
شرق الكونغو... مأساة تتكرر حتى تكاد تصبح خبراً عادياً
في زمن تتزاحم فيه العناوين العاجلة من غزة إلى السودان، ومن البحر الأحمر إلى أوكرانيا، تمرّ أحياناً أخبار إفريقية دامية من دون ما تستحقه من انتباه عالمي. لكن الهجوم الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 43 مدنياً في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، على يد جماعة متمردة مرتبطة بتنظيم «الدولة الإسلامية»، ليس مجرد خبر أمني عابر في بقعة بعيدة عن العالم العربي. إنه جرس إنذار جديد يكشف كيف يمكن لانهيار الدولة في الأطراف، وضعف الحماية، وتشابك العنف المحلي بالشبكات العابرة للحدود، أن يحوّل حياة الناس اليومية إلى انتظار دائم للموت.
الصدمة هنا لا تتعلق فقط بعدد الضحايا، على فداحته، بل في كون هذا النوع من المجازر لم يعد استثناء في شرق الكونغو، بل صار جزءاً من واقع متكرر يطبع الإقليم الممتد في مناطق مثل شمال كيفو وإيتوري. والأخطر أن المستهدفين لم يكونوا مقاتلين في جبهة مفتوحة، بل سكاناً في أماكن يفترض أنها تمثل أبسط معاني الأمان الإنساني: منازل، أسواق، أماكن عبادة، ومساحات زراعية يعتاش منها الناس.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو المشهد مألوفاً على نحو مؤلم. ففكرة أن تصبح المدرسة أو السوق أو الطريق الريفي هدفاً مباحاً ليست غريبة عن ذاكرة المنطقة، من العراق وسوريا إلى اليمن وليبيا. والجامع بين هذه التجارب هو أن الجماعات المسلحة لا تسعى دائماً إلى السيطرة الإدارية التقليدية على الأرض، بقدر ما تسعى إلى إثبات أن الدولة عاجزة، وأن الخوف هو السلطة الحقيقية الوحيدة المتبقية. هذا بالضبط ما يجري في شرق الكونغو: إرهاب يومي منظم، يراكم أثره ببطء ويقضم ما تبقى من ثقة الناس في الدولة والمجتمع الدولي معاً.
الحدث الأخير، وفق المعطيات المتداولة، يعكس هشاشةً أمنيةً مزمنة أكثر مما يعكس حادثة منفصلة. فحين يُقتل هذا العدد من المدنيين في هجوم واحد، فإن السؤال لا يعود: من نفّذ؟ بل: كيف أصبحت هذه البيئة كلها قابلة لتكرار الجريمة؟ ولماذا تفشل كل طبقات الحماية، من الجيش المحلي إلى الترتيبات الدولية، في منع المذبحة قبل وقوعها لا في الاكتفاء بإحصاء الضحايا بعدها؟
من هم المهاجمون؟ ولماذا يرفعون راية «الدولة الإسلامية»؟
من المهم هنا توضيح مفهوم قد لا يكون واضحاً لكل القراء. حين يقال إن جماعة متمردة في الكونغو «مرتبطة» بتنظيم «الدولة الإسلامية»، فهذا لا يعني بالضرورة أنها تتلقى يومياً أوامر مباشرة من قيادة مركزية بالطريقة الهرمية التي يتخيلها البعض. في كثير من الحالات، تكون العلاقة مزيجاً من البيعة الرمزية، والتقاطع الأيديولوجي، والاستفادة من العلامة الدعائية للتنظيم، بما يمنح الجماعة المحلية قدرة أكبر على الترهيب وجذب الانتباه والتمويل.
هذا النمط ليس جديداً في تجارب التنظيمات المتطرفة. فقد رأينا في المنطقة العربية كيف تُستخدم الرموز الكبرى والشعارات العابرة للحدود لإضفاء هالة قوة على جماعات محلية تعمل في بيئات هشة. وفي الحالة الكونغولية، يبدو أن هذا الارتباط يمنح المتمردين أكثر من مجرد اسم؛ إنه يضاعف أثرهم النفسي. فالجماعة لا تحتاج إلى احتلال المدن كما تفعل الجيوش النظامية، بل يكفيها أن تزرع القناعة لدى السكان بأن لا أحد قادر على حمايتهم.
تكتيك هذه الجماعات يقوم غالباً على الغارات الخاطفة، والهجمات الليلية، والقتل الانتقامي، وفرض الإتاوات على السكان، وقطع الطرق، ومراقبة الحركة بين القرى. وهي تستفيد من الطبيعة الوعرة، وضعف البنية التحتية، وصعوبة الاتصالات، لتتحرك بسرعة وتختفي بسرعة أكبر. ومن هنا، فإن نجاحها لا يُقاس فقط بعدد القتلى، بل بمدى قدرتها على جعل الحياة الطبيعية مستحيلة.
في هذا السياق، تتحول الدعاية إلى جزء من المعركة. فإشهار الصلة بتنظيم متشدد ذي صيت عالمي لا يخدم فقط خطاباً أيديولوجياً، بل يرفع منسوب الرعب محلياً، ويوصل رسالة مزدوجة: إلى السكان بأنهم في مواجهة عدو لا يعرف حدوداً، وإلى العالم بأن هذه البقعة المهملة قد تتحول إلى ملف أمني دولي إذا استمر تجاهلها. لذلك، فإن فهم طبيعة هذه الجماعات يتطلب الابتعاد عن التبسيط؛ فليست كل الروابط من النوع نفسه، لكن النتيجة واحدة: مجتمع مدني محاصر بين ضعف الدولة ووحشية السلاح.
لماذا يعدّ شرق الكونغو أرضاً خصبة للعنف الطويل؟
الخطأ الشائع في تغطية مثل هذه الأحداث هو اختزالها في بند واحد: «الإرهاب». صحيح أن الهجوم إرهابي من حيث استهدافه المتعمد للمدنيين، لكن شرق الكونغو لا يمكن فهمه فقط بمنظار أمني أو ديني. نحن أمام عقدة معقدة من العوامل: ثروات معدنية هائلة، حدود رخوة، جماعات مسلحة متعددة، تنافس محلي على الأرض والهوية والنفوذ، وضعف مزمن في مؤسسات الدولة.
المنطقة الشرقية من الكونغو الديمقراطية من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب والكوبالت والكولتان، وهي معادن تدخل في صناعات استراتيجية تبدأ من الإلكترونيات الحديثة ولا تنتهي عند بطاريات السيارات الكهربائية. غير أن ما يفترض أن يكون نعمة اقتصادية تحول، عبر عقود، إلى لعنة جيوسياسية. فالسيطرة على المناجم، ومسارات التهريب، ونقاط العبور، تساوي بالنسبة إلى الجماعات المسلحة مصدر تمويل مستداماً يضمن بقاءها حتى من دون اعتراف سياسي أو قاعدة شعبية حقيقية.
وهنا تتضح صورة بالغة القسوة: المدنيون لا يُستهدفون دائماً لأنهم طرف في القتال، بل لأن تهجيرهم من قراهم قد يفتح المجال للسيطرة على أرض أو طريق أو مورد. وفي بعض الأحيان، يصبح بث الذعر وسيلة لإفراغ مناطق بأكملها، وإعادة رسم خرائط النفوذ بالقوة. ومن يعرف تجارب الميليشيات في الإقليم العربي يدرك أن هذه الآلية ليست غريبة؛ فالتهجير القسري غالباً ما يكون الوجه الآخر للصراع على الاقتصاد والسلطة.
إلى جانب الموارد، هناك عامل الحدود. شرق الكونغو يجاور فضاء إقليمياً معقداً في وسط وشرق إفريقيا، حيث تتحرك جماعات مسلحة وشبكات تهريب عبر أكثر من دولة. وحين يكون بإمكان المقاتلين العبور أو الاحتماء أو إعادة التموضع خارج نطاق مطاردة جيش واحد، تصبح الحملات العسكرية التقليدية أقل فاعلية. بل إن القضاء على جماعة بعينها قد يترك فراغاً تملؤه جماعة أخرى، لأن المشكلة ليست في الاسم وحده، بل في البنية التي تسمح بإعادة إنتاج العنف.
ثم هناك ضعف الإدارة المحلية، وغياب الثقة بين السكان وأجهزة الدولة، وتداخل الزعامات الأهلية مع السلاح، والنزاعات على الأرض والموارد بين المكونات الاجتماعية المختلفة. كل ذلك يجعل من العنف نظاماً قائماً بذاته، لا حادثاً طارئاً. ومن هنا، فإن أي قراءة تحصر ما جرى في «عملية إرهابية» فقط تفوّت جوهر المسألة: هذه المجزرة هي ثمرة شجرة قديمة الجذور اسمها انهيار الحكم الرشيد في الأطراف.
حين يفقد المدنيون معنى الحياة اليومية
أشد ما في هذه المأساة قسوة ليس صورة القتل الجماعي فقط، بل ما يليها من تحطم بطيء للحياة. ففي المجتمعات الريفية، كما في كثير من مناطق إفريقيا والشرق الأوسط، الحياة ليست مجرد إقامة في بيت، بل شبكة دقيقة من العلاقات والأنشطة: حقل يزرعه الناس، سوق أسبوعية، مدرسة صغيرة، كنيسة أو مسجد أو مكان اجتماع، طريق ترابي يصل القرية بغيرها. حين يهاجم المسلحون هذه العقد الاجتماعية، فإنهم لا يقتلون أفراداً فحسب، بل يفتكون بإمكانية الاستمرار.
خوف السكان من تكرار الهجمات يدفعهم إلى النزوح، وأحياناً إلى النزوح المتعدد: من قرية إلى أخرى، ثم إلى مركز أكبر، ثم إلى مخيم أو أطراف مدينة لا تحتمل مزيداً من النازحين. ومع كل موجة انتقال، تتآكل القدرة على العمل والإنتاج والتعليم والعلاج. الأطفال يخرجون من المدارس، والمزارعون يعجزون عن الوصول إلى الحقول، والنساء يتحملن العبء الأكبر في تأمين الغذاء والماء والحماية داخل بيئات شديدة الهشاشة.
هذا البعد الإنساني أساسي في فهم ما يحدث. فالخسارة لا تُقاس بعدد القتلى وحده. هناك من فقد مُعيله، ومن أصيب بعاهة دائمة، ومن عاش صدمة نفسية قد تلازمه سنوات، ومن بات ينام وهو يتوقع هجوماً جديداً في أي لحظة. وفي مجتمعات تعاني أصلاً محدودية الخدمات الصحية والنفسية، تتحول هذه الصدمات إلى ندوب جماعية تنتقل عبر الأجيال.
ولعل القارئ العربي يعرف معنى أن يصبح الخبز نفسه مسألة أمنية. حين يتعطل الطريق إلى السوق، وحين يتردد الناس في الذهاب إلى الحقول، وحين تُنهب المواشي وتُقطع سلاسل الإمداد، تظهر أزمة غذاء صامتة قد تكون أفتك على المدى المتوسط من الرصاص. لذلك، فإن المجزرة ليست حدث يوم واحد، بل بداية سلسلة من الارتدادات: نزوح، جوع، أمراض، تفكك اجتماعي، وتجنيد أسهل للشباب الغاضب واليائس.
وفي هذا السياق، يصبح من السهل على الجماعات المسلحة أن تُحكم قبضتها. فالمجتمع المنهك، الذي لا يرى من الدولة سوى بيانات الإدانة بعد كل كارثة، قد يجد نفسه مكرهاً على التكيف مع واقع القوة القائمة، ولو على مضض. وهنا يكمن جوهر «سياسة الخوف» التي تعتمدها هذه التنظيمات: ليس مطلوباً منها أن يحبها الناس، يكفي أن يقتنعوا بأن مقاومتها مكلفة، وأن الدولة أبعد من أن تحميهم.
أين تقف الدولة؟ وأين تقف الأمم المتحدة؟
منذ سنوات طويلة، ظل شرق الكونغو ساحة اختبار صعبة لفكرة حفظ السلام الدولي. فقد انتشرت بعثات أممية في البلاد تحت عناوين حماية المدنيين ودعم الاستقرار، لكن النتائج على الأرض بقيت دون تطلعات السكان. كثيرون في الكونغو نظروا إلى الوجود الدولي بعين الشك، معتبرين أنه لم يمنع المجازر بالقدر الكافي، ولم يفرض استقراراً حقيقياً، واكتفى في أحيان كثيرة بإدارة الأزمة بدل حلها.
غير أن تراجع الثقة في بعثات السلام لا يعني تلقائياً أن الدولة الوطنية باتت قادرة على ملء الفراغ. هذه إحدى المعضلات الكبرى في الملف الكونغولي. فحين يتقلص الحضور الدولي أو يُعاد ترتيب مهامه، تظهر بسرعة فجوات الحماية على الأرض. والجيش الكونغولي، رغم حجمه، يواجه معوقات بنيوية معقدة: ضعف البنية التحتية، صعوبات الإمداد، محدودية الاتصالات، تحديات القيادة والسيطرة، واتهامات بالفساد أو ضعف الانضباط في بعض المناطق.
في اللغة العربية السياسية، يمكن وصف المشهد بأنه أزمة «هيبة دولة» أكثر من مجرد أزمة «قوة دولة». فالناس لا يقيسون السيادة بالبيانات الرسمية، بل بقدرتهم على السفر ليلاً من دون خوف، وعلى إرسال أبنائهم إلى المدارس، وعلى نقل بضائعهم إلى السوق من دون الوقوع في كمين. وإذا بقيت هذه المقاييس اليومية غائبة، فإن إعلان استعادة السيطرة يظل في نظر السكان شعاراً أكثر منه واقعاً.
أما المجتمع الدولي، فهو عالق في معادلة مألوفة: استمرار الانخراط طويل الأمد مكلف سياسياً ومالياً، وتقليص الانخراط قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى. هذا التردد ينعكس مباشرة على المدنيين. فحين لا توجد بدائل محلية متماسكة، يصبح أي انسحاب أو تقليص للدعم بمثابة تعرية إضافية للمجتمعات الواقعة على خطوط التماس.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل فشلت الأمم المتحدة وحدها؟ بل: لماذا لم يجرِ بناء منظومة محلية قادرة على الصمود؟ حماية المدنيين لا تتحقق بالدوريات العسكرية فقط، بل بمنظومة تبدأ بالإنذار المبكر، وتمر بالتواجد الأمني السريع، وتتصل بالقضاء، والمحاسبة، وتعويض الضحايا، واستعادة الثقة بين الدولة والمواطن. ومن دون هذا التكامل، تبقى كل مجزرة مناسبة للتنديد، لا نقطة تحول تمنع المجزرة التالية.
ما الذي تكشفه هذه المجزرة عن حدود المقاربة العسكرية؟
تكرار هذا النوع من الهجمات يثبت أن الحل الأمني الصرف، على ضرورته، لا يكفي. فالجماعات المسلحة في شرق الكونغو لا تعيش فقط من قوتها النارية، بل من بيئة اجتماعية وسياسية واقتصادية مختلة تسمح لها بالبقاء. إذا قُطعت مجموعة في منطقة ما، فإن التمويل يمكن أن يأتي من التهريب أو النهب أو الإتاوات، والتجنيد يمكن أن يستفيد من الفقر أو التهميش أو غياب البدائل، والحركة يمكن أن تتواصل عبر طرق غير رسمية وحدود سائبة.
لذلك، فإن أي استجابة جادة يجب أن تقوم على أكثر من مستوى. أولاً، بناء أنظمة إنذار محلية فعالة، تعتمد على شبكات اتصال مجتمعية موثوقة، بحيث لا يبقى السكان وحدهم في مواجهة هجوم يُكتشف بعد وقوعه. ثانياً، تمكين السلطات المحلية من التنسيق الفوري مع الجيش والشرطة والخدمات الإنسانية. ثالثاً، تجفيف منابع التمويل غير المشروع، خصوصاً تلك المرتبطة بالمعادن والطرق التجارية غير النظامية. رابعاً، تعزيز آليات العدالة والمحاسبة، لأن الإفلات المزمن من العقاب يغري بتكرار الجريمة.
الخبرة العربية تقدم هنا درساً مهماً: عندما تُختزل الأزمة كلها في «مطاردة الإرهابيين»، من دون معالجة المظالم المحلية، والاقتصاد غير الرسمي، والفراغ الإداري، فإن التنظيمات تتراجع شكلياً ثم تعود بأسماء أو تحالفات جديدة. ومنطقة الساحل الإفريقي تقدم نموذجاً إضافياً على ذلك. فالمشكلة ليست فقط في عدد الجنود أو الأسلحة، بل في نوع الدولة التي يراها المواطن في حياته اليومية: دولة تحضر للخدمة والحماية، أم دولة لا تُرى إلا بعد الكارثة؟
كما أن التركيز على البعد العسكري وحده قد يترك المجال مفتوحاً لخطاب متطرف يستثمر مشاعر الغضب والتهميش. فالجماعات المسلحة بارعة في تحويل الإحباط المحلي إلى مادة دعائية. وهي تستغل أي فشل أمني، أو تجاوزات من بعض القوات، أو فساد إداري، لتروّج نفسها بوصفها قوة الأمر الواقع، حتى لو كانت تمارس أبشع الجرائم. ومن هنا، فإن نجاح الدولة لا يُقاس فقط بقتل المهاجمين، بل أيضاً باستعادة الثقة والسردية والشرعية.
لماذا ينبغي للعالم العربي أن يهتم؟
قد يسأل البعض: ما الذي يجعل مأساة في شرق الكونغو تهم القارئ العربي إلى هذه الدرجة؟ الجواب أن ما يجري هناك ليس شأناً إفريقياً معزولاً. أولاً، لأن العالم العربي جزء من فضاء إفريقي وآسيوي واسع يتأثر باضطرابات الممرات والموارد والهجرة والأمن العابر للحدود. وثانياً، لأن تجربة الجماعات المتطرفة ذاتها أثبتت أن إهمال بؤر الهشاشة البعيدة قد يحولها مع الوقت إلى عقد أمنية تتجاوز حدودها الوطنية.
ثم إن في القضية بُعداً أخلاقياً لا يقل أهمية عن البعد الاستراتيجي. فكما يرفض العرب، بحق، أن تُختزل مآسيهم في أرقام، فإن من واجب الإعلام الرصين ألا يحوّل ضحايا إفريقيا إلى هوامش خبرية. هؤلاء بشر لهم أسماء وبيوت وذاكرة، ومأساتهم ليست أقل فداحة لأنها تقع بعيداً عن كاميرات العالم. وفي الثقافة العربية، التي تعلي من قيمة النصرة والنجدة وحماية المستضعفين، لا يجوز أن يبقى الألم انتقائياً، ولا أن تُوزَّع الإنسانية وفق خرائط النفوذ والاهتمام.
كما أن الربط بين الموارد والتكنولوجيا الحديثة يضيف بعداً آخر يهم جمهور المنطقة. فالمعادن التي تُستخرج من بيئات نزاع مثل شرق الكونغو تدخل في الصناعات التي يستخدمها العالم يومياً، من الهواتف إلى السيارات الكهربائية. وهذا يعني أن العنف هناك ليس منفصلاً تماماً عن الاقتصاد العالمي الذي يستهلك المنتجات النهائية. من هنا، فإن المطالبة بالشفافية في سلاسل التوريد، ومساءلة الشركات، ليست ترفاً أخلاقياً، بل جزءاً من مكافحة اقتصاد الحرب.
والأهم من ذلك أن هذه المجزرة تذكّرنا بحقيقة مرة: حين يضعف حضور الدولة العادلة وتتفكك مؤسساتها، يتقدم تجار الخوف ليملأوا الفراغ. هذه ليست قصة كونغولية فقط، بل درس عالمي ترددت أصداؤه في أكثر من بلد عربي. ولذلك فإن متابعة ما يجري هناك هي أيضاً نوع من قراءة المرآة: كيف تنشأ الفوضى، وكيف تتغذى، وكيف تصبح حماية المدنيين الشغل الشاغل لأي مشروع دولة حقيقي.
ما المطلوب الآن؟ ما بعد الإدانة والبيانات
الاستجابة العاجلة ينبغي أن تبدأ بحماية من تبقى من السكان في المناطق المهددة، وتأمين وصول المساعدات الطبية والغذائية، ودعم النزوح الآمن لمن اضطر إلى الفرار. لكن الاستجابة الأعمق يجب أن تتجاوز منطق «إدارة الصدمة» إلى بناء منعٍ حقيقي لتكرارها. وهذا يتطلب من حكومة الكونغو، بدعم إقليمي ودولي، أن تضع المدنيين في قلب السياسة الأمنية لا على هامشها.
عملياً، يعني ذلك إنشاء شبكات إنذار مبكر فعّالة، وتحسين طرق الوصول والاتصالات في المناطق النائية، ومراجعة انتشار القوات بحيث لا يبقى الوجود الأمني شكلياً أو متأخراً عن الحدث. كما يعني تمكين الإدارة المحلية والقضاء، ودعم الزعامات المجتمعية المعتدلة، وتوفير برامج تساعد السكان على الصمود اقتصادياً بدلاً من الانزلاق إلى التبعية للمسلحين أو اقتصاد التهريب.
إقليمياً، لا يمكن معالجة شرق الكونغو بمنطق الحدود المغلقة على الورق والمفتوحة عملياً أمام السلاح والمال والمقاتلين. المطلوب تعاون أمني واستخباراتي ودبلوماسي أكثر جدية بين دول الجوار، إلى جانب رقابة أفضل على شبكات التهريب والتمويل. ودولياً، يحتاج الملف إلى مقاربة أقل موسمية؛ فالتعاطي مع كل مجزرة على أنها حدث منفصل يجعل العالم دائماً متأخراً خطوة عن الكارثة.
وفي نهاية المطاف، فإن الرقم 43 ليس مجرد حصيلة أولية لهجوم دموي. إنه مرآة لخلل أوسع: دولة تكافح لتثبيت حضورها، وجماعات تعرف كيف تستثمر الفراغ، ونظام دولي يتردد بين الانخراط والتراجع. وإذا لم تتغير المعادلة، فقد يأتي خبر جديد بعد أسابيع أو أشهر بعدد أكبر أو أقل من الضحايا، لكن بالمغزى نفسه: أن العالم ما زال يفشل في حماية من يعيشون خارج دائرة الضوء.
ما جرى في شرق الكونغو ينبغي ألا يُقرأ بوصفه مأساة إفريقية بعيدة، بل كقصة معاصرة عن هشاشة الإنسان حين تنهار أسوار الحماية من حوله. وفي زمن تتكاثر فيه بؤر النزاع وتتراجع فيه قدرة المؤسسات الدولية على الردع، تبدو حماية المدنيين الاختبار الحقيقي لصدقية الدولة وضمير العالم معاً. أما ترك القرى تواجه مصيرها وحدها، فليس حياداً، بل شكل آخر من أشكال التخلي.
0 تعليقات