광고환영

광고문의환영

بعد 63 عاماً من الانتظار.. «الاحتقار» لغودار يصل إلى دور العرض في كوريا الجنوبية بنسخة 4K ويعيد النقاش حول قيمة السينما

بعد 63 عاماً من الانتظار.. «الاحتقار» لغودار يصل إلى دور العرض في كوريا الجنوبية بنسخة 4K ويعيد النقاش حول قيمة السينما

حدث سينمائي يتجاوز فكرة «إعادة العرض»

في زمن تهيمن فيه المنصات الرقمية، وتتنافس فيه الأعمال الكورية الجديدة على الشاشات الصغيرة والكبيرة من سيول إلى العواصم العربية، يلفت الأنظار خبر من نوع مختلف تماماً: الفيلم الفرنسي الكلاسيكي «الاحتقار» للمخرج جان-لوك غودار، وبطولة بريجيت باردو، سيُعرض رسمياً في كوريا الجنوبية للمرة الأولى بعد 63 عاماً على إنتاجه، وذلك في نسخة مرمّمة بدقة 4K ابتداءً من منتصف الشهر المقبل. الخبر، في ظاهره، يتعلق بإطلاق فيلم قديم في سوق آسيوية ناضجة ومتحركة. لكن في جوهره، هو خبر عن الطريقة التي تعيد بها الثقافات المعاصرة اكتشاف أرشيفها البصري، وعن الكيفية التي يمكن لفيلم من ستينيات القرن الماضي أن يعود اليوم بوصفه عملاً راهناً لا مجرد قطعة متحفية.

بالنسبة إلى المتابع العربي للشأن الكوري، قد يبدو هذا التطور تفصيلاً نخبوياً إذا قورن بزخم أخبار الدراما الكورية، أو حفلات فرق الكيبوب، أو سباق شباك التذاكر بين الإنتاجات التجارية الكبرى. غير أن أهميته تكمن في أنه يكشف وجهاً آخر من وجوه السوق الثقافية الكورية: سوق لا تكتفي بصناعة الجديد، بل تعيد أيضاً تقديم الكلاسيكيات العالمية إلى جمهور شاب ومتعدد الأذواق، في صالات حديثة، وبشروط مشاهدة تليق بعصر الصورة الفائقة الوضوح. وهنا يتحول الخبر من مجرد إعلان توزيع إلى مؤشر ثقافي على اتساع مفهوم المشاهدة لدى الجمهور الكوري، وعلى استعداد دور العرض هناك لمعاملة الفيلم الكلاسيكي بوصفه حدثاً حياً.

هذه العودة المتأخرة لفيلم «الاحتقار» إلى قاعات السينما الكورية تثير أسئلة يعرفها القارئ العربي جيداً. كم من الأعمال الكبرى في تاريخ السينما العالمية عرّفنا إليها التلفزيون أو النسخ المنزلية الرديئة أو القراءة النقدية لا العرض اللائق في صالة سينما؟ وكم مرة اكتشف جيل كامل أفلاماً مفصلية بعد عقود من إنتاجها، لا لأنها وُلدت متأخرة، بل لأن توقيت وصولها إلينا كان متأخراً؟ من هذه الزاوية، يبدو الخبر قريباً من تجارب عربية كثيرة، حين أعادت مهرجانات أو مؤسسات ثقافية عرض أعمال ليوسف شاهين، أو صلاح أبو سيف، أو فيلم عالمي مثل «ثمانية ونصف» و«المرآة» و«المواطن كين»، لتذكّر الجمهور بأن السينما ليست فقط ما يُنتج هذا الموسم، بل أيضاً ما يبقى صالحاً للقراءة والتأويل بعد نصف قرن وأكثر.

ولأن كوريا الجنوبية صارت في السنوات الأخيرة إحدى أكثر البيئات السينمائية حيوية في العالم، فإن اختيارها إعادة تقديم «الاحتقار» الآن، وبهذه الصيغة التقنية، يبدو رسالة ضمنية مفادها أن الحداثة لا تعني قطع الصلة مع الجذور، وأن الجمهور الذي يصطف لأحدث أفلام الخيال العلمي أو الإثارة، يمكنه أيضاً أن يمنح ساعتين من وقته لفيلم فرنسي تأملي من عام 1963، إذا ما وُضع أمامه في الإطار المناسب.

لماذا يظل اسم غودار وحده خبراً؟

يصعب تناول هذا الحدث من دون التوقف عند اسم جان-لوك غودار، أحد أبرز وجوه الموجة الفرنسية الجديدة، والتي شكّلت في الستينيات انقلاباً على اللغة السينمائية السائدة آنذاك. وغودار ليس مخرجاً عادياً في تاريخ السينما، بل اسم من تلك الأسماء التي تحولت إلى مرجع، تماماً كما تحولت أسماء مثل أندريه تاركوفسكي، وإنغمار برغمان، وأكيرا كوروساوا، وعربياً يوسف شاهين، إلى محطات لا يُقرأ تاريخ الفن السابع من دونها. في الثقافة الصحافية العربية، كثيراً ما يُشار إلى غودار بوصفه مخرجاً صعباً أو تجريبياً أو ثورياً، لكن هذه الصفات على وجاهتها تختزل أحياناً حقيقته الأوسع: رجل أعاد طرح سؤال بسيط ومقلق في آن واحد، هو كيف تُحكى الحكاية على الشاشة؟

في «الاحتقار»، لا يقدم غودار درساً نظرياً عن السينما، بل يبني عملاً يحمل كل سماته الأساسية: حساسية بصرية حادة، واهتماماً بالعلاقة بين الصورة والعاطفة، ونفوراً من السرد السهل المريح، وانشغالاً بالمسافة بين الناس لا بمجرد وقائعهم. لذلك فإن إعادة تقديم الفيلم اليوم في كوريا الجنوبية ليست احتفاءً باسم كلاسيكي وحسب، بل هي أيضاً إعادة اختبار لمدى قدرة لغة غودار على الصمود أمام أعين جمهور تشكلت ذائقته وسط إيقاع أسرع، وشاشات أكثر، ومؤثرات أشد إغراء.

في العالم العربي، قد يكون اسم غودار حاضراً أكثر في دوائر المهتمين بالنقد والسينما الفنية، وأقل انتشاراً بين جمهور المشاهدة العامة. ومع ذلك، فإن أثره غير المباشر واسع. كثير من الأفلام التي لعبت على تفكيك الحكاية، أو كسرت الإيهام، أو تعاملت مع العلاقات بوصفها مناطق صمت والتباس، إنما تدين بشيء من روحها إلى ذلك الإرث. ومن هنا فإن خبر إطلاق «الاحتقار» في كوريا ليس خبراً فرنسياً مؤجلاً، بل مناسبة لتذكير جمهورنا أيضاً بأن السينما التي غيّرت قواعد اللعبة في أوروبا ما زالت تجد منافذ جديدة للحياة في آسيا، وربما تستحق منا نحن أيضاً إعادة نظر أبعد من الاستهلاك السريع.

الأهم أن غودار في هذا الفيلم لا يفرض حضوره عبر الفكرة المجردة فقط، بل عبر الصورة نفسها. الحديث هنا عن مخرج اشتهر بحس لوني خاص، وبقدرة على تحويل المساحات والوجوه والأشياء إلى أدوات تعبير لا تقل أهمية عن الحوار. وهذا ما يفسر لماذا تبدو مسألة عرض الفيلم بنسخة 4K ذات معنى حقيقي، لا مجرد تفصيل دعائي. فحين يكون البناء البصري جزءاً من معنى العمل، تصبح جودة الصورة شرطاً من شروط فهمه، لا رفاهية تقنية فقط.

بريجيت باردو.. نجمة تتجاوز حدود الشاشة

الاسم الثاني الذي يمنح الخبر وزنه الجماهيري هو بريجيت باردو، إحدى أشهر أيقونات السينما الفرنسية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. حضور باردو في الذاكرة العالمية لا يقتصر على كونها ممثلة ناجحة، بل يرتبط كذلك بصورتها الرمزية بوصفها وجهاً للأنوثة الأوروبية الحديثة في مرحلة كانت فيها السينما الفرنسية تعيد تعريف النجومية بعيداً من القوالب الهوليوودية التقليدية. بالنسبة إلى أجيال عربية كثيرة، قد تكون باردو اسماً سمعوا به أكثر مما شاهدوا أعماله، لكنها تبقى من تلك الشخصيات التي تجاوزت حدود الفن إلى المجال العام، بكل ما يحمله ذلك من إعجاب وجدال.

