
انتخابات لا تشبه ما قبلها: نهاية حقبة امتدت 16 عاماً
في لحظات سياسية نادرة، لا تكون الأرقام مجرد نتائج انتخابية جامدة، بل تتحول إلى لغة كاملة تشرح ما جرى وتلمّح إلى ما سيأتي. هذا بالضبط ما حدث في هنغاريا بعد الانتخابات العامة التي أُجريت في 12 أبريل/نيسان 2026، حيث أسفرت المؤشرات شبه النهائية، مع فرز تجاوز 97% من الأصوات، عن فوز كاسح للمعارضة بقيادة بيتر ماجيار، زعيم حزب «تيسا»، بحصولها على 138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان. ليست المسألة هنا مجرد انتقال السلطة من حكومة إلى أخرى، بل نهاية منظومة حكم استمرت 16 عاماً بقيادة فيكتور أوربان، أحد أكثر السياسيين الأوروبيين إثارة للجدل والنفوذ في آن واحد.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هنغاريا بلداً بعيداً جغرافياً عن هموم المنطقة، لكنها في السياسة الدولية ليست بلداً هامشياً كما قد توحي الخريطة. خلال سنوات أوربان، تحولت بودابست إلى ما يشبه «الصوت المختلف» داخل الاتحاد الأوروبي، وأحياناً إلى العقدة التي تؤخر التوافق الأوروبي في ملفات كبرى، من العلاقة مع روسيا إلى قضايا الهجرة والسيادة الوطنية والجدل حول القيم الليبرالية. لذلك فإن سقوط أوربان لا يُقرأ في بودابست وحدها، بل تتابعه بروكسل وواشنطن وموسكو بدقة، لأنه يمس توازنات أوسع من حدود هذا البلد الواقع في قلب أوروبا الوسطى.
الأهم أن الفوز الجديد تجاوز عتبة 133 مقعداً، وهي العتبة اللازمة لتعديل الدستور أو تمرير تغييرات بنيوية كبرى. وهنا يكمن جوهر التحول: ما حدث ليس فقط إسقاط حكومة، بل فتح احتمال إعادة صياغة قواعد اللعبة نفسها. وكما يقول المثل العربي «إذا تغيّر الميزان تغيّر الحكم»، فإن ميزان القوة داخل هنغاريا تبدّل بشكل يتيح للحكومة المقبلة أن تمس المؤسسات والهياكل التي بناها أوربان خلال سنوات حكمه الطويلة.
هذا التحول لا يمكن اختزاله في «ملل الناخبين» من زعيم استمر طويلاً في السلطة، رغم أن طول البقاء عامل مهم دائماً. فأنظمة الحكم الممتدة تترك وراءها شبكات نفوذ وإدارة ورموزاً سياسية وثقافة حكم، وتصبح إزاحتها أصعب من مجرد الفوز في صندوق الاقتراع. من هنا، تكتسب الانتخابات الهنغارية معنى أشبه بما عرفته بعض الدول حين انتقلت من مرحلة «هيمنة الزعيم» إلى مرحلة البحث عن «هيبة المؤسسة». والسؤال المطروح الآن ليس فقط من سيحكم، بل أي هنغاريا ستخرج من تحت عباءة أوربان.
في العالم العربي، لدينا خبرة طويلة مع فكرة «الأنظمة الطويلة» وكيف يختلط فيها الشخص بالمؤسسة، والحكومة بالدولة، والخطاب الوطني بالمصالح السياسية. ولذلك يمكن فهم ما جرى في هنغاريا من زاوية مألوفة عربياً: الناخب لا يغيّر فقط اسماً في القصر الحكومي، بل يختبر ما إذا كان قادراً على فتح صفحة جديدة في بنية السلطة نفسها. وهذا ما يجعل الانتخابات الهنغارية خبراً دولياً بامتياز، رغم أنها جرت في بلد لا يملك ثقل ألمانيا أو فرنسا ولا قدرات روسيا أو الولايات المتحدة.
لماذا كان أوربان مهماً إلى هذا الحد؟
لفهم دلالة هذه النتيجة، لا بد من التوقف عند شخصية فيكتور أوربان ومكانته في السياسة الأوروبية. أوربان لم يكن مجرد رئيس وزراء محافظ، بل بنى لنفسه صورة الزعيم الذي يتحدى «المزاج السائد» في أوروبا الغربية. في خطاباته وتحالفاته، كان يقدم نفسه بوصفه مدافعاً عن السيادة الوطنية والهوية الثقافية ومواجهة ما يعتبره إفراطاً ليبرالياً في بروكسل. ولمن لا يتابع تفاصيل السياسة الأوروبية، فإن بروكسل هنا ليست مجرد مدينة بل رمز للمؤسسات المركزية للاتحاد الأوروبي، مثل المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، أي ما يشبه «العاصمة الإدارية» للمشروع الأوروبي.
خلال سنوات حكمه، أتقن أوربان لعبة التوازن الصعب. من جهة، أبقى هنغاريا داخل الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، مستفيداً من مزايا العضوية الاقتصادية والسياسية. ومن جهة أخرى، كان كثيراً ما يرفع لواء الاعتراض أو التباطؤ أو التمايز عن الموقف الأوروبي المشترك، خصوصاً في القضايا المتعلقة بروسيا أو الهجرة أو السياسات الثقافية. وبذلك أصبح بالنسبة إلى البعض «متمرداً مفيداً»، وبالنسبة إلى آخرين «معطلاً دائماً» داخل البيت الأوروبي.
هذه المكانة منحت هنغاريا حجماً سياسياً أكبر من وزنها الاقتصادي والعسكري الفعلي. فالدول في السياسة الدولية لا تُقاس فقط بحجم الجيوش والناتج المحلي، بل أيضاً بقدرتها على تعطيل التوافق أو إعادة توجيه النقاش. وقد نجح أوربان في جعل بلاده لاعباً يُحسب حسابه عند كل أزمة أوروبية تقريباً. ومن هنا، فإن خسارته لا تعني فقط خروج سياسي من السلطة، بل أفول نموذج كامل في ممارسة القوة: نموذج «الاستثناء المنظم» داخل المنظومة الأوروبية.
في السياق العربي، يمكن تشبيه هذا الدور أحياناً بالدول التي لا تكون الأكبر إقليمياً، لكنها تتحول بفعل موقعها أو سياستها أو قدرتها على الاعتراض إلى لاعب لا يمكن تجاوزه. أوربان بنى هذه المكانة بمهارة، مستفيداً من انقسامات أوروبا ومن صعود اليمين الشعبوي في الغرب، ومن حاجة بعض القوى الدولية إلى صوت أوروبي لا يسير دائماً مع الإجماع.
لكن هذه المهارة نفسها تحولت مع الوقت إلى عبء. فحين يعتمد الزعيم كثيراً على صورة «المختلف دائماً»، يصبح أسير تلك الصورة، ويغدو من الصعب عليه أن يقنع ناخبيه بأن التمايز ما زال يخدم مصالحهم اليومية. الاقتصاد، تكاليف المعيشة، علاقات البلد مع شركائه، صورة الدولة في الخارج، كلها ملفات تبدأ في الضغط حين يطول الحكم ويصبح الخطاب الرمزي أقل قدرة على إخفاء التعب العام. من هنا يمكن قراءة التصويت الهنغاري بوصفه رفضاً لاستمرار النمط نفسه، لا فقط رفضاً لشخص أوربان.
الأرقام التي تصنع السياسة: لماذا يغيّر 138 مقعداً معنى النصر؟
في كثير من الانتخابات، يكون الفوز بالأغلبية كافياً لتشكيل حكومة، لكنه لا يكون كافياً لتغيير بنية النظام السياسي. أما في هنغاريا، فإن الحصول على 138 مقعداً من أصل 199 يضع المعارضة المنتصرة في موقع مختلف تماماً. هذه ليست أغلبية مريحة فحسب، بل أغلبية دستورية تتيح نظرياً تعديل القواعد التي صاغت مرحلة أوربان. وهنا يجب الانتباه إلى أن الدستور في الأنظمة البرلمانية ليس نصاً قانونياً وحسب، بل هو الخريطة التي تحدد موازين القوى بين المؤسسات، وقواعد التعيين، وسقف تدخل الحكومة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
حين نقول إن الحكومة الجديدة تملك «أغلبية دستورية»، فنحن نتحدث عن قدرة قد تصل إلى إعادة النظر في عدد من الترتيبات التي ثبتت خلال 16 عاماً. وهذا يشمل، بحسب ما يتوقعه مراقبون، ملفات متصلة باستقلال المؤسسات، وتوزيع الصلاحيات، وربما إصلاح الطريقة التي أُدير بها المجال العام في السنوات الماضية. في العالم العربي، يعرف كثيرون معنى أن تتراكم التغييرات القانونية والمؤسسية على مدى حكم طويل بحيث يصبح تغيير الحكومة وحده غير كافٍ. لذلك فإن الأهمية الكبرى هنا هي أن المعارضة لم تفز فقط بحكم اليوم، بل ربما فازت بأدوات التأثير في شكل الدولة غداً.
مع ذلك، فإن امتلاك الأداة لا يعني سهولة استخدامها. فالتغيير العميق في الدول ليس عملية ميكانيكية. هناك جهاز بيروقراطي، ومصالح راسخة، ونخب سياسية وإدارية واقتصادية تشكلت في ظل النظام السابق. وكما يقال عربياً «ليس كل باب يُفتح بمفتاح واحد». الفوز الكبير يفتح الباب، لكنه لا يضمن تلقائياً أن تمر جميع المشاريع بسلاسة. بل إن الحكومات التي تصل إلى السلطة بوعود كبيرة تواجه تحدياً مضاعفاً: جمهور يريد نتائج سريعة، ومؤسسات تتحرك ببطء.
رغم ذلك، تبقى دلالة الرقم حاسمة. فالعبرة ليست فقط في من خسر السلطة، بل في أن الناخب الهنغاري منح خصوم أوربان تفويضاً واضحاً يتجاوز حدود «إدارة المرحلة». إنه تفويض قد يُقرأ بوصفه طلباً بإعادة الضبط، وربما إعادة التأسيس. ولعل هذا ما يفسر الاهتمام الدولي الكثيف بنتيجة الانتخابات، لأن الحكومات الجديدة في العادة يمكن التنبؤ بها، أما الحكومات التي تملك القدرة على تعديل الإطار الحاكم برمته فهي التي تستدعي القلق والترقب معاً.
هكذا تتحول الأرقام إلى سياسة. 138 ليس مجرد عدد في لوحة إلكترونية داخل لجنة فرز، بل عنوان لمرحلة قد تسعى فيها هنغاريا إلى تفكيك جانب من إرث أوربان الداخلي والخارجي. ولذلك فإن ما بعد الانتخابات لا يقل أهمية عن يوم الاقتراع نفسه، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تُترجم الأرقام إلى قرارات.
علاقات خارجية على طاولة المراجعة: من واشنطن إلى موسكو مروراً ببروكسل
إذا كان أول ما يلفت النظر في نتائج الانتخابات هو سقوط أوربان داخلياً، فإن أول ما يشغل العواصم الكبرى هو ما إذا كانت هنغاريا ستعيد رسم موقعها الخارجي. خلال سنوات أوربان، عُرفت بودابست بأنها تحتفظ بعلاقة خاصة مع التيار اليميني المحافظ في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تحافظ على مساحة تفاهم مع موسكو، خلافاً للاتجاه الأوروبي الأكثر تشدداً تجاه روسيا، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. هذا المزيج منح أوربان هامش مناورة واسعاً، لكنه جعل بلاده تبدو أحياناً وكأنها تعيش داخل الاتحاد الأوروبي برأس، وخارجه برأس آخر.
المعنى الأبرز لنتائج الانتخابات هو أن هذا النهج لم يعد يملك الغطاء الشعبي نفسه. لا يعني ذلك أن الحكومة الجديدة ستتحول إلى خصم لواشنطن أو إلى تابع لبروكسل، بل الأرجح أنها ستحاول إعادة العلاقة إلى إطار أكثر مؤسساتية وأقل شخصنة. في لغة الدبلوماسية، الفرق كبير بين علاقة تقوم على الأفراد والرموز الأيديولوجية، وعلاقة تقوم على الدولة ومؤسساتها. أوربان كان بالنسبة إلى قطاعات من اليمين الأميركي أكثر من مجرد حليف أوروبي؛ كان رمزاً لتجربة سياسية محافظة تُقدَّم بوصفها نموذجاً مضاداً لليبرالية الغربية السائدة. ولذلك فإن هزيمته تمثل انتكاسة رمزية لتلك الدوائر أيضاً.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن خسارة أوربان تحمل معنى مختلفاً لكنه لا يقل أهمية. فموسكو لم تنظر إلى هنغاريا باعتبارها حليفاً استراتيجياً من الوزن الثقيل، لكنها رأت فيها منفذاً مهماً داخل الاتحاد الأوروبي؛ دولة تستطيع التباطؤ أو الاعتراض أو على الأقل إرسال إشارات مغايرة في الملفات الحساسة. وفي عالم السياسة، وجود «صوت مختلف» داخل معسكر الخصم قد يكون أحياناً أهم من وجود حليف صريح خارجه. لهذا السبب، فإن خروج أوربان يبدد قدراً من القدرة الروسية على الاستفادة من التباينات الأوروبية الداخلية.
أما بروكسل، فهي تبدو الطرف الأكثر استفادة على المدى المعنوي على الأقل. فهنغاريا في عهد أوربان كانت توصف أحياناً بأنها الشريك المزعج داخل الاتحاد: لا ينسحب، لكنه لا ينسجم؛ لا يقطع، لكنه يساوم باستمرار. وقد تكون الحكومة الجديدة أقرب إلى مفهوم «التطبيع الأوروبي» للعلاقة، أي العودة إلى الخلافات المعتادة القابلة للإدارة، بدلاً من الخلافات الوجودية التي تحولت في بعض الأحيان إلى سمة دائمة. من هنا، فإن التغيير في بودابست لا يبدل فقط اسم رئيس الحكومة، بل قد يعيد ترتيب لغة التفاوض بين هنغاريا وأوروبا كلها.
هذا المشهد يذكّر القارئ العربي بحقيقة أساسية في السياسة الدولية: أحياناً لا تكون قيمة الدولة في حجمها، بل في موقعها داخل شبكة التحالفات والخلافات. وهنغاريا كانت في عهد أوربان عقدة ربط وفك في آن واحد. فإذا قررت الحكومة الجديدة أن تتحول من دولة «الاستثناء» إلى دولة «الانسجام النسبي»، فإن آثار ذلك ستتجاوز بودابست إلى الخريطة الأوروبية الأوسع.
لماذا يعني هذا الحدث لواشنطن وموسكو أكثر مما يبدو؟
من المفارقات اللافتة في هذه الانتخابات أن طرفين متنافسين على الساحة الدولية، هما التيار الترامبي في الولايات المتحدة وروسيا، كان لكل منهما مصلحة، وإن لأسباب مختلفة، في بقاء أوربان. بالنسبة إلى اليمين الأميركي الشعبوي، كان رئيس الوزراء الهنغاري أشبه بـ«معمل سياسي» يختبر سياسات محافظة قومية في قلب أوروبا. أما بالنسبة إلى موسكو، فكان يمثل شريكاً أوروبياً لا يندفع بالكامل خلف الإجماع الغربي المعادي لروسيا. هذا لا يعني تطابق المصالح بين الطرفين، لكنهما التقيا عند نقطة واحدة: قيمة وجود أوربان داخل المشهد الأوروبي.
عندما يخسر مثل هذا الزعيم، فإن الخسارة ليست هنغارية فقط. واشنطن، أو على الأقل بعض دوائرها السياسية، تخسر رمزاً استخدمته في معاركها الأيديولوجية الداخلية والخارجية. وموسكو تخسر قدراً من القدرة على التعويل على التشقق الأوروبي من الداخل. وفي السياسة، كما في لعبة الشطرنج التي يعرف العرب تقديرها جيداً، ليست كل قطعة تُقاس بقوتها الذاتية فقط، بل أيضاً بالمربعات التي تحميها أو تهددها. أوربان كان قطعة ذات قيمة مضاعفة لأنه تحرك داخل رقعة خصومه لا خارجها.
الأكثر أهمية أن محاولات الدعم الخارجي لم تنجح في تغيير اتجاه التصويت. وهذا درس سياسي بالغ الدلالة: مهما ارتفع ضجيج التأييد الخارجي، يبقى الناخب المحلي هو الحكم الأخير إذا وصلت لديه الرغبة في التغيير إلى مستوى حاسم. في المنطقة العربية أيضاً، كثيراً ما جرى تضخيم أثر المواقف الدولية على الانتخابات والتحولات الداخلية، لكن التجربة الهنغارية تذكّر بأن الإرهاق الشعبي من نموذج حكم معيّن قد يتغلب في النهاية على كل الرموز والدعم المعنوي القادم من الخارج.
ومن زاوية أوسع، فإن ما خسره الطرفان ليس فقط أوربان نفسه، بل «قابلية التوقع» التي وفرها وجوده. فالدبلوماسية ترتاح إلى الشخصيات التي تعرف أسلوبها، حتى لو كانت صعبة أو مشاكسة. أما حين يصل قائد جديد بخطاب مختلف، فإن الغموض يزداد. هل ستعود هنغاريا سريعاً إلى الصف الأوروبي؟ هل ستتبنى مقاربة حذرة لتفادي الصدام مع القوى التي نسجت معها علاقات في العهد السابق؟ هل سيكون التغيير رمزياً أم عملياً؟ هذه الأسئلة تجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات عدة.
لهذا تبدو الانتخابات الهنغارية أكبر من حدودها الوطنية. إنها تذكير بأن التغيرات داخل الدول المتوسطة الحجم قد تربك حسابات القوى الكبرى حين تكون تلك الدول ممسكة بخيوط حساسة داخل التحالفات الدولية. ومن هنا أيضاً ينبع الاهتمام العربي بمتابعة مثل هذه التطورات، لأن السياسة الدولية لا تتحرك دائماً من العواصم الأكبر فقط، بل أحياناً من العواصم التي تعرف كيف تجعل وزنها أكبر من حجمها.
إشارة بولندا: لماذا كانت أول الرسائل الخارجية مهمة؟
من بين الإشارات التي لفتت انتباه المتابعين بعد الفوز، حديث بيتر ماجيار عن بولندا بوصفها واحدة من أولى الوجهات الخارجية ذات الدلالة. في الأعراف الدبلوماسية، لا تكون الزيارة الأولى أو الإشارة الأولى تفصيلاً بروتوكولياً. إنها غالباً رسالة سياسية مشفرة بلغة يفهمها الدبلوماسيون جيداً. اختيار بولندا أو إبرازها يعني أن الحكومة الجديدة تريد أن تقول إنها تنظر إلى هنغاريا من داخل فضائها الإقليمي والأوروبي، لا بوصفها جزيرة سياسية منفصلة.
بولندا لاعب مهم في أوروبا الوسطى، ليس فقط بسبب حجمها، بل أيضاً بسبب موقعها في ملفات الأمن والعلاقة مع روسيا والاتحاد الأوروبي. وإذا كانت هنغاريا في عهد أوربان قد اشتهرت أحياناً بوصفها «العاصمة التي تبتعد عن بروكسل»، فإن الإشارة إلى وارسو توحي بأن بودابست الجديدة قد تبحث عن طريق عودة أكثر هدوءاً إلى قلب التنسيق الأوروبي عبر البوابة الإقليمية. وهذا أسلوب مألوف في السياسة: قبل أن تصالح المركز، تبني الثقة مع الجوار المؤثر.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن تشبيه ذلك بما تفعله الحكومات الجديدة أحياناً حين تختار في أولى خطواتها الخارجية التوجه إلى عاصمة إقليمية ذات رمزية، لتقول إنها تعيد ترتيب سلم الأولويات. فاختيار الوجهة الأولى كثيراً ما يكون أبلغ من الخطب الطويلة. إنه يقول للشركاء: هذه هي الخريطة التي نرى أنفسنا داخلها، وهذه هي الدائرة التي نريد أن نبدأ منها.
لكن يجب الحذر من المبالغة. فالإشارات السياسية مهمة، إلا أنها لا تلغي ثقل الإرث السابق. علاقات الدول لا تنقلب بين ليلة وضحاها، والبيروقراطيات لا تغيّر جلدها بسرعة، والمصالح الاقتصادية والأمنية لا تخضع كلها للرغبة السياسية وحدها. مع ذلك، فإن الرمزية هنا مهمة لأنها تمنح فكرة أولية عن «أسلوب الدولة» الجديد. إذا كان أسلوب أوربان قائماً على إبراز الاستثناء والمشاكسة بوصفهما مصدر قوة، فإن أسلوب ماجيار قد يكون أقرب إلى فكرة «استعادة الطبيعية» بوصفها مورداً دبلوماسياً جديداً.
وهذا فرق جوهري. فالدول التي تبني نفوذها على الاستثناء تحصل على انتباه سريع، لكنها تدفع ثمناً في الثقة. أما الدول التي تبني نفوذها على القدرة على التنسيق والعودة إلى الإيقاع العام، فقد تبدو أقل إثارة، لكنها أقدر على توسيع دوائر الشراكة. ويبدو أن هذا هو الرهان الأول للحكومة الهنغارية المقبلة.
ما الذي ينتظر هنغاريا بعد أوربان؟ بين وعود التغيير وصعوبة التفكيك
بعد سقوط الزعيم الطويل البقاء، تبدأ عادة أصعب مرحلة: كيف يتحول شعار التغيير إلى سياسة قابلة للحياة؟ في الحالة الهنغارية، يواجه بيتر ماجيار وحلفاؤه معادلة معقدة. فمن جهة، لديهم تفويض انتخابي واسع وأغلبية دستورية نادرة. ومن جهة أخرى، عليهم التعامل مع دولة أعاد أوربان تشكيل جزء معتبر من بنيتها السياسية والإدارية على مدى 16 عاماً. وهذه السنوات الطويلة كفيلة بأن تجعل نفوذ النظام السابق متغلغلاً في مفاصل متعددة، من الإدارة والإعلام إلى شبكات المصالح والعلاقات الدولية.
المطلوب من الحكومة الجديدة، إذا أرادت الحفاظ على زخمها الشعبي، هو أن تثبت للهنغاريين أن التغيير ليس انتقاماً سياسياً ولا مجرد تبديل للوجوه. هناك فارق حساس بين «تفكيك إرث» و«هدم مؤسسات». الأول قد يكون ضرورياً لإعادة التوازن، أما الثاني فيحمل مخاطر الدخول في فوضى سياسية أو صراع داخلي طويل. وهنا ستكون مهارة القيادة الجديدة في أن تجمع بين الحزم والواقعية، وأن تعرف متى تتقدم سريعاً ومتى تتدرج.
التحدي الثاني هو التوقعات الشعبية المرتفعة. الناخب الذي يمنح معارضة هذا الحجم من الأصوات لا يفعل ذلك بدافع الفضول، بل لأنه ينتظر فرقاً ملموساً. غير أن الملفات الكبرى، خصوصاً المتعلقة بعلاقة الدولة بمحيطها الأوروبي ومؤسساتها الداخلية، تحتاج وقتاً وهدوءاً أكثر مما تسمح به حرارة اللحظة الانتخابية. ومن التجارب المقارنة، نعرف أن الحكومات التي تفوز على أساس رفض مرحلة سابقة تحتاج بعد الفوز مباشرة إلى إنتاج رواية إيجابية للمستقبل، لا الاكتفاء بنقد الماضي.
كما أن السياسة الخارجية نفسها ستختبر الحكومة الجديدة بسرعة. فالشركاء الأوروبيون سيرحبون مبدئياً، لكنهم سيراقبون التفاصيل. وواشنطن ستسعى إلى فهم طبيعة التموضع الجديد. وموسكو ستقيس مدى اتساع المسافة التي ستأخذها بودابست عنها. أي أن هنغاريا ستجد نفسها مطالبة بإرسال رسائل طمأنة متعددة الاتجاهات في وقت واحد، من دون أن تظهر بمظهر الدولة التي تتخلى عن استقلال قرارها لصالح أي محور.
في الخلاصة، ما حدث في هنغاريا ليس مجرد خبر انتخابي عابر، بل فصل جديد في قصة أوروبا نفسها: كيف تتعامل مع صعود الزعامات الشعبوية، وكيف تتجاوزها حين يتغير المزاج الشعبي، وكيف تعيد دمج الدول التي سارت طويلاً في مسار خاص. بالنسبة إلى العرب، تحمل هذه القصة أكثر من درس: أن طول الحكم لا يعني ديمومة الشرعية، وأن الأرقام قد تقلب المعادلات حين تلتقي مع رغبة مجتمعية في التغيير، وأن موقع الدولة في النظام الدولي يمكن أن يتبدل بسرعة عندما يتغير الأسلوب الذي تمارس به نفوذها. هنغاريا اليوم تقف على عتبة انتقال كبير، والعالم ينتظر ليرى إن كانت ستعود إلى أوروبا «المنسجمة» أم ستخترع لنفسها توازناً جديداً بأدوات مختلفة. لكن المؤكد حتى الآن أن عصر أوربان، بصيغته التي عرفها العالم طوال 16 عاماً، قد انتهى.
0 تعليقات