
من عدّاد الخطوات إلى مراقبة السكر.. كيف تغيّر سيول معنى الرعاية الصحية اليومية؟
في السنوات الأخيرة، اعتاد كثيرون حول العالم على الساعات الذكية وتطبيقات اللياقة التي تعدّ الخطوات، وتقيس النبض، وتمنح المستخدم شعوراً بأنه «يفعل شيئاً جيداً» من أجل صحته. لكن العاصمة الكورية الجنوبية سيول قررت أن تدفع هذه الفكرة خطوة أبعد وأكثر حساسية: من مجرد متابعة النشاط البدني العام إلى مراقبة تغيرات سكر الدم في الزمن الحقيقي، ضمن برنامج وقائي موجّه لفئة معرّضة لخطر الإصابة بالسكري. وبحسب ما أعلنته حكومة مدينة سيول، فإنها ستبدأ في سبتمبر/أيلول تشغيل مشروع تجريبي جديد عبر منصتها الصحية الشهيرة «سونموك دكتور 9988»، وهي خدمة رقمية تعني حرفياً ما يشبه «طبيب المعصم»، في إشارة إلى الأجهزة القابلة للارتداء التي تلازم المستخدم طوال يومه.
الخطوة الكورية الجديدة لا تبدو مجرد تطوير تقني داخل تطبيق صحي، بل تعكس تحوّلاً أوسع في فلسفة الصحة العامة: الانتقال من منطق الفحص الدوري ثم انتظار النتائج، إلى منطق المراقبة اليومية المباشرة، وربط الأرقام بالسلوك، وربط السلوك بالحوافز. فالبرنامج الجديد يجمع بين إتاحة شراء أجهزة المراقبة المستمرة للسكر بأسعار مخفّضة، وتقديم استشارات متخصصة، ومتابعة الغذاء والرياضة، في إطار واحد يستهدف مواطنين تبيّن في فحوص متلازمة الأيض أنهم في مرحلة ما قبل السكري.
وللقارئ العربي، تبدو هذه الفكرة قريبة من سؤال نردده كثيراً في مجتمعاتنا: كيف نحول النصائح الصحية العامة من قبيل «خفف السكر»، «امشِ أكثر»، «انتبه للطعام» إلى ممارسة مستدامة داخل الحياة اليومية؟ كثير من الناس يعرفون ما يجب فعله نظرياً، لكن المشكلة تكمن في الاستمرار، وفي فهم الفروق الفردية بين شخص وآخر. ما تحاول سيول اختباره هو أن يرى المواطن أثر طبق الأرز، أو وجبة متأخرة، أو قلة النوم، أو المشي بعد الأكل، على جسده مباشرة. هنا تتحول الصحة من موعظة عامة إلى تجربة شخصية بالأرقام.
ولعل هذا ما يعطي الخبر الكوري أهمية تتجاوز حدود سيول نفسها. ففي المنطقة العربية أيضاً، تتزايد معدلات السكري ومقدماته، وتزداد معها كلفة العلاج والأعباء الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليه. وبينما تنشغل مدن عربية كثيرة بمشاريع المدن الذكية والبنية الرقمية، تفتح سيول باباً مختلفاً للنقاش: هل يمكن أن تصبح المدينة الذكية أيضاً مدينة تساعد سكانها على منع المرض قبل أن يبدأ؟
ما هو البرنامج الجديد؟ ولماذا يركّز على مرحلة ما قبل السكري؟
وفق الإعلان الكوري، فإن المشروع التجريبي سيستهدف مواطنين من الفئة عالية الخطورة، وتحديداً أولئك الذين أظهرت فحوص متلازمة الأيض أنهم في مرحلة ما قبل السكري. وهذه النقطة بالذات مهمة جداً لفهم فلسفة البرنامج. فمرحلة ما قبل السكري لا تعني أن المريض أصبح مصاباً بالسكري بشكل مؤكد، لكنها تعني أن الجسم يرسل إشارات إنذار تستدعي التدخل المبكر. وبعبارة أقرب إلى لغة الحياة اليومية، هي منطقة صفراء بين الأمان والخطر، وإذا أُحسن التعامل معها عبر تعديل الطعام والحركة والنوم والتوتر، يمكن في كثير من الحالات تأخير التدهور أو منعه.
أما متلازمة الأيض، فهي مصطلح طبي قد يبدو معقداً للبعض، لكنه يشير ببساطة إلى اجتماع مجموعة من عوامل الخطر في الوقت نفسه، مثل اضطراب سكر الدم، وارتفاع الضغط، وتراكم الدهون في منطقة البطن، واختلال الدهون في الجسم. وفي مجتمعاتنا العربية، حيث تتجاور أنماط الأكل السريع، والجلوس الطويل، والإجهاد، وقلة الحركة، ليس هذا المفهوم بعيداً أبداً عن الواقع. بل يمكن القول إن كثيراً من الأسر تعرف، بشكل أو بآخر، شخصاً يعاني «السكر والضغط والكوليسترول» معاً، حتى لو لم يستخدم المصطلح الطبي نفسه.
البرنامج الكوري لا يقدّم نفسه بديلاً عن الطبيب أو عن التشخيص الطبي، وهذه نقطة أساسية يجب التوقف عندها. فالمراقبة المستمرة للسكر هنا ليست علاجاً بحد ذاتها، ولا وصفة سحرية، بل أداة وقائية تساعد الفرد على ملاحظة الاستجابة اليومية لجسده، ثم ترجمة هذه الملاحظة إلى قرارات عملية: ماذا آكل؟ متى أتحرك؟ كم أنام؟ ما الذي يرفع المؤشر لديّ أكثر من غيره؟
في هذا المعنى، تراهن سيول على لحظة مبكرة جداً من مسار المرض، وهي لحظة غالباً ما تضيع في كثير من أنظمة الرعاية الصحية، إما بسبب ضعف المتابعة، أو الاكتفاء بإبلاغ الشخص بأنه «على الحافة»، من دون توفير أدوات تفصيلية تساعده على تغيير سلوكه. وإذا صحّ هذا الرهان، فإنه يقدّم نموذجاً مختلفاً عن المقاربة التقليدية التي تنتظر وصول المريض إلى مراحل أكثر تقدماً قبل أن تكثّف التدخل.
ومن منظور صحفي عربي، يمكن قراءة هذه التجربة أيضاً كاختبار لمدى قدرة السياسات العامة على مخاطبة الإنسان قبل أن يتحول إلى «حالة مرضية». في عالمنا العربي، كثيراً ما تبدأ الحكاية مع الطبيب بعد أن تصبح الأرقام مقلقة. أما هنا، فالمحاولة تبدأ عند عتبة القلق، لا بعد عبورها.
جهاز صغير.. وتحول كبير في فهم الجسد
قلب المشروع هو جهاز المراقبة المستمرة للسكر، أو ما يعرف اختصاراً بـ CGM. هذا الجهاز لا يكتفي بقياس السكر في لحظة منفصلة كما يحدث في الفحوص التقليدية، بل يتتبع التغيرات على امتداد اليوم، ويمنح المستخدم خريطة حية للتقلبات التي تحدث بعد الطعام، وبعد الرياضة، وأثناء النوم، أو حتى مع التوتر. هذه الفكرة وحدها تنقل الشخص من التعامل مع رقم ثابت إلى فهم «سلوك» السكر في جسده.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الاستجابة للغذاء ليست نسخة واحدة عند الجميع. قد يتناول شخصان الوجبة نفسها، لكن سكر الدم لدى أحدهما يرتفع بسرعة أكبر من الآخر. وقد يكتشف أحدهم أن ثمرة فاكهة في توقيت معين تناسبه، بينما لا يناسبه نوع من الخبز أو وجبة ليلية متأخرة. وقد يلاحظ آخر أن المشي الخفيف بعد الطعام يحدث فرقاً واضحاً، بينما لا يفيده الجلوس الطويل حتى لو كان مجموع سعراته في اليوم معتدلاً. هنا تصبح البيانات أكثر قرباً من الحياة الفعلية، لا من النصائح النظرية فقط.
في الثقافة العربية، نسمع كثيراً عبارات مثل «جسمي لا يتحمل هذا الأكل» أو «هذا الطعام يرفع عندي السكر». غالباً ما تبقى هذه الملاحظات في إطار الانطباع العام أو الخبرة الشخصية غير المقاسة. الجديد في النموذج الكوري أنه يحاول تحويل هذا الانطباع إلى معرفة قابلة للرصد والمراجعة. أي أن الشخص لا يكتفي بالشعور بأن هناك شيئاً لا يناسبه، بل يرى أثره على الرسم البياني، ويتحدث بشأنه مع مختص.
لكن من المهم أيضاً عدم الانجرار وراء هالة التقنية وحدها. فالجهاز، مهما بدا متطوراً، لا يحمل قيمة صحية إذا تُرك المستخدم وحده أمام سيل الأرقام من دون تفسير. الأرقام قد تثير القلق لدى البعض، أو تدفعهم إلى استنتاجات غير دقيقة، أو تجعلهم يبالغون في تقييد الطعام. ولهذا شددت سيول، في تصميم المشروع، على أن الجهاز يأتي ضمن حزمة تضم استشارات الخبراء وإدارة الغذاء والنشاط البدني، لا باعتباره أداة مستقلة.
وفي هذه النقطة تحديداً يظهر الفارق بين «استهلاك التكنولوجيا» و«الحوكمة الصحية للتكنولوجيا». فليس المقصود أن تشتري المدينة لمواطنيها أداة لافتة ثم تتركهم معها، بل أن تبني نظاماً يربط بين القياس والفهم والسلوك. وهذا ما يجعل التجربة أقرب إلى سياسة عامة منه إلى منتج استهلاكي.
الحوافز المالية والصحة.. لماذا تربط سيول العافية بالنقاط ووسائل الدفع؟
من أكثر الجوانب لفتاً للانتباه في منصة «سونموك دكتور 9988» أنها لا تكتفي بالمتابعة الصحية، بل تربط المشاركة بمكافآت يمكن تحويلها إلى «سيول باي»، وهي وسيلة دفع محلية تستخدم في متاجر متنوعة مثل الصيدليات والمستشفيات والمتاجر الصغيرة. هذه البنية قد تبدو للبعض تفصيلاً ثانوياً، لكنها في الحقيقة تمس واحدة من أعقد المشكلات في الصحة العامة: الاستمرار.
كل برامج الوقاية تقريباً تواجه السؤال نفسه: كيف نحافظ على التزام الناس بعد الحماس الأول؟ من السهل أن يبدأ الفرد حمية غذائية أو برنامج مشي لبضعة أيام، لكن الأصعب هو أن يواصل. الحياة اليومية، في سيول كما في القاهرة والرياض والدار البيضاء وعمان، مليئة بالإرهاق وضغط العمل والالتزامات الأسرية، ما يجعل السلوك الصحي أول ما يُؤجل. لهذا تأتي الحوافز بوصفها أداة عملية، لا أخلاقية، لتشجيع الاستمرارية.
هذا المنطق ليس غريباً عن القارئ العربي. فنحن نعرف، من تجارب عديدة، أن الناس يتجاوبون أكثر حين يشعرون أن الجهد اليومي ينعكس في منفعة ملموسة. وإذا كانت بعض التطبيقات العربية والعالمية تكافئ المشي أو النشاط بنقاط رمزية، فإن النموذج الكوري يذهب أبعد عبر ربط هذه النقاط باقتصاد المدينة نفسه. هنا يتحول السلوك الصحي إلى جزء من الدورة الحياتية: تمشي، تتابع، تلتزم، فتحصل على مقابل يمكن استخدامه في احتياجات يومية.
غير أن هذا الربط يثير أيضاً أسئلة مشروعة. هل تكفي الحوافز لإحداث تغيير صحي حقيقي؟ وهل يمكن أن يتحول السلوك الصحي إلى مجرد سباق نقاط؟ الجواب الأرجح أن الحافز المالي أو شبه المالي لا يصنع النتيجة وحده، لكنه قد يساعد في تثبيت العادة. فالشخص لا يتحسن لأنه حصل على نقاط، بل لأنه استخدم تلك النقاط كدفعة صغيرة للاستمرار في الطعام المنظّم، والمشي، والمتابعة، والاستشارة. ولهذا يبقى نجاح التجربة مرهوناً بقدرة المدينة على الحفاظ على التوازن بين المكافأة والهدف الصحي الأصلي.
ومن المهم ملاحظة أن إمكانية استخدام المكافآت في الصيدليات والمستشفيات تمنح التجربة بعداً إضافياً، إذ تعيد توجيه قيمة المكافأة نحو دورة استهلاك مرتبطة بالصحة نفسها. أما شمول متاجر الحياة اليومية، فيعكس محاولة لجعل البرنامج قريباً من الناس، لا نخبوياً أو معزولاً داخل عيادات ومختبرات فقط.
في العالم العربي، حيث ترتبط كثير من السلوكيات الغذائية بعادات اجتماعية راسخة وبمناسبات عائلية ودينية ومجتمعية، قد تبدو فكرة الحافز وحدها محدودة. لكن إذا وُضعت داخل سياسة أوسع، فقد تساعد على تحويل «القرار الصحي» من عبء فردي خالص إلى ممارسة مدعومة من البيئة المحيطة.
لماذا الغذاء والحركة أهم من الجهاز نفسه؟
رغم كل الجاذبية التي تحملها الأجهزة الذكية، فإن العنصر الأكثر جوهرية في المشروع الكوري ربما يكون ذلك الأقل ضجيجاً: المتابعة المتخصصة للغذاء والنشاط البدني. فسكر الدم، في النهاية، ليس مجرد رسم بياني نراقبه بإعجاب أو قلق، بل نتيجة مباشرة لما نأكله، ومتى نأكله، وكيف نتحرك، وكيف ننام، وكم يبلغ مستوى الضغط النفسي في حياتنا.
ومن هنا تبدو إضافة الاستشارات المهنية إلى البرنامج أمراً حاسماً. فالمواطن الذي يرى منحنى السكر يرتفع بعد وجبة معينة يحتاج إلى من يفسر له ما الذي جرى عملياً: هل المشكلة في الكمية؟ أم في نوع الكربوهيدرات؟ أم في التوقيت؟ أم في غياب البروتين والألياف؟ وهل الأفضل له أن يغيّر مكونات الوجبة أم ترتيب تناولها أم أن يضيف نشاطاً بدنياً بعدها؟ هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق بين المعرفة العابرة وتعديل السلوك المستدام.
القارئ العربي يعرف جيداً أن نصائح الطعام غالباً ما تتحول إلى ساحة ازدحام: أنظمة متناقضة، وصفات شعبية، مقاطع فيديو قصيرة، ونصائح غير متخصصة تنتشر بسرعة هائلة. في هذا المشهد، تصبح الحاجة إلى مرجعية مهنية مضاعفة. وما يلفت في التجربة الكورية أنها لا تكتفي بقول «كلوا صحياً وتحركوا»، بل تحاول أن تجعل كل فرد يرى ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى جسده هو، لا بالنسبة إلى متوسط نظري.
الأمر نفسه ينطبق على الحركة. فالرياضة في الخطاب العام كثيراً ما تُقدَّم بوصفها مشروعاً كبيراً: اشتراك في نادٍ، برنامج تدريبي مكثف، أو ساعات من التمرين. لكن خبرة الوقاية من السكري تقول إن التفاصيل الصغيرة تصنع أثراً كبيراً أيضاً: مشي بعد الأكل، تقليل الجلوس المتواصل، نشاط خفيف لكنه منتظم. حين يرتبط هذا السلوك ببيانات حية عن السكر، يصبح أكثر إقناعاً للمستخدم من النصيحة العامة المجرّدة.
وربما لهذا تبدو التجربة الكورية قابلة للاهتمام خارج حدودها المحلية. فهي لا تسوّق لفكرة «التقنية ستنقذنا»، بل لفكرة أكثر تواضعاً وواقعية: التقنية قد تساعدنا على رؤية العادات التي تضرنا أو تنفعنا، شرط أن نجد من يفسر لنا هذه الرؤية، وأن نملك الإرادة والبنية اليومية لترجمتها إلى ممارسة.
ما الذي تكشفه التجربة عن كوريا الجنوبية ونموذجها في الصحة الرقمية؟
من يتابع الموجة الكورية في الثقافة والاقتصاد والتقنية يلاحظ أن كوريا الجنوبية لم تبنِ صورتها العالمية فقط عبر الدراما والموسيقى ومنتجات التجميل، بل أيضاً عبر قدرتها على تحويل الإدارة العامة إلى مختبر للتجارب الرقمية. ومن هذه الزاوية، يبدو برنامج سيول الجديد امتداداً طبيعياً لمدينة اعتادت أن تختبر حلولاً ذكية في النقل والخدمات والدفع والبيئة الحضرية. الجديد هنا أن التجربة تنتقل إلى حقل شديد الحساسية: الجسد نفسه.
اللافت أن سيول لا تقدم هذا النموذج من خلال شركة ناشئة خاصة فقط، بل عبر منصة صحية عامة مدعومة من المدينة. هذا التفصيل مهم لأن جزءاً كبيراً من خدمات الصحة الرقمية حول العالم يبقى أسير القدرة الشرائية الفردية: من يملك المال يشتري الجهاز والاشتراك والاستشارة، ومن لا يملك يبقى خارج المعادلة. أما حين تتدخل السلطة المحلية وتدعم الوصول إلى الجهاز وتنسق الخدمة عبر منصة عامة، فإننا نكون أمام تصور مختلف نسبياً للعدالة الصحية الرقمية، حتى لو كان ما يزال في مرحلة التجريب.
ولا ينبغي إغفال أن هذه التجربة تُقرأ أيضاً في سياق تنافسي عالمي واسع حول صناعة الصحة الرقمية. كوريا الجنوبية، مثل غيرها من الدول الآسيوية المتقدمة تكنولوجياً، تدرك أن المستقبل لن يكون فقط في صناعة الهواتف والسيارات والرقائق، بل أيضاً في إدارة البيانات الصحية، والأجهزة القابلة للارتداء، والخدمات الوقائية المرتبطة بها. لذلك فإن أي مشروع من هذا النوع يحمل بعداً داخلياً يتعلق بصحة السكان، وبعداً خارجياً يتعلق بصورة الدولة وقدرتها على تصدير نموذجها أو تقنياتها.
وبالنسبة إلى الجمهور العربي المتابع للثقافة الكورية، فإن هذه الزاوية تضيف طبقة جديدة على فهم «القوة الناعمة» الكورية. فالصورة ليست فقط نجوم «كي-بوب» أو مسلسلات رومانسية أو مطاعم شعبية، بل أيضاً مؤسسات عامة تحاول أن تبتكر في إدارة شؤون الحياة اليومية. وإذا كانت الثقافة الشعبية هي الباب الذي دخلت منه كوريا إلى خيال الجمهور العربي، فإن الصحة الرقمية قد تكون أحد الملفات التي تجعل هذا الحضور أكثر عمقاً وواقعية.
ماذا يمكن أن تتعلمه المدن العربية من سيول؟
ليس من الحكمة نسخ أي تجربة أجنبية كما هي، فلكل مدينة بنيتها الصحية والاقتصادية والثقافية. لكن تجربة سيول تطرح أسئلة مفيدة جداً على المدن العربية، وخصوصاً تلك التي تتبنى مشاريع التحول الرقمي وتسعى إلى تخفيف العبء عن أنظمتها الصحية. أول هذه الأسئلة: هل يمكن نقل الرعاية من التركيز على العلاج المتأخر إلى الوقاية المبكرة المدعومة بالبيانات؟ وثانيها: كيف نصل إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر قبل أن تصبح تكاليف المرض أعلى على الفرد والدولة؟
في المنطقة العربية، لا يُعد السكري مجرد ملف طبي، بل قضية تنموية واجتماعية متشابكة مع أنماط الغذاء، والتوسع العمراني، والجلوس الطويل، والعمل المكتبي، واستهلاك الأطعمة المصنعة، وحتى تصميم الأحياء والمدن. لذلك فإن أي سياسة جدية للوقاية ينبغي أن تكون متعددة المستويات: فحص مبكر، أدوات متابعة، استشارة مهنية، حوافز، وبيئة حضرية تشجع على الحركة. وهذه بالضبط الفلسفة التي تبدو حاضرة، بدرجات متفاوتة، في المشروع الكوري.
كما أن التجربة تذكّرنا بأهمية اللغة التي تُصاغ بها السياسات الصحية. فبدلاً من خطاب التخويف المستمر أو تحميل الفرد وحده كامل المسؤولية، يمكن بناء خطاب يدعو المواطن إلى فهم جسده والتفاعل معه. هذه مقاربة أكثر احتراماً لذكاء الناس، وأكثر انسجاماً مع واقعهم المعقد. فليس كل من يعاني ارتفاعاً في المؤشرات مهملاً أو غير مبالٍ؛ أحياناً تكون المشكلة ببساطة أنه لا يملك وسيلة واضحة لرؤية العلاقة بين عاداته ونتائجها.
ومع ذلك، تبقى هناك تحديات لا يجوز تجاهلها. الخصوصية الصحية مثلاً ستكون دائماً سؤالاً مركزياً في أي مشروع يعتمد على جمع بيانات شخصية حساسة. وكذلك مسألة الفجوة الرقمية بين من يملكون القدرة على استخدام التكنولوجيا بسهولة ومن يواجهون صعوبات فيها، ولا سيما بين كبار السن أو الفئات الأقل اتصالاً بالخدمات الذكية. ثم هناك التحدي الأهم: كيف نضمن ألا تتحول البيانات إلى غاية بذاتها، بل إلى وسيلة لتحسين حياة الناس فعلاً؟
إذا نجحت سيول في تجربتها، فقد تقدم نموذجاً يراقبه كثيرون في المنطقة وخارجها. وإذا تعثرت، فسيكون تعثرها مفيداً أيضاً، لأنه يكشف حدود التقنية حين لا تساندها البنية الاجتماعية والسلوكية المناسبة. في الحالتين، نحن أمام تجربة تستحق المتابعة، لا لأنها كورية فقط، بل لأنها تتناول واحدة من أكثر أزمات الصحة العامة إلحاحاً بلغة جديدة: لغة الحياة اليومية.
بين الوقاية والمدينة الذكية.. خبر كوري له صدى عربي
ما أعلنته سيول ليس ثورة طبية بالمعنى التقليدي، ولا اختراعاً يقضي على السكري بضغطة زر. إنه، بالأحرى، محاولة لبناء «طب وقاية يومي» يعيش مع المواطن في معصمه، وعلى هاتفه، وفي قراراته الصغيرة المتعلقة بالطعام والحركة. وهذا بالتحديد ما يمنح الخبر قيمته. فالمستقبل الصحي لا يتشكل فقط في المستشفيات الكبرى، بل في المسافة بين الوجبة والخطوة، بين المعلومة والعادة، بين التنبيه الرقمي والقرار البشري.
بالنسبة إلى القراء العرب، يحمل هذا التطور الكوري أكثر من معنى. فهو يذكّرنا أولاً بأن معركة الأمراض المزمنة لا تُحسم بالمواعظ، بل بالتصميم الذكي للسياسات. ويقول ثانياً إن التقنية ليست ترفاً إذا استُخدمت لتقليل عبء المرض وتحسين جودة الحياة. ويشير ثالثاً إلى أن المدن التي تريد أن تكون حديثة حقاً لا يكفيها أن رقمنة الدفع والمواصلات والخدمات، بل عليها أن تفكر أيضاً في كيفية حماية صحة سكانها بطريقة استباقية.
في النهاية، قد يبدو مشهد شخص كوري ينظر إلى شاشة صغيرة ليرى كيف تفاعل جسده مع وجبة الغداء بعيداً عن هموم مدننا العربية. لكنه، في الجوهر، ليس بعيداً أبداً. لأن السؤال واحد هنا وهناك: كيف نعيش أكثر صحة في عالم سريع، مرهق، مملوء بالمغريات الغذائية والجلوس الطويل والتوتر؟ سيول تقدم جواباً تجريبياً: نراقب، نفهم، نعدّل، ونكافئ الاستمرار. أما ما إذا كان هذا الجواب سينجح على نطاق واسع، فذلك ما ستكشفه الأشهر المقبلة مع انطلاق التجربة في سبتمبر/أيلول.
لكن المؤكد من الآن أن الخبر يستحق التوقف عنده، لا بصفته تفصيلاً إدارياً في مدينة آسيوية متقدمة، بل بوصفه مؤشراً على اتجاه عالمي آخذ في الاتساع: انتقال الصحة من العيادة وحدها إلى الفضاء الرقمي اليومي، ومن العلاج بعد وقوع المشكلة إلى محاولة منعها قبل أن تتجذر. وفي زمن ترتفع فيه معدلات السكري ومقدماته في بلدان كثيرة، ربما يكون هذا النوع من الأخبار أكثر قرباً إلى حياتنا مما نتصور.
0 تعليقات