광고환영

광고문의환영

من ذاكرة هيروشيما إلى دفاتر البنوك: كيف نقلت اليابان معركة مناهضة السلاح النووي إلى قلب التمويل؟

من ذاكرة هيروشيما إلى دفاتر البنوك: كيف نقلت اليابان معركة مناهضة السلاح النووي إلى قلب التمويل؟

تحول لافت في ساحة الاحتجاج: من المصنع إلى المصرف

في تطور يحمل دلالات سياسية وأخلاقية تتجاوز حدود اليابان، أعلنت ثلاث جهات مدنية يابانية بارزة، بينها منظمة «نيهون هيدانكيو» التي تمثل الناجين من القصف الذري، إطلاق تحرك منظم للضغط على المؤسسات المالية اليابانية من أجل وقف الاستثمار والإقراض للشركات المرتبطة بتصنيع الأسلحة النووية. الخبر في ظاهره يتعلق بحملة مدنية داخل اليابان، لكنه في جوهره يكشف عن تغير عميق في طريقة فهم الحركات المناهضة للسلاح النووي لطبيعة القوة في عالم اليوم: فالمعركة لم تعد فقط ضد القنبلة بوصفها سلاحا، بل ضد البنية الاقتصادية التي تجعل إنتاجها واستمرارها ممكنا.

هذا التحول مهم للقارئ العربي أيضا، لأن منطقتنا تعرف جيدا كيف يمكن أن تتحول القضايا الكبرى، من الأمن إلى الحرب إلى إعادة الإعمار، إلى ملفات تحكمها شبكات التمويل أكثر مما تحكمها الشعارات. وإذا كانت التظاهرات والبيانات والنداءات الأخلاقية قد شكلت لعقود لغة أساسية في مناهضة السلاح النووي، فإن ما يجري في اليابان اليوم يشبه انتقال الحملة من الشارع إلى غرفة الاجتماعات، ومن مناشدة الضمير إلى مساءلة حركة المال.

بحسب المعطيات المعلنة في طوكيو، فإن منظمات من بينها «الأطباء ضد الحرب النووية» و«نيهون هيدانكيو» تريد أن تطالب المؤسسات المالية اليابانية بوقف أي استثمار أو تمويل يذهب إلى شركات تصنيع السلاح النووي. الفكرة هنا شديدة الوضوح: لا يمكن الحديث عن رفض أخلاقي للسلاح النووي مع إبقاء قنوات التمويل مفتوحة أمام الجهات التي تصنعه، تماما كما لا يستقيم التنديد بالحرب مع استمرار توفير الموارد التي تغذيها. في التعبير العربي الدارج، المسألة لم تعد مجرد رفض للنتيجة، بل تفكيك للأسباب والوسائط التي تنتج تلك النتيجة.

اللافت أن هذا التحرك لا يأتي من فراغ، ولا يقتصر على خطاب رمزي أو مثالي. هو مبني على قراءة عملية تقول إن الصناعة العسكرية، بما فيها أكثرها فتكًا، لا تعيش على التكنولوجيا وحدها، بل على التمويل والتأمين والائتمان والخدمات المصرفية وإدارة الأصول. أي أن القنبلة تبدأ، بمعنى ما، من قرار مالي، أو من تسهيل مصرفي، أو من استثمار مؤسسي قبل أن تتحول إلى منتج عسكري. من هنا تبدو الحملة اليابانية محاولة لإعادة تعريف المسؤولية: ليس المصنع وحده مسؤولا، بل أيضا من يضخ فيه المال.

في العالم العربي، اعتدنا في التغطيات السياسية أن نركز على مواقف الحكومات والجيوش والتحالفات الدولية. لكن التجربة اليابانية الحالية تذكرنا بأن القوة المعاصرة موزعة على دوائر متشابكة، منها الأسواق والمؤسسات المالية والشركات العابرة للحدود. وهذا ما يجعل الخبر الياباني أكثر من حدث محلي؛ إنه مؤشر على اتساع مفهوم المساءلة في قضايا السلم والحرب.

لماذا «التمويل» بالذات؟ البنية الخفية التي تسند السلاح النووي

السبب في أن هذه الحملة تجذب الانتباه دوليا هو أنها تستهدف ما يمكن وصفه بالبنية التحتية غير المرئية للسلاح النووي. كثيرون يتصورون أن صناعة السلاح تبدأ وتنتهي داخل المختبرات والمنشآت العسكرية والمصانع الثقيلة، لكن الواقع الاقتصادي المعاصر يقول شيئا آخر: لا إنتاج من دون استثمار، ولا توسع من دون قروض، ولا استمرارية من دون منظومة مالية توفر السيولة والغطاء والخدمات. ومن هنا، فإن استهداف البنوك وشركات التمويل لا يبدو مسارا جانبيا، بل ضربة موجهة إلى أحد أعصاب الصناعة ذاتها.

في هذا السياق، استشهد القائمون على الحملة اليابانية بحالة سابقة تتعلق بالشركات المصنعة للذخائر العنقودية، حيث أدى تضييق التمويل عليها إلى توقفها عن التصنيع في بعض الحالات. هذا الاستشهاد ليس تفصيلا عابرا، بل هو أساس الحجة العملية التي تقدمها الحركة الجديدة: إذا كان قطع التمويل قد أظهر فعالية في قطاع تسليحي آخر، فلماذا لا يطبق المبدأ نفسه على الشركات المرتبطة بالأسلحة النووية؟ إنها لغة أقرب إلى الاقتصاد السياسي منها إلى الخطابة الأخلاقية، وتلك بحد ذاتها نقطة تحول.

للقارئ العربي، ربما تبدو هذه المقاربة مألوفة من زاوية أخرى. فنحن تابعنا خلال العقدين الماضيين كيف استخدمت العقوبات، وضوابط الامتثال المالي، وحملات المقاطعة الاقتصادية كوسائل ضغط ذات أثر مباشر يتجاوز كثيرا أثر الإدانة اللفظية. سواء اتفق الناس أو اختلفوا حول شرعية تلك الأدوات في ملفات مختلفة، فإن الثابت أن المال في السياسة الدولية ليس مجرد عامل مساعد، بل هو في أحيان كثيرة أداة الحسم الحقيقية. اليابانيون المناهضون للسلاح النووي يستعيرون هذه الحقيقة، لكن لتوظيفها في اتجاه نزع الشرعية عن تمويل صناعة الدمار الشامل.

ومن الناحية المفاهيمية، يحمل هذا التحول معنى أعمق: إنه يوسع تعريف «المشاركة» في منظومة التسلح. فإذا كانت المسؤولية في الوعي العام تنصرف عادة إلى السياسي الذي يأمر، أو الجنرال الذي ينفذ، أو الشركة التي تصنع، فإن الحملة اليابانية تقول إن المصرف الذي يمول يدخل أيضا في سلسلة المسؤولية، حتى لو لم يحمل السلاح بيده. وهذه فكرة حساسة في عالمنا العربي كذلك، لأن كثيرا من القضايا العامة لم تعد تُفهم على نحو سليم إذا اكتفينا بالنظر إلى الواجهة المباشرة وتركنا الشبكات الاقتصادية خلفها خارج النقاش.

هذا التركيز على التمويل ينسجم أيضا مع طبيعة الحركات المدنية الحديثة التي باتت تبحث عن نقاط التأثير الواقعية بدلا من الاكتفاء بالرموز. فالسياسة هنا لا تُمارس فقط عبر البرلمان أو الشارع، بل عبر معايير الاستثمار المسؤول، وضغوط المساهمين، والتزامات الحوكمة البيئية والاجتماعية، وسمعة المؤسسات أمام الرأي العام. وهذا يفسر كيف أن ملفا ثقيلًا ومعقدًا مثل السلاح النووي يمكن أن يجد طريقه الآن إلى جداول أعمال البنوك ومديري الأصول، لا إلى المؤتمرات الدولية وحدها.

الأرقام تتكلم: من مؤسسة واحدة إلى 26 مؤسسة مالية

أكثر ما يمنح هذه القصة ثقلا هو الأرقام. فبحسب ما أعلنه منظمو الحملة، ارتفع عدد المؤسسات المالية اليابانية التي عبرت عن حظر الاستثمار والإقراض للشركات المصنعة للأسلحة النووية من مؤسسة واحدة فقط في عام 2019 إلى 26 مؤسسة في الفترة الأخيرة. في الصحافة، الأرقام ليست مجرد زينة، بل هي المؤشر الذي يسمح بتمييز ما إذا كنا أمام موجة عابرة أم تحول متدرج. وهنا تحديدا يبدو أن اليابان تشهد انتقالا من موقف استثنائي معزول إلى اتجاه آخذ في التوسع داخل القطاع المالي.

هذه الزيادة لا تعني بالضرورة أن المشهد قد انقلب بالكامل، ولا تسمح بالجزم بأن كل المؤسسات الكبرى في اليابان تبنت موقفا موحدا ونهائيا. لكن معناها السياسي واضح: هناك مسار يتشكل، وهناك معيار جديد بدأ يجد له مكانا في النقاش المالي الياباني. من المهم هنا عدم المبالغة أو القفز إلى استنتاجات غير مدعومة، لكن من المهم أيضا عدم التقليل من دلالة الانتقال من «واحد» إلى «26». ففي قضايا من هذا النوع، يبدأ التغيير عادة بجهة أو جهتين، ثم يتحول بمرور الوقت إلى معيار أخلاقي ومهني تخشى المؤسسات تجاهله حتى لا تبدو معزولة عن المزاج العام أو عن أفضل الممارسات الدولية.

للقارئ العربي، يمكن تشبيه الأمر بما يحدث حين تنتقل فكرة من الهامش إلى المركز. في البداية تبدو كأنها موقف نخبوي محدود، ثم ما تلبث أن تدخل في لغة المؤسسات نفسها. هذا ما نراه هنا: الحركات المدنية اليابانية لم تعد فقط ترفع مطلبا مثاليا، بل باتت تتحرك فوق أرضية تغيّر فعلي في سياسات بعض الجهات المالية. وهذا يمنحها فرصة أكبر للضغط من أجل توسيع الالتزام وتحويله من مبادرات متفرقة إلى سياسة أشمل.

كما أن لهذه الأرقام وظيفة أخرى: إنها تثبت أن القطاع المالي ليس كتلة صماء. فحين يقال إن 26 مؤسسة عبرت عن مواقف رافضة لتمويل شركات تصنيع الأسلحة النووية، فهذا يعني أن الحديث لم يعد نظريا، وأن داخل المنظومة المالية نفسها من بات يرى في هذا النوع من التمويل عبئا أخلاقيا وسمعة سلبية وربما مخاطرة مؤسسية. في عالم الاستثمار الحديث، السمعة مسألة جوهرية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاعات شديدة الحساسية مثل الأسلحة غير التقليدية.

وهنا تحديدا تكمن قوة الحملة الجديدة. فهي لا تبدأ من الصفر، بل من واقع يشهد تغيرا بالفعل. وما تفعله الآن هو محاولة تثبيت هذا التغير، وتوسيعه، وتحويله إلى قاعدة أو عرف مهني يصعب التراجع عنه. وهذا تكتيك ذكي في العمل المدني: البناء على ما تحقق، لا الاكتفاء بإعلان المواقف من جديد.

رمزية «نيهون هيدانكيو»: حين يتحول الألم التاريخي إلى فعل سياسي حاضر

أحد أكثر عناصر هذه القصة قوة هو حضور «نيهون هيدانكيو»، المنظمة التي تمثل الناجين من القصف الذري على هيروشيما وناغازاكي. في الذاكرة العالمية، يشكل اسم هيروشيما وحده اختصارا مأساويا لفكرة الفناء النووي، تماما كما تشكل بعض المدن العربية في ذاكرتنا الجماعية رموزا للحرب والتهجير والنجاة الصعبة. غير أن أهمية «هيدانكيو» لا تكمن فقط في صلتها بالماضي، بل في قدرتها على تحويل الذاكرة إلى قوة ضغط في الحاضر.

هذه المنظمة تأسست عام 1956 على يد متضررين من القصف الذري الأمريكي لمدينتي هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945، وظلت لعقود تحمل خطابا أخلاقيا وإنسانيا يطالب بعالم خال من السلاح النووي. وعندما تشارك اليوم في حملة تستهدف المؤسسات المالية، فإنها لا تغير مبادئها، بل تغيّر أدواتها. وكأن الرسالة تقول: من عاش المأساة ليس مطالبا فقط بأن يرويها للأجيال، بل أن يبحث أيضا عن أكثر الطرق فعالية لمنع تكرارها.

تزداد رمزية هذا الحضور قوة مع حقيقة أن المنظمة حازت في العام الماضي جائزة نوبل للسلام، وهو تطور أعاد تسليط الضوء الدولي على قضية الناجين من القصف النووي وعلى شهاداتهم المستمرة. لكن بدلا من الاكتفاء بتحويل الجائزة إلى منصة تذكارية، يبدو أن المنظمة تستخدم الزخم الرمزي لتحريك ملف عملي وملموس. هذا مهم للغاية في العمل العام: فالقضية التي تبقى سجينة الذكرى قد تنال التعاطف، لكنها قد لا تغير الواقع. أما حين تقترن الذاكرة بخطة عمل واضحة، فإنها تبدأ في إنتاج أثر سياسي واجتماعي.

في السياق العربي، نستطيع فهم هذه الرمزية بسهولة. لدينا في منطقتنا أمثلة كثيرة على جماعات للناجين أو الأهالي أو الضحايا تحولت من حراس للذاكرة إلى أصحاب مطالب تشريعية وسياسية وحقوقية. الذاكرة هنا لا تكون مجرد بكاء على الأطلال، بل محاولة لربط الماضي بما يجب أن يتغير في الحاضر. هذا بالضبط ما تفعله «نيهون هيدانكيو»: فهي تسحب مأساة عام 1945 من كتب التاريخ والمتاحف وخطابات المناسبات إلى مجال القرار المالي المعاصر.

ومن الناحية الإعلامية، فإن وجود هذه المنظمة في صلب الحملة يمنحها شرعية أخلاقية يصعب تجاهلها. فحين يتحدث مصرف أو مؤسسة مالية عن «الحياد» أو «الاعتبارات التجارية»، سيجد أمامه صوتا يقول: نحن لا نتحدث عن نشاط اقتصادي عادي، بل عن صناعة حملت في التاريخ الياباني نفسه جرحا مفتوحا ما زال حيا في الذاكرة الوطنية. بهذه الطريقة تتحول الشهادة التاريخية إلى حجة سياسية حاضرة، لا إلى مجرد رمز موقر.

من الخطاب الأخلاقي إلى المطلب التنفيذي: ما الذي تغير في أدوات الحراك؟

الحركات المناهضة للسلاح النووي عرفت تاريخيا بلغة أخلاقية واضحة: لا للسلاح النووي لأنه يدمر البشر والمدن والبيئة ويهدد مستقبل الإنسانية. هذه اللغة لم تفقد قيمتها، لكنها لم تعد وحدها كافية في زمن تحكمه الهياكل المؤسسية المعقدة. الجديد في اليابان هو أن الخطاب انتقل إلى مستوى تنفيذي أكثر تحديدا: هناك الآن مطلب موجه لجهات بعينها، يتعلق بإجراء بعينه، ويمكن قياسه ومتابعته ومحاسبة المتقاعسين عنه.

هذا الفارق بين «الإدانة» و«المطالبة» جوهري. فالإدانة قد تخلق رأيا عاما، لكن المطالبة المحددة تفتح بابا للتغيير الفعلي. عندما تقول المنظمات اليابانية للمؤسسات المالية: أوقفوا الاستثمار والإقراض لشركات تصنيع الأسلحة النووية، فهي لا تكتفي بوصف المشكلة، بل تحدد أيضا أداة التدخل. وفي العمل الصحفي المهني، هذه النقطة تحديدا هي التي تجعل من الحدث خبرا سياسيا لا مجرد موقف رمزي.

كما أن هذه الصيغة الجديدة تعكس نضجًا في فهم آليات السلطة والنفوذ. فالتغيير في عالم اليوم لا يأتي فقط عبر من يناقش القوانين أو يصوغ الاستراتيجيات العسكرية، بل أيضا عبر من يقرر أين يذهب المال، وما هي القطاعات المقبولة أخلاقيا للاستثمار، وما هي الخطوط الحمراء التي لا ينبغي للمؤسسات عبورها. في السنوات الأخيرة صار الحديث عن «الاستثمار المسؤول» و«المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة» جزءا من لغة السوق العالمية. والحركة اليابانية تحاول أن تُدخل تمويل السلاح النووي بقوة ضمن هذا النقاش.

الأمر المهم أيضا أن هذا النوع من الحراك يضع المؤسسات المالية في مواجهة أسئلة لا تحب غالبا أن تُطرح علنا: هل يمكن لبنك يتحدث عن المسؤولية الاجتماعية أن يواصل في الوقت نفسه تمويل شركات مرتبطة بأكثر أنواع السلاح تدميرا؟ هل تكفي الحجج التقنية أو القانونية لتبرير استمرار مثل هذا التمويل؟ وكيف ستتأثر السمعة المؤسسية إذا بات الرأي العام ينظر إلى هذه العلاقة بوصفها مشاركة غير مباشرة في صناعة التهديد النووي؟

في العالم العربي، نعرف جيدا قوة اللحظة التي ينتقل فيها النقاش من «ما رأيك؟» إلى «ما الذي ستفعله؟». وهذا بالضبط ما يحدث في اليابان الآن. الحملة تجرّ المسألة من حيز القيم المجردة إلى حيز السياسات الداخلية للبنوك والمؤسسات المالية، حيث تصبح المواقف قابلة للفحص والمقارنة والمساءلة.

لماذا يهم هذا التطور القارئ العربي؟ الأمن العالمي لا ينفصل عن دوائر المال

قد يسأل قارئ عربي: ما الذي يجعل حملة يابانية ضد تمويل شركات السلاح النووي تستحق كل هذا الاهتمام في صحافتنا؟ الجواب بسيط وعميق في آن: لأن قضايا الأمن العالمي لم تعد تُفهم من خلال الجيوش والتحالفات فقط، بل من خلال البنى الاقتصادية التي تدير المخاطر وتعيد إنتاجها. وما يجري في اليابان يقدم مثالا حيا على كيفية تحرك المجتمع المدني داخل واحدة من أهم الاقتصادات في العالم لإعادة تعريف المسؤولية في ملف شديد الحساسية.

منطقتنا العربية تعيش في قلب توترات أمنية مزمنة، وتعرف معنى سباقات التسلح، وتدرك أن لغة «الردع» و«التوازن» كثيرا ما تُستخدم لتبرير تراكم أدوات العنف. ولهذا فإن أي نقاش جاد حول نزع السلاح أو الحد من مخاطره لا يمكن أن يبقى حبيس المواقف الدبلوماسية. المطلوب دائما النظر إلى الحلقة الكاملة: من يطوّر، ومن يصنّع، ومن يموّل، ومن يغطي، ومن يربح. اليابان، بهذا المعنى، لا تقدم فقط قصة محلية، بل نموذجًا تحليليًا يمكن أن يفيد كل صحافة جادة وكل مجتمع يريد فهم كيف تعمل منظومات القوة الحديثة.

كما أن للقضية بعدا ثقافيا يهم القراء المهتمين بالموجة الكورية والثقافة الآسيوية الأوسع، لأن شرق آسيا ليس مجرد فضاء للموسيقى والدراما والتكنولوجيا، بل أيضا منطقة تحمل ذاكرة ثقيلة من الحرب والاحتلال والقصف النووي والتنافس العسكري. متابعة هذه القضايا تساعد القارئ العربي على رؤية صورة أكثر اكتمالا للمنطقة، بعيدا عن اختزالها في منتجاتها الثقافية الناعمة فقط. فالثقافة الشعبية الآسيوية التي نستهلكها بشغف تولد هي أيضا داخل مجتمعات تناقش مسائل الذاكرة والعسكرة والسلام والعدالة.

ثمة جانب آخر لا يقل أهمية: الحملة اليابانية تذكرنا بأن المجتمع المدني، مهما بدت قدرته محدودة أمام الدول الكبرى، يستطيع أحيانا أن يجد منافذ تأثير غير متوقعة. فبدلا من محاولة تغيير العقائد العسكرية مباشرة، وهي مهمة شبه مستحيلة، يذهب إلى نقطة أضعف وأكثر مرونة: التمويل والسمعة والسياسات المؤسسية. في هذا درس عملي لكل من يشتغل في الحقل العام: اختر النقطة التي يمكن أن تحدث فيها أثرا، لا النقطة التي تبدو أكثر صخبا فقط.

ولعل ما يجعل القصة ذات صدى عربي إضافي هو أنها تطرح سؤالا أخلاقيا عاما يتجاوز اليابان والسلاح النووي: هل يمكن للمؤسسات الاقتصادية أن تتصرف كأنها كيانات محايدة تماما تجاه آثار ما تموله؟ في زمن تتزايد فيه الدعوات إلى ربط المال بالقيم والمسؤولية الاجتماعية، تبدو هذه الحملة اختبارا حقيقيا لمصداقية تلك الشعارات.

ما الذي يمكن أن يحدث لاحقا؟ بين الضغط المدني وحدود الواقع

رغم الزخم الذي تحمله هذه المبادرة، فإن التعامل معها بجدية مهنية يقتضي أيضا الانتباه إلى حدودها. فليس هناك حتى الآن ما يسمح بالقول إن الحملة ستنجح بالضرورة في تغيير سياسات كل المؤسسات المالية اليابانية، أو أن أثرها سيمتد بشكل مباشر وسريع إلى خارج اليابان. كما أن قطاع التمويل، بطبيعته، شديد التعقيد، وقد تلجأ بعض المؤسسات إلى صيغ استثمارية غير مباشرة أو إلى تفسيرات ضيقة لتعريف الشركات المرتبطة بتصنيع السلاح النووي. هذه كلها تحديات معروفة في حملات الضغط المالي.

ومع ذلك، فإن النجاح في مثل هذه القضايا لا يُقاس فقط بنتيجة فورية ونهائية، بل أيضا بقدرة الحملة على نقل النقاش العام إلى مستوى جديد. وإذا كانت المنظمات اليابانية قد نجحت بالفعل في جعل السؤال المالي جزءا من النقاش حول السلاح النووي، فهذا في حد ذاته إنجاز سياسي وفكري. فالتغيير يبدأ أحيانا من تبديل زاوية النظر قبل أن يبدأ من تبديل القرارات.

من المرجح أن تركز المرحلة المقبلة على توسيع عدد المؤسسات المعلنة لمواقفها، وعلى جعل مسألة تمويل شركات السلاح النووي بندا أكثر وضوحا في سياسات الاستثمار المسؤول داخل اليابان. وقد نشهد أيضا اهتماما أكبر من الصحافة والمنظمات الدولية التي تراقب صلات رأس المال بصناعات التسلح. وإذا حدث ذلك، فإن الحملة اليابانية ستكون قد تجاوزت إطارها المحلي لتصبح جزءا من نقاش عالمي أوسع حول أخلاقيات التمويل في عصر المخاطر الكونية.

في النهاية، ما يجري في اليابان يثبت أن الذاكرة حين تقترن بالتنظيم، وأن الأخلاق حين تقترن بالأدوات، يمكن أن تنتج شكلا جديدا من السياسة المدنية. من هيروشيما وناغازاكي إلى البنوك وقاعات المؤتمرات والبيانات المالية، تتغير اللغة لكن جوهر الرسالة يبقى واحدا: لا يكفي أن نقول إن السلاح النووي شر مطلق، بل يجب أيضا أن نسأل من الذي يتيح له أن يبقى قائما، ومن الذي يملك الشجاعة لقطع الشريان المالي عنه.

وهذا السؤال، في جوهره، ليس يابانيا فقط. إنه سؤال عالمي، وسؤال عربي أيضا، لأن كل مجتمع يريد عالما أقل عنفا لا بد أن ينظر، عاجلا أو آجلا، إلى حيث يتحرك المال بقدر ما ينظر إلى حيث تُرفع الشعارات. في ذلك تكمن أهمية هذه القصة، وفي ذلك أيضا تكمن قيمتها الإخبارية والإنسانية.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات