
عودة كورية إلى المنصة الأكثر حساسية في السينما العالمية
في خبر يتجاوز حدود التغطية الفنية المعتادة، سجّل المخرج الكوري الجنوبي نا هونغ-جين عودة لافتة إلى الواجهة الدولية بعدما دخل فيلمه الجديد «هوب» المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينائي، الذي تنطلق دورته التاسعة والسبعون في الثاني عشر من الشهر المقبل. وعلى الورق قد يبدو الأمر خبراً مهرجانياً تقليدياً: فيلم جديد، مخرج معروف، ومسابقة كبرى. لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن هذه الدعوة تحمل ثقلاً أكبر بكثير، ليس فقط لأنها تعيد اسماً ككوريا الجنوبية إلى أهم ساحة تنافسية في العالم السينمائي، بل لأنها تأتي بعد فجوة مؤلمة عاشتها السينما الكورية خلال العام الماضي، حين غابت تماماً عن أقسام كان الرسمية وغير الرسمية على مستوى الأفلام الروائية الطويلة.
بالنسبة للقارئ العربي الذي تابع خلال العقدين الأخيرين الصعود الكاسح للثقافة الكورية، من الدراما إلى الموسيقى ثم السينما، فإن هذا الخبر يذكّرنا بأن «الموجة الكورية» ليست ماكينة انتصارات متواصلة بلا تعثرات. حتى الصناعات الثقافية التي تبدو في ذروة بريقها تمرّ بمحطات قلق ومراجعة. تماماً كما يحدث في السينما العربية عندما يتحول غياب فيلم من مهرجان مثل كان أو البندقية أو برلين إلى سؤال عن البنية الإنتاجية واتجاهات السوق وخيارات المخرجين، فإن عودة «هوب» اليوم لا تُقرأ بوصفها نجاحاً معزولاً لفيلم واحد، بل بوصفها مؤشراً على أن السينما الكورية استعادت موطئ قدمها في «المركز» بعد عام من الفراغ الثقيل.
واللافت هنا أن آخر حضور كوري في مسابقة كان يعود إلى عام 2022، عندما دخل بارك تشان-ووك بفيلم «قرار بالمغادرة»، إلى جانب «بروكر» للمخرج الياباني هيروكازو كورئيدا، وهو عمل أُنتج من خلال شركة كورية. منذ ذلك الحين، لم يظهر اسم كوري في المسابقة على هذا النحو. في لغة الصحافة الثقافية العربية، نحن لا نتحدث عن مجرد «اختيار» بل عن «استعادة موقع». فالمسابقة الرسمية في كان ليست سجلاً شرفياً، بل ساحة تتحدد فيها خرائط المكانة السينمائية، ومنها تُصنع هالات الجوائز والأسواق والتوزيع والرهانات النقدية في موسم كامل.
لهذا السبب تحديداً، تأتي عودة نا هونغ-جين بعد أربع سنوات كحدث له ما يشبه الطابع الرمزي. إنه اليوم الذي عادت فيه السينما الكورية إلى الطاولة الرئيسية، بعد أن بدت العام الماضي خارج المشهد على نحو أثار كثيراً من النقاش داخل كوريا نفسها. من هنا، يصبح «هوب» أكثر من عنوان فيلم جديد؛ يصبح عنواناً لاستئناف الحضور.
لماذا يلفت «هوب» أنظار كان من الأساس؟
المعلومات المتاحة عن الفيلم لا تزال مقتضبة نسبياً، لكن ما تم الكشف عنه يكفي لفهم سبب الفضول المحيط به. تدور أحداث «هوب» في بلدة مينائية تقع في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، حيث يصل كائن مجهول الهوية لتبدأ سلسلة من الوقائع الغامضة. وهذه الحبكة، في ظاهرها البسيط، تحمل كثافة رمزية وبصرية كبيرة. فالمنطقة المنزوعة السلاح، أو ما يعرف اختصاراً بـDMZ، ليست مجرد موقع جغرافي في الوعي الكوري، بل واحدة من أكثر المساحات توتراً في العالم المعاصر؛ شريط حدودي يفصل بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية منذ نهاية الحرب الكورية، ويختزن في الوقت نفسه معنى الانقسام والخوف والانتظار.
ولمن لا يتابع تفاصيل التاريخ الكوري، يمكن تشبيه هذه المنطقة في المخيال العام بمكان معلّق بين الحرب والسلم، بين الواقع والأسطورة السياسية. إنها مساحة لا تُستدعى في الأعمال الفنية الكورية كخلفية محايدة، بل كحقل شحن نفسي وتاريخي. وعندما تُضاف إلى هذا الفضاء بلدة مينائية، أي مكان مفتوح على البحر والمجهول والعبور، ثم يُزرع في قلبه «كائن مجهول»، فإننا نكون أمام مشروع يراهن على التوتر من أكثر من جهة: توتر سياسي، وتوتر وجودي، وتوتر نوعي أو جمالي.
هذا لا يعني بالطبع القفز إلى تفسيرات مكتملة قبل مشاهدة الفيلم. الصحافة المهنية تقتضي الحذر هنا. لكن المؤكد أن الفرضية الدرامية وحدها تمتلك تلك القوة التي غالباً ما تستفزّ مهرجانات كبرى مثل كان: مكان ثقيل الدلالات، حدث يخرق المألوف، وعالم قابل لأن يتسع من الفيلم النوعي إلى التأمل السياسي أو الإنساني. هذه العناصر تشرح، ولو جزئياً، كيف يجد فيلم مثل «هوب» موقعه داخل مسابقة لا تختار أعمالها على أساس الضجيج التسويقي فقط.
الأهم أن رئيس مهرجان كان، تييري فريمو، قدّم الفيلم بوصفه «فيلم أكشن»، لكنه أضاف أن نوعه يتبدل باستمرار على امتداد أكثر من ساعتين. هذه الملاحظة بالذات تكاد تكون مفتاحاً أولياً لفهم طبيعة المشروع. نحن لسنا أمام فيلم حركة بالمعنى التجاري المباشر، ولا أمام تجربة فنية مغلقة على نفسها، بل أمام عمل يبدو أنه يخلط الطبقات والأساليب ويبدّل إيقاعه ووجهته باستمرار. وفي زمن باتت فيه كثير من الأفلام أسيرة توصيفات تسويقية جاهزة، فإن فيلمًا «يتغير نوعه» خلال عرضه يملك تلقائياً جاذبية خاصة لدى المبرمجين والنقاد.
نا هونغ-جين: مخرج لا يهادن النوع ولا يطمئن إلى القوالب
من يعرف سينما نا هونغ-جين يدرك أن وصوله إلى كان ليس مفاجأة من حيث المبدأ، حتى لو كان التوقيت لافتاً. هذا المخرج صنع سمعته من خلال قدرته على تفكيك الأنواع السينمائية وإعادة تركيبها بطريقة مشحونة بالعنف والارتياب والتوتر الأخلاقي. في أعماله السابقة، لم يكن يقدّم الجريمة كجريمة وحسب، ولا الرعب كرعب صرف، بل كان يمزجها بأسئلة عن المجتمع والخطيئة والسلطة والهشاشة البشرية. ولذلك فإن وصف «هوب» بأنه فيلم أكشن تتبدل أنواعه باستمرار يبدو منسجماً تماماً مع المسار الذي عرفه عنه المتابعون.
هذه المسألة مهمة عربياً أيضاً، لأن جزءاً من متابعة الجمهور العربي للسينما الكورية ارتبط خلال السنوات الماضية بقدرتها على كسر الحدود بين ما هو جماهيري وما هو فني. كثيرون دخلوا إلى السينما الكورية عبر التشويق، ثم وجدوا أنفسهم أمام بنية أكثر تعقيداً من مجرد حبكة سريعة أو صدمة بصرية. في هذا المعنى، يمثّل نا هونغ-جين واحداً من المخرجين الذين جسّدوا تلك السمة بوضوح: مخرج قادر على اجتذاب جمهور واسع، وفي الوقت نفسه على استثارة المهرجانات الكبرى بحسّه الشكلي وتوتره السردي.
وعندما يضع كان فيلماً كهذا في المسابقة، فالأمر لا يتعلق فقط باسم صاحبه، بل أيضاً بنوع السينما التي يريد المهرجان أن يقول إنه ما زال يحتفي بها: سينما لا تخجل من أدوات النوع، لكنها لا تستسلم له. هذا مهم في سياق دولي تشهد فيه الصناعة صراعاً بين نماذج المنصات، والإنتاجات فائقة الاستهلاك، والأفلام التي ما تزال تؤمن بتجربة الشاشة الكبيرة بوصفها مساحة للاختبار الجمالي والدهشة المركبة.
في الصحافة الثقافية العربية، غالباً ما نميل إلى اختزال أخبار المهرجانات في سؤال الجوائز: هل سيفوز الفيلم أم لا؟ لكن ما يستحق الانتباه هنا أن مجرد وجود «هوب» داخل هذه المسابقة يشي بأن السينما الكورية لم تعد تُقرأ فقط من خلال نجاحات سابقة محفوظة في الذاكرة، بل من خلال قدرتها المستمرة على تقديم مخرجين يبتكرون داخل اللغة السينمائية نفسها. وهذا، في العمق، هو الفارق بين صناعة تحقق ضجة عابرة وصناعة رسّخت لنفسها مكانة طويلة الأمد.
من الغياب إلى الاستعادة: ماذا تقول هذه الدعوة عن وضع السينما الكورية؟
أهمية الخبر تتضاعف عندما نضعه في سياق العام الماضي. فغياب أي فيلم روائي كوري طويل عن أقسام كان كافة، الرسمية وغير الرسمية، لم يكن تفصيلاً عابراً في كوريا الجنوبية. هناك، كما في أي بلد يملك صناعة ثقافية تصدّر صورته إلى العالم، يُقرأ حضور المهرجانات بوصفه مقياساً جزئياً للحيوية الفنية والقدرة على التجدد. وعندما يهبط هذا الحضور إلى الصفر، تبدأ الأسئلة: هل تعاني الصناعة من أزمة نصوص؟ هل هناك انكماش تمويلي؟ هل أثرت تحولات المنصات الرقمية على نوعية المشاريع السينمائية؟ هل باتت السينما الكورية تعيد إنتاج وصفاتها الناجحة بدل الذهاب إلى المغامرة؟
لا يمكن لفيلم واحد أن يجيب عن كل هذه الأسئلة، ولا ينبغي للصحفي الجاد أن يبالغ في تقديمه كحل سحري. لكن في المقابل، لا يصح أيضاً التقليل من قيمة ما جرى. فأن تعود كوريا مباشرة إلى المسابقة الرسمية، لا إلى هامش من هوامش المهرجان، مع عمل لمخرج ثقيل الحضور وبمواصفات فنية تبدو طموحة، فهذا يعني أن لحظة الغياب لم تتحول إلى قطيعة ممتدة. في لغة الاقتصاد الثقافي، ثمة قطاعات تحتاج أحياناً إلى «إشارة ثقة» أكثر من حاجتها إلى خطاب إنشائي، ويبدو أن «هوب» يؤدي هذا الدور الآن بالنسبة إلى السينما الكورية.
هذا المشهد يذكّرنا، من زاوية عربية، بمدى الحساسية التي تحيط بمكانة السينما الوطنية في المهرجانات الكبرى. كم مرة تحوّل فوز فيلم عربي أو دخوله المسابقة الرسمية في كان إلى مناسبة للحديث عن «عودة السينما» في هذا البلد أو ذاك؟ وكم مرة صار الغياب مناسبة لفتح دفاتر الأزمة؟ لذلك من السهل أن يفهم القارئ العربي لماذا تتعامل الصحافة الكورية مع هذه الدعوة بوصفها خبراً له بعد صناعي ومعنوي معاً، لا مجرد خبر عن فيلم جديد سيُعرض على السجادة الحمراء.
وإذا كانت الأعوام الأخيرة قد كرّست الصورة العالمية للثقافة الكورية كقوة ناعمة ضاربة، فإن هذه القوة لا تعمل آلياً. نجاح مسلسل أو فرقة غنائية لا يضمن بالضرورة نجاح السينما في المهرجانات، والعكس صحيح. لكل قطاع منطقه الخاص. من هنا، تأتي أهمية «هوب» بوصفه استعادة لتوازن ما داخل صورة كوريا الثقافية الأشمل: تذكير بأن السينما، وهي أحد أقدم أعمدة الموجة الكورية، ما زالت قادرة على العودة إلى واجهة التنافس العالمي.
فيلم كوري بوجوه محلية وعالمية: ماذا تعني التوليفة التمثيلية؟
يزداد الاهتمام بالفيلم مع الكشف عن طاقم تمثيله، الذي يضم أسماء كورية لامعة مثل هوانغ جونغ-مين، وجو إن-سونغ، وجونغ هو-يون، إلى جانب الممثلين العالميين مايكل فاسبندر وأليسيا فيكاندر. هذه التشكيلة لا تعني وحدها أن الإنتاج كبير أو طموح، بل تشير إلى طبيعة مختلفة من المشاريع الكورية التي باتت تتحرك بثقة داخل تقاطع محلي-عالمي. فالفيلم هنا يحتفظ بهويته الكورية الصريحة، من حيث المخرج والفضاء السردي والمرجعية الأساسية، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبوابه على أسماء يعرفها الجمهور الدولي من هوليوود والسينما الأوروبية.
في العالم العربي، اعتدنا أن نرى هذا النوع من التوليفات في الأعمال التي تراهن على السوق الدولية أو على المهرجانات معاً. لكن الفارق في الحالة الكورية أن هذه الشراكات لم تعد تبدو استثنائية أو مصطنعة، بل جزءاً من مسار نضج صناعي. فحين يشارك ممثلون من وزن فاسبندر وفيكاندر في فيلم تدور أحداثه على تخوم المنطقة المنزوعة السلاح في كوريا، فهذا يعني أن المشروع قادر على مخاطبة العالم من داخل خصوصيته، لا عبر التخلي عنها.
أما حضور جونغ هو-يون، المعروفة على نطاق واسع منذ الطفرة العالمية التي حققها «لعبة الحبار»، فيضيف بعداً آخر يتعلق بتقاطع نجومية المنصات مع طموح السينما الفنية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هوانغ جونغ-مين وجو إن-سونغ، وهما من الأسماء التي تحمل وزناً جماهيرياً ونقدياً في آن معاً داخل كوريا. هذه الخلطة قد تمنح «هوب» مرونة نادرة: فيلم يمكن أن يثير اهتمام نقاد كان، وفي الوقت نفسه يستقطب جمهوراً أوسع عند خروجه إلى الصالات والأسواق.
لكن الأهم من الأسماء نفسها هو ما توحي به: أن السينما الكورية لم تعد تُقدَّم إلى العالم من زاوية «الاكتشاف الغريب» أو «الاستثناء الآسيوي»، بل بوصفها صناعة قادرة على إنتاج أعمال ذات هوية واضحة ومخاطبة كونية في آن واحد. وهذا أحد أسرار نجاح الثقافة الكورية عموماً؛ فهي حين تتجه إلى العالم، لا تفعل ذلك عبر إذابة خصوصيتها، بل عبر تعظيمها ثم تقديمها بلغة يمكن أن يعبرها الآخرون.
كان بالنسبة إلى كوريا... وبالنسبة إلينا نحن أيضاً
قد يسأل قارئ عربي: ولماذا يهمنا كل هذا الزخم حول مهرجان أوروبي مثل كان؟ الجواب أن كان، شئنا أم أبينا، ما يزال واحداً من المواقع التي يعاد فيها تعريف «القيمة» في السينما العالمية. ليس لأنه معصوم من النقد أو فوق الحسابات، بل لأن المسابقة الرسمية فيه ما تزال تمتلك قدرة استثنائية على توجيه النقاش النقدي، وجذب المشترين والموزعين، وصنع اللحظة الإعلامية التي تحدد كيف يُستقبل الفيلم في بقية العالم.
بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، يحمل كان معنى إضافياً. فهو ليس فقط منصة لعرض الأفلام، بل مرآة ترى فيها الصناعة نفسها أمام العالم. منذ عقود، شكّل الحضور الكوري في المهرجانات الأوروبية جزءاً من السردية التي دعمت صعود السينما الكورية بوصفها واحدة من أكثر التجارب الوطنية حيوية في آسيا والعالم. وعندما تتعثر هذه السردية لسنة أو سنتين، يظهر القلق سريعاً. لذلك تبدو عودة «هوب» الآن وكأنها استئناف لحوار قديم بين كوريا والمنصات الدولية الكبرى.
أما بالنسبة إلى المتلقي العربي، فإن متابعة هذه التطورات ليست ترفاً. فالثقافة الكورية صارت جزءاً من الاستهلاك اليومي في المنطقة، من الشاشات إلى المنصات إلى الموسيقى. ومع هذا التوسع، تزداد الحاجة إلى قراءة أعمق لا تكتفي بسطح النجومية. خبر «هوب» يقدّم مثالاً جيداً على ذلك: خلف بريق الأسماء والسجادة الحمراء، هناك نقاش عن الصناعة والهوية والقدرة على التجدد. وهذا النوع من القصص هو الذي يفيد القارئ فعلاً، لأنه يشرح كيف تتحول القوة الناعمة إلى عمل مؤسسي وثقافي طويل النفس، لا إلى موجة آنية فحسب.
ومن هذه الزاوية، يبدو نجاح كوريا في الحفاظ على موقعها السينمائي مثيراً للتأمل عربياً أيضاً. فالسؤال الذي يطرحه هذا الخبر بين السطور ليس فقط: هل سيفوز «هوب» بالسعفة الذهبية؟ بل أيضاً: كيف بنت كوريا بيئة تسمح لها بأن تعتبر الغياب لعام واحد أزمة وطنية في قطاع الثقافة، ثم تعتبر العودة إلى المسابقة خبراً كبيراً يستحق هذا الاهتمام؟ هذا سؤال يهم كل من يفكر في مستقبل الصناعات الثقافية العربية.
ما الذي يمكن توقعه من «هوب» في الأسابيع المقبلة؟
حتى الآن، لا تزال المعطيات الرسمية حول الفيلم محدودة، وهذا أمر طبيعي في مرحلة ما قبل العرض الأول. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن «هوب» سيدخل كان محملاً بطبقات متعددة من التوقعات: توقعات مرتبطة باسم نا هونغ-جين، وتوقعات مرتبطة بعودة السينما الكورية إلى المسابقة، وتوقعات نابعة من التوليفة التمثيلية الدولية، وأخرى من الوصف الذي يقدمه كعمل يتبدل نوعه على امتداد زمنه الطويل. كل ذلك يجعل الفيلم واحداً من العناوين التي ستستقطب مراقبة حثيثة من الصحافة والنقاد والأسواق معاً.
من الناحية النقدية، سيُطرح السؤال المعتاد: هل ينجح الفيلم في تحويل فرضيته القوية إلى تجربة متماسكة، أم أن طموحه النوعي قد يجعله يتشعب أكثر مما ينبغي؟ ومن الناحية الصناعية، سيُنظر إلى رد الفعل حوله بوصفه اختباراً لقدرة السينما الكورية على استعادة زخمها في المهرجانات بعد عام الفراغ. أما جماهيرياً، فإن وجود ممثلين ذوي شهرة واسعة قد يمنح الفيلم حياة أبعد من الدوائر النخبوية المعتادة.
لكن بصرف النظر عن النتائج النهائية، يبدو أن «هوب» أنجز بالفعل شيئاً مهماً قبل أن تُمنح أي جائزة: أعاد السينما الكورية إلى قلب الحديث العالمي في لحظة كانت تحتاج فيها إلى إشارة قوية. وهذه، في الحسابات الثقافية الدقيقة، ليست مكسباً صغيراً. فالأفلام الكبرى لا تصنع فقط بالميزانيات والأسماء، بل أيضاً بقدرتها على الوصول في الوقت المناسب إلى اللحظة المناسبة. و«هوب» يصل الآن في لحظة تتقاطع فيها الحاجة الكورية إلى استعادة الحضور مع فضول عالمي متجدد تجاه ما يمكن أن تقدمه كوريا بعد سنوات من التتويج والانتظار.
هكذا، لا تبدو عودة نا هونغ-جين إلى كان مجرد عودة مخرج بفيلم جديد، بل عودة مناخ كامل من الثقة إلى صناعة تعرف أن مكانتها لم تُبنَ من فراغ. وبين بلدة مينائية على تخوم المنطقة المنزوعة السلاح، وكائن مجهول يقتحم السرد، ومساحة تنافسية هي الأشد حساسية في العالم، تفتح «هوب» باباً جديداً أمام السينما الكورية. وقد يكون أهم ما في هذا الباب أنه لا يؤدي فقط إلى صالة عرض في الريفييرا الفرنسية، بل إلى استئناف سؤال أكبر: ماذا بعد؟
0 تعليقات