광고환영

광고문의환영

حين تتحول المساحة المهملة إلى فصل دراسي: مبادرة ليلية في إسكان عام بجزيرة جيجو تفتح باب التعلم لكبار السن

حين تتحول المساحة المهملة إلى فصل دراسي: مبادرة ليلية في إسكان عام بجزيرة جيجو تفتح باب التعلم لكبار السن

تعليم يأتي إلى الناس بدل أن يطلب منهم المجيء إليه

في كثير من المجتمعات العربية، كما في كوريا الجنوبية، لا تنتهي قضية محو الأمية عند حدود القدرة على قراءة الحروف وكتابتها، بل تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بالكرامة والاستقلال والقدرة على تدبير شؤون الحياة اليومية. ومن هذا المنظور، تكتسب الخطوة التي أعلنتها مؤسسة تطوير جزيرة جيجو في كوريا الجنوبية أهمية تتجاوز طابعها المحلي. فالمؤسسة قالت إنها ستشغّل برنامجاً لدعم تعليم القراءة والكتابة ليلاً لكبار السن داخل مساحة غير مستغلة في مجمع سكني للإيجار العام في حي سامدو-إيل دونغ بمدينة جيجو، في مشروع يحمل اسماً لافتاً هو «أولّيهُنا، ساحة ضوء النجوم».

الخبر في ظاهره بسيط: جهة عامة وجدت مساحة فارغة داخل إسكان عام، فقررت أن تحولها إلى مكان للتعلم. لكن القيمة الحقيقية للمبادرة تكمن في ما وراء هذا القرار. هنا لا نتحدث عن بناء مدرسة جديدة أو افتتاح مركز ضخم بتكلفة عالية، بل عن إعادة تعريف وظيفة المكان نفسه. المساحة التي كانت خاملة أو زائدة عن الحاجة أصبحت، فجأة، باباً لمواجهة عزلة معرفية يعيشها بعض كبار السن، ولا سيما أولئك الذين يجدون صعوبة في الالتحاق بالبرامج التعليمية التقليدية خلال النهار.

هذا النوع من الأخبار يهم القارئ العربي أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى. ففي مدن عربية كثيرة، من أحياء القاهرة الشعبية إلى أطراف الدار البيضاء، ومن ضواحي عمّان إلى مدن الخليج الجديدة، توجد مساحات عامة لا يُعاد التفكير في استخدامها بما يخدم الناس مباشرة. وغالباً ما يجري التعامل مع الإسكان الاجتماعي أو العام باعتباره مجرد حل سكني، لا باعتباره بنية اجتماعية يمكن أن تحتضن التعليم والرعاية والمشاركة المجتمعية. ما فعلته جيجو يلفت النظر إلى فكرة شديدة البساطة وفعّالة في آن: إذا كان الناس يواجهون صعوبة في الوصول إلى الخدمة، فلماذا لا تنتقل الخدمة إليهم؟

ووفق المعطيات المعلنة، فإن البرنامج يستهدف كبار السن تحديداً، وبخاصة من تعوقهم ظروف العمل أو الارتباطات الشخصية عن حضور الدروس نهاراً. وهذا التفصيل مهم للغاية، لأنه يكشف أن الجهة المنفذة لم تنظر إلى المستفيدين باعتبارهم كتلة واحدة لها جدول حياة موحّد، بل تعاملت مع واقعهم كما هو: هناك كبار سن ما زالوا يعملون، وهناك من يعتنون بأحفادهم، وهناك من يرتبطون بمواعيد علاج أو التزامات أسرية تجعل النهار وقتاً مزدحماً لا يقل عن أي مرحلة عمرية أخرى.

من هنا، تبدو المبادرة مثالاً عملياً على ما يمكن وصفه بالسياسة الاجتماعية القريبة من إيقاع الحياة الفعلية للناس، لا من إيقاع المكاتب والجداول الرسمية. وهذه بالضبط هي النقطة التي تمنح الخبر بعده الإنساني والمهني معاً.

