
مؤشر عالمي صغير في شكله.. كبير في أثره على المائدة
في الأخبار الاقتصادية، تمرّ أرقام كثيرة من دون أن تترك أثراً مباشراً لدى القارئ العادي. لكن هناك مؤشرات بعينها تتحول سريعاً من جداول المؤسسات الدولية إلى حديث الناس في المتاجر والمخابز والمطاعم. هذا بالضبط ما ينطبق على الارتفاع الأخير في مؤشر أسعار الغذاء العالمي الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، والذي أظهر صعوداً بنسبة 2.4% على أساس شهري، وفق ما نقلته وكالة يونهاب الكورية في مطلع أبريل 2026. وقد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، محدوداً أو تقنياً، لكنه في بلد مثل كوريا الجنوبية، يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الغذائية الخام، يحمل دلالات أوسع من مجرد حركة شهرية في السوق الدولية.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في أن الأسعار ارتفعت، بل في طبيعة هذا الارتفاع. فحين ترتفع سلعة واحدة، يمكن للأسواق والشركات والحكومات أن تتعامل معها بوصفها موجة عابرة أو أزمة قطاعية محددة. أما حين ترتفع الحبوب والزيوت النباتية واللحوم معاً، فإن المشهد يصبح أشبه بسلسلة مترابطة من الضغوط التي تنتقل من المرافئ إلى المصانع، ومن المصانع إلى المطاعم، ثم إلى المستهلك النهائي. في العالم العربي نعرف هذا جيداً؛ فارتفاع القمح يعني ضغطاً على الخبز والمعجنات، وارتفاع الزيوت ينعكس على كل شيء تقريباً، من الأغذية المعلبة إلى المطابخ الشعبية، أما اللحوم فتمثل بنداً حساساً اجتماعياً ونفسياً في أي أسرة.
في كوريا الجنوبية، المسألة أكثر تعقيداً لأن البلد، رغم تقدمه الصناعي والتكنولوجي، لا يملك وفرة زراعية تتيح له الانفصال عن السوق العالمية. صحيح أن الأرز يحتل مكانة خاصة في الثقافة الكورية، تماماً كما يحتل الخبز مكانة يومية أساسية في بلاد عربية كثيرة، لكن النظام الغذائي الكوري الحديث لم يعد قائماً على الأرز وحده. فهناك اعتماد كبير على القمح لصناعة الخبز والمعكرونة والوجبات الجاهزة، وعلى الذرة وفول الصويا للأعلاف والصناعات الغذائية، وعلى الزيوت المستوردة لتصنيع طيف واسع من المنتجات. لذلك، فإن أي تحرك متزامن في أسعار هذه السلع الأساسية يصبح مؤشراً استباقياً على ما يمكن أن يواجهه المستهلك الكوري بعد أسابيع أو أشهر.
ومن زاوية عربية، تبدو القصة مألوفة إلى حد بعيد. فدول عربية عديدة تعتمد كذلك على الأسواق العالمية لتأمين الحبوب والزيوت، وعاشت خلال السنوات الأخيرة تجارب قاسية مع التضخم الغذائي، سواء بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد أو الحرب في أوكرانيا أو تقلبات أسعار الطاقة والشحن. لذلك، فإن متابعة ما يحدث في كوريا ليست ترفاً صحفياً يتعلق بشؤون شرق آسيا فقط، بل نافذة لفهم كيف تتحرك الاقتصادات المستوردة للغذاء عندما تعود الأسعار العالمية إلى الصعود.
لماذا يهم هذا الارتفاع كوريا الجنوبية تحديداً؟
الاقتصاد الكوري الجنوبي يُقدَّم غالباً بوصفه قصة نجاح صناعي وتكنولوجي: سيارات، سفن، رقائق إلكترونية، وهواتف ذكية، وثقافة شعبية تجتاح العالم عبر الدراما والكي-بوب. غير أن هذه الصورة البراقة تخفي جانباً أكثر هشاشة يتعلق بالأمن الغذائي. فالدولة، بحكم طبيعتها الجغرافية وكثافتها السكانية المحدودة الأراضي الزراعية، تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء معتبر من احتياجاتها من الحبوب والأعلاف والزيوت واللحوم. وهذا يعني أن أي صدمة خارجية، حتى لو بدأت بعيداً في أسواق شيكاغو أو موانئ البحر الأسود أو مزارع أميركا الجنوبية، يمكن أن تصل في النهاية إلى رفوف المتاجر في سيول وبوسان وإنشيون.
وتكمن الحساسية الخاصة في أن أسعار الغذاء تختلف عن أسعار كثير من السلع الأخرى. فالمستهلك قد لا يلاحظ فوراً تغيّر أسعار المواد الخام الصناعية أو بعض المكونات التقنية، لكنه يلاحظ مباشرة سعر الزيت، وكلفة الوجبة في المطعم، وثمن الخبز واللحوم والوجبات الخفيفة التي يشتريها يومياً. وفي الثقافة الكورية، مثلما في الثقافات العربية، للمائدة اليومية وزن يتجاوز المعنى المادي. فتكلفة الطعام ليست مجرد رقم في ميزانية الأسرة، بل جزء من الإحساس بالاستقرار أو الضيق. لذا، فإن الحديث في كوريا عن «أسعار مائدة الطعام» أو ما يُعرف إعلامياً بما يعادل «غلاء السفرة»، له وقع يشبه تماماً تعبير «أسعار سلة الغذاء» أو «ارتفاع كلفة المعيشة» في صحافتنا العربية.
لكن من المهم التمييز بين المؤشر العالمي وبين الانعكاس المحلي المباشر. فليس كل ارتفاع في المؤشر الدولي يتحول فوراً إلى زيادة على سعر المنتج في المتجر. هناك عوامل وسيطة كثيرة: عقود شراء طويلة الأجل، مخزونات قائمة، سياسات تحوط ضد تقلبات العملة، تنافس بين الشركات، وتدخلات حكومية لتخفيف الصدمة. لهذا السبب، لا يتعامل الخبراء الكوريون مع ارتفاع الفاو على أنه إنذار فوري بانفجار الأسعار، بل بوصفه إشارة مبكرة تستحق المتابعة الحذرة. هي أشبه بغمامة تتجمع في الأفق: لا يعني ذلك أن المطر سيهطل حالاً، لكنه يستدعي إبقاء المظلة قريبة.
وفي هذا المعنى، تبدو كوريا الجنوبية نموذجاً واضحاً لاقتصاد متطور لكنه حساس جداً لحركة المواد الخام. وهي مفارقة يعرفها العالم العربي أيضاً: فالتقدم الصناعي أو ارتفاع الدخل لا يلغي هشاشة الغذاء إذا كان أساسه مستورداً. من هنا، فإن مراقبة هذا الملف في كوريا تساعد على فهم كيف تفكر الحكومات والشركات عندما تواجه تضخماً غذائياً قادماً من الخارج وليس من اختلالات محلية بحتة.
الحبوب والزيوت واللحوم: كيف تنتقل العدوى من الأسواق العالمية إلى حياة الناس؟
أول حلقات السلسلة تبدأ مع الحبوب. والحديث هنا لا يقتصر على الأرز، الذي تحتفظ كوريا بدرجة أفضل من الاكتفاء فيه مقارنة بسلع أخرى، بل يشمل القمح والذرة وفول الصويا بدرجات مختلفة. القمح يدخل في صناعة الخبز والكعك والمعكرونة والبسكويت والحبوب المخصصة للإفطار، وهي منتجات أصبحت جزءاً راسخاً من الحياة اليومية في المدن الكورية الحديثة. أما الذرة، فليست مجرد سلعة غذائية مباشرة، بل عنصر أساسي في الأعلاف والنشويات الصناعية ومواد خام تدخل في تصنيع أطعمة كثيرة. لذلك، حين ترتفع الحبوب، لا يكون التأثير محدوداً بسلعة واحدة، بل يتشعب عبر قطاعات عدة كما لو أن حجراً ألقي في بحيرة راكدة فتتسع الدوائر من حوله.
