광고환영

광고문의환영

أوروبا تعود إلى «اقتصاد الترشيد» مع صدمة النفط: من العمل من المنزل إلى دعم النقل والطاقة الشمسية

أوروبا تعود إلى «اقتصاد الترشيد» مع صدمة النفط: من العمل من المنزل إلى دعم النقل والطاقة الشمسية

أوروبا في مواجهة موجة غلاء جديدة عنوانها الطاقة

تتعامل مؤسسات الاتحاد الأوروبي مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناجم عن الحرب المرتبطة بإيران بوصفه أكثر من مجرد تقلب عابر في أسواق النفط والغاز. في بروكسل، تبدو القراءة مختلفة هذه المرة: ما يجري ليس أزمة أسعار فحسب، بل اختبار واسع لقدرة الاقتصادات الأوروبية على حماية الأسر والشركات من صدمة قد تمتد من محطات الوقود إلى فواتير التدفئة، ومن كلفة النقل اليومي إلى تنافسية المصانع. ولهذا السبب، تدرس المفوضية الأوروبية حزمة إجراءات غير معتادة في جمعها بين ما هو يومي وما هو هيكلي: فرض يوم واحد على الأقل من العمل عن بُعد أسبوعياً في القطاعات القابلة لذلك، وتقديم دعم للنقل العام، وخفض ضريبة القيمة المضافة على المضخات الحرارية والألواح الشمسية.

في الظاهر، قد تبدو هذه الأدوات متفرقة. العمل من المنزل يرتبط في أذهان كثيرين بإرث جائحة كورونا، ودعم النقل العام أداة اجتماعية معروفة، أما الحوافز الضريبية للتجهيزات الخضراء فهي جزء من أجندة الانتقال الطاقي التي تتحدث عنها أوروبا منذ سنوات. لكن جمعها في ورقة واحدة يكشف ذهنية مختلفة: بروكسل تريد تقليل الطلب على الطاقة الآن، وفي الوقت نفسه تسريع التحول الذي يجعل الاقتصاد أقل هشاشة أمام صدمات الخارج في السنوات المقبلة.

هذه المقاربة ليست بعيدة عن خبرات يعرفها القارئ العربي أيضاً. ففي كثير من العواصم العربية، يكفي ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب سلاسل الإمداد حتى يشعر المواطن بالأثر سريعاً في النقل والسلع والكهرباء. وقد شهدت دول عربية، كل بطريقتها، كيف يمكن لفاتورة الطاقة أن تتحول إلى قضية معيشية وسياسية في آن واحد، سواء عبر دعم الوقود أو إعادة هيكلة التعرفة أو توسيع الاستثمار في الطاقة الشمسية. الفرق هنا أن أوروبا، التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها قاطرة للتحول الأخضر، تجد نفسها مضطرة إلى العودة أيضاً إلى لغة «إدارة الطلب»؛ أي تقليل الاستهلاك وتعديل السلوك الاقتصادي، لا الاكتفاء بانتظار تحسن جانب العرض.

واللافت أن الرسالة الأوروبية الجديدة لا تقول للمواطن فقط: اصبروا حتى تهدأ الأسواق. بل تحاول أن تقول: غيّروا بعض العادات، وسنحاول نحن أن نجعل البدائل أقل كلفة وأكثر جاذبية. وهذا التحول في الخطاب مهم سياسياً، لأن أي سياسة طاقة لا تراعي الحياة اليومية للناس تتحول سريعاً إلى عبء يصعب الدفاع عنه.

لماذا عاد «ترشيد الطلب» إلى الواجهة؟

عندما ترتفع أسعار النفط بسبب حرب أو توتر جيوسياسي، يكون السؤال التقليدي هو: كيف نزيد الإمدادات؟ لكن الاتحاد الأوروبي يعرف أن قدرته على التأثير الفوري في العرض محدودة، خصوصاً عندما يكون مصدر الصدمة خارج حدوده. لذلك تعود بروكسل إلى ورقة استخدمت بأشكال مختلفة في أزمات سابقة: إدارة الطلب. المقصود هنا ليس التقشف بمعناه السياسي الحاد، بل مجموعة أدوات تهدف إلى خفض الاستهلاك من دون شل النشاط الاقتصادي بالكامل.

هذا التوجه له منطق واضح. إذا كانت الحرب تضغط على الإمدادات فترتفع الأسعار، فإن تقليل الطلب يخفف ولو جزئياً من حدة الارتفاع، أو على الأقل يبطئ انتقاله إلى باقي قطاعات الاقتصاد. كل لتر وقود يتم توفيره في التنقل، وكل كيلوواط/ساعة يتم الاستغناء عنه عبر تجهيز أكثر كفاءة، يعني هامشاً إضافياً للأسر والشركات في مواجهة الفاتورة المرتفعة. ومن هنا، لا تنظر المفوضية الأوروبية إلى يوم العمل من المنزل أو دعم تذكرة القطار والحافلة كإجراءات جانبية، بل كوسائل لتعديل منحنى الطلب على الطاقة.

أوروبا ليست غريبة عن هذا المنطق. بعد أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، لجأت حكومات غربية عدة إلى تدابير تمس سلوك الاستهلاك اليومي، وبرز آنذاك مفهوم الأمن الطاقي باعتباره جزءاً من الأمن الاقتصادي. وبعد الحرب الروسية على أوكرانيا، عادت القارة إلى الحديث عن توفير الطاقة، وخفض التدفئة، وتسريع العزل الحراري، وتقليص الاعتماد على الغاز الروسي. الجديد الآن أن الصدمة تأتي في سياق دولي مثقل أصلاً بالتوترات، ما يعني أن المزاج السياسي الأوروبي بات أكثر استعداداً لتقبل إجراءات تمس نمط الحياة اليومي إذا كان ذلك يخفف الكلفة العامة.

في العالم العربي، قد يقرأ البعض هذه العودة الأوروبية إلى «إدارة الطلب» بشيء من المفارقة، فالقارة التي انتقدت طويلاً سياسات الدعم غير الفعالة في بعض الدول النامية، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى مزيج من التوجيه والتحفيز والدعم لتخفيف الألم الاجتماعي. غير أن المسألة هنا ليست تناقضاً بقدر ما هي اعتراف بأن سوق الطاقة، مهما بدا حراً ومنظماً، لا يعمل في الفراغ، وأن الدولة تعود دائماً عندما تتحول الفاتورة إلى خطر اجتماعي.

العمل من المنزل: من إرث الجائحة إلى أداة طاقة

من بين المقترحات الأكثر لفتاً للانتباه، يظهر فرض يوم واحد على الأقل من العمل عن بُعد أسبوعياً في القطاعات التي تسمح طبيعتها بذلك. خلال الجائحة، كان العمل من المنزل إجراءً صحياً اضطرارياً؛ أما اليوم، فهو يُعاد تقديمه كأداة لخفض استهلاك الوقود والطاقة. هذا التحول في معنى الإجراء بحد ذاته يعكس كيف تغيرت أولويات الحكومات الأوروبية. فالموظف الذي لا يستخدم سيارته أو لا يستقل قطار الضواحي يوماً واحداً في الأسبوع، يخفف الطلب على الوقود والازدحام معاً. والشركة التي تقلل الحضور الكامل إلى المكاتب، قد تخفض أيضاً جزءاً من استهلاكها للكهرباء والتدفئة والتبريد.

لكن أهمية هذا المقترح ليست تقنية فقط، بل رمزية أيضاً. فهو يقول إن أنماط العمل لم تعد شأناً إدارياً يخص الشركات وحدها، بل باتت جزءاً من أدوات السياسة العامة في أوقات الأزمات. وفي مدن أوروبية واسعة الامتداد، حيث يقطع بعض الموظفين مسافات طويلة يومياً بين السكن والعمل، قد يكون الأثر التراكمي ليوم واحد أسبوعياً أكبر مما يبدو لأول وهلة.

مع ذلك، فإن هذا الخيار ليس وصفة سحرية. فهناك قطاعات لا يمكنها ببساطة الانتقال إلى العمل من المنزل: الصناعة، والخدمات اللوجستية، والرعاية الصحية، والتعليم العملي، والخدمات الميدانية. كما أن العدالة بين العاملين ستبقى مسألة حساسة؛ إذ يستفيد موظفو المكاتب بدرجة أكبر من هذا الترتيب، بينما يبقى العاملون في المهن الحضورية خارج هذه المظلة. ومن ثم، قد تضطر الحكومات إلى موازنة هذا الإجراء بسياسات أخرى تخفف الكلفة عن الفئات التي لا تملك رفاهية العمل عن بُعد.

وهنا يبرز بعد آخر قد يكون مفهوماً جيداً لدى القارئ العربي: ليس كل ما هو ممكن تقنياً قابل للتطبيق اجتماعياً بالسهولة نفسها. ففي مجتمعات كثيرة، لا يزال الحضور إلى مقر العمل جزءاً من الثقافة المؤسسية ومعياراً للانضباط والإنتاج. وقد واجهت شركات عربية وأوروبية على السواء هذا الجدل بعد الجائحة. لكن عندما يتحول العمل من المنزل من امتياز وظيفي إلى أداة لخفض الفاتورة الوطنية للطاقة، تتغير طبيعة النقاش، ويصبح السؤال أقل ارتباطاً بـ«المرونة» وأكثر ارتباطاً بـ«المصلحة العامة».

دعم النقل العام: سياسة معيشية بقدر ما هي طاقية

إذا كان العمل من المنزل يمس شريحة محددة من العاملين، فإن دعم النقل العام يذهب مباشرة إلى قلب الحياة اليومية لقطاعات أوسع من السكان. فحين ترتفع أسعار النفط، يكون أول ما يشعر به المواطن هو كلفة التنقل: البنزين، تذاكر القطار، اشتراكات المترو، والحافلات. لذلك يحمل اقتراح تقديم دعم للنقل العام وزناً اجتماعياً وسياسياً خاصاً، لأنه يخاطب الطبقات العاملة والطلاب وذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى في المدن الكبرى.

الفكرة الأوروبية هنا ليست فقط تخفيف العبء عن الناس، بل أيضاً دفعهم إلى التحول من السيارة الخاصة إلى وسائل النقل الجماعي. هذا النوع من السياسات يقوم على مبدأ بسيط: لا يكفي أن تطلب من الناس استهلاكاً أقل، بل عليك أن تجعل البديل أرخص وأسهل. فالسائق الذي يترك سيارته في المنزل إذا وجد المترو أو الحافلة أقل كلفة وأكثر انتظاماً، لا يساهم فقط في خفض إنفاقه الشخصي، بل يشارك أيضاً في تقليل الطلب الوطني على الوقود.

في مدن عربية كثيرة، من القاهرة إلى الدار البيضاء، ومن الرياض إلى الجزائر وتونس، يدرك الناس تماماً كيف يمكن أن تتحول كلفة التنقل إلى عنصر ضاغط في الميزانية الشهرية. ولهذا تبدو المقاربة الأوروبية مفهومة من زاوية عربية أيضاً: السياسة الناجحة ليست تلك التي تلقي عبء الأزمة على المواطن باسم الضرورة، بل تلك التي تعيد تصميم البدائل بحيث يصبح السلوك الأقل كلفة على الدولة أقل كلفة على الفرد كذلك.

سياسياً، يحمل دعم النقل العام معنى إضافياً. فهو يساعد الحكومات على الحفاظ على القبول الاجتماعي لسياسات الطاقة والبيئة. فحين يشعر المواطن بأن التحول الأخضر أو إدارة الأزمة تعني فقط مزيداً من الفواتير والقيود، تتراجع شرعية السياسات مهما كانت أهدافها نبيلة. أما عندما يقترن الخطاب البيئي بدعم ملموس يمس الحياة اليومية، فإن فرص قبوله ترتفع. ومن هنا يمكن فهم لماذا يبدو دعم النقل العام في قلب النقاش الأوروبي: إنه جسر بين الضرورة الاقتصادية والحاجة إلى السلم الاجتماعي.

المضخات الحرارية والألواح الشمسية: ماذا تعني هذه المصطلحات للقارئ العربي؟

ضمن المقترحات التي تدرسها المفوضية الأوروبية، يبرز خفض ضريبة القيمة المضافة على المضخات الحرارية والألواح الشمسية. وقد تبدو هذه المصطلحات تقنية للقارئ غير المتخصص، لكنها في جوهرها تمس سؤالاً بسيطاً: كيف يمكن للبيت أو المبنى أن يستهلك طاقة أقل ويعتمد بدرجة أكبر على مصادر نظيفة ومحلية؟

المضخة الحرارية، ببساطة، جهاز ينقل الحرارة من مصدر إلى آخر بكفاءة عالية، ويمكن استخدامه للتدفئة وأحياناً للتبريد وتسخين المياه. وهي تختلف عن أنظمة التدفئة التقليدية المعتمدة مباشرة على الوقود الأحفوري، لأنها تستفيد من الكهرباء بطريقة أكثر كفاءة لاستخراج الحرارة من الهواء أو الأرض أو المياه. أما الألواح الشمسية فهي معروفة أكثر في منطقتنا العربية، خصوصاً مع اتساع انتشارها في المنازل والمزارع والمنشآت التجارية في بلدان عدة، من المغرب والأردن إلى الإمارات والسعودية ومصر.

خفض الضريبة على هذه التجهيزات يعني تقليل كلفة الشراء والتركيب، أي إزالة جزء من العقبة التي تمنع الأسر والشركات من الاستثمار فيها. وهذا مهم لأن الانتقال الطاقي لا يتحقق بالشعارات، بل بقرارات شراء واستثمار على مستوى المنازل والمباني والمصانع. وعندما ترتفع أسعار الطاقة التقليدية بسبب الحروب، يصبح من الأسهل سياسياً تسويق فكرة أن الاستثمار في التجهيزات الكفؤة ليس ترفاً بيئياً، بل حماية من الصدمات المقبلة.

ومن زاوية عربية، تحمل هذه النقطة أهمية خاصة. فالمنطقة العربية، رغم اختلاف أوضاعها بين الدول المصدرة والمستوردة للطاقة، تمتلك واحدة من أعلى إمكانات الطاقة الشمسية في العالم. ولذلك يراقب كثيرون كيف توظف أوروبا الأزمات لتسريع التحول، لا لتأجيله. وإذا كانت بروكسل ترى في الحرب الحالية سبباً لتخفيف الضرائب على التكنولوجيا النظيفة، فإن الرسالة الأوسع هي أن الأمن الطاقي لم يعد يعني فقط توافر البراميل والأنابيب، بل أيضاً توافر تقنيات تقلل التبعية للأسواق المضطربة.

ما الذي تكشفه الأزمة عن نقاط ضعف الاقتصاد الأوروبي؟

تكشف المناقشات الجارية في بروكسل أن الاقتصاد الأوروبي، رغم تقدمه الصناعي والمؤسسي، لا يزال شديد الحساسية للصدمات الجيوسياسية الخارجية عندما تمر عبر بوابة الطاقة. فالحرب لا تقع داخل أوروبا، لكن أثرها يصل إليها سريعاً عبر الأسعار. وعندما ترتفع أسعار النفط والغاز معاً، لا تتوقف المشكلة عند كلفة الوقود، بل تمتد إلى التدفئة والنقل والإنتاج الصناعي والخدمات اللوجستية وأسعار السلع الاستهلاكية.

هذه الطبيعة المتداخلة للأزمة تجعلها مختلفة عن اضطراب محدود في سوق سلعة واحدة. فالأسر قد تضطر إلى تقليص الإنفاق الاستهلاكي لمواجهة الفواتير المرتفعة، والشركات قد تؤجل الاستثمار أو ترفع الأسعار أو تقلص هوامشها، ما يخلق دائرة من الضغط على النمو والتضخم معاً. لهذا تبدو الأدوات التي تدرسها المفوضية الأوروبية «صغيرة» في شكلها، لكنها في الحقيقة تستهدف مسارات انتقال الصدمة داخل الاقتصاد.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم لماذا لا تركز بروكسل حصراً على جلب المزيد من الإمدادات. فحتى لو نجحت في تهدئة جزء من السوق، يبقى الخطر قائماً إذا ظل نموذج الاستهلاك نفسه هشاً وقابلاً للاهتزاز عند كل أزمة. لذلك تظهر الاستراتيجية الجديدة وكأنها ذات شقين: إطفاء الحريق اليوم، وإعادة بناء البيت بطريقة أقل تعرضاً للاشتعال غداً.

بالنسبة إلى القارئ العربي، ثمة درس واضح في هذا المشهد: حتى الاقتصادات الغنية والمنظمة لا تستطيع عزل نفسها تماماً عن العواصف الجيوسياسية. وما يحدد قدرتها على الصمود ليس حجمها فقط، بل سرعة استجابتها ومرونتها المؤسسية واستعدادها لاتخاذ قرارات قد تكون غير شعبية إذا أحسنت شرحها وتعويض المتضررين منها.

هل تنجح الخطة؟ التحدي الحقيقي في التنفيذ بين دول الاتحاد

يبقى السؤال الأهم: هل يمكن ترجمة هذه الأفكار إلى سياسات فعالة على الأرض؟ هنا تبدأ تعقيدات الاتحاد الأوروبي المعروفة. فالدول الأعضاء تختلف في أنماط العمل، وجودة النقل العام، ومستوى الاعتماد على السيارة الخاصة، وطبيعة المزيج الطاقي، وقدرة الميزانيات الوطنية على تمويل الدعم والتخفيضات الضريبية. ما يصلح في هولندا أو ألمانيا قد لا يطبق بالسهولة نفسها في دول أخرى داخل الاتحاد.

إلزام يوم عمل من المنزل، على سبيل المثال، قد يواجه مقاومة من بعض أرباب العمل أو من قطاعات ترى أنه يربك الإنتاجية أو يضعف الإشراف الإداري. كما أن دعم النقل العام لن يحقق الأثر ذاته إذا كانت البنية التحتية للنقل غير كافية أو إذا كانت الشبكات تعاني أصلاً الاكتظاظ ونقص الاستثمار. أما خفض الضريبة على التجهيزات الخضراء، فيبقى مرهوناً بقدرة الأسر على تحمل الكلفة المتبقية، وبسرعة سلاسل التوريد والتركيب.

ثمة عامل آخر لا يقل أهمية: المزاج السياسي. ففي أوقات التضخم والضيق المعيشي، تصبح الحكومات أكثر حذراً من أي خطوة قد تُقرأ باعتبارها تدخلاً مفرطاً في حياة الناس أو عبئاً جديداً على الشركات. ولذلك سيعتمد نجاح الخطة الأوروبية على كيفية تسويقها للرأي العام: هل ستُقدَّم كحزمة أوامر فوقية، أم كعقد مؤقت بين الدولة والمجتمع لتقاسم عبء الصدمة بطريقة أكثر عدلاً؟

في المنطقة العربية، كثيراً ما تعلمت الحكومات أن السياسة الاقتصادية لا تُقاس فقط بصوابها النظري، بل بقدرتها على بناء الثقة. والأمر نفسه ينطبق على أوروبا. إذا لم يشعر المواطن بأن التضحية المطلوبة منه تقابلها حماية ملموسة لمستوى معيشته، فقد يتحول الدعم الشعبي سريعاً إلى تململ، ثم إلى رفض سياسي أوسع.

ما الذي يعنيه هذا التحول الأوروبي للعالم العربي؟

أهمية هذا الملف بالنسبة إلى القارئ العربي لا تقتصر على متابعة ما يحدث في أوروبا. فأسواق الطاقة مترابطة، وأي اضطراب كبير في الطلب والأسعار والسياسات داخل الاتحاد الأوروبي سينعكس بشكل أو بآخر على الشركاء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سواء كانوا مصدرين للنفط والغاز أو مستوردين لهما أو مستثمرين في مشاريع الطاقة النظيفة.

بالنسبة إلى الدول العربية المصدرة للطاقة، توضح الأزمة مرة أخرى أن الطلب العالمي لم يعد يُدار فقط عبر الإنتاج والأسعار، بل أيضاً عبر سياسات الاستهلاك والكفاءة. وهذا يعني أن أسواق المستقبل ستكون أكثر تعقيداً، لأن المستهلكين الكبار مثل أوروبا لا يردون على الصدمات فقط بشراء المزيد من الإمدادات من مصادر بديلة، بل أيضاً بتغيير سلوكهم وتسريع التحول إلى بدائل أقل اعتماداً على الوقود التقليدي.

أما بالنسبة إلى الدول العربية المستوردة للطاقة، فإن التجربة الأوروبية تعيد طرح سؤال قديم جديد: هل الأفضل مواجهة الاضطرابات العالمية بانتظار هبوط الأسعار، أم بتوسيع أدوات الكفاءة والنقل العام والطاقة الشمسية والعزل الحراري؟ لا يوجد نموذج واحد صالح للجميع، لكن المؤكد أن أزمة اليوم تؤكد مرة أخرى أن سياسات الطاقة الناجحة هي تلك التي تجمع بين الإغاثة الفورية والإصلاح البعيد.

في النهاية، لا تبدو أوروبا وكأنها تبحث فقط عن طريقة لعبور موجة غلاء طارئة، بل عن صيغة جديدة للتكيف مع عالم أصبح أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ. وربما يكون هذا هو جوهر القصة كلها: عندما تصبح الحروب البعيدة قادرة على رفع فاتورة تنقل الموظف وتدفئة منزله، فإن السياسة الاقتصادية لم تعد مسألة أرقام مجردة، بل إدارة يومية للتوازن بين الأمن والمعيشة والبيئة. ومن هذه الزاوية، فإن ما تفعله بروكسل اليوم ليس مجرد رد فعل على حرب، بل محاولة لإعادة تعريف معنى المرونة الاقتصادية في زمن الأزمات المتعددة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات