
خبر وفاة يتجاوز حدود النعي
في الأخبار الفنية السريعة، تمرّ أحياناً أسماء كثيرة من دون أن تثير لدى القارئ العربي أكثر من فضول عابر، لكن بعض الأسماء تحمل في سياقها ما هو أبعد من سيرة فرد أو نهاية مسيرة فنية. هكذا بدا خبر وفاة هان تشون-غون، عازف الدرامز المؤسس في فرقة «بيكدو سان» الكورية الجنوبية، عن 71 عاماً في الثالث من أبريل/نيسان، خبراً يخص مرحلة كاملة من تاريخ الموسيقى الكورية، لا مجرد رحيل عضو في فرقة روك. فالرجل ينتمي إلى الجيل الأول الذي ساهم في تثبيت ملامح الهارد روك والهيفي ميتال في كوريا الجنوبية، في وقت لم تكن فيه الصناعة الترفيهية الكورية قد بلغت ما نعرفه اليوم من اتساع عالمي وهيمنة رقمية عبر الكيبوب والمنصات والبث المتزامن.
بالنسبة إلى كثير من القراء العرب الذين تعرّفوا إلى كوريا الجنوبية من بوابة الدراما التلفزيونية أو أغاني الفرق الشبابية اللامعة، قد يبدو الحديث عن عازف درامز من جيل الثمانينيات أقرب إلى مادة متخصصة. لكن الحقيقة أن هذا الخبر يفتح باباً ضرورياً لفهم الجانب الأقل ظهوراً في «الموجة الكورية» أو «الهاليو»، وهو ذلك التاريخ الطويل الذي سبق الطفرة الحالية ومهّد لها بصمت، عبر فرق حية ومسارح صغيرة وجمهور كان يكوّن ذائقته بالمشافهة والحضور المباشر، لا عبر خوارزميات المنصات فقط.
وإذا أردنا تقريب الصورة إلى السياق العربي، فيمكن القول إن المسألة تشبه حين يعود النقاش فجأة إلى أهمية عازف إيقاع أو موزّع موسيقي أو عضو مؤسس في فرقة عربية تركت أثراً كبيراً، لكن اسمه ظل أقل تداولاً من اسم المطرب أو الواجهة الإعلامية. في تلك اللحظة، لا يكون الحديث عن شخص واحد فقط، بل عن سؤال أكبر: من يكتب تاريخ الموسيقى؟ ومن يحفظ ذاكرة من صنعوا الصوت من الخلف، لا من وقفوا تحت الأضواء في المقدمة؟
رحيل هان تشون-غون أعاد هذا السؤال إلى الواجهة في كوريا الجنوبية. ومعه عاد الحديث عن جيل الروك الكوري الأول، وعن الإرث الذي صنعه، وعن المهمة المؤجلة: حفظ هذا الإرث من التبدد في ذاكرة المعجبين وحدهم.
من هي «بيكدو سان» ولماذا تُعد اسماً مفصلياً؟
اسم الفرقة «بيكدو سان» يعني حرفياً «جبل بايكدو»، وهو جبل ذو رمزية بالغة في الوجدان الكوري، إذ يُنظر إليه باعتباره رمزاً جغرافياً وتاريخياً متصلاً بفكرة الجذور والهوية. اختيار هذا الاسم لم يكن تفصيلاً عابراً، بل يكشف منذ البداية رغبة في تقديم موسيقى صلبة ذات طابع محلي الهوية، حتى وهي تعمل داخل قالب مستورد نسبياً مثل الهارد روك والهيفي ميتال اللذين نشآ وتطورا أساساً في الغرب.
هنا تكمن أهمية الفرقة في التاريخ الموسيقي الكوري. فـ«بيكدو سان» لم تكن مجرد محاولة لتقليد فرق أجنبية أو استنساخ صوت غربي بلسان كوري، بل كانت من التجارب التي أثبتت أن الأنماط الموسيقية الثقيلة يمكن أن تتكيّف مع اللغة الكورية، ومع حساسية الجمهور المحلي، ومع ثقافة الحفلات الحية في البلاد. هذا التحول من «الاستيراد» إلى «التمثّل المحلي» هو ما يجعل بعض الفرق مفصلية بالفعل. فهي لا تنجح فقط في إصدار أغانٍ معروفة، بل تؤسس إمكاناً جديداً داخل السوق.
في العالم العربي نعرف هذه الظاهرة جيداً. فقد شهدت الموسيقى العربية مراراً نقاشات مشابهة حين دخلت أنماط مثل الروك أو الجاز أو الراب إلى الفضاء المحلي، ثم بدأ الفنانون تدريجياً في إعادة صياغتها بما يناسب اللغة والذائقة والخبرة الاجتماعية. والسؤال دائماً لم يكن: هل هذا الفن أصيل أم دخيل؟ بل: هل استطاع أن يتحول إلى لغة محلية تحمل هموم جمهورها؟ هذا بالضبط ما جعل «بيكدو سان» علامة في تاريخ الموسيقى الكورية.
كانت الفرقة معروفة بقوة الريف الغيتاري، وبالطاقة العالية في الأداء، وبحضور غنائي صاخب ومباشر. لكن هذه العناصر لم تكن لتتبلور بوصفها هوية مكتملة من دون قسم الإيقاع، وتحديداً الدرامز. ففي موسيقى الهارد روك والهيفي ميتال لا يقتصر دور الطبول على حفظ الزمن الموسيقي، بل يتعداه إلى دفع الأغنية إلى الأمام، وبناء التوتر، وخلق ذلك الإحساس بالاندفاع الذي يمنح الموسيقى ثقلها الجسدي على المسرح. ومن هنا يعود اسم هان تشون-غون إلى الواجهة لا باعتباره وجهاً ثانوياً، بل باعتباره جزءاً من البنية التأسيسية للصوت نفسه.
حين يكون عازف الدرامز في قلب الحكاية
غالباً ما تنحاز التغطيات الفنية، في كوريا كما في العالم العربي، إلى الأصوات الأكثر ظهوراً: المغني، قائد الفرقة، عازف الغيتار المنفرد، أو النجم الذي يمكن تسويق صورته بسهولة. أما العازفون الذين يصنعون تماسك الصوت من الخلف، فيظلون أقل حظاً من الضوء، رغم أن غيابهم قد يكشف هشاشة هذا المنظور الإعلامي كله. هان تشون-غون واحد من هؤلاء الذين أعاد رحيلهم تذكير الجمهور بدور «المركز غير المرئي» داخل الفرقة.
في الموسيقى الثقيلة تحديداً، عازف الدرامز ليس مجرد مكمّل. إنه العنصر الذي يحدد سرعة الاندفاع، ودرجة التوتر، وحدّة الانتقال بين المقاطع، وطريقة صعود الأغنية نحو الذروة. يستطيع المغني أن يرفع صوته إلى أقصى حد، ويمكن لعازف الغيتار أن يطلق عزفاً منفرداً مبهراً، لكن من دون قاعدة إيقاعية متماسكة لا يتحول ذلك كله إلى خبرة مسرحية مقنعة. ولذلك فإن الحديث عن هان تشون-غون بعد وفاته انصرف سريعاً إلى إعادة تقييم وظيفة الدرامز نفسها في ولادة الهيفي ميتال الكوري.
هذه إعادة التقييم مهمة أيضاً في سياق عربي أوسع. فنحن نعيش في زمن تميل فيه الصناعات الموسيقية إلى اختزال العمل الفني في «الواجهة»؛ وجه الفنان، قصته الشخصية، حضوره على المنصات، وقدرته على توليد تفاعل يومي. لكن وراء كل هذا جيش من الموسيقيين والعازفين والموزعين والمهندسين الذين يصنعون الهوية السمعية الحقيقية. وإذا كان الكيبوب قد قدّم للعالم صورة مصقولة جداً عن الأداء الجماعي والانضباط المسرحي، فإن جذور هذه القدرة لا تنفصل عن أجيال سبقت عصر المنصات، وتعلمت الموسيقى في قاعات التدريب والحفلات الحية، لا في دوائر الاستهلاك الرقمي السريع وحدها.
اللافت في التفاعل الكوري مع وفاة هان تشون-غون أن النقاش لم يقتصر على مشاعر الحزن، بل اتجه إلى السؤال المهني: كيف نتذكر الموسيقيين الذين صاغوا إيقاع البدايات؟ وكيف يمكن أن تكتب الصحافة الفنية تاريخاً أكثر عدلاً، لا يكرر فقط أسماء النجوم المعروفين، بل يلتفت إلى أصحاب البصمة الصوتية الذين جعلوا لهذه النجومية معنى؟
ما قبل الكيبوب: حين كانت الحفلات والسمعة تصنعان السوق
لفهم وزن هذا الرحيل، من المهم العودة إلى الفارق بين مرحلتين في الصناعة الكورية. اليوم، يعرف العالم كوريا الجنوبية باعتبارها قوة ناعمة هائلة: فرق كيبوب ذات حضور عالمي، دراما تلفزيونية تصل إلى كل بيت، إنتاجات رقمية محكمة، واستراتيجيات ترويج دقيقة تشتغل على الجمهور المحلي والعابر للحدود في وقت واحد. لكن في الثمانينيات وبدايات التسعينيات، كانت الصورة مختلفة تماماً. السوق أصغر، وأقل تنظيماً، وأبطأ في الانتشار، وتعتمد بدرجة أكبر على الحفلات الحية، وعلى تداول الأشرطة والأسطوانات، وعلى الظهور المحدود في الإذاعة والتلفزيون.
في تلك المرحلة، لم تكن الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات أو سرعة الانتشار على تطبيقات الفيديو القصير، بل بقدرة الفرقة على تثبيت نفسها في الذاكرة الحية للجمهور. كانت الطاقة على المسرح، وردة فعل الجمهور، وسمعة العرض، عوامل مركزية في بناء الاسم الفني. وهذا ما يمنح فرقاً مثل «بيكدو سان» دلالة صناعية أيضاً، لا فنية فقط. فهي تمثل زمناً كان على الفرق فيه أن تثبت شرعيتها من خلال الأداء المباشر، لا من خلال منظومات التسويق المتقدمة التي نعرفها اليوم.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن تشبيه الأمر بزمن كانت فيه الفرق والمغنون يوسعون جمهورهم عبر الحفلات والمهرجانات وأشرطة الكاسيت والإذاعات، قبل أن تعيد المنصات الرقمية تعريف النجاح بالكامل. الفرق هنا أن كوريا الجنوبية استطاعت لاحقاً أن تبني على تلك الأرضية مشهداً عالمياً منظمّاً، بينما ظلت كثير من التجارب العربية عالقة بين الذاكرة الشفوية وغياب الأرشفة المؤسسية.
من هذه الزاوية، تبدو وفاة هان تشون-غون تذكيراً حاداً بأن الصناعة الحالية، رغم بريقها، ليست ابنة فراغ. هناك جيل سابق دفع كلفة البدايات، وفتح مساحات لشرعية أنماط موسيقية لم تكن مضمونة القبول، وراكم خبرات الأداء الحي، وأثبت أن الجمهور الكوري يمكنه أن يتفاعل مع أصوات أكثر صلابة وأعلى كثافة مما كانت تسمح به التصورات السائدة للموسيقى الشعبية آنذاك.
الجيل الأول من الهيفي ميتال الكوري بين الهامش والتأثير
الهيفي ميتال في كوريا الجنوبية لم يكن يوماً النوع الأكثر رسوخاً في قلب التيار السائد، لكنه أيضاً لم يكن هامشاً عديم الأثر. لقد ظل يتحرك عند التخوم: قريباً بما يكفي من الجمهور كي يترك أثراً، وبعيداً بما يكفي عن المركز كي لا يحظى دوماً بالتوثيق المؤسسي الكافي. وهذه مشكلة تتكرر في مشاهد موسيقية كثيرة حول العالم، بما فيها العالم العربي، حيث تظل بعض الأنواع الموسيقية حية وقوية في أثرها، لكنها لا تُعامل أرشيفياً ونقدياً بالجدية نفسها التي تُمنح للأكثر شعبية وانتشاراً.
هذا ما يجعل وفاة أحد رواد الجيل الأول أكثر ثقلاً اليوم. فالأمر لا يتعلق بفقدان فنان فقط، بل بكشف هشاشة الذاكرة. حين يغيب موسيقي من جيل التأسيس، يبرز سؤال ما الذي بقي منه محفوظاً فعلاً: التسجيلات؟ الصور؟ الملصقات؟ المقابلات؟ تسجيلات الحفلات؟ شهادات الزملاء؟ أم مجرد انطباعات مبعثرة لدى جمهور يتقدم في العمر هو الآخر؟
في الحالة الكورية، يترافق هذا السؤال مع تحول واسع في بنية الترفيه. فقد أصبحت المنصات، والمجتمعات الرقمية للمعجبين، والترويج المعتمد على المقاطع القصيرة، عناصر حاسمة في صناعة النجومية. غير أن موسيقى مثل الهيفي ميتال والهارد روك لا تزال، بطبيعتها، تعتمد إلى حد كبير على الخبرة الحية وعلى الحضور الجسدي للصوت في القاعة. ولذلك لا يمكن لتعويضات الأرشيف الرقمي وحدها أن تحل محل خسارة الذاكرة المسرحية التي يحملها رواد ذلك الجيل.
إنه وضع يذكّرنا عربياً بما يحدث حين يغيب فنانون من أجيال صنعت مسارات موازية أو أقل مركزية من السائد، ثم نكتشف أننا لا نملك عنهم إلا القليل. هنا يصبح النعي أقرب إلى جرس إنذار ثقافي: ليس المطلوب البكاء على الماضي، بل إدراك أن تنوع السوق الموسيقية في الحاضر والمستقبل يحتاج إلى صون جذوره، لا إلى الاكتفاء بتجديد واجهاته.
الأرشيف الغائب: من يحفظ ذاكرة المسرح؟
واحدة من أهم الدلالات التي أعاد خبر الوفاة طرحها هي هشاشة أرشفة الموسيقى الشعبية، ولا سيما الموسيقى الحية. فالسينما والدراما غالباً ما تحظيان، في كوريا وفي غيرها، ببنى أوضح للحفظ والتوثيق: نسخ مرممة، مؤسسات إنتاج، أرشيفات رسمية، وقواعد بيانات. أما الموسيقى، خصوصاً في أنماطها المرتبطة بالحفلات والنوادي والدوائر الفرعية، فتقع كثيراً في المنطقة الرمادية بين الجهد الفردي وحماسة المعجبين.
المشكلة هنا لا تخص كوريا وحدها، لكنها تظهر فيها بحدة لأن البلد يُنظر إليه عالمياً بوصفه نموذجاً في تصدير الثقافة المعاصرة. غير أن البريق العالمي الحالي قد يخفي فراغات في الحفظ التاريخي. فحين نبحث في إرث الجيل الأول من الروك والهيفي ميتال، قد نجد الألبومات، وربما بعض المقابلات والصور، لكننا لا نجد بالضرورة التوثيق الكافي لتفاصيل التجربة الحية: كيف كانت تُبنى العروض؟ كيف كان الجمهور يتفاعل؟ كيف كانت القاعات الصغيرة تؤثر في شكل الأداء؟ ما الذي تغيّر في تقنيات الصوت والإضاءة؟ ومن هم الفنيون الذين شاركوا في صنع هذه البيئة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً. إنها جزء من فهم تشكّل الصناعة نفسها. فعالم الحفلات الكبرى الذي نراه اليوم لم ينبت من العدم، بل من تراكم تجارب صغيرة ومتوسطة، ومن اختبارات فنية ولوجستية طويلة. ولذلك فإن أرشفة حياة ومسرح موسيقيين مثل هان تشون-غون لا تعني حفظ ذكريات لجيل مضى فقط، بل تعني أيضاً توفير مادة أساسية لفهم كيف تحولت كوريا الجنوبية إلى قوة موسيقية قادرة على الجمع بين الانضباط الصناعي والحضور الحي.
في السياق العربي، نعرف جميعاً كم من الحفلات والفرق والأصوات ضاعت لأنها لم تُوثق كما ينبغي. من هنا تبدو التجربة الكورية، حتى في أوجه نقصها، مرآة مفيدة لنا أيضاً. فالثقافة لا تُحفظ عبر الاحتفاء بالنجوم وحدهم، بل ببناء ذاكرة مفصلة عن المهن والأدوار والفضاءات التي صنعت المشهد.
بين الوفاء للماضي ومسؤولية الحاضر
ليس المطلوب من خبر كهذا أن يحوّل الحنين إلى مشروع سياسي ثقافي كامل، لكن تجاهله بوصفه مجرد خبر وفاة فنية سيكون تقليلاً من دلالته. ما تكشفه وفاة هان تشون-غون هو أن كوريا الجنوبية، مثل كثير من المجتمعات التي شهدت تحولات ثقافية سريعة، دخلت مرحلة جديدة: مرحلة انتقال رواد المشهد إلى خانة الذاكرة، لا الحضور اليومي. وهذه لحظة حساسة، لأن قيمة الجيل المؤسس لا تُقاس فقط بما قدمه آنذاك، بل أيضاً بمدى قدرة الأجيال اللاحقة على تحويل تجربته إلى معرفة قابلة للنقل.
هنا يبرز سؤال الإرث العملي. كيف يمكن للفرق الجديدة في كوريا أن تتعلم من ذلك الجيل، لا عبر الاستشهاد بأسمائه فقط، بل عبر الوصول إلى تسجيلات منظمة، ومقابلات موثقة، وشهادات فنية مفصلة عن أساليب الأداء وتدبير الحفلات والبقاء داخل سوق لم يكن كريماً على الجميع؟ وكيف يمكن للمؤسسات الثقافية، العامة والخاصة، أن تتعامل مع تاريخ الروك الكوري لا باعتباره زينة على هامش قصة الكيبوب، بل جزءاً تأسيسياً من الحكاية الأكبر للموسيقى الكورية الحديثة؟
هذا النقاش يستحق اهتمام القارئ العربي أيضاً لأننا نتابع «الهاليو» غالباً من زاوية نتائجه الأكثر بريقاً: المسلسلات الناجحة، المهرجانات الضخمة، الفرق العالمية، والنجوم الذين يملأون الشاشات. لكن المجتمعات الثقافية لا تُفهم من خلال قممها وحدها. تحت هذه القمم توجد طبقات من الجهد والصراع والتجريب، وبعضها لا ينجو من النسيان إلا إذا تنبهت إليه الصحافة والمؤسسات والجمهور معاً.
من هذه الزاوية، يبدو رحيل هان تشون-غون دعوة إلى عدسة أوسع في قراءة الثقافة الكورية. عدسة ترى ما قبل الموجة، وما تحتها، وما أبعد من واجهتها اللامعة. فالموسيقى الكورية ليست فقط ما يتصدر القوائم العالمية اليوم، بل أيضاً ما قاوم من أجل أن يوجد بالأمس، وما فتح الطريق لأن تصبح كوريا قادرة على تصدير تنوعها الفني لاحقاً.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي اليوم؟
قد يسأل بعض القراء: ولماذا ينبغي لنا في العالم العربي أن نتوقف مطولاً عند وفاة عازف درامز كوري من جيل قديم؟ الجواب أن متابعة الثقافات الأخرى بجدية لا تعني استهلاك أحدث منتجاتها فقط، بل فهم تكوينها التاريخي وآليات عمل ذاكرتها. حين نقرأ هذا الخبر جيداً، فنحن لا نطالع فقط سيرة موسيقي كوري، بل نتأمل أيضاً أسئلة تشبهنا: كيف نتعامل مع جيل التأسيس في فنوننا؟ كيف نمنع التاريخ الفني من أن يتحول إلى قصاصات متناثرة؟ وكيف نعيد الاعتبار إلى من اشتغلوا بعيداً عن النجومية المطلقة لكنهم صنعوا البنية التي وقفت عليها هذه النجومية؟
في العالم العربي، لا تزال لدينا معارك مماثلة حول التوثيق والاعتراف والعدالة الرمزية داخل الحقول الفنية. من هنا يمكن لرحيل هان تشون-غون أن يكون مناسبة للتفكير المقارن، لا للاستهلاك الخبري العابر. فالقضية في جوهرها تتعلق بعلاقة المجتمع بموسيقاه، وبقدرته على حفظ تنوعها، وعلى إنصاف الأدوار غير المرئية فيها.
لقد غاب الرجل، لكن الخبر الذي حمل اسمه أعاد إلى الواجهة زمناً كاملاً من الموسيقى الكورية، بكل ما فيه من شغف ومشقة وتأسيس. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لمثل هذه اللحظات: أنها لا تضع نقطة في آخر السطر بقدر ما تفتح سطوراً مؤجلة عن الذاكرة، والصناعة، والعدالة الثقافية. وبينما تواصل كوريا الجنوبية تصدير أحدث وجوهها الفنية إلى العالم، يذكّرها هذا الرحيل، ويذكّرنا معها، بأن المستقبل الثقافي الصلب لا يُبنى فقط على النجاحات الجديدة، بل أيضاً على احترام الذين وضعوا الإيقاع الأول.
0 تعليقات