
مشهد واحد في سيول.. وثلاث روايات عن الحق
في مدن كثيرة، تتحول المناسبات المرتبطة بحقوق الفئات الاجتماعية إلى لحظة احتفال رمزي، تُرفع فيها الشعارات العامة وتُلتقط الصور الرسمية ثم ينفضّ الجمع. لكن ما جرى في سيول في يوم ذوي الإعاقة لم يكن من هذا النوع. العاصمة الكورية الجنوبية شهدت، في اليوم نفسه والساعات نفسها تقريبًا، ثلاث تحركات احتجاجية متوازية، لكل منها لغة مختلفة، لكنها كلها تدور حول سؤال واحد: كيف يجب أن تعيش الدولة الحديثة مع مواطنيها من ذوي الإعاقة؟ هل يكون ذلك عبر مؤسسات الرعاية والإيواء مع تشديد الرقابة والحماية؟ أم عبر دعم العيش المستقل داخل المجتمع المحلي والحد من الإقامة المؤسسية؟ أم عبر مقاربة ثالثة تعترف بأن القضية أعقد من الاختزال بين خيارين متقابلين؟
هذه الصورة المركبة تكشف أن النقاش الكوري الجنوبي حول الإعاقة دخل مرحلة أكثر نضجًا، وربما أكثر توترًا أيضًا. فليس هناك خلاف واسع على المبدأ الكبير، أي وجوب ضمان الحقوق والكرامة والسلامة. لكن الخلاف يشتد حين نصل إلى تفاصيل التنفيذ: أين تتحقق هذه الحقوق؟ داخل المؤسسة أم خارجها؟ ومن يقرر الأفضل؟ الأسرة، أم الشخص المعني، أم الدولة، أم الخبراء، أم المجتمع المدني؟
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه الأسئلة مألوفة أكثر مما نتصور. ففي كثير من بلداننا، لا يزال التعامل مع الإعاقة يتأرجح بين خطاب الرعاية الخيرية وخطاب الحقوق المدنية. وما بينهما تقف الأسر في حيرة، وتتعثر المؤسسات، وتتأخر التشريعات، فيما يظل الشخص ذو الإعاقة نفسه في كثير من الأحيان آخر من يُسأل عن شكل الحياة التي يريدها. لذلك فإن ما حدث في سيول ليس مجرد خبر كوري محلي، بل مرآة لسؤال عالمي يتكرر من الرباط إلى بغداد، ومن القاهرة إلى الرياض: كيف ننتقل من الشفقة إلى المواطنة؟
في خلفية هذا المشهد، بدا يوم ذوي الإعاقة في كوريا الجنوبية مناسبة لا لتبادل التهاني، بل لإعادة فتح ملف اجتماعي وسياسي معقّد. فالاحتجاجات الثلاثة التي خرجت في سيول لم تنطلق من فراغ، بل من تراكمات مرتبطة بحوادث إساءة داخل مؤسسات الرعاية، وبالجدل حول سياسات “إلغاء الإيواء المؤسسي” أو “العيش في المجتمع”، وبشعور مزمن لدى كثير من المنظمات بأن الدولة ما زالت تدير ملف الإعاقة بوصفه بندًا من بنود الرعاية الاجتماعية لا بوصفه جزءًا أصيلًا من بنية الديمقراطية والعدالة.
حين يصبح الجسد رسالة.. لماذا اختارت أسر ذوي الإعاقة هذا الشكل من الاحتجاج؟
أحد أبرز مشاهد ذلك اليوم كان تحرك اتحاد وطني لأهالي ذوي الإعاقة قرب الجمعية الوطنية في سيول، حيث لجأ المحتجون إلى أسلوب احتجاجي شديد الرمزية يقوم على السجود الكامل للجسد على الأرض والتقدم ببطء شديد. في الثقافة الكورية، كما في ثقافات آسيوية أخرى، يحمل هذا النمط دلالات مرتبطة بأقصى درجات التوسل الأخلاقي والضغط المعنوي. هو ليس مجرد مسيرة، بل خطاب جسدي يقول إن الكلمات العادية لم تعد تكفي، وإن الألم الذي تحمله الأسر أكبر من أن تختصره لافتة أو بيان.
المطلب الأساسي لهؤلاء كان فتح تحقيق برلماني في قضايا الإساءة والانتهاكات داخل بعض مرافق إيواء ذوي الإعاقة. وهنا لا يتعلق الأمر بحادثة منفردة فحسب، بل بمطالبة بمراجعة بنيوية: هل تؤدي منظومة الإشراف والرقابة دورها فعلاً؟ هل توجد آليات فعالة للتبليغ عن الإساءة؟ هل يستطيع المقيمون في هذه المؤسسات الوصول إلى العدالة بسهولة؟ وهل ثمة شفافية كافية تسمح للمجتمع والبرلمان والإعلام بمعرفة ما يجري خلف الأبواب المغلقة؟
هذه الأسئلة ليست كورية فقط. ففي العالم العربي، كثيرًا ما تُطرح قضايا تتعلق بدور الرعاية، سواء الخاصة بكبار السن أو الأطفال أو الأشخاص ذوي الإعاقة، ثم يتبين أن المشكلة ليست فقط في سوء تصرف فردي من موظف أو مشرف، بل في ضعف الرقابة المؤسسية، وقلة التدريب، ونقص الموارد، وغياب المساءلة الدورية، وأحيانًا في الثقافة العامة التي تتسامح مع معاملة وصائية بدلاً من معاملة قائمة على الحقوق. ولهذا بدت رسالة الأهالي في سيول واضحة: إذا تكررت الانتهاكات، فالمشكلة لم تعد في “تفصيلة” تنفيذية، بل في تصميم النظام نفسه.
ويحمل طلب التحقيق البرلماني دلالة سياسية مهمة. فحين تصل الأسر إلى قناعة بأن الإجراءات الإدارية العادية لم تعد كافية، فهي تنقل الملف من مستوى الشكوى إلى مستوى المساءلة الوطنية. وهذا يعني أن النقاش لم يعد مقتصرًا على إدارة مؤسسة أو وزارة بعينها، بل صار مرتبطًا بمسؤولية الدولة ككل. فالحماية هنا ليست خدمة إضافية تمنح متى توفرت الموازنات، بل التزامًا أساسيًا يتعلق بالسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.
الأهم من ذلك أن هذا الاحتجاج أعاد إلى الواجهة سؤالًا حساسًا: هل تنشأ الانتهاكات فقط بسبب قصور أفراد بعينهم، أم أن البيئة المؤسسية المغلقة قد تخلق بطبيعتها فرصًا أعلى للإخفاء والتستر والتأخر في كشف الضرر؟ هذا السؤال لا يدين كل مؤسسة إيواء، لكنه يطالب بألا تُدار هذه المرافق بمنطق الثقة المجردة، بل بمنطق الرقابة المستقلة والشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات والشكوى.
الوجه الآخر للجدل.. من يدافع عن حق المقيمين في المؤسسات؟
في الجهة المقابلة من العاصمة، وأمام الجمعية الوطنية أيضًا، خرجت جمعية تمثل مؤسسات رعاية ذوي الإعاقة لتقول شيئًا مختلفًا: إن الدفع المتسارع نحو إخراج المقيمين من المؤسسات، أو ما يُعرف في النقاش الكوري بسياسات إنهاء الإيواء المؤسسي، قد يتجاهل حقوق فئة لا تزال تعيش في تلك المرافق وتعتمد عليها في تفاصيل يومها. هذه ليست حجة هامشية كما قد يتصور البعض، بل تعكس توترًا حقيقيًا بين المثال الحقوقي والواقع المعيشي.
في الأدبيات الدولية الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يُنظر إلى العيش المستقل داخل المجتمع على أنه هدف مركزي، لأنه يضمن للفرد مشاركة أوسع في الحياة العامة وقدرًا أكبر من تقرير المصير. لكن الانتقال من المؤسسة إلى المجتمع ليس قرارًا نظريًا بسيطًا. فهو يحتاج إلى شبكة دعم حقيقية: سكن مهيأ، خدمات صحية قريبة، مساعدون شخصيون، فرص تعليم وعمل، نقل عام قابل للاستخدام، وتقبّل مجتمعي يحد من العزلة والوصمة. وإذا غاب ذلك، قد يتحول شعار “الاستقلال” إلى عبء جديد على الأسر أو إلى نقل الأزمة من داخل المؤسسة إلى داخل المنزل.
من هنا شددت هذه الجمعيات على أن حقوق المقيمين الحاليين لا ينبغي أن تضيع وسط المعركة الأيديولوجية حول مستقبل النظام. فهم يقولون إن هناك أشخاصًا لا يستطيعون، لأسباب صحية أو نفسية أو اجتماعية أو أسرية، الانتقال بسهولة إلى ترتيبات سكنية مفتوحة. وهناك عائلات منهكة أصلًا، لا تملك القدرة المالية أو الجسدية على توفير رعاية يومية معقدة. وهناك مناطق قد لا تتوافر فيها خدمات مجتمعية بديلة أصلاً. لذلك ترى هذه الجهات أن الدفاع عن “حق السكن” و“حق الاختيار” يجب أن يشمل أيضًا حق من يفضّل أو يحتاج إلى البقاء في مؤسسة تراعي كرامته وتوفر له الأمان.
هذا الطرح يلامس جدلًا معروفًا في العالم العربي كذلك. فكثيرًا ما تُطرح سياسات طموحة تحت عناوين جذابة، لكن التنفيذ يصطدم بضعف البنية التحتية. ونعرف جميعًا، من تجارب قطاعات أخرى كالتعليم والصحة، أن النوايا الحسنة لا تكفي إن لم تُسنَد بخدمات عامة حقيقية. لذلك فإن قراءة هذا الموقف بوصفه رفضًا مطلقًا للإصلاح قد تكون قراءة ناقصة. فبعض من يدافعون عن استمرار المؤسسات لا يريدون بالضرورة تكريس الوضع القائم، بل يريدون انتقالًا آمنًا لا يترك الناس في الفراغ.
مع ذلك، يبقى التحذير ضروريًا من أن يتحول الدفاع عن المقيمين الحاليين إلى مبرر لتجميد أي إصلاح. فالتاريخ أثبت، في بلدان كثيرة، أن بعض المؤسسات قد تستند إلى خطاب “الحماية” لكي تستمر من دون مراجعة جذرية. ولذا فإن التحدي الحقيقي ليس في الانتصار لأحد المعسكرين، بل في منع أي طرف من استخدام لغة الحقوق لتجميل قصور بنيوي أو تأجيل استحقاق الإصلاح.
التحالف الواسع في غوانغهوامون.. عودة القضية إلى لغة الحقوق لا الإحسان
أما المحور الثالث في ذلك اليوم فتمثل في تجمع واسع ضم 207 منظمات في منطقة غوانغهوامون، وهي مساحة ذات رمزية سياسية عالية في سيول، كثيرًا ما ارتبطت بالمظاهرات الكبرى والبيانات التي تخاطب الدولة والمجتمع في آن واحد. أهمية هذا التحرك لا تكمن في عدد المشاركين فحسب، بل في طبيعة الرسالة: القضية ليست نزاعًا تقنيًا حول إدارة المؤسسات، بل ملف حقوق شامل يشمل حرية التنقل، والتعليم، والعمل، والسكن، والوصول إلى الفضاء العام، ومكافحة التمييز.
هذا التحالف الواسع يعيد ترتيب الأولويات. فبدل أن يُختزل النقاش في سؤال: مع المؤسسة أم ضدها؟ يطرح المحتجون سؤالًا أشمل: لماذا لا تزال حقوق ذوي الإعاقة في كوريا الجنوبية، رغم تطور البلاد الاقتصادي والتكنولوجي، رهينة المساومات البيروقراطية وتأخر الموازنات وتفاوت الخدمات؟ وحين يربط هذا المعسكر بين الإعاقة والنقل والتعليم والعمل، فهو يذكّر بأن المشكلة لا تبدأ عند باب مؤسسة الرعاية ولا تنتهي عنده. المشكلة تبدأ من تصميم المدينة، ومن مناهج المدرسة، ومن سياسات التوظيف، ومن نظرة المجتمع إلى الاختلاف.
ولعل هذا هو الجانب الأكثر قربًا إلى الخطاب الحقوقي العربي الحديث. ففي السنوات الأخيرة، بدأت منظمات وهيئات عربية كثيرة تتخلى تدريجيًا عن اللغة القديمة التي تحصر الأشخاص ذوي الإعاقة في دائرة “الفئات الخاصة” أو “المحتاجين إلى عطف”، لتقترب أكثر من لغة الحق في الوصول والمشاركة والمساواة. صحيح أن الطريق لا يزال طويلاً، لكن هذا التحول في المصطلحات مهم، لأن اللغة ليست مجرد زينة، بل إطار يحدد كيف نفهم المشكلة: هل هي مشكلة فردية تستدعي إحسانًا، أم قضية مواطنة تستدعي سياسات عامة؟
في سيول، بدا أن هذا التحالف يريد تذكير الجميع بأن الدولة الحديثة تُقاس أيضًا بمن يبقى خارج الصورة. فالمدينة التي تتفاخر بقطاراتها السريعة وشبكاتها الرقمية لا يمكنها ادعاء الشمول إذا كان بعض مواطنيها لا يستطيعون التنقل بحرية، أو الوصول إلى الصف الدراسي، أو الحصول على وظيفة لائقة، أو اختيار مكان العيش الذي يضمن كرامتهم. بهذا المعنى، فإن احتجاجات يوم ذوي الإعاقة تحولت من حدث فئوي إلى اختبار أخلاقي وسياسي لمشروع الحداثة الكورية نفسه.
لماذا تبدو المطالب متعارضة وهي تنطلق من مبدأ واحد؟
السؤال الأكثر إلحاحًا في هذا المشهد هو: كيف يمكن لثلاث مجموعات تتحدث جميعها عن “الحقوق” أن تبدو كأنها تتواجه؟ الإجابة تكمن في أن كلمة “الحق” ليست واحدة في التطبيق. فهناك من يعطي الأولوية للسلامة من الانتهاك داخل المؤسسات، وهناك من يركز على الحق في الاستقرار وعدم التهجير القسري من ترتيبات العيش القائمة، وهناك من ينطلق من حق أوسع في المساواة وعدم التمييز والعيش المستقل. جميع هذه المطالب مشروعة من حيث الأصل، لكن التوازن بينها بالغ الصعوبة.
في التجربة العربية، نعرف هذا النوع من التوترات في ملفات أخرى أيضًا. فعند مناقشة إصلاح التعليم مثلًا، قد يتفق الجميع على حق الطالب في تعليم جيد، لكنهم يختلفون حول المدرسة الحكومية أو الخاصة، وحول لغة التدريس، وحول الإيقاع الزمني للإصلاح. وفي ملف الإسكان، يتفق الناس على الحق في السكن اللائق، ثم يختلفون حول إزالة العشوائيات أو تطويرها أو نقل السكان. المبدأ واحد، لكن أدوات ترجمته قد تخلق صدامًا اجتماعيًا وسياسيًا. وهذا تمامًا ما يحدث في النقاش الكوري حول الإعاقة.
التباين هنا يعود أيضًا إلى اختلاف مواقع المتحدثين. الأسرة التي تخشى على ابنها أو ابنتها من سوء المعاملة داخل مؤسسة سترى الخطر أولاً في الإغلاق والسرية وضعف الرقابة. والجهات العاملة في مؤسسات الرعاية، أو بعض الأسر التي تعتمد عليها، سترى الخطر في الانتقال غير المحسوب إلى بدائل غير جاهزة. أما التحالفات الحقوقية الأوسع فستنظر إلى الصورة من الأعلى، معتبرة أن جوهر المشكلة هو بطء الدولة في تحويل حقوق ذوي الإعاقة إلى سياسة عامة متماسكة.
وهذا يعني أن الخلاف ليس دائمًا بين “الخير” و“الشر”، ولا بين “التقدمي” و“المحافظ” بالمعنى المبسط. أحيانًا يكون بين أوجاع مختلفة، لكل منها وجاهته وذاكرته وتجربته. ولهذا فإن أي تغطية صحافية مسؤولة يجب أن تتجنب اختزال المسألة في ثنائية دعائية. فالمطلوب ليس الانحياز إلى الشعار الأكثر بريقًا، بل فهم ما الذي يخشاه كل طرف، وما الذي يحاول حمايته، وما الذي يعتبره غير قابل للتفاوض.
لكن تبقى هناك حقيقة لا يجوز تمييعها باسم التوازن: لا يحق لأي نظام، مهما كانت فلسفته، أن يقبل بانتهاك الكرامة أو تعريض الأشخاص ذوي الإعاقة للعنف أو إسكات أصواتهم. فإذا كان النقاش مشروعًا حول شكل السياسة الأفضل، فإن الحد الأدنى غير القابل للنقاش هو الحماية من الإساءة، والحق في الشكوى، والحق في الاختيار الحر، والحق في المعلومات، والحق في أن يكون الشخص المعني طرفًا فاعلًا في تقرير مصيره لا موضوعًا للتفاوض بين الآخرين.
ما الذي يمكن أن يتعلمه القارئ العربي من هذه القصة الكورية؟
أول ما تكشفه هذه القصة أن التقدم الاقتصادي لا يحل تلقائيًا المعضلات الاجتماعية والأخلاقية. كوريا الجنوبية دولة متقدمة صناعيًا وتقنيًا، لكن ذلك لم يمنع بروز خلافات حادة بشأن سياسات الإعاقة. وهذا درس مهم لبلدان عربية تراهن أحيانًا على أن النمو أو التحديث العمراني كافيان لتحسين حياة الفئات الأكثر هشاشة. الحقيقة أن العدالة الاجتماعية تحتاج مؤسسات مساءلة مستقلة، وإرادة سياسية، وتخطيطًا طويل النفس، ومشاركة فعلية من أصحاب القضية.
ثانيًا، تبيّن القصة أهمية الانتقال من الخطاب الرمزي إلى السياسات القابلة للقياس. في عالمنا العربي، كثيرًا ما تُعلن استراتيجيات جميلة لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة، لكن التفاصيل العملية تظل ضبابية: كم عدد المساكن المهيأة؟ كم مدرسة دامجة فعلًا؟ ما نسبة الحافلات أو محطات المترو القابلة للوصول؟ كم عدد المساعدين الشخصيين المؤهلين؟ ما آليات الرقابة على دور الرعاية؟ في كوريا، كما يبدو من المشهد الراهن، لم يعد الشارع يكتفي بالكلمات العامة، بل يطالب بإجابات مؤسسية دقيقة.
ثالثًا، تؤكد القصة أن الأسرة شريك أساسي لكن ليس البديل عن الدولة. في مجتمعاتنا العربية، غالبًا ما تتحمل الأسر العبء الأكبر في الرعاية، وتُقدَّم هذه التضحية بوصفها فضيلة اجتماعية. وهي كذلك بالفعل من حيث المعنى الإنساني. لكن تحويلها إلى قاعدة دائمة يعفي المؤسسات العامة من مسؤولياتها. وحين تُنهك الأسرة أو تغيب أو تفتقر إلى الموارد، يظهر الفراغ بكل قسوته. لذلك فإن أي سياسة جادة يجب أن تدعم الأسرة لا أن تتخفى خلفها.
رابعًا، تكشف التجربة الكورية أهمية إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في النقاش. في كثير من الأحيان، تتصدر العائلات أو الجمعيات أو الخبراء أو المؤسسات الكلام نيابة عنهم. لكن المعيار الديمقراطي الحقيقي هو أن يكونوا في قلب القرار. وهذا أمر بالغ الأهمية عربيًا أيضًا، لأن بعض الخطابات العامة ما زالت تتحدث عنهم لا معهم، وتقرر لهم لا بهم، وهو ما يتنافى مع جوهر مقاربة الحقوق.
خامسًا، وربما الأهم، أن هذه القصة تذكرنا بأن الكرامة ليست ملفًا هامشيًا. حين نناقش إمكانية الوصول إلى المواصلات أو التعليم أو العمل، فنحن لا نتحدث عن تحسينات تجميلية، بل عن تعريف من هو المواطن الكامل في نظر الدولة. في تراثنا العربي الحديث، كثيرًا ما ارتبطت فكرة الكرامة بالحرية والعدالة والمشاركة. ويمكن القول إن حقوق ذوي الإعاقة هي أحد أكثر الميادين اختبارًا لصدق هذه الشعارات، لأنها تكشف إن كانت الدولة ترى جميع مواطنيها حقًا، أم أنها ترى بعضهم أكثر من بعض.
بين الرعاية والحرية.. أي طريق أمام كوريا الجنوبية؟
المرجح أن الجدل في كوريا الجنوبية لن يُحسم سريعًا، لأن جوهره يتصل بنموذج اجتماعي كامل لا بإجراء إداري محدود. لكن ما أظهره يوم ذوي الإعاقة في سيول هو أن الصيغة القديمة لم تعد تكفي. لم يعد من الممكن إدارة الملف عبر احتفال رمزي هنا، أو برنامج دعم جزئي هناك، أو تأجيل الخلافات الكبيرة إلى لجان فنية مغلقة. الشارع قال بوضوح إن الوقت حان لإعادة صياغة الأجندة الاجتماعية على أسس أكثر صراحة وعدالة.
هذه الصياغة الجديدة تحتاج، أولاً، إلى تحقيقات مستقلة وشفافة في أي ادعاءات تتعلق بالإساءة داخل المؤسسات، بحيث لا تضيع القضايا بين البيروقراطية وتضارب المصالح. وتحتاج، ثانيًا، إلى معايير واضحة تضمن الحقوق داخل المؤسسات القائمة طالما استمرت، فلا تُترك حياة المقيمين فيها لمستوى متفاوت من الجودة والرقابة. وتحتاج، ثالثًا، إلى استثمار كبير في بدائل العيش في المجتمع المحلي، حتى لا يكون “إنهاء الإيواء المؤسسي” مجرد عنوان متقدم يخفي فراغًا على الأرض. وتحتاج، رابعًا، إلى توسيع تعريف السياسة الخاصة بالإعاقة ليشمل النقل والسكن والتعليم والعمل والتقنية والفضاء الرقمي.
إن ما يجعل هذه اللحظة الكورية مهمة هو أنها تضع الدولة أمام سؤال لا يمكن التهرب منه: هل تريد نموذجًا يكتفي بإدارة الهشاشة، أم نموذجًا يعيد توزيع القدرة على العيش الكريم؟ الفرق بين الاثنين شاسع. الأول يسعى إلى احتواء الأزمة بأقل كلفة ممكنة. أما الثاني فيتطلب إعادة نظر في الأولويات والميزانيات والتشريعات والثقافة العامة. وهذا هو الفارق بين دولة ترعى من هم على الهامش، ودولة تعيد المركز نفسه بحيث يتسع للجميع.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تكون المسافة الجغرافية بعيدة، لكن الفكرة قريبة جدًا. فمعارك الحقوق في عصرنا لم تعد تُقاس فقط بوجود القوانين، بل بقدرة الناس على لمس أثرها في الشارع والبيت والمدرسة ووسائل النقل. وما جرى في سيول يذكّرنا بأن المجتمعات الحية ليست تلك التي تخفي خلافاتها، بل تلك التي تضعها في المجال العام وتناقشها بجدية، مهما كانت مؤلمة. يوم ذوي الإعاقة هناك لم يكن احتفالًا. كان امتحانًا للضمير العام، ورسالة تقول إن المواطنة لا تكتمل ما دام بعض أصحابها ما زالوا مضطرين إلى النزول إلى الشارع، بأجسادهم وأصواتهم، كي يثبتوا أنهم يستحقون ما يجب أن يكون بديهيًا منذ البداية: الحق في الأمان، والاختيار، والكرامة.
0 تعليقات