وفي السياق الكوري تحديداً، تحضر باردو في الذاكرة العامة أيضاً من زاوية أخرى غير فنية، إذ سبق أن ارتبط اسمها بمواقف انتقادية تجاه ثقافة أكل لحوم الكلاب في كوريا. لذلك فإن إعادة تقديم فيلمها اليوم في دور العرض الكورية يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الخبر: نحن أمام نجمة يعرفها بعض الجمهور من خلال تاريخها السينمائي، ويعرفها آخرون من خلال سجالات ثقافية وأخلاقية عابرة للحدود. وهذا التداخل بين صورة الفنانة العامة وإرثها الفني يجعل استقبال الفيلم أكثر ثراءً، وربما أكثر التباساً أيضاً.

لكن على مستوى العمل نفسه، تؤدي باردو شخصية كامي، وهي شخصية تتموضع في قلب التوتر العاطفي للفيلم. ليست المسألة هنا قصة حب رومانسية بالمعنى التقليدي، ولا خيانة أو مصالحة كما اعتادت السينما التجارية أن تؤطر العلاقات الزوجية. ما يطرحه الفيلم أعمق من ذلك: كيف يتسلل التباعد بين شخصين؟ كيف يصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلام؟ وكيف يمكن لنظرة أو موقف عابر أن يكشف انهياراً داخلياً لا تُسعفه اللغة؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل أداء باردو في الفيلم جزءاً أساسياً من قيمته، لأنها لا تلعب دوراً مزخرفاً حول بطل مركزي، بل تتحول إلى محور عاطفي تتكثف عنده هشاشة العلاقة كلها.

ومن المفيد هنا للقارئ العربي أن يتعامل مع باردو كما يتعامل مع نجمات شكّلن علامات فارقة في تاريخ السينما العربية، من فاتن حمامة إلى سعاد حسني في اختلاف السياقات والمعاني. فكما لا يمكن اختزال تلك الأسماء في جمال الصورة وحده، لا يمكن اختزال باردو في الهالة التي أحاطت بها. ما يبقى في النهاية هو ما تمنحه الشخصية من عمق، وما يتركه الفيلم من أثر. وفي «الاحتقار»، تبدو باردو جزءاً من معادلة فنية لا من زينة نجومية فحسب.

عن ماذا يتحدث «الاحتقار» حقاً؟

في السرد المختصر للفيلم، نحن أمام كاتب يُدعى بول يتولى مهمة مرتبطة باقتباس سينمائي، فيما يعيش مع زوجته كامي زواجاً بارداً يفتقر إلى الدفء الحقيقي. لكن اختصار الفيلم في هذه الخطوط العامة قد يضلل من لم يشاهده، لأنه يوحي بأننا أمام دراما زوجية تقليدية، بينما الحقيقة أن العمل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. إن موضوعه الأساسي ليس الحب في لحظة اشتعاله، بل العلاقة في لحظة تصدعها؛ ليس البدايات، بل الشقوق التي تتسع بصمت حتى يصير التفاهم مستحيلاً.

وهذه نقطة تمنح الفيلم راهنيته حتى اليوم. فالأعمال التي تتناول انهيار التواصل بين البشر لا تشيخ بسهولة، لأنها تمس بنية شعورية ثابتة في التجربة الإنسانية. قد تتغير الأزياء، والديكورات، وإيقاع الحياة، وتكنولوجيا التواصل، لكن برودة المشاعر، وسوء الفهم، والخذلان، والعجز عن قول ما يجب قوله في الوقت المناسب، كلها عناصر تبقى مفهومة لأي جيل. من هنا يمكن فهم سبب استمرار الاهتمام بهذا العمل بعد أكثر من ستة عقود، ولماذا يمكن لجمهور كوري شاب في 2026 أن يقرأه من موقعه الخاص، كما يمكن لمشاهد عربي اليوم أن يجد فيه شيئاً من أسئلته اليومية.