ثم تأتي الزيوت النباتية، وهي ربما من أكثر السلع التي يستهين الناس بأثرها قبل أن ترتفع أسعارها. فالزيت ليس منتجاً قائماً بذاته فقط، بل مدخل إنتاج لمجموعة هائلة من الصناعات الغذائية. ارتفاع أسعار زيت الصويا أو زيت النخيل أو زيت دوار الشمس يعني كلفة أعلى على الأغذية المقلية، والوجبات الجاهزة، والرقائق، والمعجنات، والحلويات، والمنتجات المجمدة. وفي كوريا، حيث تنتشر مطاعم الدجاج المقلي، وأطعمة الشارع، والمتاجر الصغيرة التي تبيع وجبات سريعة ومنتجات جاهزة للأكل، يصبح أي ارتفاع في الزيوت أكثر حساسية مما قد توحي به الأرقام المجردة.
أما اللحوم، فالقضية فيها مزدوجة. فمن ناحية، إذا ارتفعت الأسعار الدولية للحوم نفسها، فإن كلفة الاستيراد ترتفع تلقائياً. ومن ناحية أخرى، إذا زادت أسعار الحبوب، ترتفع معها كلفة الأعلاف، ما يضغط على مربي الماشية والدواجن محلياً. أي أن السوقين، المستورد والمحلي، قد يتعرضان للضغط في الوقت نفسه. وهذا ما يجعل اللحوم بنداً بالغ الحساسية: حتى لو استقرت اللحوم المحلية نسبياً، قد ترتفع المستوردة، والعكس صحيح، لكن عندما يتحرك العاملان معاً تصبح مساحة المناورة أضيق بكثير.
واللافت أن تأثير هذه السلع الثلاث لا يظهر بالضرورة بالطريقة نفسها أو في التوقيت نفسه. فالحبوب قد تنعكس على أسعار الأغذية المصنعة بعد فترة، والزيوت قد يشعر بها المستهلك أولاً عبر انخفاض العروض الترويجية أو ارتفاع تدريجي في منتجات المقليات، بينما قد تظهر ضغوط اللحوم من خلال أسعار المطاعم قبل أن تظهر بوضوح في المتاجر. وهذا التفاوت في الانتقال يفسر لماذا يبدو التضخم الغذائي أحياناً غامضاً لدى المستهلك: الأسعار لا ترتفع كلها دفعة واحدة، بل على شكل موجات متتابعة، كل موجة تضرب فئة مختلفة من السلع والخدمات.
في العالم العربي، نعرف هذا النمط حين ترتفع أسعار القمح فتتأثر المخابز والمصانع الغذائية، أو حين ترتفع الزيوت فتنعكس على المطاعم الشعبية ومحال الحلويات. وكوريا الجنوبية اليوم أمام معادلة مشابهة، لكن ضمن اقتصاد أكثر تعقيداً واعتماداً على الصناعات الغذائية الحديثة. لذلك، فإن ارتفاع السلع الثلاث معاً ليس خبراً عادياً، بل رسالة واضحة إلى الشركات والمستهلكين وصناع القرار بأن الضغوط قد تكون متزامنة ومتعددة المسارات.
العملة والشحن: العاملان الصامتان في فاتورة الغذاء
في كثير من الأحيان، يتركز الاهتمام الإعلامي على سعر السلعة العالمية نفسها، بينما يبقى عاملان حاسمان أقل حضوراً في النقاش العام: سعر الصرف وكلفة الشحن. وفي حالة كوريا الجنوبية، يشكل هذان العاملان فارقاً كبيراً بين ما يحدث على الشاشات الدولية وما يحدث فعلاً في السوق المحلية. فمؤشرات الغذاء العالمية تُحسب عادة بالدولار، لكن الشركات الكورية تدفع في النهاية بوون كوري مقابل الواردات. إذا كانت الأسعار العالمية ترتفع في وقت يضعف فيه الوون أمام الدولار، فإن الأثر المحلي يتضاعف. عندها لا تنتقل الزيادة كما هي، بل تتضخم بفعل العملة.
وهذه النقطة مفهومة تماماً لدى الاقتصادات المستوردة في منطقتنا العربية، حيث يمكن أن يتحول استقرار السعر العالمي إلى عبء محلي ثقيل إذا تراجعت قيمة العملة الوطنية. وفي كوريا، رغم الفارق في البنية الاقتصادية والقدرة المالية، فإن المنطق نفسه قائم. فالشركات المستوردة للقمح والزيوت واللحوم لا تنظر فقط إلى الرسم البياني للسلعة، بل إلى المسار الموازي لسعر الصرف، لأنه قد يغيّر الحسابات بالكامل.
إلى جانب ذلك، تلعب تكاليف النقل البحري دوراً مهماً، خصوصاً في السلع الغذائية الضخمة أو الثقيلة أو المبردة. الحبوب والزيوت الخام واللحوم المجمدة لا تنتقل بكلفة هامشية، وأي اضطراب في الشحن أو ارتفاع في أجور النقل قد يضيف طبقة جديدة من الضغط. قد يكون سبب الاضطراب توتراً جيوسياسياً، أو اختناقات في ممرات بحرية، أو نقصاً في الحاويات، أو ارتفاعاً في أسعار الوقود. وفي كل الأحوال، لا يحتاج الأمر إلى أزمة غذاء عالمية معلنة كي تتأثر فاتورة الاستيراد. أحياناً يكفي أن ترتفع أجرة الشحن أو تتأخر الرحلات لتبدأ الضغوط بالتراكم داخل سلاسل التوريد.
لهذا السبب، لا تنظر الشركات الكورية إلى مؤشر الفاو وحده، بل إلى مجموعة مؤشرات تتحرك معاً: الأسعار الدولية، سعر الدولار، أجور النقل، وتوقيت تجديد العقود. وخلال الأشهر الأولى قد تبدو الأمور مستقرة على الرفوف لأن الشركات تعتمد على مخزون سابق أو عقود أبرمت بأسعار أقل. لكن إذا استمر الصعود لعدة أشهر، تبدأ العقود الجديدة في عكس الكلفة الحقيقية، وعندها يجد المصنع أو المستورد نفسه أمام خيارات صعبة: رفع الأسعار، تقليص الوزن أو الكمية، تعديل المكونات، أو خفض الإنفاق التسويقي والعروض.
وهنا تظهر مفارقة يعرفها المستهلك العربي أيضاً: أحياناً لا يتغير السعر الظاهر على الملصق، لكن العبء الفعلي يزداد. قد تقل الخصومات، أو يصغر حجم العبوة، أو تتغير تركيبة المنتج. في كوريا، كما في أسواق أخرى، ليست كل زيادة في الكلفة تُترجم مباشرة إلى زيادة معلنة في السعر، بل قد تتخذ أشكالاً أكثر هدوءاً، لكنها ملموسة في النهاية.
كيف ستتصرف الشركات الكورية؟ بين امتصاص الصدمة وتمريرها للمستهلك
الشركات الغذائية في كوريا الجنوبية لا تندفع عادة إلى رفع الأسعار بمجرد صعود المواد الخام. المنافسة الحادة في قطاع الأغذية، وحساسية المستهلك الكوري تجاه الأسعار، والرقابة الإعلامية والرسمية على تحركات السوق، كلها عوامل تدفع الشركات إلى محاولة امتصاص جزء من الصدمة أولاً. وهذا يعني أن أثر الارتفاع العالمي قد يظهر في البداية على هوامش الربح ونتائج الأعمال قبل أن يظهر بالكامل في المتاجر والمطاعم.
لكن هذه القدرة على الامتصاص ليست بلا حدود. حين ترتفع مادة أولية واحدة، يمكن للشركة أن تعوض ذلك من بند آخر أو من خلال تحسين الكفاءة. أما حين ترتفع الحبوب والزيوت واللحوم في آن واحد، فإن مساحة المناورة تضيق بسرعة. شركات المخابز والمعكرونة والوجبات الخفيفة تتأثر بالحبوب والزيوت، وشركات الأغذية المجمدة والوجبات الجاهزة قد تتأثر بالثلاثة معاً، وسلاسل المطاعم السريعة تتحمل ضغوطاً على الزيت واللحوم والمواد الدقيقية في الوقت نفسه.
ويزداد الضغط على قطاع المطاعم والخدمات الغذائية، لأنه لا يواجه فقط ارتفاع المواد الخام، بل أيضاً أجور العمالة والإيجارات ورسوم التوصيل والطاقة. وإذا كان المستهلك متحفظاً بسبب تباطؤ الاقتصاد، فإن رفع الأسعار يصبح قراراً محفوفاً بالمخاطر: الزيادة قد تحافظ على الهامش الربحي، لكنها قد تقلص الإقبال. لذلك، تميل شركات كثيرة في مثل هذه الظروف إلى حلول وسط: تقليص العروض، تعديل قوائم الوجبات، رفع أسعار الأصناف الجانبية، أو إعادة تصميم الوجبات المجمعة بدلاً من إعلان زيادة واسعة وصريحة دفعة واحدة.
وفي الثقافة الاستهلاكية الكورية، هناك حساسية خاصة تجاه الأغذية الجاهزة والأطعمة خارج المنزل، لأن وتيرة الحياة السريعة في المدن الكبرى جعلت قطاع الوجبات السريعة والمتاجر الصغيرة والمطاعم اليومية جزءاً أساسياً من الحياة. وهذا يشبه، بطريقته الخاصة، مكانة المخبز القريب أو مطعم الوجبات الشعبية أو محل الشاورما والفلافل في المدن العربية: عندما يتغير سعر هذه الخدمات، يشعر الناس أن تكلفة العيش نفسها تتبدل، لا مجرد سعر سلعة منفردة.
من هنا، يرجح خبراء الاقتصاد في سيول أن تكون الاستجابة موزعة على أشهر عدة، لا على شكل صدمة مفاجئة شاملة. بمعنى آخر، لن يستيقظ المستهلك الكوري على موجة واحدة ترفع كل الأسعار معاً، بل قد يواجه تعديلات متفرقة ومتلاحقة: هنا زيادة في زيت الطهي، وهناك ارتفاع في بعض المنتجات المصنعة، وفي مكان ثالث تقل الخصومات في المطاعم أو ترتفع أسعار اللحوم المستوردة. وهذا السيناريو أكثر واقعية من صور الذعر المفاجئ، لكنه لا يقل وطأة إذا طال أمده وتراكمت تأثيراته.
الحكومة والبنك المركزي: مساحة محدودة للمناورة أمام تضخم الغذاء
حين ترتفع أسعار الغذاء عالمياً، تجد الحكومات نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية. فمن جهة، الغذاء أكثر البنود التصاقاً بالحياة اليومية، وأي ارتفاع فيه يضغط نفسياً على الأسر حتى لو كانت مؤشرات التضخم العامة تبدو تحت السيطرة. ومن جهة أخرى، فإن قدرة الحكومة على كبح أسعار تأتي من الخارج تظل محدودة. وهذا ما تواجهه كوريا الجنوبية اليوم: يمكنها أن تخفف وتؤخر وتوزع الصدمة زمنياً، لكنها لا تستطيع ببساطة أن تفصل نفسها عن السوق العالمية.
غالباً ما تلجأ الحكومات في مثل هذه الحالات إلى مجموعة أدوات معروفة: تخفيض بعض الرسوم الجمركية مؤقتاً، توسيع حصص الاستيراد برسوم تفضيلية، الإفراج عن مخزونات استراتيجية، مراقبة هوامش التوزيع، دعم الخصومات في المتاجر، أو تشجيع تنويع مصادر الاستيراد. وهذه الإجراءات يمكن أن تحد من سرعة انتقال الزيادة إلى المستهلك، لكنها لا تلغي أصل المشكلة، خصوصاً إذا استمرت الأسعار الدولية في الصعود أو ترافق ذلك مع ضعف العملة وارتفاع الشحن.
أما البنك المركزي الكوري، فهو يواجه معضلة مختلفة. فارتفاع أسعار الغذاء المستورد هو في الأساس صدمة عرض، أي أنه ناجم عن كلفة الإنتاج والاستيراد أكثر من كونه نتيجة طلب مفرط داخل الاقتصاد. لذلك، لا تستطيع أسعار الفائدة وحدها أن تعالج المشكلة مباشرة. ومع ذلك، يظل البنك المركزي معنياً بها لأن الغذاء، إذا واصل الارتفاع، قد يرفع توقعات التضخم لدى الأسر والشركات، وعندها تبدأ الضغوط بالانتقال إلى الأجور والخدمات وعموم الأسعار.
هذه المعادلة تذكّرنا بنقاشات عربية كثيرة حول معنى التضخم المستورد وحدود السياسة النقدية في مواجهته. فرفع الفائدة قد يبطئ الاقتصاد من دون أن يخفض فوراً سعر القمح أو الزيت القادم من الخارج. وفي كوريا، يبدو هذا التحدي حاضراً أيضاً: كيف تحافظ السلطات على التوازن بين دعم النمو الاقتصادي من جهة، ومنع انفلات التضخم المعاشي من جهة أخرى؟
لهذا، يركز صانعو القرار على عنصر بالغ الأهمية: الاستمرارية. هل ما حدث في أبريل مجرد ارتداد شهري عابر بعد فترة هدوء نسبي، أم بداية مسار أطول يعيد إشعال التضخم الغذائي؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستوى التدخل الحكومي، وحدّة الخطاب الرسمي، وحجم الضغوط التي ستشعر بها الشركات في تسعير منتجاتها.
ماذا يعني ذلك للأسر الكورية، ولماذا يهم القارئ العربي؟
بالنسبة إلى الأسرة الكورية، فإن أول ما قد يتغير ليس بالضرورة السعر الرسمي على كل السلع، بل شكل الإنفاق اليومي نفسه. قد تلاحظ العائلة ارتفاعاً في أسعار زيوت الطهي، أو تراجعاً في العروض الخاصة على المخبوزات والوجبات الجاهزة، أو زيادة تدريجية في بعض أصناف اللحوم المصنعة أو المستوردة. وقد يأتي الأثر أيضاً عبر المطاعم: سعر طبق الدجاج المقلي، أو وجبة الكاتسو، أو بعض أطعمة الشارع، أو الوجبات السريعة التي تعتمد على زيت القلي واللحوم والدقيق معاً.
وفي المجتمع الكوري، كما في مجتمعات عربية كثيرة، لا تعكس هذه التغيرات فقط عبئاً مالياً، بل تعيد تشكيل السلوك الاستهلاكي. الأسر قد تنتقل إلى علامات تجارية أقل سعراً، أو تخفف شراء المنتجات غير الأساسية، أو تقلل الوجبات خارج المنزل، أو تبحث عن عروض الجملة في المتاجر الكبرى. ومن هنا، فإن أثر التضخم الغذائي ليس حسابياً فقط، بل اجتماعي أيضاً، لأنه يمس الروتين اليومي والعادات الغذائية والخيارات المتاحة للطبقة الوسطى.
أما بالنسبة إلى القارئ العربي، فإن أهمية هذه القصة تتجاوز حدود كوريا الجنوبية. نحن أمام مثال جديد على هشاشة الأمن الغذائي في عالم مترابط، حيث لا يكفي أن يكون البلد متقدماً صناعياً أو مستقراً مالياً كي يطمئن تماماً إلى مائدته. كما أن القصة تذكّر بأن موجات الغلاء لا تبدأ دائماً بقرار محلي أو أزمة داخلية، بل قد تأتي من تزامن عوامل عالمية: أحوال مناخية، اضطرابات جيوسياسية، تقلبات في الشحن، حركات في سعر الدولار، وتغيّرات في أسواق السلع الأساسية.
ولعل الدرس الأوضح هو أن الغذاء، رغم كل ما شهده العالم من ثورة رقمية وتسارع تقني، لا يزال بنداً شديد الحساسية يختصر في كثير من الأحيان العلاقة بين المواطن والدولة، وبين السوق والاستقرار الاجتماعي. ما يحدث اليوم في كوريا الجنوبية قد لا يكون أزمة مكتملة، لكنه تحذير مبكر من أن استقرار الأسعار العالمية لم يتحول بعد إلى يقين دائم. وبين المؤشرات الدولية وعربة التسوق في المتجر، توجد مسافة زمنية قصيرة نسبياً، لكنها كافية لأن تغيّر مزاج المستهلك، وحسابات الشركات، وأولويات الحكومات.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الأسعار سترتفع غداً على كل السلع، بل ما إذا كان هذا الصعود العالمي سيستمر بما يكفي ليتحول إلى موجة أوسع تمس مائدة الناس في كوريا، وربما في أسواق أخرى تعتمد على الاستيراد بالدرجة نفسها. وحتى تتضح الصورة، سيبقى القمح والزيت واللحم، لا الرقائق الإلكترونية ولا مؤشرات الأسهم، من بين أكثر الملفات حضوراً في نقاش الاقتصاد الكوري خلال الأشهر المقبلة.
0 تعليقات