
بين رمزية الإنصات واختبار الحكم
في السياسة، ليست كل مبادرة تحمل عنوانا جذابا قادرة على إحداث أثر حقيقي. وهذا بالضبط ما يجعل برنامج «أوبن مايك» أو «الميكروفون المفتوح» الذي طرحته لجنة الاندماج الوطني التابعة مباشرة للرئاسة في كوريا الجنوبية، حدثا يستحق التوقف عنده أبعد من شكله الاتصالي. فالرسالة المعلنة بسيطة في ظاهرها: الاستماع إلى المواطنين في الميدان وربط أصواتهم مباشرة بالسياسات العامة. لكن المعنى الأعمق أكثر تعقيدا بكثير، لأن القضية هنا لا تتعلق بنقص المنصات أو ضيق مساحة التعبير، بل بما يمكن وصفه بأزمة ثقة متراكمة بين الدولة والمجتمع.
في التاسع من أبريل/نيسان 2026، جاء الإعلان عن هذه الآلية في لحظة سياسية حساسة من عمر إدارة الرئيس لي جيه ميونغ. فالحكومات الجديدة عادة ما تبحث في بداياتها عن أدوات تمنحها شرعية عملية، لا مجرد حضور إعلامي. وفي كوريا الجنوبية، حيث يبلغ عدد السكان أكثر من 51 مليون نسمة، وحيث تتوزع الإدارة المحلية على 17 كيانا إقليميا و226 حكومة محلية، لم يعد ممكنا التعامل مع المجتمع كما لو كان كتلة واحدة ذات مطالب موحدة. الصورة اليوم أقرب إلى فسيفساء اجتماعية واسعة: كبار سن تتزايد نسبتهم بسرعة، شباب يواجهون أزمة سكن وعمل، مناطق خارج سيول تخشى التهميش، وأصحاب أعمال صغيرة يرزحون تحت ضغوط تنافسية ومعيشية قاسية.
من هذه الزاوية، تبدو مبادرة «الميكروفون المفتوح» أشبه باختبار مبكر لطريقة الحكم أكثر من كونها نشاطا بروتوكوليا. فالمطلوب ليس سماع القصص الإنسانية ثم نشرها على صفحات المؤسسات الرسمية، وإنما تحويلها إلى ميزانيات وتعليمات تنفيذية وتعديلات تنظيمية وربما مشاريع قوانين. في العالم العربي نعرف جيدا هذا الفارق بين «الإنصات» كطقس سياسي وبين «الاستجابة» كسياسة عامة. كم من جلسات استماع ومؤتمرات حوارية ووعود بالمشاركة شهدتها عواصم المنطقة، ثم انتهت إلى بيانات أنيقة بلا أثر ملموس في حياة الناس؟ هذا هو السؤال نفسه الذي يواجه التجربة الكورية اليوم، لكن ضمن سياق مؤسساتي مختلف وأكثر تعقيدا.
ولعل ما يضاعف أهمية هذه الخطوة أنها تأتي قبل نحو خمسين يوما فقط من الانتخابات المحلية المقررة في الثالث من يونيو/حزيران. وهنا يلتقي الإداري بالسياسي: هل تريد السلطة فعلا بناء قناة جديدة لالتقاط المشكلات قبل انفجارها، أم أنها تحاول أيضا توسيع قاعدة التأييد إلى ما بعد الجمهور الحزبي الصلب؟ غالبا الأمران معا. غير أن الحكم النهائي لن يصدر على النوايا، بل على قدرة الدولة على أن تثبت أن المواطن الذي يتكلم أمام الميكروفون لن يعود إلى بيته وفي داخله الإحساس المعتاد بأن شيئا لن يتغير.
لماذا صار التواصل المباشر ضرورة لا ترفا؟
المشاركة المدنية ليست مفهوما جديدا في كوريا الجنوبية. خلال العقد الأخير، توسعت أدواتها بشكل لافت: عرائض إلكترونية، جلسات استماع عامة، استطلاعات رأي، منصات شكاوى، ولقاءات تداولية تهدف إلى إشراك المواطنين في النقاش. لكن المفارقة أن هذا التوسع الكمي لم ينعكس بالقدر نفسه على شعور الناس بالقرب من السياسة. بل إن تقييما شائعا داخل المجتمع الكوري يرى أن طرق المشاركة كثرت، بينما تراجعت الثقة في أن هذه المشاركة قادرة فعلا على تعديل أولويات القرار.
السبب لا يبدو غامضا. فالمشاركة في كثير من الأحيان تحولت إلى وسيلة تمنح القرار غطاء رمزيا بعد أن تكون اتجاهاته الكبرى قد حسمت سلفا. المواطن يتحدث، والسلطة تسجل، والإعلام يلتقط الصورة، ثم تمضي البيروقراطية في مسارها المعتاد. هنا يصبح «الاستماع» جزءا من الشرعية الشكلية لا من بنية صنع القرار. وبعبارة أخرى، جرى استخدام المشاركة لإثبات أن الحكومة منفتحة، لا لإثبات أن الحكومة مستعدة لتغيير أولوياتها عندما تكتشف أن الناس يرون المشكلات بطريقة مختلفة.
في كوريا الجنوبية، ازدادت هذه الفجوة مع التحولات الاجتماعية المتسارعة. البلاد دخلت بالفعل مرحلة «المجتمع فائق الشيخوخة»، وهي عبارة قد تبدو تقنية للقارئ العربي لكنها تعني ببساطة أن نسبة من هم فوق 65 عاما تجاوزت 20 في المئة من السكان. هذا التحول ليس تفصيلا ديموغرافيا، بل عامل يعيد رسم الإنفاق العام، وسوق العمل، والخدمات الصحية، وسياسات الرعاية، وحتى شكل المدن والنقل. في المقابل، تواجه الأجيال الشابة تكاليف سكن مرتفعة، وصعوبة في الاستقرار المهني، وشعورا بأن الصعود الاجتماعي بات أكثر تعثرا من السابق.
تضاف إلى ذلك مركزية العاصمة والمناطق المحيطة بها. فسيول الكبرى تستقطب الوظائف والتعليم والاستثمار، بينما تعاني مناطق أخرى من نزيف سكاني وتراجع اقتصادي وضغط على الخدمات الأساسية. هذه الصورة ليست بعيدة تماما عن نقاشات عربية مألوفة حول الفجوة بين العاصمة والأطراف، أو بين المدن الكبرى والداخل، حين تصبح التنمية غير المتوازنة مصدرا دائما للاحتقان. لكن الفارق الكوري أن الدولة تملك أدوات إدارية قوية نسبيا، فيما يظل التحدي في كيفية توجيهها على نحو أكثر استجابة لتفاوتات المجتمع الدقيقة.
من هنا صار التواصل المباشر مع المواطنين جزءا من إدارة الحكم لا مجرد خيار تجميلي. ففي النظام الرئاسي، لا تتحدد قوة الحكومة فقط بعدد المقاعد التي تستطيع حشدها في البرلمان، بل أيضا بمستوى الثقة العامة في قراراتها، خصوصا حين يتعلق الأمر بملفات يمكن تعديلها عبر التعليمات الإدارية، وإعادة توزيع الموازنات، وتنسيق الوزارات، وتفسير اللوائح. لذلك، إذا أرادت السلطة أن تجعل «الميكروفون المفتوح» ذا معنى، فلا بد أن يتحول إلى ما يشبه جهاز إنذار مبكر يلتقط مشكلات المجتمع قبل أن تتضخم إلى أزمات سياسية.
كوريا التي تغيّرت: مجتمع متقدم بمشكلات أكثر تعقيدا
حين يتابع القارئ العربي كوريا الجنوبية، غالبا ما يراها من زاوية الصناعة والتكنولوجيا والدراما والكي-بوب. وهذه صورة صحيحة جزئيا، لكنها لا تكفي لفهم الضغط الداخلي الذي تتحرك تحته السياسة الكورية اليوم. فالدولة التي قدمت نفسها لعقود كنموذج صاعد في التنمية والتصنيع باتت تواجه الآن التحدي الأصعب الذي تعيشه دول متقدمة كثيرة: كيف تدير نجاحها القديم في ظل مجتمع أكثر شيخوخة، وأكثر فردية، وأكثر حساسية تجاه التفاوتات؟
هذا التحدي ينعكس في تفاصيل يومية جدا. فالشاب الكوري الذي يسعى إلى فرصة عمل وسكن معقول في سيول لا ينظر إلى أولويات الدولة بالطريقة نفسها التي ينظر بها متقاعد في مدينة إقليمية يريد مستشفى أقرب وخدمات رعاية أفضل وحافلة لا تتأخر. وصاحب المقهى أو المتجر الصغير الذي يتأثر بأسعار الإيجار والاستهلاك لا يتحدث اللغة نفسها التي يستخدمها موظف في قطاع التكنولوجيا أو عامل في شركة لوجستية. ومع تعدد هذه العوالم الاجتماعية، تفقد الرسائل الوطنية العامة فاعليتها القديمة. لم يعد شعار واسع من نوع «سنحسن معيشة المواطنين» كافيا، لأن السؤال الفوري لدى كل فئة هو: أي مواطنين؟ وأي تحسين؟ وعلى حساب من؟
هنا تظهر أهمية التمييز بين «الجمهور» و«الجماعات ذات المصالح المحددة». فالحكومات كانت تاريخيا تميل إلى مخاطبة المواطن المتوسط، ذلك الكيان النظري الذي يفترض أن له احتياجات عامة متشابهة مع الآخرين. أما اليوم، فالمجتمعات المعقدة تفرض على الحكومات أن تتعامل مع مجموعات ملموسة: سكان أرياف، شباب جامعات، أسر مسنة، عمال توصيل، مربو أطفال، طلاب مدارس مهددة بالدمج أو الإغلاق، وأصحاب مشاريع صغيرة. لهذا فإن الاستماع المباشر ليس مجرد أداء ديمقراطي، بل محاولة للتعامل مع واقع لم يعد يمكن تلخيصه باستطلاع رأي واحد أو خطاب جامع واحد.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن مصطلح «الاندماج الوطني» في السياق الكوري لا يعني بالضرورة المصالحة الوطنية بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن في بعض البلدان العربية الخارجة من نزاعات. المقصود أقرب إلى إدارة التوترات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل مجتمع مستقر مؤسسيا لكنه مثقل بالاستقطاب. أي أن «الوحدة» هنا ليست إزالة الخلاف، بل تنظيمه وضبط كلفته ومنع تحوله إلى شلل سياسي أو انفجار اجتماعي. إنها فكرة إدارية بقدر ما هي أخلاقية.
ومن هذه الزاوية، يصعب النظر إلى «الميكروفون المفتوح» باعتباره فعالية علاقات عامة فقط. إنه محاولة لالتقاط حقيقة مجتمع صار شديد التعدد في مطالبه، شديد الحساسية تجاه العدالة في توزيع الأعباء والمكاسب، وشديد الشك في أي خطاب يكرر كلمة «الشعب» من دون أن يشرح كيف سيتعامل مع اختلاف مصالح الناس داخله.
حدود لجنة الاندماج الوطني: قوة الرمز وضعف التنفيذ
الميزة الأساسية لأي لجنة تابعة للرئاسة مباشرة أنها تستطيع جمع ملفات متفرقة على طاولة واحدة. ملف العمل قد يتقاطع مع النقل، والرعاية مع المالية، والتعليم مع التنمية المحلية. وفي هذا المعنى، تملك لجنة الاندماج الوطني قدرة على تجاوز الجدران التقليدية بين الوزارات، وهي نقطة مهمة في بلد تتشابك فيه الأزمات الاجتماعية على نحو لا يسمح بحلول قطاعية ضيقة. إذا اشتكى المواطن من ضعف المواصلات في منطقة نائية مثلا، فالمسألة ليست مجرد خط حافلات، بل قد ترتبط بكثافة السكان، ودعم الموازنات المحلية، وسياسات اللامركزية، وربما بإتاحة الوصول إلى المستشفيات والمدارس أيضا.
غير أن هذه القوة الرمزية تصطدم سريعا بمحدودية الصلاحيات. فاللجنة الاستشارية لا تملك عادة سلطة إعداد الموازنات، ولا حق تقديم القوانين إلى البرلمان، ولا أجهزة تنفيذ ميدانية خاصة بها. بمعنى آخر، يمكنها أن تسمع وتوصي وتنسق، لكنها تحتاج في النهاية إلى وزارات مثل المالية والداخلية والصحة والأراضي والنقل والتعليم لكي يتحول المقترح إلى سياسة نافذة. وهنا تكمن العقدة التي أطاحت بكثير من الهيئات الاستشارية في دول مختلفة: الناس يذهبون إلى الجهة الأقرب إلى الرئاسة أملا في حل سريع، لكن الحل الحقيقي يظل رهنا بمؤسسات تنفيذية لها أولوياتها وحساباتها وحدودها البيروقراطية.
في التجربة الكورية الراهنة، سيكون السؤال المركزي هو: هل ثمة مسار واضح بعد جلسة الاستماع؟ هل تُصنف المطالب؟ هل تُنشر؟ هل تُحال إلى جهات بعينها ضمن جدول زمني؟ هل يعرف المواطن بعد أسابيع أو أشهر إن كانت شكواه تحولت إلى ملف قيد الدراسة أو رُفضت، ولماذا؟ هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق بين منصة تنفيس ومنصة تأثير. وإذا كان الرأي العام قد ملّ من الوعود العامة، فإن أقل ما يحتاجه اليوم هو قابلية التتبع: أن يرى كيف تتحرك كلمته داخل جهاز الدولة، ومن يملك القرار، وما العقبة، وما الموعد المتوقع للرد.
هذا النوع من التتبع قد يبدو تقنيا، لكنه في الحقيقة جوهر الثقة الحديثة. ففي زمن المنصات الرقمية، لم يعد يكفي أن تقول الحكومة إنها استمعت، بل عليها أن تعرض بيانات عن عدد المقترحات، وطبيعتها، ومناطقها، والجهات التي تسلمتها، ونسبة ما نُفذ أو يجري تنفيذه. إذا كانت السياسة في بدايتها حكاية، فإن الإدارة في نهايتها أرقام ومواعيد ومسؤوليات محددة. ومن دون ذلك، سيكون «الميكروفون المفتوح» مجرد اسم جذاب فوق بنية قديمة لا تغير الكثير.
«الاندماج» ليس شعارا أخلاقيا بل إدارة لتوزيع الخسائر
كلمة «الاندماج» أو «الوحدة» تبدو في الخطابات الرسمية كلمة دافئة ومريحة. لكنها في الواقع، خصوصا في مجتمعات معقدة مثل كوريا الجنوبية، ليست كلمة وجدانية بقدر ما هي مصطلح صعب يتصل بكيفية توزيع الأكلاف والمكاسب بين الفئات. فحين تناقش الدولة إصلاح نظام التقاعد، أو تعديل خريطة الجامعات الإقليمية، أو إعادة تنظيم الخدمات الطبية، أو دعم الطاقة والنقل، فإنها لا توزع الرضا بالتساوي. كل قرار يمنح فئة ما حماية أو منفعة، ويحمل فئة أخرى جزءا من الكلفة.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله أي حكومة هو استخدام خطاب «الوحدة الوطنية» لتغطية نزاعات حقيقية من دون تقديم تصور عادل لكيفية معالجة آثارها. في هذه الحالة يصبح الشعار نفسه مصدرا إضافيا للغضب، لأن الفئات المتضررة تشعر بأن خسارتها تُطلب منها باسم قيمة أخلاقية عامة من دون ضمانات كافية أو تعويضات واضحة. وقد شهدت كوريا الجنوبية في السنوات الماضية نقاشات حادة حول قضايا من هذا النوع، سواء ما تعلق بسوق العمل أو الصحة أو التنمية الإقليمية، حيث تبيّن أن نسبة التأييد العامة لا تعني شيئا إذا كان الأذى مركزا على جماعة بعينها.
في العالم العربي، اعتدنا أيضا رؤية هذا التباين بين التأييد العام والرفض الميداني. قد يوافق كثيرون نظريا على إصلاحات ما، لكن الاحتجاج يبدأ عندما يكتشف المتضررون أن كلفة الانتقال تقع عليهم وحدهم. من هنا، لا يمكن لمبادرة من نوع «الميكروفون المفتوح» أن تنجح إذا اكتفت بجمع الشكاوى وعرضها كدليل على قرب الدولة من الناس. النجاح الحقيقي يتطلب أن تصبح المنصة أداة لتحديد أين تقع بؤر الألم الاجتماعي، وكيف يمكن تخفيفه عبر سياسات مرافقة وتعويضات وجدولة زمنية أكثر واقعية.
ومن الجوانب المهمة هنا أن مثل هذه المبادرة تستطيع، إذا أُحسن استخدامها، أن تكون نظام إنذار مبكر للصراعات. فمشكلات مثل خطوط الحافلات في المناطق قليلة الكثافة، وظروف عمال التوصيل والخدمات اللوجستية، وإغلاق المدارس بسبب تناقص الطلاب، وصعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية، ونقص العمالة الأجنبية في بعض القطاعات، كلها قضايا قد تبدو تفصيلية في البداية. لكنها إذا تُركت من دون معالجة تتحول إلى أزمات سياسية واجتماعية أكبر، وتُستثمر لاحقا في الحملات الانتخابية والاستقطاب الحزبي. لذلك، فإن قيمة الاستماع ليست في الصورة التي يصنعها، بل في كونه يتيح للدولة أن تتحرك قبل أن تصبح الأزمة أغلى كلفة.
الانتخابات المحلية وحسابات الوسط: من يكسب لغة «الحياة اليومية»؟
لا يمكن فصل توقيت الإعلان عن الحسابات الانتخابية. فالانتخابات المحلية في كوريا الجنوبية، مثل كثير من الانتخابات البلدية والإقليمية حول العالم، لا تُحسم فقط بالشعارات الإيديولوجية الكبرى، بل تتأثر بما يلمسه المواطن في يومه العادي: نقل، إسكان، خدمات اجتماعية، اقتصاد محلي، تخطيط عمراني، تعليم، ورعاية. لذلك فإن رفع شعار «الميدان» و«الاندماج» قبل أسابيع من الاقتراع ليس تفصيلا بريئا، بل محاولة لإعادة ضبط نبرة الحكم بحيث تبدو أقل صداما وأكثر التصاقا بمشاغل الناس الملموسة.
هذه اللغة مهمة خصوصا للناخبين المترددين أو غير المنخرطين بصلابة في الولاء الحزبي. فالقواعد الحزبية المتحمسة غالبا ما تكون محسومة سلفا، لكن المعركة تدور عادة حول الفئات الوسطية التي لا تستجيب كثيرا للتعبئة العاطفية وتبحث عن مؤشرات على الكفاءة والقدرة على الحل. ومن المعروف في كوريا الجنوبية، كما في ديمقراطيات عديدة، أن الناخب الوسطي يراقب الأسلوب بقدر ما يراقب المضمون. فإذا بدت الحكومة منشغلة بالصراع فقط، قد تنفر هذه الفئة. أما إذا قدمت نفسها بوصفها سلطة تسمع وتتابع وتنفذ، فقد تكسب جزءا من الثقة حتى لو لم تحل جميع المشكلات دفعة واحدة.
لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر أيضا. فالمعارضة تستطيع بسهولة أن تصف «الميكروفون المفتوح» بأنه عرض سياسي هدفه تخفيف حدة الاستقطاب قبل الانتخابات لا أكثر. وهذا انتقاد يجد ما يدعمه في تجارب سابقة داخل كوريا وخارجها، حيث تحولت برامج المشاركة أحيانا إلى واجهة علاقات عامة أكثر منها آلية مؤسسية. مع ذلك، لا تملك المعارضة ترف الاكتفاء بالنقد. فإذا بالغت في رفض كل مبادرات التواصل المباشر، قد تظهر بمظهر المنفصل عن الحياة اليومية للناس، وهو انطباع مكلف في استحقاق محلي يقوم أصلا على القرب من هموم المواطن.
لهذا، قد نشهد في الأسابيع التالية تنافسا ليس فقط على البرامج، بل على من يملك النموذج الأكثر إقناعا في «السياسة القريبة»: هل تستطيع الحكومة تحويل جلسات الاستماع إلى قرارات قابلة للقياس؟ وهل تستطيع المعارضة أن تقدم نموذجا بديلا للمشاركة لا يكتفي برفض مبادرة السلطة؟ هذا السؤال بالغ الأهمية، لأن مستقبل الفكرة لن تحدده النوايا الحسنة، بل المنافسة على من يبرهن أن السياسة ما زالت قادرة على إصلاح شيء في حياة الناس اليومية.
شروط النجاح الثلاثة: الشفافية والربط المؤسسي والجدول الزمني
إذا أرادت الحكومة الكورية أن تمنح «الميكروفون المفتوح» فرصة حقيقية للنجاح، فثمة ثلاثة شروط تبدو أساسية. أولها الشفافية القائمة على البيانات. الاستماع للمواطنين لا ينبغي أن يبقى فعلا عاطفيا يُروى في التقارير، بل يجب أن يتحول إلى معلومات منشورة: ما نوع المطالب الواردة؟ من أي مناطق؟ ما أكثر القضايا تكرارا؟ كم منها يدخل في اختصاص الحكومة المركزية وكم منها يقع ضمن اختصاص الحكومات المحلية؟ وكم حالة أُحيلت فعليا إلى الوزارات المعنية؟ مثل هذه البيانات لا تعطي صورة أدق فقط، بل تحرر النقاش من الانطباعات وتسمح للمجتمع بمراقبة ما إذا كانت الدولة تعالج المشكلات الحقيقية أم تنتقي منها ما يناسبها إعلاميا.
الشرط الثاني هو الربط المؤسسي. فالمقترحات التي يسمعها المواطنون لا قيمة سياسية لها إذا بقيت حبيسة التقارير. ينبغي وجود آلية رسمية واضحة تربط اللجنة الرئاسية بالوزارات والهيئات المحلية، مع مسؤول اتصال محدد لكل ملف، وصلاحية إلزام الجهات المعنية بالرد خلال مدة معقولة. فالقضية هنا ليست إنتاج توصيات كثيرة، بل خلق مسار عمل تتحرك خلاله المشكلة من الفضاء الخطابي إلى المكاتب التنفيذية. وبغير هذا الربط، ستبقى المبادرة معلقة بين الحسن الرمزي والعجز العملي.
أما الشرط الثالث فهو الجدول الزمني. المواطن لا ينتظر من الدولة معجزات فورية، لكنه يريد أن يعرف متى يسمع الجواب، ومتى يُتخذ القرار، ومتى يبدأ التنفيذ، وما الذي يمكن إنجازه سريعا وما الذي يحتاج وقتا أطول. هذه النقطة شديدة الأهمية في إدارة التوقعات. ففي غياب المواعيد، تتحول الوعود إلى ضباب. أما حين تضع الحكومة جدولا زمنيا ولو متدرجا، فإنها تمنح نفسها أيضا معيارا للمحاسبة. وإذا تعذر التنفيذ، يصبح من الواجب شرح الأسباب بوضوح، سواء كانت تشريعية أو مالية أو تنظيمية.
ومن المفيد إضافة شرط رابع ضمني، وهو ألا تُساوى كل المشكلات ببعضها. فبعض القضايا يمكن حلها إداريا خلال أسابيع، مثل تعديل تعليمات أو تحسين تنسيق بين مؤسسات. وبعضها الآخر يتطلب تمويلا وتشريعا ومفاوضات معقدة. إدارة التوقعات هنا لا تقل أهمية عن الاستجابة ذاتها. فالصدق بشأن حدود القدرة على الحل قد يكون أكثر فائدة من إطلاق وعود واسعة لا يمكن الوفاء بها. في النهاية، الثقة لا تبنى فقط بالإنجاز، بل أيضا بالوضوح.
ما الذي تعنيه التجربة الكورية للقارئ العربي؟
قد يبدو هذا كله شأنا كوريا داخليا محضا، لكن فيه ما يستحق اهتمام القارئ العربي أيضا. فالكثير من المجتمعات العربية تعيش نقاشا مشابها، وإن اختلفت السياقات والقدرات المؤسسية: كيف نجعل المشاركة العامة أكثر من مجرد مناسبة إعلامية؟ كيف نربط شكاوى الناس بالميزانيات والقرارات، لا بالوعود وحدها؟ وكيف نعيد بناء الثقة في وقت بات فيه المواطن أكثر تعليما واتصالا، لكنه أيضا أكثر شكا في اللغة الرسمية؟
التجربة الكورية، إذا نجحت، قد تقدم نموذجا لآلية استماع أكثر نضجا، لا تقوم على إبهار الخطاب بقدر ما تقوم على قابلية التتبع والمساءلة. وإذا فشلت، فستعيد تذكيرنا بالدرس القديم نفسه: لا توجد أزمة في عدد الميكروفونات، بل في المسافة بين الكلام والقرار. في الحالتين، ما يجري في سيول لا يخص الكوريين وحدهم، لأنه يمس سؤالا عالميا أوسع يتعلق بمستقبل الديمقراطية الإجرائية في زمن المجتمعات المعقدة.
حتى الآن، لا يمكن الجزم بمصير «الميكروفون المفتوح». لكن المؤكد أن المبادرة وضعت الحكومة الكورية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل «صوت المواطن» من عنصر تجميلي في المشهد السياسي إلى مدخل فعلي لإعادة ترتيب الأولويات؟ وهل تنجح في إثبات أن الاندماج الوطني ليس خطبة أخلاقية، بل مهارة في إدارة الاختلاف، وتقليل كلفة النزاع، وتوزيع الأعباء بشفافية؟
في النهاية، لا تُقاس قيمة هذه المنصات بعدد الحضور ولا بحرارة التصفيق ولا بعدد المقاطع المنتشرة على وسائل التواصل. معيارها الوحيد هو ما إذا كان المواطن، بعد أن يتكلم، يرى أثرا يلمسه في حافلته ومدرسته ومستشفاه وحيه وفرصته في العمل. هناك فقط يبدأ الاستماع في اكتساب معنى سياسي حقيقي. وهناك أيضا يتقرر ما إذا كانت كوريا الجنوبية بصدد تطوير أداة حكم جديدة، أم مجرد إعادة تدوير لصيغة قديمة بلغة أكثر جاذبية.
0 تعليقات