هذه الفكرة بالذات تجعل «الاحتقار» قريباً من ذائقة عربية لا تزال تمنح العلاقات الإنسانية المتوترة مساحة كبيرة في استقبالها للأعمال الدرامية. من يتابع نجاحات الدراما العربية والكورية معاً، يعرف أن الجمهور لا يتأثر فقط بالحبكات الكبيرة والانعطافات الصاخبة، بل أيضاً بما هو أكثر خفوتاً: الانكسارات الصغيرة، الجمل الناقصة، الخيبات التي تتشكل على مهل. وفي هذا المعنى، فإن «الاحتقار» ليس فيلماً قديماً عن زواج قديم، بل دراسة دقيقة في المسافة التي يمكن أن تنمو بين شخصين يبدوان قريبين ظاهرياً.

ولعل ما يمنح الفيلم قيمة إضافية هو أنه لا يقدّم هذا الانهيار بصيغة وعظية أو قضائية. لا يوزع البراءة والإدانة بسهولة، ولا يبحث عن شرير واضح. بل يترك المشاهد أمام شبكة من الالتباسات النفسية والمهنية والعاطفية. وهذا بالضبط ما يرفع الفيلم من مستوى الحكاية الخاصة إلى مستوى التأمل العام في معنى العلاقة، وفي هشاشة الكرامة، وفي الحدود الضبابية بين الحب والخذلان واللامبالاة.

فيلم داخل فيلم.. حين تصبح السينما موضوعاً لنفسها

من أبرز عناصر الجذب في «الاحتقار» حضور المخرج الكبير فريتس لانغ داخل الفيلم، إذ يظهر بشخصيته تقريباً بوصفه مخرجاً يعمل على فيلم آخر في قلب الحكاية. هذه البنية التي تقوم على «فيلم داخل فيلم» تمنح العمل طبقة إضافية من المعنى، وتجعل المشاهدة تجربة مركبة، لا تكتفي بمتابعة مصير الشخصيات، بل تدفع المشاهد إلى التفكير في عملية صناعة السينما نفسها: من يملك القرار؟ الكاتب أم المخرج؟ المنتج أم النجم؟ وما الذي يحدث للفن حين يصطدم بالمال والسلطة والاعتبارات التجارية؟

هذه الأسئلة ليست بعيدة عن الواقع المعاصر، بل تبدو شديدة الألفة في زمن يعرف فيه الجمهور تفاصيل الإنتاج أكثر من أي وقت مضى. اليوم، متابعو الدراما الكورية والعالمية يلاحقون أخبار الكواليس، ويهتمون بالتعديلات على السيناريو، وبالخلافات بين شركات الإنتاج والمنصات، وبالأدوار التي رفضها هذا النجم أو قبلتها تلك النجمة. لذلك فإن البنية الميتاسردية في «الاحتقار» قد لا تبدو غريبة على مشاهد 2026، حتى إن كانت صيغتها تنتمي إلى حقبة سابقة. الفارق أن غودار كان يطرح هذا الوعي منذ وقت مبكر، وبجرأة جمالية لا تزال تحتفظ بفرادتها.

هنا تتكشف مفارقة مثيرة: الفيلم الكلاسيكي الذي قد يظنه البعض بعيداً عن الحس المعاصر، يتحدث في جانب منه عن هواجس معاصرة جداً. كيف يُصنع المحتوى؟ كيف تتدخل السلطة الاقتصادية في الفن؟ كيف يفاوض الكاتب على قناعته؟ وكيف ينعكس الخلل المهني على العلاقات الشخصية؟ هذه الأسئلة تجعل الفيلم قابلاً للقراءة اليوم في سيول كما في القاهرة وبيروت والرباط، لأن ما تغيّر هو التكنولوجيا، لا جوهر الصراع بين الإبداع والمصلحة.

ولعل وجود فريتس لانغ يضيف أيضاً إلى الفيلم قيمة تاريخية خاصة. فنحن لا نشاهد ممثلاً يؤدي دور مخرج متخيّل، بل واحداً من كبار المخرجين العالميين يحضر في عمل يشتبك مع تاريخ السينما وراهنها معاً. وهذا النوع من التواشج بين الواقع والخيال، بين التاريخ والتمثيل، هو مما يجعل «الاحتقار» مادة خصبة للقراءة النقدية، وسبباً إضافياً لتفهّم الحماسة المحيطة بعرضه الرسمي الأول في كوريا الجنوبية.

نسخة 4K.. عندما تصبح التقنية جزءاً من المعنى

من السهل النظر إلى عبارة «نسخة 4K» باعتبارها مجرد لغة تسويقية مألوفة في إعلانات إعادة العرض والترميم. لكن في حالة «الاحتقار»، تبدو المسألة أعمق من ذلك. فالأفلام التي قامت قيمتها جزئياً على اللون، وعلى هندسة الكادر، وعلى الإيقاع البصري، لا يمكن استقبالها كما ينبغي من خلال نسخ مهترئة أو مشوشة. وحين نتحدث عن غودار تحديداً، فإننا نتحدث عن مخرج عُرف بحساسية عالية تجاه تركيب الصورة، بما يجعل استعادة الفيلم بصرياً مسألة جوهرية لفهمه.

بالنسبة إلى الجمهور الكوري، يتيح العرض الجديد فرصة نادرة لاختبار فيلم كلاسيكي في شروط مشاهدة حديثة. وبالنسبة إلى المراقب العربي، يطرح ذلك سؤالاً واسعاً عن مصير الأرشيف السينمائي عموماً: كم من الأفلام القديمة يحتاج إلى ترميم جدي حتى يستعيد حقه في التداول؟ وكم من الأعمال العربية نفسها ما زالت تنتظر عودة لائقة إلى الصالات والمنصات، بدلاً من أن تبقى أسيرة نسخ باهتة لا تنصف تاريخها؟ إذا كانت كوريا تقدم لجمهورها اليوم عملاً فرنسياً كلاسيكياً بهذه العناية، فإن في الأمر درساً ثقافياً أيضاً عن مسؤولية المؤسسات التوزيعية والسينمائية في صنع ذاكرة مشاهدة سليمة.

التقنية هنا لا تلغي أصالة العمل، بل تعيد فتح الطريق إليها. والفرق كبير بين مشاهدة فيلم قديم بوصفه أثراً منزوع الحيوية، ومشاهدته بوصفه تجربة حية قادرة على مخاطبة الحاضر. حين تصبح الألوان أوضح، والتفاصيل أكثر حضوراً، والإطار أكثر نقاء، فإن الفيلم لا يتحول إلى شيء جديد بالمعنى الحرفي، لكنه يصبح أقرب إلى ما كان ينبغي أن يراه الجمهور أصلاً. وهذه نقطة حاسمة في أي حديث عن إعادة إحياء الكلاسيكيات.

وفي السياق الكوري، يمكن النظر إلى هذا العرض بوصفه جزءاً من مشهد أوسع يفتح الصالات أمام تنوع أكبر في البرمجة. فالسوق التي اشتهرت بقوة إنتاجها المحلي، وقدرتها على تصدير أعمالها للعالم، تبدو هنا قادرة أيضاً على استقبال تاريخ السينما الدولية من دون مركب نقص أو استعلاء. وهذا في حد ذاته مؤشر نضج ثقافي لافت.

كيف تقرأ كوريا اليوم فيلماً من 1963؟

السؤال الأهم ربما ليس لماذا يُعرض الفيلم الآن، بل كيف سيُستقبل. كوريا الجنوبية اليوم ليست كوريا الستينيات، ولا حتى كوريا بداية الألفية. إنها بلد تغيّرت فيه أنماط الاستهلاك الثقافي سريعاً، وصعدت فيه أجيال تربت على الإيقاع المتسارع للدراما التلفزيونية، وعلى بيئة رقمية كثيفة، وعلى صناعة ترفيه محلية شديدة الثقة بنفسها. وسط هذا كله، يبدو عرض «الاحتقار» اختباراً جميلاً لقدرة الكلاسيكي على اختراق الزمن.

من المرجح أن جزءاً من الجمهور سيدخل الصالة بدافع الأسماء: غودار، باردو، فريتس لانغ. وجزء آخر قد يأتي بدافع الفضول تجاه فيلم كثيراً ما ذُكر في كتب النقد وقوائم «الأعمال التي يجب مشاهدتها». وقد يأتي آخرون لأن النسخة الجديدة تمنحهم مبرراً لاكتشاف شيء كان مؤجلاً. في جميع هذه الحالات، تتبدى قيمة الحدث في أنه لا يراهن على الحنين وحده، بل على إعادة التقديم. أي على فكرة أن الفيلم القديم يحتاج إلى خطاب جديد يوصله إلى جمهور جديد.

هذه المسألة يعرفها العرب أيضاً، وخصوصاً من يتابعون محاولات إحياء التراث السينمائي عبر المهرجانات أو المبادرات الثقافية. ليست المشكلة في وجود أعمال عظيمة من الماضي، بل في كيفية مد الجسر بينها وبين الحاضر. وكوريا، بما تملكه من بنية عرض متطورة واهتمام واضح بثقافة الصورة، تبدو قادرة على صناعة هذا الجسر بفعالية. من هنا، فإن الخبر لا يعنينا لأن الفيلم فرنسي فقط، أو لأن غودار اسم كبير فقط، بل لأن كوريا تقدم نموذجاً آخر في التعامل مع السينما الكلاسيكية: لا باعتبارها درساً مدرسياً، بل تجربة مشاهدة فعلية.

وقد يكون هذا ما يجعل الخبر لافتاً عالمياً أيضاً. فنحن أمام تقاطع ثلاث دوائر ثقافية: فيلم فرنسي كلاسيكي، ومؤسسات توزيع كورية، واهتمام دولي بأخبار السوق الثقافية الكورية. هذا التلاقي نفسه يعكس طبيعة اللحظة الراهنة في الثقافة العالمية، حيث لم تعد الأعمال تُقرأ داخل حدودها الوطنية الضيقة، بل من خلال رحلاتها الجديدة بين اللغات والجماهير والوسائط.

ما الذي يعنيه هذا الخبر للقارئ العربي؟

في نهاية المطاف، قد يسأل القارئ العربي: ولماذا يجب أن يعنيني عرض فيلم فرنسي قديم في كوريا الجنوبية؟ الجواب بسيط ومركب في آن. لأنه خبر عن السينما بوصفها لغة عابرة للحدود، وخبر عن كوريا بوصفها فضاءً ثقافياً أوسع من الدراما الرائجة والموسيقى الشبابية، وخبر عن الكلاسيكيات حين تستعيد حقها في الحاضر. كما أنه تذكير لنا نحن أيضاً بأن علاقتنا بالأفلام الكبرى لا ينبغي أن تبقى رهينة القوائم والمقولات الجاهزة، بل يجب أن تتجدد عبر المشاهدة الحية والنقاش المتجدد.

يأتي هذا فيما يشهد العالم العربي نفسه نقاشات متزايدة حول الأرشفة، والترميم، وإتاحة الأعمال القديمة للأجيال الجديدة. وإذا كان خبر «الاحتقار» في كوريا يلفت الانتباه اليوم، فلأنه يقدم مثالاً عملياً على أن الفيلم الكلاسيكي لا يموت إذا وجد من يقدمه كما ينبغي. المسألة ليست ترفاً ثقافياً، بل جزء من صون الذاكرة الجمالية، ومن توسيع أفق الذائقة العامة، ومن مقاومة منطق الاستهلاك الذي يحصر القيمة فيما هو جديد فقط.

ثم إن في هذه العودة المتأخرة شيئاً إنسانياً أيضاً. بعد 63 عاماً، لا يعود الفيلم بوصفه رسالة من الماضي فحسب، بل بوصفه سؤالاً للحاضر: هل ما زلنا نملك الصبر لنشاهد عملاً يتأمل أكثر مما يشرح؟ هل ما زلنا نمنح الصورة وقتها؟ وهل يمكن للعلاقة المتصدعة بين شخصين، المصوغة بلغة سينمائية من زمن آخر، أن تهز مشاهد اليوم كما هزت أسلافه؟ يبدو أن كوريا الجنوبية قررت اختبار ذلك على شاشاتها، والنتيجة، أياً تكن، ستكون جديرة بالمتابعة.

في هذا المعنى، يصبح «الاحتقار» أكثر من عنوان كلاسيكي يعود إلى الصالات. إنه مناسبة لقراءة التحولات في جمهور السينما، وفي وظيفة دور العرض، وفي العلاقة بين القديم والجديد. وبينما يواصل العالم مراقبة كل ما تنتجه كوريا من موجة ثقافية معاصرة، يثبت هذا الخبر أن الجاذبية الكورية لا تقوم فقط على تصدير الجديد، بل أيضاً على حسن استقبال القديم، وإعادة تقديمه كجزء من حاضر ثقافي نابض. وهذا، في ذاته، خبر يستحق أن يُروى.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات