광고환영

광고문의환영

تراجع ابتعاث الكوريين إلى الخارج إلى النصف بعد الجائحة: ما الذي يكشفه الرقم عن التعليم والطبقة الوسطى ومستقبل الشباب في

تراجع ابتعاث الكوريين إلى الخارج إلى النصف بعد الجائحة: ما الذي يكشفه الرقم عن التعليم والطبقة الوسطى ومستقبل الشباب في

رقم يتراجع… وقصة مجتمع تتبدل

حين تُقاس التحولات الاجتماعية الكبرى بالأرقام، قد يبدو المشهد للوهلة الأولى بارداً ومحايداً. لكن بعض الأرقام لا يكتفي بوصف الواقع، بل يفضح ما تراكم تحته من قلق وتبدّل في الأولويات. هذا تماماً ما تكشفه البيانات الحديثة حول تراجع عدد الطلاب الكوريين الجنوبيين الذين يدرسون في جامعات خارج البلاد إلى نحو 120 ألفاً فقط، أي ما يقارب نصف المستوى الذي كان قائماً قبل جائحة كورونا. في بلدٍ عُرف طويلاً بأن التعليم فيه ليس مجرد مسار مهني، بل جزء من الهوية الاجتماعية والعائلية، فإن هذا التراجع لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً إحصائياً عابراً.

في المخيال الكوري الجنوبي، ارتبطت الدراسة في الخارج لسنوات بصورة «السلم الاجتماعي» الذي قد ينقل الطالب من مكان إلى آخر في بنية المجتمع، أو يمنحه أفضلية في سوق العمل، أو يرسّخ مكانة الأسرة التي استثمرت في تعليمه. وهي صورة ليست بعيدة عن تجارب يعرفها القارئ العربي أيضاً، من الأسر التي تبيع ما تملك لتعليم ابن أو ابنة في جامعة أجنبية، إلى الاعتقاد الراسخ بأن الشهادة الدولية قد تفتح أبواباً تبدو موصدة محلياً. لهذا، فإن انكماش هذا المسار في كوريا الجنوبية يعكس تبدلاً أعمق: لم تعد الشهادة الأجنبية في نظر كثيرين استثماراً مضمون العائد كما كانت.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في أن عدداً أقل من الشباب الكوري يغادرون إلى الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أستراليا أو كندا أو غيرها من الوجهات التقليدية، بل في أن المجتمع نفسه بات يعيد حساباته بشأن معنى التعليم الدولي وجدواه وكلفته ومخاطره. فما بعد الجائحة ليس كما قبلها، لا في كوريا الجنوبية ولا في العالم. وإذا كانت سيول تُقدَّم غالباً في الإعلام العربي باعتبارها نموذجاً حداثياً ناجحاً في التكنولوجيا والثقافة والصناعة، فإن هذه القصة تذكّر بأن خلف بريق «الموجة الكورية» توجد أيضاً أسئلة صعبة حول القلق الطبقي، والقدرة الشرائية للأسر، ومستقبل الشباب في اقتصاد عالمي أقل يقيناً.

التراجع في أعداد المبتعثين أو الدارسين ذاتياً في الخارج يشير، في أحد أوجهه، إلى أن نافذة اكتساب الخبرة الدولية لم تعد مفتوحة بالاتساع السابق. وهذا له كلفة غير منظورة فوراً: تقلص الفرص أمام أبناء الطبقة الوسطى، وازدياد اعتماد التعليم الدولي على القدرة المالية الصلبة، وتحول «التجربة العالمية» من خيار متاح نسبياً إلى امتياز أكثر انتقائية. وفي مجتمع يتابع المواطنون فيه باهتمام شديد ترتيبات الجامعات وفرص التوظيف والانتقال الطبقي، فإن مثل هذا التبدل يترك أثراً يتجاوز الحرم الجامعي إلى الاقتصاد والثقافة والسياسة الاجتماعية.

من «حلم العائلة» إلى قرار مالي شديد البرودة

لفهم دلالة هذا التراجع، ينبغي العودة إلى مكانة التعليم في كوريا الجنوبية. فالبلاد، منذ عقود، بنت جزءاً رئيسياً من صعودها الاقتصادي على رأس المال البشري، أي على التعليم والانضباط والتأهيل المهني. ومن يعرف الثقافة الكورية يدرك أن امتحان القبول الجامعي الوطني، المعروف اختصاراً باسم «سونونغ»، ليس مجرد اختبار دراسي، بل مناسبة وطنية تتباطأ فيها حركة الطيران وتُضبط المواعيد العامة مراعاة للطلبة. في مثل هذا السياق، تصبح الدراسة في الخارج امتداداً طبيعياً لمنظومة ترى في التعليم أرفع صور الاستثمار الأسري.

خلال سنوات طويلة، كان إرسال الابن أو الابنة إلى جامعة أجنبية مرموقة يُقرأ في كوريا الجنوبية بوصفه دليلاً على الطموح والقدرة معاً. وقد ازدهرت مؤسسات الاستشارات التعليمية، ومعاهد اللغات، وبرامج التحضير للاختبارات الدولية، تماماً كما يحدث في عواصم عربية حين تتحول الدراسة في بريطانيا أو الولايات المتحدة أو فرنسا إلى جزء من استراتيجية عائلية طويلة الأمد. غير أن الفرق اليوم هو أن الحسابات لم تعد تُبنى على الهيبة الرمزية للشهادة وحدها، بل على سؤال شديد المباشرة: ماذا سنجني فعلاً بعد كل هذا الإنفاق؟

هذا التحول في الذهنية بالغ الأهمية. فالأسر الكورية، وخصوصاً المنتمية إلى الطبقة الوسطى في سيول وضواحيها، لم تعد تتعامل مع الابتعاث أو الدراسة في الخارج باعتباره خياراً تلقائياً متى توفرت القدرة الأكاديمية. بات القرار يشبه، إلى حد بعيد، قرارات الاستثمار الكبرى: مقارنة بين التكاليف والعوائد، حساب لمخاطر تغير سعر الصرف، تقييم لإمكانات العمل بعد التخرج، وقراءة صارمة لسياسات التأشيرات والإقامة في الدول المستقبلة. وحتى عندما تتوافر الرغبة، فإن تداخل هذه العوامل يرفع العتبة النفسية والمالية معاً.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: البلد الذي صدّر للعالم صورة النجاح المنظم والانفتاح الثقافي بات أكثر حذراً في إرسال أبنائه إلى الخارج. ليس بسبب ضعف الطموح، بل لأن الطموح نفسه أعيد تعريفه. ما كان يُعد قبل سنوات «فرصة لا تُفوَّت» قد يبدو اليوم مغامرة شديدة الكلفة، وخصوصاً إذا كانت مآلاتها المهنية غير محسومة. بهذه اللغة الجديدة، لم تعد الدراسة الدولية مساحة للحلم فقط، بل ملفاً مالياً وإدارياً معقداً تدرسه الأسرة كما تدرس القروض العقارية أو مشاريع الادخار طويلة الأجل.

الجائحة لم تكن عارضاً عابراً… بل لحظة أعادت تشكيل الحكم على التعليم الدولي

من السهل القول إن جائحة كورونا هي السبب المباشر وراء تراجع عدد الطلاب الكوريين في الخارج، وهذا صحيح جزئياً فقط. فخلال سنوات الوباء، أُغلقت الحدود، وتأخرت التأشيرات، وارتبكت الجامعات، وانتقلت الدروس إلى الفضاء الرقمي، فتبدد جزء كبير من سحر «الحياة الجامعية الدولية». من كان يستعد للسفر وجد نفسه أمام محاضرات عبر الشاشة، وحجر صحي، وغموض في ترتيبات السكن والتنقل والعمل الجزئي. كثير من الأسر أوقفت الخطط أو أجّلتها، وبعض الطلاب غيّر مساره نهائياً إلى جامعة محلية أو وظيفة داخل كوريا الجنوبية.

لكن الأثر الأعمق للجائحة أنها غيّرت طريقة التفكير نفسها. فبعد سنوات من الاضطراب، لم يعد السؤال: هل نستطيع إرسال ابننا إلى الخارج؟ بل: هل هناك ضرورة حقيقية لذلك في كل الحالات؟ لقد كشفت التجربة الوبائية أن قدراً معتبراً من التعلم والتعاون والبحث يمكن أن يتم عن بُعد، وأن الوصول إلى المحاضرات الدولية أو الشبكات المهنية أو الشهادات الجزئية لم يعد مشروطاً دائماً بالإقامة الطويلة في بلد أجنبي. هذا لا يلغي أهمية الوجود المباشر في البيئة الأكاديمية العالمية، لكنه يضعفه بوصفه «الخيار الوحيد» أو «الطريق الطبيعي» للتفوق.

الجائحة أيضاً راكمت خبرات سلبية لا تُنسى بسهولة. بعض الطلاب علقوا خارج البلاد، وآخرون عادوا على عجل، وعائلات كثيرة دفعت كلفة خطط تعطلت فجأة. مثل هذه التجارب تترك أثراً يشبه ما تركته أزمات اقتصادية أو سياسية في مجتمعات عربية كثيرة: حين يختبر الناس انقطاع المسارات التي بدت مستقرة، يصبح الحذر فضيلة جماعية. وفي كوريا الجنوبية، حيث يميل المجتمع إلى التخطيط الدقيق وتقدير الاستقرار، ازداد هذا الميل قوة بعد الجائحة، فصار الإقدام على التعليم الدولي بحاجة إلى يقين أكبر مما كان مطلوباً سابقاً.

وإذا كانت بعض الاقتصادات استعادت زخم السفر والتعليم الدولي بسرعة نسبية، فإن المزاج الكوري الحالي يبدو أكثر ميلاً إلى تجنب المخاطر. في زمن التضخم وتباطؤ الاقتصاد العالمي وضبابية التوظيف، لم تعد الدراسة في الخارج مشروعاً رومانسياً أو رمزياً، بل التزاماً مالياً ومعيشياً ونفسياً يقتضي قدرة عالية على التحمل. بذلك، لم تعد الجائحة مجرد سبب لتراجع مؤقت، بل لحظة فاصلة أعادت تعريف معنى «الجدوى» في أذهان الأسر والشباب.

سعر الصرف والرسوم والمعيشة… حين تضيق المسافة بين الحلم والميزانية

إذا كان ثمة عامل يحضر بقوة في تفسير هذا الانخفاض، فهو الكلفة. فالرسوم الجامعية في الدول الناطقة بالإنجليزية ارتفعت، وكذلك تكاليف السكن والطعام والنقل والتأمين الصحي. ومع ضعف العملة الكورية نسبياً أمام العملات الرئيسية في بعض الفترات، يصبح العبء على الأسرة أكبر بكثير مما كان قبل سنوات. قد تكون الجامعة ذاتها والمدينة ذاتها، لكن الفاتورة النهائية تغيّرت بصورة تجعل القرار مختلفاً جذرياً.

في العالم العربي، يعرف كثيرون أثر سعر الصرف على أحلام الدراسة والسفر والعلاج، وكيف يمكن لتحرك العملة أن يقلب خططاً عائلية كاملة. الصورة في كوريا الجنوبية ليست بعيدة عن ذلك، وإن اختلفت مستويات الدخل. فالطبقة الوسطى، التي كانت عماد مسار التعليم الدولي، تجد نفسها الآن أمام التزامات مستمرة بالعملة الصعبة لسنوات، لا مجرد دفعة واحدة. ومع ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة محلياً أيضاً، يصبح تمويل الدراسة في الخارج قراراً يعيد تشكيل ميزانية البيت كلها، لا مجرد بند إضافي فيها.

هذا ما يدفع خبراء التعليم إلى القول إن المشكلة ليست زوال الطلب على التعليم الخارجي، بل «انتقاؤه» على نحو أكثر حدة. أي إن الطلاب الذين يملكون هدفاً واضحاً جداً، كالتخصص في مجال لا يتوافر محلياً بالكفاءة نفسها، أو السعي لمسار بحثي أو مهني محدد، ما زالوا يذهبون. أما من كان يرى في التجربة مجرد إضافة إلى السيرة الذاتية أو توسيعاً للأفق العام، فغالباً ما بات يتراجع. هنا يتغير المعنى الاجتماعي للتعليم الدولي: من خيار واسع نسبياً أمام شرائح من الطبقة الوسطى، إلى مسار يحتاج تبريراً شديد الوضوح وتمويلاً شديد الصلابة.

المسألة لا تقف عند حدود الإنفاق فقط. فارتفاع الكلفة يفتح باباً حساساً يتعلق بالعدالة الاجتماعية. الأغنياء جداً يستطيعون في العادة امتصاص تقلبات الأسعار والرسوم والإقامة، بينما تتضرر أكثر الأسر التي تقع في الوسط: لديها الطموح التعليمي، وربما الكفاءة الأكاديمية، لكنها لا تملك هامش أمان مالي واسعاً. في هذه النقطة بالذات، يصبح تراجع أعداد الطلاب في الخارج مؤشراً على اتساع الفجوة بين من يستطيع تحويل التعليم الدولي إلى حق شبه مضمون، ومن يراه فرصة تتبدد مع كل تغير في أسعار العملات أو الشروط الإدارية.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم هذا التراجع بوصفه مسألة اجتماعية لا تربوية فقط. فالابتعاث أو الدراسة الخارجية ليس فعلاً فردياً معزولاً، بل نتاج شبكة كاملة من الدخل الأسري، والدعم العائلي، والقدرة على التخطيط، والوصول إلى المعلومات، والاستعداد لتحمل عدم اليقين. وكلما ارتفعت الكلفة، عاد هذا المسار ليرتبط أكثر بالامتياز الطبقي. وهذا تطور يحمل دلالات حساسة في بلد لا يكف عن النقاش حول ضغط المنافسة التعليمية واتساع الفوارق بين أبناء المناطق والطبقات.

استراتيجيات شبابية جديدة: بدائل أقل كلفة وأكثر براغماتية

تراجع أعداد الطلاب في الخارج لا يعني بالضرورة أن الشباب الكوري فقد اهتمامه بالعالم أو انكفأ داخل الحدود. الأصح أن استراتيجيات بناء المستقبل تغيرت. فبدلاً من الالتزام بإقامة طويلة ومكلفة في جامعة أجنبية، يتجه عدد متزايد من الشباب إلى بدائل أقل عبئاً مالياً: برامج التبادل الطلابي القصيرة، والدورات الدولية عبر الإنترنت، والتدريب العملي في شركات متعددة الجنسيات، وبرامج الماجستير المحلية ذات الشراكات الأجنبية، وحتى اكتساب الخبرة المهنية داخل كوريا الجنوبية قبل التفكير في الانتقال لاحقاً.

هذا التحول يحمل جانباً إيجابياً لا يمكن تجاهله. فالعالم الأكاديمي والمهني بات أكثر تنوعاً من ذي قبل، ولم تعد الخبرة الدولية محصورة في شهادة كاملة من جامعة بعيدة. في المنطقة العربية أيضاً نرى اتجاهاً متزايداً نحو البرامج القصيرة والشهادات المهنية العابرة للحدود والتعلم الرقمي، لأنها توفر قدراً من الانفتاح الدولي بكلفة أقل. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التراجع في أعداد الدارسين في الخارج باعتباره إعادة توزيع للموارد والجهد، لا مجرد تراجع في الطموح.

لكن هذه الصورة الإيجابية ليست مكتملة. فحتى البدائل الأرخص تتطلب معلومات دقيقة، وقدرة على الاختيار الذكي، وإجادة لغات، وشبكات استشارية تساعد الطالب على التمييز بين برنامج يمنحه قيمة فعلية وآخر لا يضيف الكثير. وهنا يبرز شكل جديد من اللامساواة: من يملك رأس مال معرفياً وثقافياً أفضل يستطيع أن يبتكر مساراً بديلاً ناجحاً، بينما قد يجد آخرون أنفسهم عالقين بين ارتفاع كلفة الدراسة الطويلة في الخارج وضعف جودة البدائل التي يصلون إليها.

كما أن سوق العمل نفسه يرسل إشارات مختلفة عن الماضي. فبعض الشركات والمؤسسات الكورية لم تعد تنظر إلى الشهادة الأجنبية بوصفها بطاقة عبور مضمونة، بل تفضّل الخبرة العملية، والقدرة على حل المشكلات، والكفاءة اللغوية، وإدارة المشاريع، والعمل ضمن فرق متعددة الثقافات. هذا يعني أن الشاب أو الشابة قد يفضّل استثمار المال والوقت في بناء مسار مهني محلي قوي، بدلاً من إنفاقهما على شهادة باهظة لا تضمن ميزة تنافسية واضحة. من هذه الزاوية، فإن ما يحدث ليس مجرد «انسحاب» من العالم، بل إعادة معايرة دقيقة لمفهوم النجاح.

ومع ذلك، تبقى هناك مجالات يصعب فيها تعويض الخبرة الخارجية الطويلة بسهولة، مثل البحث العلمي المتقدم، والسياسات الدولية، والطب والعلوم الصحية، وبعض التخصصات الفنية والإبداعية، وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة التي تقوم على مختبرات وشبكات بحثية عالمية. وفي هذه الميادين، قد يعني تضاؤل مسار التعليم الخارجي على المدى الطويل انخفاضاً في عدد الكفاءات التي تتشكل داخل بيئات أكاديمية وثقافية متعددة، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على القدرة التنافسية لكوريا الجنوبية نفسها.

ماذا يعني ذلك للجامعات الكورية وللاقتصاد المحلي؟

ظاهرياً، قد يبدو انخفاض عدد الطلاب المغادرين إلى الخارج خبراً جيداً للجامعات داخل كوريا الجنوبية. فبقاء عدد أكبر من الطلبة محلياً قد يعزز برامج الدراسات العليا، ويدعم بعض التخصصات، ويمنح الجامعات فرصة للاحتفاظ بالكوادر الشابة. وقد تستفيد بعض المؤسسات الأكاديمية من طلب متزايد على برامج محلية بديلة، خصوصاً إذا نجحت في تقديم شراكات دولية أو مسارات مزدوجة مع جامعات أجنبية.

غير أن هذه الاستفادة ليست تلقائية. فإذا كان سبب عزوف الشباب عن التعليم الخارجي هو الكلفة وعدم اليقين لا الاقتناع الكامل بجودة البديل المحلي، فإن على الجامعات الكورية أن تملأ هذا الفراغ فعلاً لا شعاراً. المطلوب ليس فقط استيعاب مزيد من الطلاب، بل توفير بيئات بحثية أقوى، وفرص تعاون دولي ملموسة، ومختبرات ومشاريع وشبكات تسمح للشباب بأن يشعروا أن بقاءهم في الداخل لا يعني تراجع سقف طموحهم. وإلا فإن الإحباط قد يتراكم داخل النظام المحلي نفسه.

كذلك يمتد الأثر إلى سوق الخدمات التعليمية بأكمله: مكاتب الاستشارات، ومدارس اللغات، ومراكز الإعداد للاختبارات الدولية، وشركات السكن الطلابي، وقطاعات السفر والتأمين المرتبطة بالدراسة. هذه الصناعات، التي ازدهرت حول حلم التعليم الخارجي، قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة الهيكلة نحو خدمات أخرى: برامج قصيرة، أو إعداد للتبادل الطلابي، أو تأهيل لوظائف دولية، أو مسارات تجمع بين العمل والتعلم. باختصار، نحن أمام إعادة تشكيل لسوق كاملة كانت قائمة على فرضية أن أعداداً كبيرة من الشباب ستواصل السفر سنوات طويلة للدراسة.

وهناك أيضاً بعد مناطقي مهم. فالتفاوت بين سيول والمناطق الأخرى في الوصول إلى المعلومات والخبرات التعليمية والاستشارات الجيدة لا يزال قائماً. وإذا كان التعليم الخارجي ينكمش، فقد لا ينكمش بالطريقة نفسها لدى الجميع. فبعض المدارس الخاصة أو النخبوية، وبعض الأسر الميسورة في العاصمة، ستظل قادرة على الحفاظ على هذه المسارات. أما في المدن الأقل مركزية وبين الأسر ذات الموارد المحدودة، فقد يتقلص الخيار إلى حد كبير. وهنا يتحول الانخفاض العام في الأرقام إلى قصة عن اتساع الفجوات أكثر من كونه مجرد تغير في السلوك التعليمي.

هذا البعد يهم القارئ العربي أيضاً، لأن كثيراً من النقاشات في منطقتنا تدور حول السؤال نفسه: هل تؤدي الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف التعليم إلى إعادة إنتاج النخبة التعليمية، بحيث تصبح الفرص العابرة للحدود متاحة لفئة أضيق؟ في الحالة الكورية الجنوبية، يبدو أن الجواب يقترب من الإيجاب، ما لم تنجح السياسات العامة والجامعات في بناء بدائل ذات جودة وتكلفة معقولة.

بين الانفتاح العالمي والعدالة التعليمية… التحدي القادم أمام سيول

يرى خبراء التعليم أن التعامل مع هذا التحول لا يمكن أن يقتصر على دعوات عامة لتشجيع الدراسة في الخارج. فالمشكلة مركبة: هناك إرث الجائحة، وغلاء المعيشة، وتقلبات العملات، وتبدل نظرة الشباب إلى عائد الشهادات، واتساع البدائل الرقمية والمهنية، فضلاً عن القلق الطبقي الذي يجعل كل قرار تعليمي جزءاً من معركة أوسع على المستقبل. لذلك، فإن الاستجابة المطلوبة من الدولة والمؤسسات التعليمية يفترض أن تكون بدورها متعددة المستويات.

أول هذه المستويات هو تقوية التعليم العالي المحلي بحيث لا يبدو بقاء الطالب في الداخل خياراً اضطرارياً من الدرجة الثانية. وهذا يعني تمويل البحث، وتوسيع الشراكات الدولية، واستقطاب الكفاءات، وتوفير بيئات تعليمية تسمح للطالب بخوض تجربة عالمية وهو في كوريا الجنوبية. ثانيها هو توسيع الدعم المالي والمنح والبرامج المشتركة التي تخفف عبء الكلفة، حتى لا يتحول التعليم الدولي إلى امتياز طبقي خالص. وثالثها هو بناء أنظمة إرشاد ومعلومات أكثر عدالة، لأن الوصول إلى المعرفة الصحيحة حول البدائل المتاحة أصبح في حد ذاته شكلاً من أشكال القوة الاجتماعية.

كما أن السياسات ينبغي أن تنظر إلى «الخبرة الدولية» بمفهوم أوسع من مجرد الهجرة التعليمية الكاملة. فقد يكون من المجدي دعم تبادلات قصيرة الأجل، وتدريب مهني دولي، ومشاريع بحثية عابرة للحدود، وبرامج تعليمية هجينة تجمع بين الحضور المادي والتعلم الرقمي. بهذه الطريقة يمكن تخفيف الفجوة بين من يستطيعون الإنفاق على سنوات طويلة في الخارج، ومن يحتاجون مسارات أكثر مرونة وتدرجاً. المسألة في النهاية ليست في عدد جوازات السفر التي تُختم في المطارات، بل في نوعية الخبرة والمعرفة التي يكتسبها الشباب وكيف تُوزَّع فرصها داخل المجتمع.

بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، فإن القضية تمس أيضاً سرديتها الوطنية. فالبلاد التي نجحت في تصدير شركاتها وثقافتها وموسيقاها ودرامتها إلى العالم تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على تدفق عكسي للمعرفة والخبرة والاحتكاك العالمي. وإذا ضاقت قنوات هذا التدفق بسبب الكلفة والمخاطر، فإن ذلك قد يترك أثراً بطيئاً لكنه عميق في نوعية النخب العلمية والمهنية والثقافية التي تتشكل في المستقبل.

في المحصلة، لا يحكي رقم 120 ألف طالب فقط قصة انخفاض في السفر الدراسي، بل يكشف عن لحظة مراجعة واسعة يعيشها المجتمع الكوري الجنوبي: كيف يُقاس النجاح؟ من يملك حق الوصول إلى الفرص العالمية؟ وما الذي يحدث حين يصبح التعليم، حتى في أكثر صوره طموحاً وانفتاحاً، أسير حسابات المعيشة والطبقة وعدم اليقين؟ هذه أسئلة كورية في ظاهرها، لكنها مألوفة جداً في العالم العربي أيضاً. ولذلك تبدو هذه القصة أبعد من حدود شرق آسيا: إنها قصة زمن تتقلص فيه أحلام التنقل السلس، ويُعاد فيه تعريف معنى الاستثمار في المستقبل، فردياً وعائلياً ووطنياً.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات