
مشهد الفجر في مطار إنشيون: ما بعد الخسارة ليس دائماً صمتاً
في اللحظات التي تعقب الإخفاقات الكبرى، تكشف الجماهير عن معدنها الحقيقي أكثر مما تكشفه النتائج على لوحة الملعب. هذا ما بدا واضحاً في كوريا الجنوبية مع عودة عدد من لاعبي المنتخب الوطني فجر الأول من يوليو/تموز 2026 عبر مطار إنشيون الدولي، بعد انتهاء مشوارهم في كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية. ورغم أن المنتخب الكوري ودّع البطولة من دور المجموعات، فإن صور الانتظار في ساعات الفجر الأولى، ووجود مشجعين يرتدون قمصان المنتخب منذ الثانية صباحاً، منحت المشهد معنى يتجاوز مجرد خبر رياضي عابر.
اللافت في هذه العودة لم يكن فقط حضور القائد سون هيونغ مين، أحد أبرز الأسماء الآسيوية في كرة القدم الحديثة، بل الطريقة التي استقبل بها الجمهور لاعبيه بعد نتيجة مخيبة للآمال. في منطقتنا العربية اعتدنا، في كثير من الأحيان، على أن تتحول المطارات بعد البطولات الكبرى إلى فضاءات للتأنيب أو الغضب أو العتب الثقيل. أما في الحالة الكورية، فقد بدا الاستقبال أقرب إلى رسالة تقول للاعبين: خسرتم، نعم، لكنكم لا تعودون وحدكم. هذه الرسالة، في حد ذاتها، تحمل دلالة ثقافية وسياسية ورياضية عن طبيعة العلاقة بين المنتخب الوطني وجمهوره.
وصلت الطائرة التي تقل عدداً من اللاعبين قرابة الرابعة فجراً إلى المبنى رقم 2 في مطار إنشيون، أحد أهم الواجهات الدولية لكوريا الجنوبية. وكان بين العائدين إلى جانب سون هيونغ مين، كل من لي جاي سونغ، وكيم سيونغ غيو، وسونغ بوم غيون، وأوم جي سونغ، ولي دونغ غيونغ، وكيم جين غيو، ولي هان بوم، ولي تاي سوك، ولي كي هيوك، وبي جون هو، وتشوي وي جي، وكانغ سانغ يون. وتكتسب هذه الأسماء أهميتها من تنوع الخلفيات التي تمثلها: لاعبون ينشطون في أوروبا وآسيا والدوري الكوري المحلي، اجتمعوا تحت علم واحد في البطولة، ثم عادوا ليتفرقوا من جديد إلى أنديتهم ومساراتهم المهنية.
هذا النوع من المشاهد مفهوم جيداً لدى الجمهور العربي الذي تابع عبر عقود صور عودة المنتخبات بعد البطولات القارية والعالمية. لكن ما يميّز الحالة الكورية هنا هو أن المطار بدا وكأنه مساحة لإعادة ترتيب المشاعر الوطنية، لا لتفريغ الغضب فقط. وفي ذلك تذكير مهم بأن كرة القدم، حتى في المجتمعات شديدة التنافس والانضباط مثل كوريا الجنوبية، ليست حساباً بارداً للأرقام وحدها، بل رواية جماعية عن الأمل والانتماء والتحمل.
حصيلة ثقيلة بالأرقام: لماذا بدا الخروج مؤلماً إلى هذا الحد؟
خرجت كوريا الجنوبية من دور المجموعات بعدما احتلت المركز الثالث في المجموعة الأولى برصيد 3 نقاط من فوز واحد وخسارتين. وبحسب نظام البطولة الجديدة التي أُقيمت للمرة الأولى بمشاركة 48 منتخباً، لم يكن المركز الثالث كافياً للتأهل إلى دور الـ32، إذ حل المنتخب الكوري في المركز العاشر بين أصحاب المركز الثالث في المجموعات، ليغادر رسمياً البطولة ويُنهي مشاركته في المرتبة 34 على الترتيب العام. وهذا الرقم تحديداً كان صادماً لكثيرين، لأنه يُعد الأدنى في تاريخ مشاركات كوريا الجنوبية في كأس العالم.
قد تبدو زيادة عدد المنتخبات المشاركة، من الوهلة الأولى، فرصة أوسع للمنتخبات ذات التاريخ الجيد كي تتقدم أكثر في البطولة. لكن التجربة الكورية أظهرت أن توسيع النهائيات لا يعني بالضرورة طريقاً أسهل. بل على العكس، فإن تعقيد الحسابات بين أصحاب المركز الثالث، وتعدد أنماط اللعب، واتساع الخارطة الكروية، كلها عوامل جعلت المنافسة أشد قسوة. وهذا درس لا يخص كوريا وحدها. كثير من الجماهير العربية تعرف هذا النوع من المفارقات؛ فكم من مرة بدا نظام موسع أو بطولة أطول وكأنه يمنح فسحة إضافية، قبل أن يتحول إلى فخ تكتيكي ونفسي لمن لا يجيد إدارة التفاصيل.
ألم الخروج الكوري لا يرتبط فقط بما جرى في ثلاث مباريات، بل بما يرمز إليه المنتخب في الوعي الآسيوي والدولي. كوريا الجنوبية ليست اسماً هامشياً في المونديال. إنها من أكثر المنتخبات الآسيوية حضوراً وخبرة، وصاحبة ذاكرة طويلة في النهائيات، من إنجاز نصف نهائي 2002 إلى العبور التاريخي لدور الـ16 في مونديال قطر 2022. لذلك، حين يفشل هذا المنتخب حتى في بلوغ الدور التالي ضمن صيغة توسعية جديدة، يصبح الإخفاق أكبر من مجرد رقم. يصبح سؤالاً عن الاتجاه، وعن نوعية التطور الذي حققته الكرة الكورية، وعن حدود الاعتماد على الإرث وحده من دون تجديد كافٍ.
وفي الصحافة العربية، نعرف جيداً كيف تتحول الأرقام الباردة إلى رموز ثقيلة. حين يُقال إن منتخباً ما خرج من الدور الأول، فهذه معلومة. لكن حين يُقال إن هذا الخروج هو الأسوأ في تاريخه، فإن المعنى يتبدل تماماً. هنا تصبح البطولة مرآة لمرحلة كاملة، لا لمباراة أو هفوة دفاعية أو ضياع فرصة. من هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم سبب الحزن الكوري، ولماذا بدت عودة اللاعبين إلى إنشيون محاطة بمزيج من الصمت والاحترام والمراجعة المنتظرة.
سون هيونغ مين في الواجهة: القائد الذي يحمل أكثر من شارة
حين يعود سون هيونغ مين مع بعثة منتخب بلاده بعد بطولة كبيرة، فإن صورته تتجاوز دور اللاعب النجم. في الثقافة الكروية الكورية، كما في كثير من ثقافات الكرة حول العالم، يمثل القائد معنىً مضاعفاً: إنه اللاعب الذي يُقرأ عبره أداء الفريق، وتُسقط عليه الجماهير كثيراً من مشاعر الفخر أو الخيبة. ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يكون سون في قلب التغطية الإعلامية لدى عودته. هو ليس مجرد جناح أو مهاجم لامع صنع اسمه في أوروبا، بل شخصية رمزية في سردية كرة القدم الكورية الحديثة.
ومن المفيد هنا للقارئ العربي التوقف عند معنى كلمة “الكابتن” في السياق الكوري. فالمسألة لا تتعلق بالشارة وحدها، بل بمنظومة ثقافية أوسع تعطي قيمة كبيرة لفكرة المسؤولية الجماعية والانضباط والتمثيل الوطني. في المجتمع الكوري الجنوبي، حيث تحضر مفاهيم الواجب والانضباط المهني والالتزام الجماعي بقوة، يصبح قائد المنتخب أقرب إلى وجه عام يحمل عبئاً أخلاقياً إضافة إلى العبء الرياضي. هذا يفسر لماذا تتجه الأنظار إليه حتى في لحظات العودة الصامتة إلى المطار.
سون، الذي قُدم في التغطيات باعتباره لاعباً في لوس أنجلوس إف سي وقائداً للمنتخب، بدا في هذه العودة بمثابة عنوان للحالة النفسية للفريق كله. فالرجل الذي اعتاد تمثيل الطموح الكوري في الملاعب الأوروبية وجد نفسه هذه المرة في مشهد مختلف: قائد يعود من بطولة لم تحقق ما وُعد به الجمهور. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون قيمة القائد في عدد الأهداف أو المراوغات، بل في قدرته على امتصاص الصدمة، وعلى أن يظل رمزاً للاستمرار لا عنواناً للانكسار.
هذه الصورة تذكّرنا، نحن العرب، بما يحدث حين يعود نجم كبير مع منتخب بلاده بعد إخفاق قاسٍ. فجمهور الكرة في منطقتنا يعرف كيف تتجه العدسات فوراً إلى القائد أو اللاعب الأشهر، باعتباره الوجه الأكثر قدرة على تلخيص المزاج العام. لكن الاختلاف هنا أن سون لم يُستقبل في أجواء عدائية أو درامية. لم تتحول العودة إلى محكمة شعبية، بل إلى مناسبة مراقبة هادئة، فيها اعتراف بالفشل، لكن أيضاً إقرار بأن الطريق لا ينتهي عند بطولة واحدة.
المطار بوصفه مسرحاً وطنياً: لماذا تكتسب العودة هذه الرمزية في كوريا؟
في بلدان كثيرة، يبدو المطار مجرد نقطة عبور. أما في كوريا الجنوبية، وخصوصاً في نهاية البطولات الكبرى، فإن مطار إنشيون يتحول إلى فضاء رمزي تُختصر فيه مشاعر أمة رياضية كاملة. هناك يلتقي اللاعبون العائدون من ضغوط البطولة مع الجماهير التي تابعتهم من بعيد، والصحافيون الذين يبدؤون فوراً في كتابة الفصل التالي من التقييم. لهذا فإن مشاهد العودة لا تُقرأ باعتبارها بروتوكولاً لوجستياً، بل باعتبارها طقساً اجتماعياً وسياسياً وإعلامياً.
تعود أهمية إنشيون أيضاً إلى أنه أكثر من منشأة سفر. إنه بوابة كوريا على العالم، وصورة مكثفة عن حداثتها وانضباطها وقدرتها التنظيمية. وعندما يدخل منه المنتخب بعد بطولة عالمية، فإن ذلك يضفي على اللحظة معنى خاصاً: من المسرح الكوني الواسع إلى البيت الوطني. من صخب المونديال إلى صمت التقييم الداخلي. ولذلك كانت صور الفجر، وصفوف الجماهير، وملامح اللاعبين المرهقين، عناصر في مشهد واحد يروي كيف تتعامل دولة مثل كوريا الجنوبية مع إخفاق منتخبها الأول.
في العالم العربي، يمكن تشبيه هذه اللحظة بما نشاهده أحياناً في مطارات القاهرة أو الدار البيضاء أو الرياض أو الدوحة أو الجزائر بعد بطولات كبيرة، حين تتجاوز الكاميرات حدود التغطية الرياضية لتلتقط إحساساً عاماً يمس معنى التمثيل الوطني نفسه. غير أن الفارق في الحالة الكورية هو حضور مسافة واضحة بين العاطفة والانفلات. فالجمهور موجود بكثافة، لكن سلوكه يظل مضبوطاً. والرسالة تصل من دون صدام. وهذه سمة لافتة في الثقافة الجماهيرية الكورية، حيث يمتزج الحماس الشعبي بدرجة عالية من التنظيم واحترام المساحات العامة.
من هنا نفهم لماذا وصفت كثير من القراءات هذا المشهد بأنه “رمزي”. فليس مهماً فقط من عاد، بل كيف عاد، ومن كان ينتظره، وماذا يعني أن يأتي المشجعون في الثانية صباحاً رغم أن النتيجة لم تكن مرضية. في منطق المنافسة البحتة، كان يمكن أن يختفي الجمهور. لكن حضوره أكد أن المنتخب في الوعي الكوري ليس مشروع انتصار فوري فقط، بل مؤسسة عاطفية طويلة المدى، تحمل خيباتها كما تحمل أفراحها.
جمهور يشجع بعد الخسارة: ما الذي تقوله هذه الصورة عن الثقافة الكروية الكورية؟
ربما كان أكثر ما استوقف المراقبين في مشهد العودة هو أن جمهور المنتخب سبق الإعلام في توجيه الرسالة. فبدلاً من صيحات الاستنكار أو العتاب الحاد، اختار كثيرون الحضور المبكر والانتظار والتصفيق. ولا يعني هذا بالطبع أن الشارع الكوري راضٍ عن النتيجة أو غير معني بالمحاسبة الفنية. لكنه يعني أن هناك تمييزاً واضحاً بين لحظة الاستقبال الإنساني ولحظة التقييم الرياضي. وهذا التمييز بالغ الأهمية في فهم الثقافة الجماهيرية الكورية.
في كوريا الجنوبية، كما في كثير من مجتمعات شرق آسيا، تحضر بقوة فكرة “الجهد” باعتبارها قيمة أخلاقية. ليس النجاح وحده ما يطلبه الناس، بل رؤية الجهد والانضباط والالتزام. وحين يشعر الجمهور بأن اللاعبين خاضوا البطولة تحت ضغط عالٍ وتحملوا عبء التمثيل الوطني، فإن جزءاً من الاستقبال يتحول إلى اعتراف بهذا الجهد، حتى لو جاءت النتيجة دون الطموح. هذه ليست عاطفة ساذجة، بل شكل من أشكال العلاقة الناضجة بين الجمهور وفريقه.
بالنسبة للقارئ العربي، قد يكون من المفيد وضع هذه الصورة في مقارنة ثقافية لا تحمل حكماً أخلاقياً بل توصيفاً لاختلاف السياقات. ففي ملاعبنا ومدرجاتنا العربية، يظل الانفعال المباشر جزءاً أصيلاً من التعبير الكروي، وغالباً ما تكون العلاقة بين الجمهور والنتيجة أكثر حرارة وتوتراً. أما في كوريا، فإن مشهد الفجر في إنشيون يوحي بنموذج آخر: النقد مؤجل لكنه لا يختفي، والغضب موجود لكنه منضبط، والدعم لا يسقط حتى حين تسقط الحسابات الرياضية. وهذا ما جعل بعض المراقبين يصفون لحظة العودة بأنها دليل على “نضج” في الفاندوم الكروي.
ومن المهم هنا شرح مصطلح “الفاندوم” في السياق الكوري، لأنه لا يعني مجرد مشجعين متحمسين. في الثقافة الكورية المعاصرة، سواء في الموسيقى أو الدراما أو الرياضة، يشير المصطلح إلى جماعة منظمة نسبياً من الأنصار، تمتلك طقوسها وشعاراتها وأساليبها في الدعم والحضور والتعبير. هذا النموذج، الذي يعرفه كثير من متابعي الكي-بوب والدراما الكورية في العالم العربي، يمتد أيضاً إلى الرياضة. لذا فإن الوقوف في المطار ساعات طويلة ليس تصرفاً عفوياً فقط، بل جزء من ثقافة تشجيع ترى في الحضور دعماً بحد ذاته.
منتخب يتفكك إلى أفراد: العودة المتدرجة ونهاية زمن البطولة
من التفاصيل التي تحمل دلالة عميقة أيضاً أن المنتخب الكوري لم يعد دفعة واحدة، بل على مجموعات متتالية. فقد سبق أن عاد المدرب هونغ ميونغ بو ومعه عدد من اللاعبين، بينهم لي كانغ إن وكيم مين جاي وهوانغ إن بوم، قبل أن يصل سون هيونغ مين ورفاقه في اليوم التالي. هذه العودة المتدرجة ليست مجرد مسألة ترتيبات سفر، بل تعكس طبيعة المنتخب الحديث، الذي يجمع لاعبين موزعين بين دوريات وقارات ومواعيد مهنية متباينة.
خلال كأس العالم، يصبح اللاعبون وحدة واحدة، يلبسون الشعار نفسه ويخوضون الإيقاع ذاته ويحملون الحلم الجماعي نفسه. لكن ما إن تنتهي البطولة حتى يبدأ الانفصال التدريجي: هذا يعود إلى ناديه في أوروبا، وذاك إلى فريقه في الدوري الكوري، وآخر إلى التزاماته في آسيا. بهذا المعنى، فإن المطار هو أيضاً نقطة التحول من زمن المنتخب إلى زمن الأندية، ومن السردية الوطنية الجامعة إلى الحياة الاحترافية الفردية. وهي لحظة مألوفة في كرة القدم الحديثة، لكنها تكتسب حساسية مضاعفة حين تأتي بعد إخفاق مؤلم.
في الصحافة العربية، نعرف أن هذه المرحلة كثيراً ما تكون بداية المراجعات الكبرى: هل يحتاج المنتخب إلى تغيير فني؟ هل تُراجع فلسفة الاختيارات؟ هل ثمة جيل يحتاج إلى ضخ دماء جديدة؟ في الحالة الكورية، ستظهر هذه الأسئلة بلا شك في الأيام المقبلة، خصوصاً أن المنتخب خرج من نسخة موسعة كان يُفترض نظرياً أن تمنحه هامشاً أفضل للمنافسة. لكن التحدي هنا هو أن تُدار هذه الأسئلة بعقل بارد، لا من خلال الانفعال اللحظي وحده.
والأرجح أن هذه العودة المتدرجة ستكرس أيضاً فكرة أن المنتخب ليس كتلة ثابتة، بل مشروع مستمر يعاد تركيبه كل مرة. وهذا أمر مهم في كرة القدم الكورية، التي بنت جزءاً كبيراً من سمعتها على الانضباط والاستمرارية والتخطيط بعيد المدى. من هنا، فإن قيمة هذه العودة لا تقاس فقط بما قالته عن البطولة المنتهية، بل بما تفتحه من باب على البطولة التالية، وعلى الدورة التالية من التقييم والإصلاح.
مونديال الـ48 منتخباً: اتساع الفرصة أم اتساع القسوة؟
كشفت تجربة كوريا الجنوبية في مونديال 2026 جانباً مهماً من حقيقة النظام الجديد للبطولة. فمن الخارج، يبدو توسيع عدد المنتخبات إلى 48 وكأنه فرصة أكثر ديمقراطية، تمنح القارات المختلفة حضوراً أوسع ومساحة أكبر للمنتخبات المتوسطة والطامحة. لكن من الداخل، تبدو المنافسة أكثر تشابكاً وقسوة. فالتأهل لم يعد رهناً بما تفعله في مجموعتك فقط، بل بما يفعله آخرون في مجموعات أخرى، وما تتيحه الحسابات المعقدة بين أصحاب المركز الثالث.
هذا النوع من الضغط ليس سهلاً على أي منتخب، مهما كانت خبرته. فريق واحد قد يدفع ثمن دقائق سيئة أو هدف متأخر أو فارق أهداف ضئيل. وفي حالة كوريا الجنوبية، بدا واضحاً أن المركز الثالث في المجموعة لم يمنحها أي أفضلية حقيقية، بل وضعها في انتظار حسابات مرهقة انتهت بإقصائها. وهنا تتجلى قسوة كرة القدم الحديثة: البطولة الأكبر لا تعني بالضرورة ممرات أوسع، بل قد تعني امتحانات أكثر تنوعاً وأقل قابلية للتنبؤ.
ولعل هذه النقطة تهم القارئ العربي أيضاً، لأن عدداً من المنتخبات العربية والآسيوية سيخوض مستقبلاً تجارب مشابهة في هذه الصيغة الجديدة. الرسالة الأساسية التي يبعثها المشهد الكوري هي أن التوسع العددي لا يكفي وحده لصناعة إنجاز. لا بد من مرونة تكتيكية، وعمق في قائمة اللاعبين، وقدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة تحت الضغط. وهذه كلها أمور ستفرض نفسها في النقاش الكروي الآسيوي بعد البطولة، وليس في سيول وحدها.
الأهم من ذلك أن الخروج الكوري ينسف بعض الأوهام الشائعة عن وجود “مقاعد مضمونة” للمنتخبات ذات السمعة الجيدة. في كأس العالم المعاصر، لا تحميك السمعة، ولا يضمن لك التاريخ مكاناً في الأدوار الإقصائية. وهذا الدرس بدا واضحاً أيضاً مع خروج منتخبات كبيرة أخرى. لذلك، فإن قراءة التجربة الكورية يجب ألا تبقى حبيسة الحسرة المحلية، بل يمكن النظر إليها بوصفها مثالاً على التحول الأوسع في بنية المنافسة الدولية.
بين كوريا والعالم: حين تكون الخسارة قدراً مشتركاً للكبار
من المفيد قراءة الخروج الكوري في سياق أوسع، لأن قسوة كأس العالم لم تقتصر على منتخب واحد. تقارير البطولة أظهرت أن منتخبات عريقة عانت بدورها من مفاجآت صعبة، وأن أسماء كبيرة وجدت نفسها تحت ضغط جماهيري وإعلامي قاسٍ فور توديع المنافسات. هذا السياق لا يخفف ألم الكوريين، لكنه يضعه في إطار أكثر واقعية: المونديال بات ساحة لا تعترف بشيء سوى الجاهزية الكاملة في التوقيت المناسب.
الفارق أن طريقة استقبال الخسارة تختلف من مجتمع إلى آخر. ففي بعض البلدان، يتحول الإخفاق إلى عاصفة سياسية وإعلامية واجتماعية لا تبقي ولا تذر. وفي بلدان أخرى، كما أظهر مشهد إنشيون، تتقدم لغة الاحتواء والهدوء على صخب الانفجار. ولا يعني هذا أن الكوريين أقل شغفاً أو أقل غضباً، بل يعني أن أدوات التعبير نفسها مختلفة، وأن التقاليد الاجتماعية تلعب دوراً في ضبط رد الفعل العام.
هذا البعد الثقافي مهم جداً في تغطية الأخبار الكورية للعالم العربي. فليس كافياً أن نقول إن المنتخب خسر وإن الجماهير حضرت. المطلوب أيضاً أن نفهم كيف يعبّر المجتمع الكوري عن مشاعر الخيبة، وكيف تحضر مفاهيم مثل الاحترام والواجب والانضباط في لحظة يفترض أنها لحظة غضب. هذه الفروق هي ما يجعل الخبر الرياضي مادة ثقافية أيضاً، لا مجرد متابعة للنتائج.
ومن زاوية عربية، يمكن القول إن كوريا الجنوبية تقدم هنا درساً لافتاً في الفصل بين المراجعة والشماتة، وبين النقد والهدم. فالمنتخب سيُحاسب رياضياً بلا شك، لكن ليس بالضرورة في لحظة نزوله من الطائرة. وهذه المسافة بين الحدث ورد الفعل، بين الفشل والموقف الأخلاقي منه، ربما هي أكثر ما يجعل قصة العودة من إنشيون جديرة بالاهتمام خارج كوريا نفسها.
ما الذي يبقى بعد الفجر؟ أسئلة المرحلة المقبلة في الكرة الكورية
حين يغادر اللاعبون المطار وتخفت أضواء الكاميرات، تبدأ الأسئلة الأصعب. ماذا يعني أن تخرج كوريا الجنوبية من دور المجموعات في نسخة موسعة من كأس العالم؟ هل يتعلق الأمر بتفاصيل فنية عابرة، أم بمشكلة أعمق في التطور الكروي؟ وهل يملك الجيل الحالي، بقيادة سون هيونغ مين، ما يكفي لفتح صفحة جديدة، أم أن الوقت يقتضي إعادة تفكير شاملة في شكل المنتخب وأدواره وأولوياته؟
المؤكد أن الحكم النهائي لن يصدر من مشهد العودة وحده. لكنه مشهد يكشف المزاج العام الذي ستُبنى عليه النقاشات المقبلة. فالجمهور الذي جاء ليصفق في الفجر لم يوقع صك براءة لأحد، لكنه قال ضمناً إن المراجعة يجب أن تتم من دون نزع الإنسانية عن اللاعبين. وهذا موقف نادر القيمة في زمن كرة القدم السريعة، حيث تُختزل المسافات بين البطولة والتشهير في دقائق معدودة على الشاشات ومنصات التواصل.
بالنسبة لكوريا الجنوبية، ستبقى أرقام هذه المشاركة حاضرة بقوة: فوز واحد، خسارتان، 3 نقاط، مركز ثالث في المجموعة، مركز عاشر بين أصحاب المركز الثالث، ترتيب نهائي في المركز 34. لكن الأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تكتمل من دون صورة الفجر في إنشيون: جمهور ينتظر، وقائد يعود، ومنتخب يعرف أنه أخفق، لكنه يدرك أيضاً أن خيط العلاقة مع ناسه لم ينقطع.
ربما هذا هو المعنى الأعمق للمشهد كله. كرة القدم لا تُقاس فقط بما تفعله المنتخبات وهي تركض خلف الكرة، بل أيضاً بما تفعله الشعوب وهي تقف في الانتظار. وكما يقول التراث العربي في أكثر من معنى، فإن المروءة تظهر في الشدة لا في الرخاء. وفي فجر إنشيون، أظهرت الجماهير الكورية نوعاً من المروءة الرياضية الهادئة: مروءة لا تنكر الخسارة، لكنها ترفض أن تختزل لاعبيها فيها. ومن هذه النقطة بالذات، تبدأ الحكاية التالية للمنتخب الكوري، لا باعتبارها حكاية سقوط، بل باعتبارها حكاية مراجعة تبحث عن طريق جديد إلى الضوء.
0 تعليقات