لماذا يحمل الليل هنا معنى خاصاً؟

في الوعي العام، يرتبط التعليم عادة بالصباح: مدرسة تُفتح أبوابها باكراً، جامعة تنشط في النهار، ودورات تدريبية تُنظَّم في ساعات العمل الرسمية. لكن المبادرة في جيجو تقلب هذه الصورة قليلاً، وتقول إن الليل يمكن أن يكون وقتاً للتعلم أيضاً، لا وقتاً للانكفاء فقط. هذا التحول في التوقيت ليس تفصيلاً إدارياً صغيراً، بل هو في صلب فكرة العدالة في الوصول إلى التعليم.

في العالم العربي، نعرف جيداً معنى «الفرصة الثانية». كثيرون من كبار السن، وخصوصاً النساء في بعض الأرياف أو المناطق الفقيرة، لم تتح لهم في طفولتهم فرصة منتظمة للتعليم. بعضهم حمل الأسرة على كتفيه مبكراً، وبعضهم اضطر إلى العمل في سن صغيرة، وبعضهم خرج من المدرسة قبل أن يثبت أقدامه في مهارات القراءة والكتابة. ولذلك فإن أي برنامج ناجح لمحو الأمية لا بد أن يبدأ من الاعتراف بأن المشكلة ليست في «غياب الرغبة» لدى المتعلم، بل في أن الحياة نفسها قد تكون أغلقت الباب أمامه لسنوات طويلة.

في هذا السياق، تبدو الدروس الليلية في جيجو استجابة ذكية لعائق زمني قلما يلتفت إليه المخططون. فكبار السن ليسوا بالضرورة متفرغين نهاراً، كما قد يُفترض بسهولة. بعضهم يعمل في وظائف بسيطة أو موسمية، وبعضهم يعيش دوراً يومياً في رعاية الأسرة، خاصة في مجتمعات تشهد تغيرات ديموغرافية وتوسّعاً في مسؤوليات الأجداد داخل المنزل. عندما يُنقل البرنامج إلى ساعات المساء، فإن الرسالة الضمنية تصبح واضحة: لسنا نطلب منك أن تغيّر حياتك كي تتعلم، بل نحاول أن نكيّف التعلم مع حياتك.

هذا المعنى شديد الأهمية في النقاشات العربية حول التعليم المستمر. فنحن كثيراً ما نحتفي بالمبادرات التي «تفتح فصلاً»، لكننا أقل اهتماماً بالسؤال الأهم: هل وقت الفصل مناسب فعلاً لمن يفترض أن يحضر؟ في تجارب كثيرة، تتعثر البرامج الاجتماعية لا بسبب ضعف المحتوى، بل لأن تصميمها يفترض متلقياً مثالياً لا يشبه الناس الحقيقيين. ولهذا يمكن النظر إلى مبادرة جيجو باعتبارها محاولة لخفض «حاجز الوقت» تماماً كما خفّضت «حاجز المكان».

واللافت أن الليل في هذا المشروع ليس مجرد خلفية زمنية، بل جزء من هوية البرنامج نفسه، كما يوحي اسمه الذي يستدعي النجوم والساحة المفتوحة. وهنا يلتقي البعد العملي بالبعد الرمزي: التعلم لا يأتي في قاعات رسمية باردة فقط، بل يمكن أن ينمو في فضاء مجاور للبيت، وفي وقت هادئ، كأنه امتداد لحياة الحي لا قطيعة معها.

ما معنى «أولّه» ولماذا يهم هذا التفصيل القارئ العربي؟

اسم البرنامج «우리 올레 별빛 뜨락»، الذي يمكن شرحه على نحو تقريبي بوصفه «ساحة ضوء النجوم على درب أولّه»، ليس اسماً عابراً. فكلمة «أولّه» في جزيرة جيجو تحمل دلالة محلية خاصة، وهي تشير في الثقافة الجيجوية إلى الطرقات أو الممرات الصغيرة المتصلة بالبيوت والقرى والحياة اليومية. وقد اشتهرت الكلمة عالمياً من خلال «مسارات أولّه جيجو» المعروفة بين محبي المشي والسياحة البيئية. غير أن استخدامها هنا ليس ترويجاً سياحياً، بل استدعاء لروح المكان: الدرب القريب، الممر الذي يعرفه الناس، والطريق الذي يصل البيت بالمجتمع.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن تقريب المعنى بمقارنته بالأزقة الحميمة في المدن القديمة، أو بـ«حارة» يعرف أهلها بعضهم بعضاً، أو بـ«الدرب» الذي لا يُختصر في كونه مساراً جغرافياً بل يحمل ذاكرة اجتماعية. وعندما يقترن «أولّه» بـ«ضوء النجوم» و«الساحة»، فإن الاسم يبدو كأنه ينسج صورة شاعرية لفضاء تعلم غير متكلف: مكان قريب، ليلي، دافئ، ومفتوح على الجيرة.

هذا التفصيل الثقافي مهم لأن جزءاً من نجاح أي خدمة عامة يكمن في قدرتها على مخاطبة الناس بلغة مألوفة لهم، لا بلغة بيروقراطية جافة. المؤسسات الرسمية في أي بلد قد تقع بسهولة في فخ الأسماء الطويلة والعناوين التقنية، لكن اختيار اسم محلي ذي إيقاع إنساني يشير إلى محاولة لجعل المشروع أقرب إلى المتلقي. وكأن الرسالة تقول لكبير السن: هذا ليس برنامجاً مفروضاً عليك من أعلى، بل مساحة من نسيج حياتك اليومية.

وفي التجربة الكورية عموماً، كثيراً ما نرى هذا المزج بين الحداثة الإدارية والهوية المحلية. فالدولة الحديثة هناك لا تعمل دائماً عبر قوالب موحدة صلبة، بل تحاول أحياناً أن تترك للمكان خصوصيته اللغوية والثقافية. وهذا أمر يستحق التأمل عربياً، لأن نجاح السياسات الاجتماعية يرتبط أيضاً بمدى إحساس الناس بأنها تنتمي إلى بيئتهم، لا إلى لغة المؤسسات وحدها.

ولعل أكثر ما يجعل هذه الفكرة مؤثرة هو أنها تنقل جيجو من صورة الجزيرة السياحية اللامعة إلى صورة المجتمع الحي الذي يواجه تحديات الشيخوخة والوصول إلى الخدمات والتعلم المستمر. فالقارئ العربي الذي يعرف جيجو غالباً من بوابة المناظر الطبيعية أو الدراما الكورية أو صور شهر العسل، يجد نفسه أمام وجه آخر للجزيرة: وجه الحياة اليومية الهادئة، حيث تصبح زاوية فارغة في مجمع سكني مناسبة لإعادة وصل إنسان باللغة والكتابة.

محو الأمية هنا ليس درساً مدرسياً بل أداة للعيش بكرامة

عندما تتحدث مؤسسة تطوير جيجو عن «تعليم محو الأمية»، فهي لا تحصر المشروع في تلقين الأحرف أو تدريب بسيط على الكتابة. المعنى الأوسع، كما ورد في شرح المبادرة، يتعلق بمساعدة كبار السن على التكيف مع الحياة اليومية وتعزيز مشاركتهم الاجتماعية. وهذه نقطة جوهرية، لأن الأمية في سن متقدمة ليست مشكلة تعليمية صرفة، بل مشكلة وصول إلى المعلومات والخدمات والعلاقات.

من يعرف تفاصيل الحياة المعاصرة يدرك أن القراءة والكتابة لم تعودا ترفاً ثقافياً. فحتى أبسط المعاملات اليومية باتت تتطلب الحد الأدنى من القدرة على الفهم النصي: تعليمات الأدوية، لوحات المستشفيات، إشعارات الإدارة المحلية، معلومات النقل، الرسائل الهاتفية، نماذج المعاملات، وفواتير الخدمات. وفي مجتمعات تتسارع فيها الرقمنة، قد تتحول الأمية أو ضعف المهارات الأساسية إلى شكل من أشكال الإقصاء الصامت.

يمكن للقارئ العربي أن يجد هنا صدى واضحاً لتجارب مألوفة. كم من شخص مسنّ يضطر إلى طلب المساعدة لقراءة ورقة رسمية أو رسالة نصية أو تعليمات موعد طبي؟ وكم من كبار السن يشعرون بحرج داخلي لأنهم لا يستطيعون التعامل مع نصوص بسيطة بينما يتحرك العالم من حولهم بسرعة؟ في هذه المسافة بين الحاجة اليومية والخجل الاجتماعي تنمو عزلة لا تُرى بسهولة، لكنها تترك أثراً عميقاً في الإحساس بالاستقلال والكرامة.

ولهذا فإن تحويل مكان سكني قريب إلى فضاء للتعلم قد يحمل أثراً نفسياً لا يقل أهمية عن أثره التعليمي. فالمتعلم هنا لا يذهب إلى مؤسسة بعيدة قد يشعر داخلها بالغربة أو الوصم، بل يدخل مكاناً من بيئته المباشرة، على مقربة من بيته، وفي محيط يعرف وجوهه. هذا القرب قد يقلل من التردد، ويشجع على الاستمرار، ويمنح العملية التعليمية شيئاً من الألفة التي يحتاجها كبار السن أكثر من أي فئة أخرى.

كما أن المبادرة تعيد التذكير بأن محو الأمية في الشيخوخة ليس هزيمة متأخرة، بل انتصار متأخر. والحديث عن «التعلم في العمر الكبير» ينبغي ألا يُقدّم بلغة الشفقة، وإنما بلغة الحقوق. فمن حق أي إنسان، مهما تقدم به العمر، أن يملك الأدوات التي تساعده على فهم العالم المحيط به والتفاعل معه من دون وسيط دائم.

هذه الفكرة تشبه، في معناها الاجتماعي، ما عبّرت عنه مشاريع عربية ناجحة حين ربطت التعليم بالحياة اليومية لا بالشهادات. فالهدف في النهاية ليس اجتياز اختبار، بل أن يتمكن الإنسان من قراءة لافتة، وفهم موعد، وتعبئة نموذج، وكتابة اسم أو رسالة، والدخول إلى المجال العام بخطوات أكثر ثقة.

الإسكان العام بوصفه مركز خدمة اجتماعية لا مجرد سقف فوق الرؤوس

أحد أهم أبعاد الخبر الكوري أن المشروع يجري داخل مجمع للإيجار العام، أي داخل بنية سكنية أُنشئت أساساً لتحقيق الاستقرار السكني. لكن استخدام جزء غير مستغل من هذه البنية في خدمة تعليمية يفتح الباب أمام فهم جديد لدور السكن العام. فالمسألة لم تعد محصورة في توفير شقة أو وحدة سكنية، بل في النظر إلى المجمع نفسه باعتباره فضاء يمكن أن يحتضن خدمات اجتماعية تعالج مشاكل السكان مباشرة.

هذه الفكرة متقدمة في منطقها، لأنها تنطلق من أن مشكلات الفئات الهشة مترابطة: السكن، والوصول إلى التعليم، والاندماج المجتمعي، والرعاية، والتنقل، كلها حلقات في سلسلة واحدة. وإذا كانت الدولة أو المؤسسة العامة قد نجحت في جمع الناس ضمن بيئة سكنية مستقرة، فإن الخطوة التالية الطبيعية هي التفكير في نوع الخدمات التي يمكن أن تُقدَّم داخل هذه البيئة نفسها لتخفيف الأعباء عن السكان.

في العالم العربي، نحتاج كثيراً إلى هذا النوع من التفكير متعدد الوظائف. فكم من مشروع إسكان اجتماعي أو تطوير حضري ينجح عمرانياً لكنه يتعثر اجتماعياً، لأن الخدمات المرافقة لا تنمو بالوتيرة نفسها؟ وكم من أحياء سكنية جديدة تُسلَّم للسكان قبل أن تتحول فعلاً إلى مجتمعات قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من تعليم وتواصل ودعم؟ خبر جيجو يقدّم مثالاً صغيراً لكنه عملي على كيف يمكن للمساحة المشتركة أن تتحول إلى رأس مال اجتماعي.

ثم إن اختيار «المساحة غير المستغلة» يحمل دلالة مهمة بحد ذاته. فبدلاً من البحث عن ميزانيات إنشائية كبيرة أو إطلاق مشاريع جديدة بالكامل، اعتمدت المبادرة على إعادة توظيف الموجود. وهذا منطق إداري واقتصادي ذكي، خاصة في زمن تزداد فيه الضغوط على الموارد العامة. القيمة هنا ليست في ضخامة الاستثمار، بل في دقة ملاحظة الحاجة وتطابقها مع مورد متاح لكنه مهمل.

وبالنسبة إلى جزيرة مثل جيجو، التي تتمتع بخصوصية جغرافية باعتبارها منطقة جزيرية، فإن قرب الخدمة من مكان السكن يكتسب وزناً إضافياً. فالوصول إلى المرافق قد يكون أكثر حساسية في البيئات التي تجعل المسافة والتنقل عنصرين مؤثرين في القرار اليومي للفرد. وعندما تكون الخدمة في داخل المجمع السكني نفسه، فإن عبء الحركة يهبط إلى الحد الأدنى، وكذلك عبء التردد والخوف من الأماكن غير المألوفة.

الأهم من ذلك أن هذا النموذج يقدّم تصوراً للإسكان العام بوصفه «بنية للعيش المشترك» لا «حاوية للسكن» فقط. أي أن البيت لا ينتهي عند باب الشقة، بل يمتد إلى ما حوله من مساحات يمكن أن تصنع فرقاً في نوعية الحياة، إذا أحسن التخطيط لها.

ما الذي تكشفه هذه المبادرة عن المجتمع الكوري اليوم؟

من الخطأ النظر إلى هذا الخبر على أنه مجرد نشاط محلي لطيف في جزيرة سياحية. ففي داخله تنعكس تحولات أكبر يعيشها المجتمع الكوري الجنوبي، وفي مقدمتها التقدم في العمر السكاني، وارتفاع الحاجة إلى سياسات أكثر قرباً من كبار السن، وتوسع النقاش حول معنى الرعاية المجتمعية خارج الأطر التقليدية. كوريا الجنوبية، مثل عدد من الدول الآسيوية والأوروبية، تواجه واقعاً ديموغرافياً يجعل الشيخوخة ملفاً عاماً لا قضية هامشية.

في هذا الإطار، تبدو المبادرات الصغيرة ذات قيمة خاصة، لأنها تعطي صورة عن الكيفية التي تحاول بها المؤسسات المحلية التعامل مع أسئلة الحياة اليومية لا عبر الخطط الكبرى فقط، بل عبر تدخلات دقيقة وقريبة من الناس. وهنا بالضبط تتجلى قوة الصحافة المحلية: إذ تلتقط قصة تبدو محدودة في المكان، لكنها تكشف اتجاهاً أوسع في فهم دور الدولة والخدمة العامة.

كما يكشف المشروع عن تحول في فلسفة الرعاية نفسها. فبدلاً من تصور المستفيد على أنه شخص يأتي إلى المؤسسة في الوقت والمكان اللذين تحددهما هي، نرى اتجاهاً يجعل المؤسسة أكثر مرونة، تنتقل إلى فضاءات الناس، وتعيد ترتيب أولوياتها وفق حاجاتهم الفعلية. هذه المرونة ليست تفصيلاً تقنياً، بل جزء من احترام كرامة المتلقي وظروفه.

ومن زاوية أخرى، يقدّم الخبر صورة أكثر توازناً عن كوريا التي يعرفها العرب غالباً من خلال الدراما، والكي-بوب، ومنتجات التكنولوجيا، وصعود الثقافة الشعبية الكورية. خلف هذه الصورة اللامعة، توجد أيضاً دولة ومجتمعات محلية تحاول معالجة مسائل أقل بريقاً لكنها أكثر التصاقاً بالحياة: شيخوخة، أمية وظيفية، خدمات سكنية، وإدارة مساحات مشتركة. وهذه القصص، وإن كانت هادئة، تمنح فهماً أعمق لكوريا المعاصرة مما تمنحه أخبار النجوم والترندات وحدها.

ولعل هذا ما يجعل المبادرة جديرة بالاهتمام عربياً: لأنها تذكّرنا بأن نهضة المجتمعات لا تُقاس فقط بسرعة الإنترنت أو عدد المهرجانات أو نجاحات التصدير الثقافي، بل أيضاً بقدرتها على ملاحظة الشخص الهادئ في آخر الممر، الذي يحتاج إلى ضوء صغير وكرسي قريب ووقت مناسب كي يبدأ من جديد.

درس يمكن أن يهم المدن العربية أيضاً

إذا كان من خلاصة يمكن استخلاصها من قصة جيجو، فهي أن السياسات العامة الأكثر تأثيراً ليست دائماً تلك التي تبدو ضخمة على الورق، بل تلك التي تفهم تفاصيل الحياة اليومية وتتصرف على أساسها. مبادرة التعليم الليلي لكبار السن داخل الإسكان العام تجمع بين ثلاثة عناصر يصعب تجاهلها: استخدام ذكي لمورد قائم، فهم واقعي لظروف المستفيدين، وربط مباشر بين السكن والخدمة الاجتماعية.

هذا النموذج يطرح أسئلة مفيدة أمام المؤسسات العربية المعنية بالتنمية المحلية والتعليم الاجتماعي. ماذا لو أُعيد النظر في قاعات فارغة داخل مجمعات سكنية أو مراكز أحياء أو مبانٍ خدمية لتتحول إلى مساحات تعلم أو دعم لكبار السن؟ ماذا لو صُممت برامج محو الأمية أو التعلم المستمر في ساعات تناسب فعلاً الفئات المستهدفة، لا في الأوقات المريحة للإدارة فقط؟ وماذا لو أُديرت هذه البرامج بلغة تحترم كرامة المتعلم وتجعل المكان جزءاً من مجتمعه لا مؤسسة غريبة عنه؟

من المؤكد أن لكل بلد شروطه وموارده وتحدياته. وليس المطلوب نسخ التجربة الكورية حرفياً، بل فهم منطقها. فالقضية هنا ليست «جيجو» بحد ذاتها، بل الفكرة التي تقول إن المساحة الفارغة يمكن أن تصبح فرصة، وإن الليل يمكن أن يصبح وقتاً للمعرفة، وإن كبار السن ليسوا جمهوراً هامشياً في سياسات التعليم، بل أصحاب حق في الوصول إلى ما يعينهم على عيش أكثر استقلالاً ومشاركة.

واللافت أن الخبر، رغم بساطته، يملك حساً أخلاقياً واضحاً: إنه يقف إلى جانب من تُسقطهم الجداول التقليدية من الحساب، سواء بسبب العمر أو الوقت أو صعوبة الحركة أو حساسية العودة إلى التعلم بعد سنوات طويلة. وهذا بالضبط ما تحتاجه المجتمعات الحديثة: خدمات لا تكتفي بأن تكون موجودة، بل تكون قابلة للوصول فعلاً.

في النهاية، ما أعلنته مؤسسة تطوير جيجو لا يجيب عن كل الأسئلة؛ فالتفاصيل المتعلقة بعدد المشاركين، وعدد الحصص، والمناهج، ونتائج البرنامج لم تُعرض في المعطيات المتاحة. لكن ما هو مؤكد يكفي لكي يجعل الخبر ذا مغزى: هناك مؤسسة عامة قررت أن ترى في الفراغ إمكانية، وفي الليل فرصة، وفي السكن منصة للتعلم، وفي كبير السن متعلماً يستحق أن يُصغى إلى ظروفه. وبين هذا كله، تبرز صورة جيجو لا كجزيرة للمناظر فقط، بل كمجتمع يحاول أن يجعل من أبسط المساحات جسراً إلى كرامة أكبر.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات