광고환영

광고문의환영

كوريا الجنوبية تفتح ملف «القيادة تحت تأثير الدواء».. سلامة الطرق بين العلاج المشروع والخطر غير المرئي

كوريا الجنوبية تفتح ملف «القيادة تحت تأثير الدواء».. سلامة الطرق بين العلاج المشروع والخطر غير المرئي

بداية حملة تكشف مشكلة ظلت في الظل

في الوقت الذي اعتاد فيه الرأي العام في كوريا الجنوبية، كما في كثير من دول العالم، النظر إلى القيادة تحت تأثير الكحول باعتبارها الخطر الأكبر على الطرق، بدأت السلطات الكورية هذا الشهر حملة خاصة تحمل دلالة أوسع بكثير من مجرد إجراء أمني عابر: حملة تستهدف ما بات يُعرف هناك بـ«القيادة تحت تأثير الدواء». ووفق ما أوردته وكالة يونهاب، دخلت الشرطة الكورية في 2 أبريل/نيسان 2026 أول حملة خاصة من نوعها ضد هذا النمط من القيادة، في خطوة تعكس تحولا مهما في فهم مفهوم السلامة المرورية، وتقر بأن التهديد على الطريق لا يأتي فقط من زجاجة خمر أو مادة مخدرة غير مشروعة، بل قد يأتي أيضا من حبة دواء يتناولها شخص للعلاج ثم يجلس خلف المقود من دون تقدير كاف لتأثيرها.

اللافت في القضية الكورية أن النقاش لا يتركز فقط على المخدرات المحظورة أو المواد ذات السمعة السيئة اجتماعيا، بل يمتد إلى المهدئات، والمنومات، وبعض أدوية البرد، ومسكنات الألم، والعقاقير التي قد تسبب النعاس أو بطء الاستجابة أو تشوش الرؤية. هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا، لأنها تمس الحياة اليومية لمواطنين عاديين لا يضعون أنفسهم في خانة «المخالفين»، بل في خانة «المرضى» أو «من يتلقون العلاج». ومن هذه الزاوية، تبدو الخطوة الكورية أقرب إلى جرس إنذار اجتماعي منه إلى مجرد تشديد أمني.

وللقارئ العربي، قد يبدو هذا النقاش مألوفا من حيث المبدأ، لكنه أقل حضورا في المجال العام مقارنة بقضايا مثل السرعة أو استخدام الهاتف أثناء القيادة أو القيادة تحت تأثير الكحول والمخدرات. ففي مدن عربية كثيرة، لا يزال الوعي بتأثير الأدوية الشائعة على القدرة على القيادة محدودا، رغم أن العبارات التحذيرية موجودة على نشرات دوائية كثيرة. وبينما تحفظ ذاكرة الناس حملات التوعية التقليدية حول حزام الأمان أو «لا للسرعة»، فإن سؤالا بسيطا مثل «هل يجوز أن أقود بعد تناول هذا الدواء؟» لا يزال نادرا في الثقافة اليومية. هذا بالضبط ما يفسر أهمية ما يحدث في كوريا الجنوبية: إنه ينقل قضية كانت تعيش في الهامش إلى صلب النقاش العام.

في المجتمعات العربية، نعرف جميعا ذلك المشهد اليومي: شخص مصاب بالزكام يتناول دواء من الصيدلية ثم يقود إلى عمله، أو مريض أرق يستخدم دواء يساعده على النوم ثم يضطر صباحا إلى الذهاب مبكرا، أو كبير سنّ يتناول أكثر من علاج لضغط الدم والسكري والآلام المزمنة ويتعامل مع القيادة كعادة يومية لا تحتمل التوقف. هذا التداخل بين العلاج والحياة العملية هو ما يمنح الملف الكوري بُعدا يتجاوز حدوده المحلية، ويجعله جديرا باهتمام القارئ العربي، لا بوصفه خبرا بعيدا، بل بوصفه قضية يمكن أن تتكرر في أي شارع عربي مزدحم.

لماذا تبدو القيادة تحت تأثير الدواء أكثر تعقيدا من القيادة تحت تأثير الكحول؟

السبب الأول أن الكحول، رغم كل ما يحيط به من نقاش اجتماعي وقانوني، يملك معيارا قياسيا نسبيا واضحا: نسبة الكحول في الدم. أما الأدوية والعقاقير، فالمسألة فيها أكثر تشابكا. فالعقار الذي يسبب لشخص نعاسا خفيفا قد يؤدي لدى آخر إلى بطء شديد في رد الفعل أو ضعف في التركيز أو تراجع في القدرة على تقدير المسافات. وتختلف النتيجة باختلاف الجرعة، والعمر، والحالة الصحية، ووقت تناول الدواء، وما إذا كان الشخص يستخدم أدوية أخرى معه، بل وحتى وفقا لمقدار النوم الذي حصل عليه في الليلة السابقة.

هذا يعني أن السلطات الكورية، حين تتحدث عن المعاقبة، لا تنطلق من مجرد ثبوت تناول الدواء، بل من السؤال الأصعب: هل كان السائق في حالة تعجزه فعليا عن القيادة الآمنة؟ هنا يدخل القانون في منطقة رمادية. فلا يكفي في كثير من الحالات أن يقال إن السائق تناول دواء منوما أو مهدئا، بل يجب فحص ما إذا كان قد انحرف عن مساره، أو تأخر في الاستجابة للإشارة، أو أظهر علامات جسدية وسلوكية تدل على اختلال القدرة على التحكم. وبذلك تصبح القرائن الميدانية، وملاحظة رجال الشرطة، والتقارير الطبية، وربما تسجيلات الكاميرات، عناصر أساسية في بناء القضية.

هذا التعقيد القانوني له وجهان. فمن جهة، هو ضمانة مهمة كي لا يتحول الأمر إلى معاقبة الناس فقط لأنهم مرضى أو لأنهم التزموا وصفة طبية. ومن جهة أخرى، هو تعقيد يرفع سقف الإثبات ويجعل التنفيذ أصعب. فبينما يستطيع الشرطي في حالة الكحول الاستناد إلى قياس مباشر يقدمه الجهاز، يظل في حالة الأدوية مضطرا إلى بناء صورة أكثر تركيبا عن حالة السائق في وقت محدد. لذلك تبدو حملة كوريا الجنوبية مهمة ليس لأنها وجدت الحل النهائي، بل لأنها وضعت إصبعها على المشكلة وفتحت بابا عاما لنقاش المعايير.

في العالم العربي، تكمن خطورة هذه النقطة في أن كثيرين يفترضون أن «المسموح طبيا» يعني «الآمن مروريًا»، بينما الحقيقة ليست بهذه البساطة. فالأدوية توصف للعلاج، لا لاختبار قدرة الشخص على القيادة. والنشرة التي تقول إن الدواء قد يسبب النعاس أو الدوار لا تكتب للزينة. لكن، كما هي الحال في كثير من تفاصيل الحياة اليومية، يميل الناس إلى التقليل من المخاطر حين تتداخل مع الضرورات: دوام العمل، توصيل الأبناء، ازدحام المواعيد، أو حتى الاعتقاد الشعبي بأن «المشوار قصير ولن يحدث شيء».

هذا المنطق نفسه هو الذي حاربت به المجتمعات العربية، على مدى سنوات، ثقافة الاستهانة بحزام الأمان أو استخدام الهاتف أثناء القيادة. وما تكشفه التجربة الكورية هو أن القيادة تحت تأثير الدواء تحتاج هي الأخرى إلى معركة وعي طويلة، لا إلى حملة عقوبات فقط.

حين يصبح الدواء اليومي قضية أمن على الطريق

أهم ما في النقاش الكوري أنه كسر الصورة النمطية التي تحصر «القيادة تحت تأثير المواد» في متعاطي المخدرات غير المشروعة. فالمسألة، كما تشير المعطيات، تشمل أيضا الأدوية الموصوفة من الطبيب والأدوية المتاحة في الصيدليات من دون وصفة في بعض الحالات. هناك عقاقير مضادة للحساسية قد تسبب النعاس، وأدوية للبرد قد تُبطئ الاستجابة، ومسكنات قد تؤثر في التركيز، وأدوية للقلق أو الأرق قد تترك أثرها لساعات أطول مما يظن المريض.

هذا يوسع دائرة المسؤولية العامة. لم تعد القضية تخص «الفئة المنحرفة» كما قد يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة مخدرات، بل صارت تمس الموظف، والسائق المهني، وربّة الأسرة، والطالب الجامعي، وكبير السن، وكل من يلتقط وصفة أو علبة دواء ثم يتحرك في مدينة لا ترحم التردد البطيء ولا الانتباه المنخفض. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للخطوة الكورية: إنها تعيد تعريف الخطر المروري باعتباره شأنا صحيا واجتماعيا بقدر ما هو شأناً جنائيا.

ولأن المجتمع الكوري، مثل كثير من المجتمعات الآسيوية، يتقدم في العمر ديموغرافيا، فإن هذا النقاش يكتسب أهمية إضافية. فارتفاع نسبة كبار السن يعني ارتفاعا في عدد من يتناولون أدوية متعددة في الوقت نفسه، وهو ما يرفع احتمال التداخلات الدوائية التي يصعب على الشخص العادي تقدير أثرها بنفسه. هذه المسألة لا تخص كوريا وحدها. ففي دول عربية عدة، تتجه البنية السكانية أيضا نحو زيادة أعداد كبار السن والمرضى بأمراض مزمنة، ما يجعل ملف «تعدد الأدوية» جزءا من يوميات الأسر. وحين يقترن ذلك بالقيادة اليومية، تظهر زاوية جديدة للسلامة العامة قلما تحضر في النقاش الإعلامي العربي.

بل إن أخطر ما في الموضوع هو أنه قد يطال أشخاصا يشعرون بأنهم يتصرفون بمسؤولية كاملة. فالمريض الذي يلتزم بوصفة الطبيب لا يرى نفسه مخالفا. ومن يتناول دواء للحساسية أو الألم قد يعتقد أن تأثيره محدود، خاصة إذا كان قد استخدمه سابقا. لكن الجسم ليس آلة ثابتة؛ فهو يتغير مع العمر، والإجهاد، وقلة النوم، والصيام أحيانا، وتناول مشروبات منبهة، أو استخدام أكثر من دواء في الوقت نفسه. ومن هنا يصبح الاعتماد على «التجربة الشخصية» معيارا مضللا.

يشبه الأمر، بتعبير قريب من الثقافة العربية، من يظن أن تعوده على السهر الطويل يعني أنه قادر دائما على القيادة بأمان. الحقيقة أن التعود لا يلغي الخطر، بل قد يخفيه. والدواء، حتى وإن كان مشروعا، يمكن أن يصبح خطرا إذا أضعف الانتباه أو أبطأ القرار في لحظة تحتاج إلى جزء من الثانية لتجنب اصطدام أو دهس أو انحراف مفاجئ.

حدود الحملة: بين ضرورة الردع وصعوبة الإثبات

الحملات الشرطية، مهما كانت جديتها، لا تنجح بمجرد الإعلان عنها. وهذا ما يبدو واضحا في الحالة الكورية. فالتعامل مع القيادة تحت تأثير الدواء يتطلب أدوات أكثر تعقيدا من تلك المستخدمة في ضبط القيادة تحت تأثير الكحول. فليس من السهل دائما أن يلاحظ الشرطي على الفور أعراضا واضحة، كما أن بعض السائقين قد لا يُظهرون علامات خارجية صارخة رغم تراجع قدرتهم على القيادة. وقد يكون السائق متماسكا في الحوار، لكنه بطيء في الاستجابة أو ضعيف الانتباه في لحظة القيادة نفسها.

ثم تأتي مشكلة الإثبات الزمني. فبعض الأدوية يتبدل أثرها خلال ساعات قليلة، وبعضها يترك آثارا متفاوتة لا تعكس بدقة الحالة وقت القيادة. وبالتالي، فإن بناء ملف قانوني متماسك قد يحتاج إلى إجراءات دقيقة، واستشارات طبية، وتوثيق سلوك السائق ميدانيا، وربما مقارنة بين التوقيت والجرعات والنتائج المحتملة. وإذا لم تُبن هذه المنظومة بإحكام، فقد تتحول الحملة إلى شعار كبير بنتائج محدودة على الأرض.

لكن هذه الصعوبة لا تعني الاستسلام. بل على العكس، ربما تكشف أن الطريق الصحيح يبدأ من بناء معايير مشتركة بين الشرطة والأطباء والنيابة والمحاكم. فالمشكلة ليست فقط في اكتشاف الحالة، بل في توصيفها قانونيا ومجتمعيا على نحو لا يظلم الناس ولا يفرّط في حماية الطريق. وفي هذا السياق، يمكن فهم الحملة الكورية باعتبارها بداية تأسيس، لا نهاية مسار.

في البلدان العربية، نواجه معضلة مشابهة في قضايا أخرى: هناك دائما مسافة بين النص القانوني والتطبيق العملي. ولذلك فإن قيمة التجربة الكورية لا تكمن في إمكانية نسخها حرفيا، بل في الدرس الذي تقدمه: لا يكفي سن العقوبات إذا لم تكن هناك آليات فحص وتدريب ووعي وتعريف واضح لما يشكل خطرا فعليا. فالقانون وحده، من دون ثقافة عامة مساندة، يتحول في أحيان كثيرة إلى نص صعب التنفيذ.

ومن هنا، تبدو الحملة الكورية أشبه بمحاولة لإدخال مفهوم جديد إلى الوعي العام: ليس كل سائق «صاحيا» ظاهريا يكون آمنا فعليا، وليس كل دواء مباح الاستخدام مباحا تلقائيا أثناء القيادة. هذه الفكرة البسيطة، إذا ترسخت، قد تكون أهم من عدد المخالفات التي ستسجلها الشرطة في الأسابيع الأولى من الحملة.

ما الذي يجب أن يعرفه المواطن العادي قبل أن يدير المحرك؟

إذا أردنا تلخيص الرسالة الأساسية للقضية الكورية في عبارة واحدة، فقد تكون: اسأل قبل القيادة، لا بعد وقوع الحادث. فالمبدأ الوقائي هنا بالغ الوضوح. على أي شخص تناول دواء جديدا، أو دواء معروفا بتسببه بالنعاس أو الدوار، أو أكثر من دواء في الوقت نفسه، أن يتوقف لحظة ويسأل نفسه: هل أنا في أفضل حالة للقيادة؟ هذا السؤال، في حد ذاته، قد ينقذ حياة.

وتبدأ الإجابة من مصادر تبدو بديهية لكنها كثيرا ما تُهمَل: قراءة التحذيرات على العبوة أو النشرة الداخلية، سؤال الطبيب أو الصيدلي مباشرة عن تأثير الدواء على القيادة، والانتباه الصادق لما يشعر به الشخص بعد تناوله. فإذا ظهر نعاس، أو تشوش، أو دوار، أو ضعف في التركيز، أو بطء في رد الفعل، فالأصل هو الامتناع عن القيادة واختيار بديل آخر، ولو كان أكثر كلفة أو أقل راحة. فتكلفة سيارة أجرة أو تطبيق نقل أقل بكثير من تكلفة حادث قد يبدد حياة أسرة كاملة.

في الثقافة العربية، كثيرا ما تُقدَّم الشجاعة بصيغة تحمل المشقة: أن تكمل يومك رغم المرض، أو أن «تتحامل» على نفسك. لكن في ملف السلامة المرورية، الشجاعة الحقيقية هي أن تعترف بأنك لست في حالة مناسبة للقيادة. والوعي هنا لا ينتقص من صورة الإنسان أمام نفسه أو أمام محيطه؛ بل يعكس نضجا ومسؤولية. كما نقول في المأثور الشعبي: درهم وقاية خير من قنطار علاج، وهي حكمة تجد في هذا الملف معناها الحرفي.

كما ينبغي الانتباه إلى أن الخطر يتضاعف مع بعض العوامل التي قد لا تبدو مرتبطة مباشرة بالدواء: قلة النوم، والإرهاق، وتناول الكحول، والصيام في بعض الحالات إذا أدى إلى هبوط أو ضعف تركيز، أو القيادة ليلا لمسافات طويلة. هذه العوامل قد تجعل تأثير دواء بسيط أشد مما يبدو نظريا. لذلك فإن النصيحة العملية ليست فقط معرفة اسم الدواء، بل معرفة السياق الذي يُستخدم فيه.

أما السائقون المهنيون، مثل سائقي الحافلات وسيارات الأجرة والشاحنات وخدمات التوصيل، فينبغي أن يكونوا في صلب أي حملة توعية، لأن الخطأ في حالتهم لا يمس شخصا واحدا فقط، بل قد يمس عشرات الركاب أو مستخدمي الطريق. والأمر نفسه ينطبق على من يعملون بنظام الورديات الليلية، إذ يجتمع لديهم الإرهاق مع احتمالات تناول أدوية تساعد على النوم أو تهدئ القلق أو تخفف الألم.

دور الأطباء والصيادلة: من تحذير شكلي إلى إرشاد عملي

من أبرز الدروس التي تطرحها الحالة الكورية أن الشرطة، مهما تشددت، لا تستطيع أن تحل المشكلة وحدها. فالمريض يلتقي الطبيب والصيدلي قبل أن يلتقي الشرطي. ولذلك فإن خط الدفاع الأول ليس الحاجز الأمني، بل غرفة العيادة وشباك الصيدلية. وإذا كانت الرسالة الطبية حول أثر الدواء على القيادة تصل بشكل غامض أو سريع أو روتيني، فإن فرص سوء التقدير ترتفع.

كثير من المرضى في عالمنا العربي يخرجون من العيادة مثقلين بأسماء أدوية وجرعات ومواعيد، من دون أن يتذكروا إلا القليل. وبعضهم يتردد في طرح الأسئلة خشية الإطالة أو الإحراج. هنا تظهر الحاجة إلى لغة مباشرة وعملية: هل هذا الدواء يسبب النعاس؟ كم ساعة ينبغي أن أتجنب القيادة بعدها؟ ماذا يحدث إذا تناولته مع دواء آخر؟ هل يجوز أن أقود في النهار فقط؟ هل هناك بديل أقل تأثيرا إذا كانت طبيعة عملي تعتمد على القيادة؟

هذا النوع من الإرشاد لا ينبغي أن يبقى استثناء. بل يجب أن يصبح جزءا طبيعيا من «ثقافة الوصفة». وفي كوريا الجنوبية، حيث تُناقش القضية الآن على نطاق أوسع، يبرز مطلب تحويل التحذير من مجرد كتابة صغيرة على العبوة إلى رسالة أوضح وأكثر تأثيرا. وهذه فكرة جديرة بالالتقاط عربيا أيضا، لأن كثيرا من المرضى لا يقرأون النشرات أصلا، أو لا يلتفتون إلى العبارات التقنية الدقيقة.

وقد يكون من المفيد، في السياق العربي، التفكير في وسائل بصرية أبسط: رموز واضحة على العلبة، أو تنبيه بارز من الصيدلي، أو رسالة نصية مرافقة للوصفة الرقمية، أو حملات مشتركة بين وزارات الصحة والمرور. فالقضية في جوهرها ليست طبية صرفة ولا مرورية صرفة، بل هي تقاطع بين المجالين. وكلما جرى التعامل معها كرسالة سلامة عامة، زادت فرص نجاحها.

كما أن تخصيص إرشادات لفئات بعينها يبدو ضروريا: كبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة، والسائقون المهنيون، والعاملون ليلا، ومن يتناولون أكثر من علاج في الوقت نفسه. فالتوعية العامة مهمة، لكن التوعية الموجهة أكثر فاعلية حين يتعلق الأمر بسلوكيات يومية متكررة.

هل تقود كوريا الجنوبية نقاشا قد يصل إلى شوارعنا؟

الراجح أن ما يجري في كوريا الجنوبية ليس حدثا محليا معزولا، بل إشارة إلى اتجاه أوسع في سياسات السلامة المرورية الحديثة. فمع تطور أنظمة مراقبة الطرق، وتقدم المجتمعات في العمر، واتساع استخدام الأدوية النفسية والعصبية والمسكنات وعلاجات الحساسية والأرق، يصبح من الطبيعي أن تنتقل الأنظار من الخطر الواضح إلى الخطر الصامت. والكحول، رغم خطورته، خطر بات معروفا شعبيا. أما الدواء، فتكمن خطورته في أنه يدخل الحياة اليومية عبر باب الشرعية والعلاج، ما يجعله أقل إثارة للشك وأكثر قابلية للتطبيع.

بالنسبة للقراء العرب، لا ينبغي التعامل مع الملف على أنه شأن كوري داخلي. بل يمكن قراءته كتنبيه مبكر. فشوارع المنطقة العربية، بما تشهده من زحام وضغوط معيشية وساعات عمل طويلة واعتماد كبير على السيارات الخاصة، ليست بعيدة عن هذا النوع من المخاطر. وإذا كانت حملات المرور العربية ركزت طوال سنوات على السرعة، وعدم ربط الحزام، واستخدام الهاتف، وقيادة القاصرين، فإن الوقت قد يكون مناسبا لإضافة ملف الأدوية المؤثرة على القيادة إلى هذه الأجندة.

المطلوب ليس إثارة الذعر من الدواء، فالأدوية ضرورة علاجية لا غنى عنها، وليس من الصواب تحويل المريض إلى متهم بمجرد أنه يتعالج. المطلوب هو بناء ثقافة تميز بين العلاج المسؤول والقيادة غير المسؤولة. وهذه الثقافة تبدأ من المنزل، وتمر بالعيادة والصيدلية، وتصل إلى حملات الإعلام والمرور والتعليم. فحين يعرف الناس أن بعض الأدوية قد تجعلهم على الطريق في وضع لا يقل خطورة عن الإرهاق الشديد أو التشوش الذهني، يصبح الامتناع المؤقت عن القيادة قرارا عقلانيا لا مبالغة فيه.

وقد يكون هذا هو المغزى الأعمق للحملة الكورية: أنها لا تقول للناس «لا تتعالجوا»، بل تقول لهم «تأكدوا قبل أن تقودوا». وبين الرسالتين مسافة حضارية كبيرة. إنها مسافة بين دولة تكتفي بالعقوبة بعد الكارثة، ودولة تحاول أن تدفع المجتمع إلى الوقاية قبل الحادث. وهذا درس يستحق المتابعة في منطقتنا، حيث ما زالت حوادث الطرق تحصد أعدادا مؤلمة من الأرواح سنويا.

في النهاية، ليس كل خطر على الطريق مرئيا. أحيانا يكون الخطر في عيون نصف مغمضة، أو في استجابة أبطأ من المعتاد، أو في ثقة زائدة سببها أن الدواء «مسموح» و«موصوف» و«مألوف». لكن الطريق لا يتعامل مع النوايا، بل مع النتائج. ومن هنا، فإن أبسط قاعدة يمكن أن نخرج بها من النقاش الكوري هي أيضا أكثرها إنسانية: إذا ساورك الشك في قدرتك على القيادة بعد تناول دواء، فاترك المقود. ففي هذا القرار الصغير، قد تكمن نجاة كبيرة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات