيعة الخام والفضاءات المصممة بعناية يُظهر جانباً مهماً من الثقافة الكورية المعاصرة: القدرة على تحويل المشهد الطبيعي إلى تجربة مدنية أنيقة من دون إلغاء أصله. في جيجو، لا تُعرض الطبيعة بوصفها نقيضاً للحداثة، بل شريكاً لها. وهذا أمر يهم المتابع العربي الذي يرى كيف تتغير خرائط السياحة في العالم، وكيف لم يعد الجمال الطبيعي وحده كافياً إذا لم يُرفق بطريقة معيشة قابلة للتجربة والمشاركة والسرد.

من كيوشو إلى جيجو: الجغرافيا القريبة والسياسة الناعمة البعيدة

اختيار محطة RKB ماينيتشي في كيوشو ليس تفصيلاً إدارياً فقط، بل يحمل دلالة جغرافية وثقافية. إقليم كيوشو هو من أقرب المناطق اليابانية إلى شبه الجزيرة الكورية، وتربطه بكوريا الجنوبية حركة سفر وتبادل تاريخي وسياحي ملحوظة. وحين يُبث برنامج عن جيجو عبر قناة إقليمية قريبة نفسياً وجغرافياً من كوريا، فإن المسافة بين المشاهد والوجهة تتقلص أكثر. لا تعود جيجو "خارجاً بعيداً"، بل احتمالاً عملياً لرحلة قريبة نسبياً، وربما بديلة عن وجهات تقليدية مستهلكة.

هذا النوع من الترويج الإقليمي الذكي مهم في آسيا اليوم، حيث تُبنى كثير من قرارات السفر على سهولة الوصول، وقصر المدة، والإحساس بالألفة الجزئية. واللافت أن الجهات الكورية لا تراهن هنا على الخطاب القومي الصلب أو على الاستعراض الدعائي المباشر، بل على قصة بسيطة ومقنعة: ممثل محبوب، جزيرة جميلة، طعام محلي، وغابة وبحر ومقاهٍ. إنها دبلوماسية ثقافية ناعمة بأدوات تلفزيونية مألوفة.

وفي العالم العربي، نتابع منذ سنوات كيف تتسع أدوات القوة الناعمة في كوريا الجنوبية بعيداً من الدراما والموسيقى. اليوم هناك مؤسسات سياحية وهيئات رسمية تفكر بعقلية المنتج الثقافي، لا بعقلية المنشور الإعلاني الجامد. وهذا فارق أساسي. لأن الجمهور، سواء في اليابان أو في المنطقة العربية، لم يعد يتفاعل بالقدر نفسه مع الخطابات الترويجية الصريحة. ما يجذبه حقاً هو القصة: من يمشي هناك؟ ماذا يأكل؟ كيف يبدو الضوء في ذلك المكان؟ وما الذي يمكن أن أشعر به إذا ذهبت؟

من هذه الزاوية، تصبح جيجو مادة مثالية للدبلوماسية الثقافية. فهي بعيدة بما يكفي لتبدو مميزة، وقريبة بما يكفي لتبدو ممكنة. وهي محلية جداً في خصوصيتها، لكنها عالمية في رموزها: البحر، الجبل، الطعام، الراحة. ولهذا لا يُستبعد أن يحقق البرنامج أثراً ممتداً يتجاوز موعد بثه التلفزيوني، خصوصاً مع إعلان نشره لاحقاً عبر قناة الأخبار الرسمية للمحطة على يوتيوب. فالحياة الثانية للمحتوى اليوم لا تبدأ على الشاشة بل على المنصات، حيث يعاد تقطيعه وتداوله وربطه برغبات سفر جديدة.

وهنا بالتحديد يكمن الرهان الحقيقي: ليس عدد المشاهدين ليلة العرض فقط، بل عدد المرات التي ستظهر فيها لقطة من جيجو على شاشة هاتف، أو مقطع قصير لماتسوشيغه وهو يتذوق طبقاً محلياً، أو مشهد لبحر زمردي ومقهى مضاء بالشمس. الصورة المتكررة، لا الإعلان المباشر، هي التي تصنع الوجهة في الوعي الجماعي المعاصر.

جيجو بوصفها فصلاً جديداً من الهاليو... حين تصبح الجغرافيا نجمة

ربما لا يرقى هذا الخبر، في ظاهره، إلى مستوى إطلاق مسلسل ضخم أو تصدر فرقة كورية لقوائم الموسيقى العالمية. لكنه في العمق يكشف اتجاهاً مهماً في تطور الموجة الكورية: انتقال البطولة تدريجياً من الأشخاص وحدهم إلى الأماكن التي تحتضنهم. فبعد سنوات كانت فيها المدن والمناظر الطبيعية مجرد خلفيات لقصص الحب أو الدراما الاجتماعية أو برامج المنوعات، أصبحت بعض المناطق الكورية تقدَّم اليوم كأبطال قائمين بذاتهم، لها نكهتها وسرديتها وقيمتها الرمزية.

جيجو مثال واضح على ذلك. فهي لا تدخل هذا البرنامج بوصفها "ديكوراً جميلاً"، بل باعتبارها مسرحاً مكتمل العناصر: إرث طبيعي عالمي، مطبخ محلي، غابة للشفاء، مساحات للبحر، وثقافة مقاهٍ عصرية. هذا التكامل هو ما يجعلها مؤهلة لتكون أكثر من مجرد محطة على جدول سياحي؛ يجعلها منتجاً ثقافياً قابلاً للتصدير. وبالنسبة إلى صناع الهاليو، فإن هذا النوع من التوسع بالغ الأهمية، لأنه يطيل عمر الاهتمام بكوريا خارج دورة الضجيج السريع المرتبط بالأغاني والنجوم.

في السياق العربي، قد يكون من المفيد النظر إلى هذه الخطوة كدرس في كيفية بناء صورة مكانية حديثة. فالمكان لا يُسوَّق اليوم بالمعالم فقط، بل بالعلاقة التي يمكن أن تنشأ بينه وبين الجمهور: هل يقدم إيقاعاً مختلفاً؟ هل لديه مذاق خاص؟ هل يمكن أن يُختصر في مشهد أو وجه أو تجربة؟ كوريا الجنوبية تبدو واعية جداً لهذه الأسئلة، ولذلك تتحرك من خلال تحالفات تجمع المؤسسات الرسمية بصناعة المحتوى ونجوم الثقافة الشعبية.

كما أن الخبر يحمل بُعداً آخر لا يقل أهمية: أن الجمهور الياباني، رغم تاريخه المعقد مع كوريا الجنوبية، لا يزال مجالاً حيوياً لتدفق المحتوى الكوري إذا ما قُدِّم في صيغة ملائمة ومرنة. والسياحة واحدة من أكثر المساحات قدرة على تهدئة التوترات الرمزية، لأنها تخاطب الحواس والفضول والرغبة في الاكتشاف، لا الجدل الأيديولوجي المباشر. حين يتابع المشاهد مكاناً عبر الطعام والبحر والشمس، فإنه يدخل إليه من باب أقل صداماً وأكثر إنسانية.

وعلى الأرجح، هذا ما يجعل جيجو مناسبة جداً لهذا الدور. فهي جزيرة لا تحتاج إلى كثير من الشرح لكي تُحب. يكفي أن تُروى جيداً. ويبدو أن الكوريين اختاروا لهذه الرواية أدوات محسوبة: ممثل يحمل صدقية الذائقة، ومقدمة تضيف خفة الصورة، وقناة قريبة من جمهور يمكنه أن يقرر السفر فعلاً، ومحتوى يصل إلى التلفزيون ثم يستكمل حياته على يوتيوب ومنصات التداول.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ العربي المهتم بالثقافة الكورية؟

بالنسبة إلى المتابع العربي للموجة الكورية، يقدم هذا التطور إشارة واضحة إلى أن كوريا الجنوبية توسع تعريفها لذاتها الثقافية أمام العالم. لم تعد تقول فقط: شاهدوا مسلسلاتنا، استمعوا إلى موسيقانا، أو جرّبوا أطعمتنا في مطاعمكم المحلية. بل تقول أيضاً: تعالوا لتروا أين تعيش هذه الحكايات، وكيف تبدو الجغرافيا التي تنتج هذا الحس الجمالي كله. وهذا تحول مهم لأن العلاقة مع الثقافة، في نهاية المطاف، تكتمل حين تتحول من استهلاك عن بُعد إلى رغبة في المعايشة المباشرة.

جيجو تحديداً تملك مؤهلات تجعلها جذابة للجمهور العربي إذا ما حظيت بتغطية أوسع باللغة العربية: طبيعة لافتة، طقس مختلف عن صخب المدن الكبرى، حضور متكرر في المخيال الكوري المعاصر، وفرصة للتعرف إلى كوريا خارج سيول وبوسان. وهي أيضاً وجهة تسمح بفهم جانب آخر من المجتمع الكوري: علاقته بالطبيعة، وبالإيقاع البطيء، وبفكرة أن الطعام ليس استهلاكاً سريعاً بل جزء من الذاكرة والمكان.

ومن منظور إعلامي، يُظهر هذا الخبر كيف يمكن لقصة تبدو صغيرة نسبياً أن تحمل معاني أكبر من حجمها المباشر. إننا لا نتحدث فقط عن برنامج سياحي مدته ساعة، بل عن نموذج متكامل لكيفية تحويل الإقليم إلى سردية ثقافية قابلة للتصدير. وهذا ما يفسر لماذا تستحق مثل هذه التطورات اهتمام الصحافة الثقافية العربية، لا سيما في ظل اتساع جمهور الهاليو عربياً، وارتفاع فضول القراء تجاه ما يقع خارج العناوين المعتادة للدراما والكيبوب.

قد لا يغيّر هذا البرنامج وحده خريطة السفر في شرق آسيا أو يدفع موجات فورية من الزوار إلى جيجو. لكن أثره الحقيقي قد يظهر تدريجياً، كما يحدث غالباً مع المحتوى الثقافي الناجح: لقطة تُتداول، اسم جزيرة يترسخ، طبق يثير الفضول، وممثل محبوب يجعل المشاهد يقول لنفسه إن هذه الرحلة تستحق أن تُجرّب. وهنا بالتحديد تتحول السياحة إلى امتداد عضوي للثقافة الشعبية، وتتحول الجزيرة إلى دعوة مفتوحة لا تُقال بصوت عالٍ، لكنها تُفهم من أول مشهد.

في النهاية، تبدو جيجو في هذا المشروع كأنها ترسل بطاقة تعريف جديدة إلى العالم: أنا لست فقط محطة عطلة، ولا مجرد منظر طبيعي يصلح للخلفيات الحالمة. أنا مكان تُقرأ فيه كوريا بطريقة أهدأ، ويُفهم فيه معنى الشفاء والسفر البطيء والطعام بوصفه حكاية. ومع وجود وجه مثل يوتاكا ماتسوشيغه في المقدمة، تصبح هذه البطاقة أكثر قابلية للوصول إلى قلوب المشاهدين، في اليابان أولاً، وربما أبعد من ذلك بكثير.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات