
من المختبر إلى الميدان: كوريا الجنوبية تدفع الجيش نحو عصر جديد
في وقت لا تزال فيه كثير من دول العالم تناقش حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والإدارة والخدمات العامة، تمضي كوريا الجنوبية بخطى أسرع نحو ملف أكثر حساسية وتعقيداً: إدخال الذكاء الاصطناعي إلى قلب المؤسسة العسكرية، ليس بوصفه أداة مساعدة فحسب، بل باعتباره ركيزة لإعادة تشكيل مفهوم العمليات القتالية نفسها. ووفق التوجهات المعلنة في سيول، فإن الحديث لم يعد يدور فقط حول تحديث المعدات أو رقمنة غرف القيادة، بل حول تسريع الانتقال إلى ما يمكن وصفه بـ«ساحة المعركة الذكية»، حيث تقوم الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بتحليل المعلومات في الزمن الحقيقي، والمساهمة في اتخاذ القرار، وتنفيذ أجزاء متزايدة من المهام بصورة آلية.
هذا التحول، الذي يجري التأسيس له ضمن ما تصفه الجهات الكورية الجنوبية بنقاط أو مراكز «AX» أي «التنفيذ الذاتي» أو «التنفيذ المؤتمت»، يعكس نقلة نوعية في التفكير العسكري. فالمؤسسة الدفاعية في كوريا الجنوبية، المحكومة ببيئة أمنية شديدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية، تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملاً مضاعفاً للقوة، ومخرجاً من معضلات معروفة مثل ضغط الزمن في ساحات القتال الحديثة، وكثافة البيانات، وصعوبة التنسيق بين الوحدات، والحاجة إلى استجابات أكثر سرعة ودقة.
وبالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو هذا التطور امتداداً لما شهدناه في السنوات الأخيرة من صعود الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة في عدد من النزاعات الإقليمية والدولية. غير أن الحالة الكورية الجنوبية تتجاوز فكرة «السلاح الذكي» إلى بناء بنية تحتية كاملة تسمح للآلة بفهم ساحة القتال وتحليلها والتوصية بالتحرك، بل والمشاركة في التنفيذ في بعض المسارات. هنا نحن أمام تحول يشبه، بلغة الصحافة العربية، انتقال الجيش من دفتر العمليات التقليدي إلى «غرفة قيادة خوارزمية» تُقاس فيها الثواني بوزن استراتيجي، وتصبح المعلومة المعالجة آلياً جزءاً من ميزان الردع نفسه.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع تعيشه كوريا الجنوبية، الدولة التي بنت جزءاً مهماً من مكانتها الدولية على التكنولوجيا والصناعة الدقيقة. فمن بلد عُرف عالمياً بالسيارات والإلكترونيات والهواتف الذكية والدراما الكورية ونجوم البوب، تنتقل سيول اليوم إلى توظيف هذا التفوق التكنولوجي في واحدة من أكثر الساحات حساسية: الأمن القومي. وإذا كانت «الهاليو» أو «الموجة الكورية» قد حملت صورة البلاد الناعمة إلى العالم العربي عبر المسلسلات والموسيقى والمأكولات، فإن ما يجري داخل المؤسسة العسكرية يكشف وجهاً آخر لكوريا الجنوبية: دولة تتعامل مع الابتكار بوصفه ضرورة وجودية، لا مجرد رفاهية تنافسية.
ما المقصود بـ«AX» وساحة المعركة القائمة على الذكاء الاصطناعي؟
المصطلح الذي يبرز في الخطاب الكوري الجنوبي هو «AX»، وهو اختصار يرتبط بفكرة «التنفيذ الذاتي» أو «التنفيذ المؤتمت». ومن المهم هنا توضيح الفكرة للقارئ العربي بعيداً عن المبالغات السينمائية التي قد تستحضر فوراً صور الروبوتات المقاتلة الخارجة من أفلام الخيال العلمي. المقصود عملياً هو إنشاء مراكز وأنظمة قادرة على استقبال تدفق هائل من المعلومات من مصادر متعددة، مثل الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والرادارات ووحدات الاستطلاع، ثم استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل هذه البيانات بسرعة تفوق قدرة الإنسان الفردية، من أجل دعم القرار أو تنفيذ أوامر محددة في الزمن الحقيقي.
في النموذج التقليدي للحرب، تمر المعلومات عبر مستويات متعددة من الجمع والتحقق والرفع والتقييم قبل الوصول إلى القائد الذي يقرر. هذا التسلسل، وإن كان يضمن قدراً من الرقابة البشرية، قد يستهلك وقتاً ثميناً في لحظات حرجة. أما في نموذج «AX»، فإن جزءاً كبيراً من هذه السلسلة يصبح مؤتمتاً: تُرصد الحركة، تُصنّف الأهداف، تُقاس المخاطر، وتُقترح السيناريوهات، وقد تُفعَّل أيضاً إجراءات معينة تلقائياً ضمن قواعد اشتباك وضوابط محددة مسبقاً. بذلك لا تكون الآلة بديلاً كاملاً عن القائد، لكنها تتحول إلى عقل مساعد عالي السرعة، وربما إلى منفذ مباشر لبعض المهام اللوجستية أو الميدانية.
ومن الأمثلة التي يمكن تصورها ضمن هذا الإطار: إعادة توزيع القوات وفق معطيات آنية، تعديل خطة تحرك الوحدات نتيجة تغيّر مفاجئ في اتجاه الخطر، إدارة شبكات الإمداد والذخيرة بكفاءة أعلى، أو تنسيق عمل المسيرات وأنظمة الاستطلاع بصورة متكاملة. وفي البيئات العسكرية المعقدة، يمكن لهذا المستوى من الأتمتة أن يختصر الزمن الفاصل بين رصد التهديد والرد عليه، وهو فارق قد يحدد نجاح العملية أو فشلها.
في الثقافة العسكرية العربية ثمة تعبير متداول مفاده أن «المعلومة نصف المعركة». أما في التصور الجديد الذي تتبناه جيوش متقدمة، ومنها كوريا الجنوبية، فإن المعادلة تكاد تصبح: «المعلومة المعالجة فورياً هي المعركة نفسها». لذلك لا تنظر سيول إلى الذكاء الاصطناعي كإضافة تقنية جانبية، بل كجزء من بنية القيادة والسيطرة الحديثة. وهذا يفسر الزخم الذي يحيط بعمليات التحول الجارية داخل مؤسسات الدفاع الكورية، حيث يجري الانتقال من استخدام الأنظمة الذكية في مجالات فرعية إلى التفكير في دمجها داخل صلب العقيدة التشغيلية.
لماذا الآن؟ الجغرافيا السياسية تفسر الاندفاعة الكورية
لفهم دوافع كوريا الجنوبية، لا يكفي النظر إلى التطور التكنولوجي وحده. فالبلاد تعيش في واحدة من أكثر البيئات الأمنية توتراً في العالم، على تماس مباشر مع كوريا الشمالية، وفي منطقة تتشابك فيها مصالح الولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا. هذا الموقع الجيوسياسي يجعل أي تأخر في تبني التقنيات العسكرية الجديدة مخاطرة استراتيجية، لا مجرد تأخر تقني.
ومنذ سنوات، تدرك سيول أن ساحات المواجهة الحديثة لم تعد تشبه الحروب الكلاسيكية التي كانت تعتمد على الكتلة البشرية والسلاح الثقيل فقط. اليوم، تُحسم كثير من المعارك على مستوى الوعي الميداني، وسرعة اكتشاف التهديد، والقدرة على دمج المعلومات من مصادر متباعدة، ثم تحويلها إلى قرار قابل للتنفيذ خلال ثوانٍ. وفي حالة شبه الجزيرة الكورية، حيث يمكن لأي تطور أمني أن يتصاعد بسرعة، تبدو الحاجة إلى تقليص زمن القرار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
كما أن كوريا الجنوبية، التي بنت قاعدة صناعية وتقنية متقدمة، ترى في هذه اللحظة فرصة لترسيخ موقعها بين الدول الرائدة في تقنيات الدفاع المستقبلية. فكما تنافست دول الخليج العربي خلال العقدين الأخيرين على تحديث جيوشها عبر اقتناء أحدث المنظومات الغربية والشرقية، تبدو سيول اليوم مصممة على ألا تكون مجرد مشترٍ للتكنولوجيا، بل منتجاً ومصدّراً ومختبراً لمفاهيم الحرب الجديدة. وهذا ينسجم مع سياسات أوسع تسعى من خلالها إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية وتحويلها إلى رافعة نفوذ اقتصادي وسياسي.
هناك أيضاً عامل ديموغرافي لا يقل أهمية. كوريا الجنوبية، مثل دول متقدمة عديدة، تواجه تحديات متعلقة بانخفاض معدلات المواليد وشيخوخة المجتمع على المدى الطويل. وفي مثل هذه البيئات، يكتسب الحديث عن الأتمتة العسكرية معنى إضافياً: كيف يمكن الحفاظ على الكفاءة القتالية مع تقليل الاعتماد على الأعداد الكبيرة من الأفراد؟ الذكاء الاصطناعي والأنظمة المؤتمتة يقدمان جواباً جزئياً على هذا السؤال، عبر تعويض جزء من النقص المحتمل في الموارد البشرية، ورفع إنتاجية الوحدات الموجودة.
من هنا يمكن القول إن اندفاعة كوريا الجنوبية نحو «ساحة المعركة الذكية» ليست ترفاً تقنياً أو دعاية سياسية، بل استجابة متعددة الأبعاد لضغط البيئة الأمنية، وتغير طبيعة الحرب، ومتطلبات الصناعة الوطنية، وتحولات المجتمع نفسه. وهذا ما يمنح المشروع ثقلاً يتجاوز حدوده الداخلية، ليصبح محل متابعة من قِبل جيوش وصناعات دفاعية حول العالم.
الفرص العسكرية: سرعة القرار، دقة الاستجابة، وكفاءة استخدام الموارد
الرهان الأساسي في المشروع الكوري الجنوبي يتمثل في رفع فعالية الجيش عبر الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي في التحليل والتوقع والتنسيق. ففي ساحة قتال معاصرة، تتدفق المعلومات من كل اتجاه: صور فضائية، إشارات إلكترونية، بث فيديو من مسيرات، تقارير بشرية، بيانات طقس، خرائط تحرك، واتصالات ميدانية متغيرة. المشكلة ليست فقط في الحصول على المعلومات، بل في غربلتها وفهمها وتحويلها إلى أولوية عملياتية. وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة قادرة على العمل بسرعة لا يستطيع العنصر البشري مجاراتها.
إذا نجحت كوريا الجنوبية في تحويل هذا المفهوم إلى تطبيق عملي واسع، فستتمكن قواتها من تقليص «زمن الحلقة القتالية»، أي الفترة التي تبدأ برصد الهدف أو التهديد وتنتهي بإصدار الاستجابة المناسبة. وكلما تقلص هذا الزمن، ارتفعت قدرة الجيش على المبادرة بدلاً من الاكتفاء برد الفعل. وفي لغة عسكرية مبسطة، فإن الجيش الذي يرى أولاً ويفهم أولاً ويتحرك أولاً، يمتلك أفضلية كبيرة حتى قبل إطلاق النار.
الفائدة الثانية تتعلق بتوزيع الموارد. في النزاعات الحديثة، لا يكفي امتلاك السلاح؛ المهم هو استخدامه في المكان والوقت المناسبين. أنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع، نظرياً، تحسين إدارة الإمداد والانتشار والمناورة، ما يقلل الهدر ويرفع الكفاءة. فإذا كانت وحدة ما تحتاج إلى تعزيز أو تغيير موقعها بسبب مستجدات ميدانية، يمكن للأنظمة الذكية أن تقترح الخيار الأمثل بناءً على عشرات المتغيرات في لحظة واحدة، من دون انتظار السلاسل التقليدية البطيئة.
أما الفائدة الثالثة فتتمثل في الحد من الأخطاء البشرية المرتبطة بالإرهاق وضغط الوقت. وليس المقصود هنا إقصاء الإنسان، بل تخفيف العبء الذهني عنه في البيئات المشبعة بالمعلومات. ففي كثير من الأحيان، تتخذ القرارات الخاطئة في الحرب ليس بسبب نقص البيانات، بل بسبب فيضانها. والذكاء الاصطناعي، إذا صُمم بعناية وخضع لاختبارات صارمة، قد يساعد في ترتيب الأولويات والتنبيه إلى الأنماط غير المرئية بسهولة للعقل البشري.
في العالم العربي، حيث أصبحت المسيرات وأنظمة المراقبة والاستخبارات التقنية جزءاً من المشهد الأمني في أكثر من ساحة، تبدو هذه النقاشات وثيقة الصلة بما ستشهده المنطقة في السنوات المقبلة. فالتجربة الكورية قد تقدم نموذجاً لما ستكون عليه الجيوش مستقبلاً: جيوش أقل اعتماداً على العدد، وأكثر اعتماداً على الخوارزمية، وجيوش ترى أن سرعة معالجة البيانات لا تقل أهمية عن قوة النيران التقليدية.
الوجه الآخر للتقدم: مخاطر الاختراق والخطأ والقرار غير المفهوم
لكن كل هذا الوعد التكنولوجي لا يخلو من أسئلة مقلقة. فحين تدخل الخوارزميات إلى المجال العسكري، لا يعود الخلل التقني مجرد مشكلة تشغيلية؛ بل قد يصبح تهديداً مباشراً للأمن القومي. لهذا تبرز في التجربة الكورية الجنوبية تحديات حاسمة تتعلق بالأمن السيبراني والموثوقية والقدرة على ضبط سلوك الأنظمة الذكية في ظروف شديدة التعقيد.
أول هذه التحديات هو الاختراق. فالأنظمة التي تعتمد على الربط الشبكي وتبادل البيانات الكثيف تكون، بطبيعتها، أكثر عرضة للهجمات الإلكترونية إذا لم تُحصّن بعناية فائقة. وفي المجال العسكري، لا يعني الاختراق فقط تسريب المعلومات، بل قد يصل إلى تضليل النظام نفسه عبر تزويده ببيانات مزيفة، أو تعطيل عمله، أو دفعه إلى تقديرات خاطئة. وفي بيئة متوترة مثل البيئة الكورية، يمكن لمثل هذه الثغرات أن تكون مكلفة جداً.
التحدي الثاني يتعلق بموثوقية الخوارزميات. فالذكاء الاصطناعي ليس كائناً سحرياً معصوماً من الخطأ. هو يتعلم من بيانات، ويعمل ضمن نماذج احتمالية، وقد يخطئ في التصنيف أو التقدير إذا واجه ظروفاً غير متوقعة أو بيانات مضللة أو تحولات مفاجئة لا تشبه ما تدرب عليه. وفي ساحة معركة معقدة، قد يؤدي خطأ في تحديد هدف أو قراءة نية الخصم إلى عواقب خطيرة. لهذا فإن الحديث عن «تقليل التدخل البشري» يفتح نقاشاً حساساً حول الخط الأحمر الذي يجب ألا تتجاوزه الأتمتة.
ثم هناك مسألة «قابلية الفهم». كثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، خصوصاً تلك القائمة على نماذج معقدة، تعطي نتائج يصعب تفسيرها بسهولة. وفي المجال العسكري، لا يكفي أن يقول النظام: «هذا هو الخيار الأفضل». يحتاج القائد إلى أن يعرف لماذا، وعلى أي أسس، وما نسبة اليقين، وما البدائل. فإذا فقدت المؤسسة العسكرية القدرة على فهم منطق الأداة التي تعتمد عليها، فإنها تكون قد نقلت جزءاً من سلطتها إلى صندوق أسود يصعب مساءلته.
هذه المخاوف ليست كورية فقط، بل عالمية. وفي الصحافة العربية، اعتدنا عند تغطية التحولات التقنية الكبرى أن نفرق بين الوعود التي تُقدَّم في المؤتمرات وبين الاختبارات التي تفرضها الوقائع. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصل إلى الجيش، فهذا المسار بدأ بالفعل، بل كيف ستوضع الضوابط الأخلاقية والتقنية والقانونية التي تمنع تحوله من عامل قوة إلى مصدر هشاشة.
هل تتغير عقيدة الحرب؟ الإنسان في مواجهة الخوارزمية
أعمق ما في التحول الكوري الجنوبي ليس الجانب التقني وحده، بل الأثر الذي قد يتركه على العقيدة العسكرية ذاتها. فكل عقيدة قتالية تقوم، في جوهرها، على تصور معين للعلاقة بين القائد والمعلومة والزمن والقوة. وحين يدخل الذكاء الاصطناعي على هذا الخط، تتغير هذه العلاقة من أساسها. لم يعد القائد ينتظر التقارير بالصيغة التي اعتادها، ولم يعد التحرك رهناً بالإيقاع البشري وحده، ولم تعد المعلومة مجرد مادة خام بل أصبحت توصية شبه جاهزة لاتخاذ القرار.
هذا التحول يفرض إعادة تعريف دور الإنسان داخل المؤسسة العسكرية. فبدلاً من أن يكون المنفذ الوحيد لكل مراحل العملية، يتحول تدريجياً إلى مشرف ومقيّم ومصادق على ما تقترحه الأنظمة. وهنا يظهر السؤال الذي شغل خبراء الدفاع والأخلاقيات في السنوات الأخيرة: أين ينبغي أن تتوقف صلاحيات الآلة؟ هل يقتصر دورها على الرصد والتحليل؟ أم يمكن أن تمتد إلى التنفيذ؟ وإذا حدث خطأ، فمن يتحمل المسؤولية: المبرمج، أم المشغّل، أم القائد، أم المؤسسة كلها؟
في التراث العربي مقولة معروفة مفادها أن «الحرب خُدعة»، وهي تختصر جانباً من الطبيعة الإنسانية المتقلبة للصراع. لكن إدخال الخوارزميات إلى ساحة الحرب يضيف طبقة جديدة: الحرب تصبح أيضاً معادلة بيانات، واحتمالات، وأنماطاً رقمية، وتنافُساً بين قدرات الحوسبة والتنبؤ. هذا لا يلغي دور الإنسان، لكنه يغيّر نوع هذا الدور. فالشجاعة الميدانية وحدها لم تعد تكفي، كما أن الخبرة العسكرية الكلاسيكية لم تعد منفصلة عن فهم النظم التقنية والقدرة على إدارتها.
ومن هنا، فإن أي نجاح كوري في هذا المجال سيتطلب أكثر من شراء أنظمة أو تطوير برمجيات. المطلوب هو تغيير في التدريب، وفي الثقافة المؤسسية، وفي بناء الثقة بين الضباط وهذه الأدوات الجديدة. فالجيوش بطبيعتها مؤسسات حذرة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتفويض والقيادة. وإذا لم يُصمم هذا الانتقال بعناية، فقد تنشأ فجوة بين المنظومة التقنية المتقدمة وبين المستخدم العسكري الذي لا يرى فيها شريكاً موثوقاً بعد.
أثر دولي يتجاوز سيول: سباق جديد على الهيمنة العسكرية الذكية
ما تقوم به كوريا الجنوبية لن يبقى شأناً محلياً. فحين تتحرك دولة صناعية متقدمة بهذا الاتجاه، فإن الجيوش الأخرى تراقب، والشركات الدفاعية تتعلم، والخصوم يعيدون الحسابات. وإذا أثبتت سيول أن نموذج «AX» قابل للتشغيل على نطاق واسع وضمن معايير أمان معقولة، فقد يصبح ذلك مرجعاً للدول الساعية إلى تحديث جيوشها، سواء في آسيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط.
ومن المرجح أن يؤدي هذا المسار إلى تسريع سباق عالمي جديد، ليس فقط على امتلاك أنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية، بل على بناء منظومات متكاملة تستطيع الربط بين الاستشعار والتحليل والقرار والتنفيذ. وبمعنى آخر، لم تعد المنافسة تدور حول «من يملك السلاح الأقوى» فقط، بل حول «من يملك منظومة القرار الأسرع والأذكى». وهذا تحول جوهري في تعريف القوة العسكرية خلال العقد المقبل.
كوريا الجنوبية تمتلك هنا عناصر قوة مهمة: قاعدة صناعية متقدمة، خبرة في الإلكترونيات والاتصالات، تعاون وثيق مع الولايات المتحدة، وبيئة أمنية تدفع إلى الابتكار. وإذا أضيف إلى ذلك الزخم السياسي والاستثماري، فإن البلاد قد تجد نفسها في موقع متقدم ضمن خريطة الدول المطوّرة لتقنيات الدفاع القائمة على الذكاء الاصطناعي. وهذا لا يقتصر على الاستخدام المحلي، بل قد يفتح الباب أيضاً أمام صادرات دفاعية جديدة ومنتجات عسكرية ذات قيمة تكنولوجية عالية.
بالنسبة للمنطقة العربية، فإن هذا التطور يستحق المتابعة لسببين. الأول أن الشرق الأوسط بات من أكثر الأسواق اهتماماً بالتقنيات الدفاعية المتقدمة، والثاني أن طبيعة الحروب والنزاعات فيه تجعل من الذكاء الاصطناعي عاملاً مرشحاً للتوسع في مجالات المراقبة والإنذار المبكر والأنظمة غير المأهولة والدفاع الجوي. لذلك فإن ما تختبره كوريا الجنوبية اليوم قد يتحول غداً إلى جزء من النقاشات العسكرية والأمنية في عواصم عربية عدة.
بين الطموح والحذر: ماذا يعني هذا التحول للمستقبل؟
في المحصلة، تبدو كوريا الجنوبية وكأنها تخوض سباقاً مع الزمن من أجل نقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة داعمة إلى كونه بنية تشغيلية في المجال العسكري. والرسالة التي تبعث بها واضحة: من يتأخر في هذا المضمار قد يجد نفسه في مرتبة أدنى من حيث الفعالية والردع والقدرة على مواكبة الحرب الحديثة. لكن هذه الرسالة تقترن بتحذير ضمني لا يقل أهمية: أن النجاح في بناء «ساحة معركة ذكية» لا يُقاس فقط بسرعة التبني، بل بقدرة الدولة على تأمين الأنظمة، وضبطها، ومراجعة أخطائها، والإبقاء على الإنسان في مركز المسؤولية النهائية.
ربما تذكّرنا هذه اللحظة بما شهدته المنطقة العربية عند دخول البث الفضائي أو الهواتف الذكية أو وسائل التواصل الاجتماعي: في البداية بدا الأمر تقنية جديدة، ثم اتضح سريعاً أنه تحوّل يمس الثقافة والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة كلها. الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري يسير في الاتجاه ذاته، لكن بقدر أعلى بكثير من الحساسية والخطورة. فهو لا يغيّر فقط شكل السلاح، بل يغيّر منطق استخدام القوة نفسها.
ومن هنا، فإن التجربة الكورية الجنوبية تستحق القراءة بوصفها مؤشراً مبكراً على شكل العالم المقبل. عالم تصبح فيه الخوارزمية جزءاً من الردع، والسيادة التقنية جزءاً من الأمن القومي، والقدرة على إدارة البيانات العسكرية الفورية معياراً للقوة. وبينما يواصل العالم العربي متابعة كوريا الجنوبية من بوابة الثقافة الشعبية والدراما والنجوم، تكشف هذه التطورات عن قصة أخرى أكثر عمقاً: قصة دولة تعرف كيف تحوّل تفوقها التكنولوجي إلى مشروع استراتيجي متكامل، حتى في أكثر الملفات حساسية.
هل ينجح هذا المشروع في رسم نموذج جديد للحرب؟ لا يزال الوقت مبكراً لإصدار حكم نهائي. لكن المؤكد أن النقاش لم يعد نظرياً. ساحة المعركة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد فكرة في مراكز الأبحاث، بل باتت مساراً تتقدم فيه دول بعينها بسرعة. وكوريا الجنوبية، على ما يبدو، تريد أن تكون في مقدمة هذا المشهد، لا على هامشه.
0 تعليقات