광고환영

광고문의환영

«اسمي»: حين تطرق سينما كوريا باب الذاكرة من داخل البيت لا من ساحة الخطابة

«اسمي»: حين تطرق سينما كوريا باب الذاكرة من داخل البيت لا من ساحة الخطابة

فيلم كوري يقترب من الجرح عبر العائلة

في كل مرة تعود فيها السينما الكورية إلى صفحاتها الثقيلة، يبرز السؤال نفسه: كيف يمكن للفن أن يقترب من المأساة من دون أن يحوّلها إلى مشهد استعراضي، أو إلى خطاب مباشر يفقد أثره الإنساني؟ هذا السؤال يبدو في صلب الفيلم الكوري الجديد «اسمي» للمخرج المخضرم جونغ جي-يونغ، الذي اختار أن يقترب من مأساة «جيجو 4·3» لا عبر مشاهد الصدام والعنف في الواجهة، بل من خلال بيت صغير، وأم وابن، واسم يرفضه صاحبه لأنه يحمل ما لا يُقال. هذا الاختيار ليس تفصيلاً تقنياً في بناء الحكاية، بل موقف فني وفكري معاً، لأن الفيلم، بحسب ما كُشف عنه في مقابلات مع صناعه، لا يريد أن يشرح التاريخ بقدر ما يريد أن يكشف كيف يبقى التاريخ داخل الناس، في صمتهم، في ارتباكهم، وفي العلاقات التي تبدو عادية على السطح لكنها تخفي طبقات من الألم.

تدور أحداث الفيلم في جزيرة جيجو عام 1998، لا في زمن المأساة نفسها. في الواجهة، نحن أمام دراما عائلية تبدو مألوفة: فتى في الثامنة عشرة يُدعى يونغ-أوك يكره اسمه ويريد التخلّص منه، وأم تُدعى جونغ-سون تربي ابنها وتعمل في تعليم الرقص. لكن هذا السطح اليومي يخفي تاريخاً أطول من العمر الشخصي للأبطال. فمع تقدّم السرد، تتكشّف علاقة الاسم بالذاكرة، وعلاقة الأم بالماضي الذي حاولت دفنه، وعلاقة الابن بهوية لم يخترها لكنه وُلد داخلها. وهنا تحديداً تكمن قوة الفيلم: إنه لا يقدّم المأساة بوصفها «حدثاً منتهياً» في كتاب التاريخ، بل بوصفها شيئاً يستمر أثره في أجساد العائلات ولغتها وحساسيتها تجاه الحب والخوف والعار والنجاة.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن فهم هذا المسار بسهولة إذا تذكّرنا كيف تعاملت الرواية العربية والسينما العربية مع موضوعات مثل الحروب الأهلية، والتهجير، والمجازر، والسجون، والاختفاء القسري. كثير من الأعمال الأكثر تأثيراً لم تبدأ بالدبابة ولا ببيان السلطة، بل بدأت من المطبخ، من صورة الأب الغائب، من أم تخاف السؤال، من ابن يشعر أن اسمه نفسه صار جزءاً من إرث ثقيل. هكذا يفعل «اسمي». إنه لا يذهب إلى التاريخ من بوابة المتحف، بل من بوابة البيت. وهذا ما يجعله، منذ الآن، واحداً من أكثر الأفلام الكورية المرتقبة لمن يريد فهم كيف تغيّرت لغة السينما الكورية في التعامل مع ذاكرتها المؤلمة.

ما هي «جيجو 4·3» ولماذا تبقى حساسة في الوجدان الكوري؟

لكي يفهم القارئ العربي أهمية هذا الفيلم، لا بد من التوقف عند الخلفية التاريخية التي يتحرك في ظلها. «جيجو 4·3» تشير إلى سلسلة من الأحداث الدموية التي بدأت في جزيرة جيجو الكورية في 3 أبريل/نيسان 1948، في فترة شديدة الاضطراب سبقت تثبيت شكل الدولة الكورية الحديثة وانقسام شبه الجزيرة. خلال تلك المرحلة، شهدت الجزيرة انتفاضة وقمعاً دموياً وحملات عنف واسعة ارتبطت بالصراع السياسي والأمني والإيديولوجي، وذهب ضحيتها عدد كبير من المدنيين. لسنوات طويلة، ظل هذا الملف من المسكوت عنه أو من الملفات التي تعالج بحذر شديد في الحياة العامة الكورية، قبل أن يتقدّم النقاش حوله تدريجياً في العقود الأخيرة ضمن مراجعة أوسع لمسائل العنف السياسي وذاكرة الدولة.

قد تبدو هذه الخلفية بعيدة جغرافياً عن القارئ العربي، لكنها ليست بعيدة وجدانياً. فالمنطقة العربية تعرف جيداً معنى أن تتحول بعض الوقائع إلى ذاكرة نصف صامتة، يُتداول بها داخل البيوت أكثر مما تُروى في الفضاء العام. وتعرف أيضاً كيف تعيش أجيال كاملة تحت ظلال أحداث سبقت ولادتها، لكنها تواصل تشكيل لغتها ومخاوفها وصورتها عن نفسها. من هذه الزاوية، لا يعود الحديث عن «جيجو 4·3» مجرد خبر كوري داخلي، بل مدخلاً إلى سؤال عالمي: ماذا يحدث للعائلة حين يصبح التاريخ عبئاً شخصياً؟ وكيف يورَّث الألم حين لا توجد لغة كافية لشرحه؟

المهم هنا أن الفيلم لا يقدّم درساً مدرسياً في الوقائع، ولا يضع المتفرج أمام لوحة تفسيرية مطولة. هو يراهن على شيء آخر: أن المأساة لا تحتاج دائماً إلى مشاهد إعادة تمثيل صارخة حتى تُفهم، بل يكفي أحياناً أن نرى ما الذي فعلته بأناسٍ عاديين بعد عقود. وهذا منهج ينسجم مع تطور واضح في السينما الكورية خلال السنوات الأخيرة، حيث بات عدد من المخرجين يفضّلون معالجة التاريخ من خلال «ارتداده» على الفرد، لا من خلال إعادة إنتاج صورته الكبرى فقط. في هذا المعنى، «اسمي» لا يطلب من المشاهد أن يحفظ تاريخاً، بل أن يشعر بوزن التاريخ حين يتسلل إلى أكثر الأشياء خصوصية: الاسم، الأمومة، التربية، والإحساس بالانتماء.

لماذا اختار المخرج طريق الالتفاف لا المواجهة المباشرة؟

من أبرز ما يلفت الانتباه في المشروع هو أن المخرج جونغ جي-يونغ، وهو اسم له ثقله في السينما الكورية منذ عقود، لم يذهب إلى المعالجة الصدامية المباشرة رغم حساسية الموضوع. لقد اختار أن «يتحدث عن 4·3 بوضوح، ولكن من دون صدام أمامي»، كما تفيد ملخصات المقابلات المنشورة حول الفيلم. هذا الاختيار قد يبدو للبعض نوعاً من التخفيف أو الحذر، لكنه في الحقيقة يبدو أقرب إلى استراتيجية سردية واعية. فحين تكون المأساة معروفة بحجمها، لا تكون المهمة الأولى للفيلم هي إثبات أنها كانت فادحة، بل اكتشاف الطريقة الأصدق لالتقاط أثرها المتبقي في البشر.

هذا المنهج يذكّرنا بما نجح في أعمال عربية وأجنبية كثيرة حين تجنبت المباشرة الزائدة. الجمهور العربي، مثل أي جمهور آخر، يعرف أن العمل الفني الذي يرفع الرسالة فوق الحكاية قد يسقط سريعاً في الوعظ، أما العمل الذي يجعلنا نحب الشخصيات ونصدّقها، فهو أقدر على إيصال المعنى الأعمق. لذلك يبدو اختيار «الدراما العائلية» هنا ذكياً أكثر منه التفافياً. فالمتفرج يدخل أولاً إلى قصة أم وابن، إلى توتر بين جيلين، إلى سؤال الهوية والاسم والرغبة في الهرب من شيء غير مرئي. ثم، شيئاً فشيئاً، يدرك أن هذا «الشيء» هو التاريخ نفسه، أو بالأحرى بقاياه المتحجرة داخل العلاقات اليومية.

في الصحافة الثقافية العربية، كثيراً ما نواجه هذا النقاش حين نكتب عن أعمال تتناول الذاكرة الجماعية: هل الأفضل أن يضع الفيلم قضيته على الطاولة من المشهد الأول، أم أن يتركها تتشكل بالتدريج في وعي المشاهد؟ «اسمي» ينحاز بوضوح إلى الخيار الثاني. وهو انحياز يحمل مخاطرة أيضاً، لأن بعض المتفرجين قد يتوقعون فيلماً تاريخياً مباشراً، وربما يجدون أنفسهم أمام عمل أهدأ إيقاعاً وأكثر ميلاً إلى التفاصيل الحميمة. لكن هذه المخاطرة نفسها قد تكون مفتاحاً لتوسيع جمهور الفيلم، خصوصاً لمن ينفرون من الأعمال التي تبدو كأنها تريد تلقينهم موقفاً قبل أن تمنحهم تجربة سينمائية كاملة.

الاسم بوصفه عبئاً: كيف تتحول الهوية إلى ساحة صراع؟

من أذكى مفاتيح الفيلم، بحسب المعلومات المتاحة، أن البطل الشاب يريد التخلي عن اسمه. هذه الفكرة شديدة البساطة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة. ففي ثقافات كثيرة، ومنها الثقافة العربية، ليس الاسم مجرد علامة تعريف، بل خزان للذاكرة، ورابط عائلي، وأحياناً وصية غير معلنة من جيل إلى جيل. كم من أسماء في مجتمعاتنا تحمل أسماء الجدود والشهداء والراحلين والمفقودين، وكم من أبناء يشعرون أنهم يحملون ما يفوق طاقتهم حين يصبح الاسم تذكاراً دائماً بما حدث من قبل؟ بهذا المعنى، يلتقي الفيلم الكوري مع حساسية مألوفة عربياً: أن الهوية قد تكون هدية وعبئاً في آن واحد.

حين يرفض يونغ-أوك اسمه، فهو لا يرفض لفظاً أو لقباً فحسب، بل يرفض تاريخاً ملتصقاً به، حتى لو لم يفهمه كاملاً. وهذا التفصيل يفتح الباب أمام قراءة أوسع للعلاقة بين الأبناء وذاكرة الأهل. ففي كثير من المجتمعات الخارجة من صدمات سياسية أو حروب أهلية أو عنف دولة، لا يرث الأبناء الوقائع كاملة، بل يرثون آثارها النفسية: توتر الأم، صمت الأب، حساسية البيت تجاه بعض الكلمات، الخوف من الأسئلة، الإحساس بأن هناك موضوعات لا يجوز الاقتراب منها. هكذا يصبح الاسم علامة على شيء أقدم من الشخص نفسه، ويصير رفضه شكلاً من أشكال الاحتجاج على ميراث لم يُطلب.

الفيلم، وفق ما يبدو، لا يحوّل هذه الفكرة إلى شعار، بل ينسجها داخل قصة نضج وتشكّل. وهذا عنصر مهم، لأن دراما التكوين أو «البلوغ» من أكثر الأشكال قدرة على ملامسة الجمهور الواسع. الشاب الذي يسأل: من أنا؟ ولماذا أحمل هذا الاسم؟ ولماذا تخفي أمي أشياء كثيرة؟ هو شاب يمكن أن يتماهى معه جمهور متنوع، سواء عرف تفاصيل «جيجو 4·3» أم لم يعرفها. ومن خلال هذا المسار، يتحول السؤال التاريخي الكبير إلى سؤال شخصي ملموس. وهذه، في النهاية، إحدى أهم وظائف الفن: أن يقرّب ما يبدو بعيداً، وأن يجعل التاريخ قابلاً للإحساس، لا للحفظ فقط.

سينما التاريخ في مواجهة السوق: لماذا يصعب تمويل مثل هذه الأفلام؟

الشق الآخر اللافت في قصة «اسمي» لا يتعلق بالمضمون فقط، بل بطريقة ولادته. فالمخرج كشف أن الأفلام التي تتناول «جيجو 4·3» واجهت طويلاً صعوبة في تجاوز عتبة الاستثمار. والفيلم نفسه انطلق من نص فائز في مسابقة نظمتها مؤسسة السلام الخاصة بجيجو 4·3، لكن تحويله إلى عمل سينمائي لم يكن سهلاً، واضطر صناعه إلى المرور بمسارات تمويل بديلة بينها التمويل الجماعي، بعد أن تراجع آخرون عن المحاولة لعدم قدرتهم على تأمين الدعم المالي. هذه المعلومة لا تبدو تفصيلاً إنتاجياً عابراً، بل تكشف شيئاً مهماً عن صناعة السينما في كوريا الجنوبية اليوم، رغم ما تبدو عليه من حيوية ونجاح عالمي.

فالسوق، في كوريا كما في العالم العربي وكثير من أسواق السينما، يميل بطبيعته إلى ما يمكن توقع عوائده: النجوم، الأنواع الرائجة، الحكايات الأخف، أو المشاريع التي يسهل تسويقها على المنصات والجمهور العريض. أما الأعمال التي تحمل ذاكرة تاريخية مثقلة بأسئلة عن عنف الدولة أو الانقسام الاجتماعي أو الجراح الإقليمية، فهي غالباً تُعد مخاطرة. ليس لأنها بلا قيمة، بل لأنها لا تَعِدُ دائماً بإيرادات سريعة أو بخطة تسويق مريحة. ومن هنا تكتسب ولادة «اسمي» معنى إضافياً: فالفيلم لا يروي فقط قصة عن ذاكرة مُهملة، بل هو نفسه نتيجة معركة ضد النسيان الصناعي الذي قد تفرضه السوق على بعض الموضوعات.

بالنسبة إلى القارئ العربي، هذا المشهد مألوف إلى حد بعيد. كم من مشروع عربي جاد عن الذاكرة أو العنف أو القضايا المسكوت عنها تعثر لأن المستثمرين فضّلوا «الأكثر أماناً»؟ وكم من صانع أفلام اضطر إلى اللجوء إلى الدعم الثقافي أو المنح أو الإنتاج المشترك أو التمويل الشعبي كي ينجز عملاً يرى أنه ضروري؟ ما يضيفه الخبر الكوري هنا هو أنه حتى مخرجاً مخضرماً صاحب اسم وتاريخ لم يكن محصناً من هذه الصعوبة. وهذا يعني أن المشكلة ليست فردية، بل بنيوية: هناك قصص تعتبرها المجتمعات مهمة أخلاقياً ورمزياً، لكن صناعات الترفيه لا تسارع بالضرورة إلى احتضانها.

بين الحب والخسارة والصمت: ما الذي شدّ الممثلة إلى هذا الفيلم؟

من المؤشرات المهمة أيضاً على طبيعة الفيلم ما قالته الممثلة يوم هيه-ران، التي تؤدي دور الأم جونغ-سون. فقد أشارت إلى أن ما جذبها إلى العمل ليس فقط تناوله لحدث تاريخي كبير، بل كونه يتحدث عن «حب إنساني شامل». هذا التعبير يستحق التوقف عنده، لأنه يكشف عن زاوية الفيلم العاطفية. فبدلاً من الاتكاء الكامل على فداحة المأساة التاريخية، يبدو أن العمل يراهن على طبقات أخرى: حب الأم، الفقد، الصمت، الرغبة في المصالحة، والخوف من أن يؤدي الكلام المتأخر إلى تحطيم ما تبقى من توازن العائلة.

الأهم من ذلك أن الممثلة تحدثت، وفق الملخصات المتداولة، عن أن العمل لو كان بلا متعة فنية لتحول إلى فيلم دعائي أو تحريضي، أما الذي أقنعها فهو طابعه الأدبي وابتعاده عن الإملاء المباشر. هذا الكلام مهم جداً في سياق نقدي أوسع. فالأعمال التي تتناول التاريخ أو الجروح العامة تقع أحياناً في فخ الظن بأن «أهمية القضية» تكفي وحدها لصناعة فيلم جيد. لكن الجمهور، في النهاية، لا يتفاعل مع القضية في شكلها المجرد، بل مع شخصيات من لحم ودم، ومع بناء درامي حي، ومع لغة سينمائية تعرف كيف تُشعره لا كيف تأمره بما يشعر به.

ولهذا تبدو تصريحات هيه-ران بمثابة مفتاح لفهم النبرة التي يسعى إليها الفيلم. نحن لسنا أمام عمل يريد أن يخطب في القاعة، بل أمام فيلم يريد أن يهمس في أذن المتفرج ثم يترك أثره يتوسع. وهذه سمة كانت حاضرة في عدد من أفضل الأعمال الكورية التي وجدت طريقها إلى الجمهور العالمي: الثقة في التفاصيل الصغيرة، وفي التمثيل الدقيق، وفي قدرة الحياة اليومية على حمل الأسئلة الكبرى. وإذا نجح «اسمي» في ترجمة هذه النبرة إلى الشاشة، فربما يكون من تلك الأفلام التي لا تصرخ كثيراً، لكنها تبقى طويلاً.

لماذا يختار الفيلم عام 1998 تحديداً؟

اختيار عام 1998 مسرحاً للأحداث ليس قراراً عابراً. فهو يعني أن الفيلم لا يذهب إلى لحظة الانفجار الأصلية، بل إلى الزمن اللاحق، إلى ما بعد عقود من المأساة، حين تبدو الحياة وكأنها استقرت، لكن الترسّبات لا تزال حية في القاع. وهذه فكرة بالغة الأهمية: فالكوارث التاريخية لا تنتهي فعلياً يوم يتوقف العنف المباشر، بل تستمر على هيئة ذاكرة مشوشة، أو علاقات معطوبة، أو صمت جماعي، أو حساسيات تنتقل من جيل إلى جيل. عام 1998 في كوريا الجنوبية كان أيضاً زمناً يعيد فيه المجتمع صياغة نفسه بعد تحولات سياسية وديمقراطية واقتصادية كبرى، ما يمنح الخلفية دلالة إضافية: البلاد تتغير، لكن بعض الجروح لا تتغير بالسرعة نفسها.

في هذا الاختيار ما يشبه عدسة مكبرة على «الزمن اللاحق» للمآسي، وهو زمن تعرفه المجتمعات العربية جيداً. كثيراً ما نظن أن الحدث يصبح ماضياً بمجرد دخوله الأرشيف، لكن الناس يعرفون أن الماضي قد يظل حاضراً في تفاصيل اليومي: في طريقة الكلام، في الحذر من الدولة، في أحلام الأبناء، وحتى في النظرة إلى المستقبل. من هنا يكتسب «اسمي» بُعده الأوسع: إنه فيلم عن أثر الحدث لا عن الحدث وحده، وعن الارتجاج المتأخر الذي يطال الحياة بعد سنين من الصمت الظاهري.

واللافت أن هذا النهج قد يكون أكثر قدرة على مخاطبة جمهور عريض، لأن كثيرين قد لا يستجيبون بسهولة لمشهدية العنف المباشر، لكنهم يعرفون معنى أن يعيش الإنسان مع «ما بعد» غير محسوم. ما بعد الحرب، ما بعد الفقد، ما بعد الاعتقال، ما بعد الفضيحة العائلية، ما بعد الرحيل. السينما التي تشتغل على هذا «الما بعد» تملك قدرة كبيرة على استخراج الشعر من الألم، وعلى تحويل الذاكرة من ملف سياسي جامد إلى تجربة إنسانية ملموسة.

جونغ جي-يونغ وقلق المخرج المخضرم أمام الجمهور

ثمة تفصيل إنساني آخر يضفي على الفيلم معنى خاصاً: المخرج نفسه قال إنه ليس من النوع الذي يضطرب عادة قبل عرض أعماله، لكن الأمر هذه المرة مختلف. هذا الاعتراف، الصادر عن مخرج يصنع الأفلام منذ أكثر من أربعة عقود، يكشف أن «اسمي» ليس مجرد محطة عادية في مسيرته. فالقلق هنا يبدو ابن مشقة الإنتاج، وابن الإحساس بأن الفيلم يحمل قضية ظلت طويلاً على الهامش، وأن وصوله أخيراً إلى الشاشات ليس مضمون النتائج. وهذا القلق مفهوم تماماً في لحظة تتحول فيها صناعة الصورة بسرعة نحو المشاريع الضخمة والسلاسل الجماهيرية والمنصات التي تبحث عن الإيقاع الأسرع والحكاية الأسهل تسويقاً.

في عالم كهذا، يصبح صدور فيلم مثل «اسمي» أشبه باختبار مزدوج: اختبار للجمهور، واختبار للصناعة. هل ما زال هناك متسع لأفلام تتعامل مع الذاكرة الوطنية عبر الحساسية الأدبية والدراما العائلية؟ هل يمكن لقصة ترتبط بمأساة إقليمية داخل كوريا أن تجد صدى أوسع؟ وهل يستطيع مخرج مخضرم أن يقنع جمهور اليوم، الذي تملأ الشاشات أمامه العروض السريعة والخيارات الوفيرة، بالجلوس أمام حكاية بطيئة النَفَس لكنها مشبعة بالمعنى؟

هذه الأسئلة لا تخص كوريا وحدها. في العالم العربي أيضاً نرى الفجوة تتسع أحياناً بين ما يعتبره النقاد والمهتمون «أفلاماً ضرورية» وما تعتبره السوق «محتوى قابلاً للبيع». ولذلك فإن متابعة «اسمي» لا تعني فقط متابعة فيلم كوري جديد، بل متابعة معركة ثقافية مألوفة: معركة بقاء الحكايات الصعبة في الفضاء العام، وعدم ترك الذاكرة تحت رحمة ما هو رائج فقط. وربما لهذا السبب تحديداً يستحق الفيلم اهتماماً عربياً خاصاً، حتى قبل أن تتضح نتائجه التجارية والنقدية النهائية.

لماذا يهم هذا الفيلم القارئ العربي اليوم؟

أهمية «اسمي» بالنسبة إلى الجمهور العربي لا تكمن في أنه يعرّفنا إلى فصل من التاريخ الكوري فحسب، بل في أنه يفتح نافذة على طريقة أخرى لفهم العلاقة بين الفن والذاكرة. في منطقتنا، حيث تتجاور الذاكرات المتصارعة والآلام غير المكتملة والحقائق المؤجلة، تبدو هذه الأسئلة قريبة جداً: كيف نروي الجرح من دون أن نحوله إلى شعارات؟ كيف نمنح الضحايا كرامة السرد من دون أن نستغل مأساتهم بصرياً؟ وكيف نُشرك جيلاً جديداً في فهم الماضي من غير أن نغرقه في خطاب تلقيني؟ «اسمي» يقترح إجابة واحدة ممكنة: ابدأ من الإنسان، من البيت، من الاسم، من الحب الذي يتعثر لأن الماضي لم يُدفن جيداً.

هذا لا يعني أن الفيلم سيكون بديلاً عن الأعمال التاريخية المباشرة أو عن الأفلام التي تواجه الوقائع مواجهة كاملة. لكل شكل فني ضرورته. لكن قيمة «اسمي» تبدو في أنه يضيف مساراً آخر إلى المشهد: مساراً لا ينكر التاريخ، بل يضعه في أكثر مواضعه هشاشة وصدقاً، أي داخل العائلة. ولعل هذا ما يجعل الفيلم، إذا وفّى بما تعد به مقدماته، عملاً قادراً على عبور الحدود الثقافية. فالمتفرج العربي قد لا يعرف أسماء الأمكنة ولا تفاصيل الصراع الكوري في منتصف القرن العشرين، لكنه سيعرف على الأرجح ماذا يعني أن تخبئ أم شيئاً عن ابنها لتحميه أو لتحمي نفسها، وماذا يعني أن يكبر شاب وهو يشعر أن في بيته قصة ناقصة تفسّر نصف ارتباكه.

في النهاية، يبدو «اسمي» فيلماً عن الذاكرة حين تفقد صفتها المجردة وتصبح معيشة يومية. وعن التاريخ حين يخرج من الأرشيف ليمشي في الشارع ويدخل المدرسة ويجلس إلى مائدة الطعام. وعن السينما حين تتذكر أن أقصر الطرق إلى المأساة ليست دائماً أكثرها صخباً، بل ربما أكثرها هدوءاً وصدقاً. وهذا درس تعرفه جيداً الفنون الكبيرة، من نجيب محفوظ حين جعل تحولات المجتمع تمر عبر الأزقة والبيوت، إلى كثير من صناع السينما الذين فهموا أن الوطن الكبير يمكن أن ينكسر في مصير عائلة واحدة. من هذه الزاوية، لا يأتي «اسمي» بوصفه فيلماً كورياً عن جزيرة بعيدة، بل بوصفه عملاً عن البشر حين يظنون أنهم تجاوزوا الماضي، ثم يكتشفون أن الماضي لم يتجاوزهم بعد.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات