광고환영

광고문의환영

هل تهتزّ المظلّة الأميركية؟ جدل انسحاب واشنطن من الناتو يربك أوروبا ويفتح أسئلة صعبة أمام كوريا الجنوبية

هل تهتزّ المظلّة الأميركية؟ جدل انسحاب واشنطن من الناتو يربك أوروبا ويفتح أسئلة صعبة أمام كوريا الجنوبية

عودة سؤال قديم بصيغة أكثر خطورة

أعاد الحديث المنسوب إلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بشأن «النظر بقوة» في انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي، أو الناتو، فتح أحد أخطر الملفات في السياسة الدولية المعاصرة: ماذا يحدث للنظام الأمني الغربي إذا تراجعت واشنطن عن دورها بوصفها الضامن الأول لأمن أوروبا؟ السؤال ليس نظرياً، ولا يخص الأوروبيين وحدهم. ففي عالم مترابط، يكفي أن تهتزّ الثقة في التزامات القوة الكبرى الأولى حتى تمتدّ الارتدادات إلى أسواق المال، واستراتيجيات التسلح، وتحالفات آسيا، ومنها كوريا الجنوبية التي تعيش تحت مظلة أمنية أميركية في مواجهة بيئة إقليمية شديدة الحساسية.

الناتو، لمن لا يتابع تفاصيل المؤسسات الغربية، ليس مجرد منتدى سياسي أو غرفة اجتماعات دبلوماسية. إنه تحالف عسكري جماعي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ويقوم في جوهره على مبدأ بسيط وخطير في آن: الاعتداء على دولة عضو يُعامل بوصفه اعتداءً على الجميع. هذه هي «المادة الخامسة» الشهيرة، وهي أشبه بعقد ردع جماعي أكثر منها بنداً بروتوكولياً. قوة هذا العقد لم تأتِ من الكلمات وحدها، بل من حقيقة أن الولايات المتحدة كانت، طوال عقود، العمود الفقري لقدرات الحلف العسكرية والاستخباراتية والنووية.

من هنا جاء القلق الأوروبي السريع. فالمسألة ليست تصريحاً انتخابياً عابراً يمكن إدراجه في خانة المزايدات الخطابية المعتادة خلال الحملات الأميركية. ترامب، خلال وجوده في البيت الأبيض، لم يُخفِ ضيقه من فكرة أن بلاده تتحمل، بحسب رؤيته، العبء الأكبر في الدفاع عن قارة ثرية لم ترفع إنفاقها الدفاعي بما يكفي. وهو خطاب يجد صدى لدى تيار أميركي يميل إلى الانكفاء أو على الأقل إلى إعادة تعريف التحالفات بمنطق «الكلفة والعائد» لا بمنطق الالتزام التاريخي المفتوح.

وفي الذاكرة العربية، قد تبدو هذه اللغة مألوفة. فقد اعتادت المنطقة، من الخليج إلى شرق المتوسط، على متابعة كيف تُدار التحالفات الكبرى أحياناً بمنطق المصالح المباشرة لا بمنطق الصداقات الثابتة. لهذا، فإن القارئ العربي يدرك بسهولة أن مجرد التلويح بإعادة النظر في تحالف أمني عريق يمكن أن يربك حسابات العواصم، حتى قبل اتخاذ أي خطوة رسمية. في السياسة الدولية، الشكّ نفسه له ثمن، وأحياناً يكون باهظاً مثل القرار ذاته.

لماذا ترتبك أوروبا؟ المسألة أكبر من خلاف على الفاتورة

كثيرون قد يختزلون الأزمة في عبارة واحدة: خلاف على من يدفع أكثر. لكن القراءة الأدق تقول إن جوهر القلق الأوروبي لا يتعلق بالأموال وحدها، بل بمصداقية الردع. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بُني الأمن الأوروبي على افتراض أن الولايات المتحدة ستبقى حاضرة عند اللحظة الحرجة، لا بالسلاح فقط، بل أيضاً بالقيادة السياسية، والاستخبارات، والقدرة على النقل العسكري، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والمظلة النووية.

صحيح أن دولاً أوروبية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا بدأت في السنوات الأخيرة رفع إنفاقها الدفاعي، خصوصاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية، لكن تحويل هذا الإنفاق إلى بديل فعلي للدور الأميركي ليس مهمة تُنجز بين ليلة وضحاها. فالمسألة هنا تشبه الفارق بين من يملك المال ومن يملك النظام الكامل: قواعد، وقيادة، وخبرة عملياتية، وشبكات إنذار مبكر، وقدرة على التحرك السريع في أكثر من جبهة.

الدول الواقعة على خط التماس النفسي والجغرافي مع روسيا، مثل بولندا ودول البلطيق، تنظر إلى أي إشارة تراجع أميركي بعين أكثر قلقاً من غيرها. هذه الدول لا تتعامل مع روسيا كملف نظري في كتب العلاقات الدولية، بل كجار ثقيل التاريخ، حاضر في الذاكرة السياسية والأمنية على نحو يومي. ولذلك، فإنها لا تقرأ النقاش الأميركي على أنه جدل داخلي فقط، بل على أنه رسالة قد تلتقطها موسكو بدقة.

والأوروبيون يعرفون أن التحالفات لا تقاس فقط بعدد الجنود والطائرات، بل أيضاً بدرجة اليقين السياسي. إذا بدأ الشك يتسرب إلى العواصم بشأن ما إذا كانت واشنطن ستتدخل تلقائياً في حال وقوع أزمة، فإن أثر ذلك يتجاوز الناتو نفسه. عندها ستتغير أولويات الموازنات، وستُعاد كتابة الخطط الدفاعية، وسترتفع الأصوات المطالبة بما تسميه أوروبا منذ سنوات «الاستقلالية الاستراتيجية»؛ أي امتلاك قدرة أكبر على حماية القارة من دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

لكن هذه الاستقلالية، رغم بريقها النظري، تصطدم بعقبات حقيقية. أوروبا ليست دولة واحدة، بل مجموعة دول متفاوتة في التهديدات والإمكانات والاتجاهات السياسية. ما تراه بولندا مسألة وجود، قد تنظر إليه دولة أخرى بصفته ملفاً قابلاً للإدارة. وما تعتبره باريس فرصة لتعزيز القيادة الأوروبية، قد تتحفظ عليه عواصم أخرى تخشى إضعاف الصلة المباشرة مع واشنطن. هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع أوروبا أن تتوحد أمنياً بالقدر نفسه الذي توحدت به اقتصادياً جزئياً؟

ما الذي قد تقرأه موسكو بين السطور؟

في العلاقات الدولية، لا تقتصر أهمية التصريحات على معناها المباشر، بل على الطريقة التي يفسرها بها الخصوم. ومن هذا المنظور، فإن أي حديث أميركي عن مراجعة الالتزام بالناتو يمكن أن يُقرأ في موسكو بوصفه مؤشراً على اتساع الفجوة داخل المعسكر الغربي، أو على الأقل بوصفه فرصة لاختبار درجة التماسك بين ضفتي الأطلسي.

روسيا، خلال السنوات الأخيرة، أظهرت براعة واضحة في استثمار الانقسامات الغربية، سواء عبر الحرب الإعلامية، أو الضغط في ملف الطاقة، أو الهجمات السيبرانية، أو اللعب على تناقضات الداخل السياسي الأوروبي والأميركي. وبعد الحرب في أوكرانيا، اكتسبت هذه الحسابات بعداً أكثر حساسية. فقد انضمت فنلندا والسويد إلى الناتو، وتقدمت دول الشمال والشرق الأوروبي بخطط تسلح كبيرة، لكن هذه الترتيبات كلها قامت على افتراض استمرار اليد الأميركية في قلب المعادلة.

الردع، في جوهره، لا يعني فقط الاستعداد لخوض الحرب، بل منعها من خلال إقناع الطرف الآخر بأن كلفتها ستكون مرتفعة وغير مضمونة. فإذا تراجع اليقين بشأن التدخل الأميركي، فإن ذلك قد لا يؤدي فوراً إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنه قد يشجع على توسيع «المنطقة الرمادية» بين السلم والحرب: مزيد من الاستفزازات السيبرانية، ضغوط على البنية التحتية، حملات تضليل، اختبارات للحدود الجوية والبحرية، واستنزاف سياسي مستمر للأطراف الأضعف.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً بإعلان حرب صريح. أحياناً تبدأ بتآكل الثقة، ثم تتراكم خطوات صغيرة تخلق واقعاً جديداً. أوروبا تخشى تحديداً أن يؤدي الجدل الأميركي إلى تغيير في حسابات الكرملين، لا على مستوى الحرب الشاملة فقط، بل على مستوى قياس مدى استعداد الغرب للتماسك الطويل. وإذا كان الغرب قد أظهر حتى الآن قدرة على دعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً، فإن استمرار هذا الدعم يحتاج دائماً إلى عنصرين: الإرادة السياسية، والوضوح الاستراتيجي. وأي ضبابية أميركية تمسّ هذين العنصرين معاً.

وفي لغة الصحافة العربية، يمكن القول إن ما يجري يشبه لحظة اختبار لهيبة «المظلّة» أكثر من كونه اختباراً لحجم «الترسانة». فالسلاح موجود، والجيوش موجودة، لكن العامل الحاسم هو: هل يقتنع الخصم بأن هذه القوة ستُستخدم حقاً إذا لزم الأمر؟

الانتخابات الأميركية وصعود منطق الصفقات

لا يمكن فصل هذه الضجة عن سياقها الداخلي الأميركي. فالجدل حول الناتو هو، في أحد وجوهه، جزء من صراع أوسع داخل الولايات المتحدة بشأن تعريف المصلحة القومية نفسها. هناك تيار تقليدي يرى أن قيادة التحالفات الدولية تمنح واشنطن نفوذاً لا يعوض، وأن كلفة الحفاظ على شبكة الحلفاء أقل بكثير من كلفة ترك الفراغ لخصوم مثل روسيا والصين. وفي المقابل، يتنامى تيار أكثر تشككاً في جدوى «دفع الفاتورة» عن شركاء قادرين اقتصادياً على تحمل نصيب أكبر من الأعباء.

خطاب ترامب يجد موقعه الطبيعي داخل هذا التيار الثاني. فهو يتحدث بلغة رجل أعمال أكثر من لغة مهندس نظام دولي. الحليف، وفق هذه المقاربة، ينبغي أن يثبت فائدته وأن يدفع ما يكفي لقاء الحماية. هذه اللغة قد تبدو صادمة في الأروقة الدبلوماسية الأوروبية، لكنها ليست بلا جمهور داخل الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل الاستقطاب الحاد، والضغوط الاقتصادية الداخلية، وتصاعد السؤال الشعبي عن جدوى الانخراط الخارجي.

مع ذلك، فإن تحويل خطاب كهذا إلى سياسة تنفيذية كاملة ليس أمراً بسيطاً. فانسحاب الولايات المتحدة من الناتو، إن طُرح جدياً، سيصطدم بعوائق مؤسسية وسياسية وقانونية. الكونغرس له رأيه، ومؤسسات الدفاع والاستخبارات لها حساباتها، والمجمع الصناعي العسكري الأميركي مرتبط بشبكات تحالف وتسليح وقواعد وانتشار لا يمكن إعادة صياغتها بقرار سياسي سريع. ثم إن الوجود الأميركي في أوروبا ليس خدمة مجانية للآخرين فقط، بل جزء من هندسة النفوذ الأميركي العالمي.

لكن، وهنا بيت القصيد، ليس ضرورياً أن يحدث الانسحاب فعلاً كي يقع الأثر. يكفي أن يتكرر الحديث عنه حتى يرتفع منسوب القلق، وتبدأ العواصم بإعادة الحسابات. في عالم المال والسياسة، الثقة تسبق الوقائع. ولهذا تتعامل الأسواق والدبلوماسيات مع مثل هذه الإشارات بكثير من الجدية. فالتحالف الذي يحتاج كل بضعة أشهر إلى تأكيد جديد على بقائه، يصبح بطبيعته أقل صلابة من تحالف لا يثير الشكوك حول وجوده من الأساس.

من هذه الزاوية، يبدو النقاش الأميركي حول الناتو أكثر من مجرد سجال انتخابي. إنه اختبار لمدى استمرار الولايات المتحدة في دورها التقليدي بوصفها «ضامناً» لا مجرد «شريك مشروط». وإذا كانت أوروبا هي الساحة الأولى لهذا الاختبار، فإن آسيا، ولا سيما كوريا الجنوبية واليابان وتايوان، تتابع عن قرب لأن الرسالة قد تتجاوز حدود الأطلسي بكثير.

أوروبا بين إعادة التسلح والاستقلالية المشروطة

أمام هذا المشهد، لا تملك أوروبا ترف الانتظار. السيناريو الأكثر تداولاً داخل القارة يقوم على ثلاثة مسارات متوازية. الأول هو زيادة الإنفاق الدفاعي بوتيرة أسرع، ليس لبلوغ نسبة رمزية من الناتج المحلي فحسب، بل لبناء قدرات فعلية: ذخائر، دفاع جوي، بنية تحتية عسكرية، صناعات تسليح، وقدرة على الاستدامة في حال الحرب الطويلة. لقد أظهرت حرب أوكرانيا أن المخازن الأوروبية ليست عميقة كما كان يُعتقد، وأن الاقتصادات المدنية المتقدمة تحتاج وقتاً كي تتحول إلى منطق التعبئة الأمنية.

المسار الثاني يتمثل في توسيع التعاون الأمني داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه. هنا يكثر الحديث عن الشراء العسكري المشترك، وتوحيد المعايير، وربط الصناعات الدفاعية، وتقليل الازدواجية المكلفة بين الجيوش الوطنية. الفكرة تبدو منطقية، لكن تنفيذها يصطدم دائماً بحساسيات السيادة الوطنية، وبتنافس الشركات والمصالح، وبفوارق الرؤية بين العواصم. أوروبا تعرف جيداً كيف تُنتج البيانات المشتركة، لكنها لا تزال تبحث عن الصيغة التي تحول هذه البيانات إلى قدرة صلبة ومستمرة.

أما المسار الثالث، وهو الأكثر واقعية على المدى القصير، فيقوم على تقوية أوروبا من داخل التحالف لا من خارجه. بمعنى آخر: الاستعداد لاحتمال تذبذب الإرادة الأميركية، من دون القفز إلى قطيعة مع واشنطن. وهذا قد يشمل ترتيبات أطول أمداً للتدريبات المشتركة، وتحسين هياكل القيادة داخل القارة، والنقاش حول دور الردع النووي الأوروبي، ولا سيما الفرنسي والبريطاني، في سد بعض الثغرات النفسية والاستراتيجية.

غير أن التحدي الأصعب يبقى سياسياً لا تقنياً. فإذا أحسّت بعض الدول بأن الولايات المتحدة قد تصبح أقل التزاماً، فقد تسعى إلى علاقات ثنائية خاصة مع واشنطن لحماية نفسها، بدلاً من الرهان على موقف أوروبي جماعي. وحينها يمكن أن يظهر نوع من التنافس داخل البيت الأوروبي نفسه. هذا الاحتمال هو ما يدفع كثيرين في بروكسل وباريس وبرلين إلى التشديد على أن اللحظة الراهنة لا تتطلب فقط مزيداً من المال والسلاح، بل أيضاً مزيداً من الانضباط الاستراتيجي ومنع التصدعات الداخلية.

وللقارئ العربي هنا صورة قريبة: كما أن الجامعة العربية كثيراً ما عانت من فجوة بين الخطاب المشترك والمصالح الوطنية المتباينة، تواجه أوروبا أيضاً معضلة مشابهة، وإن كانت بأدوات ومؤسسات أكثر تطوراً. الفارق أن البيئة الأمنية الأوروبية اليوم لا تسمح بترف الخلاف الطويل، لأن التهديدات تجري بسرعة أعلى من سرعة التوافق السياسي.

لماذا يهمّ هذا كوريا الجنوبية؟ من سيول إلى واشنطن مروراً بأوروبا

في سيول، لا يُنظر إلى النقاش حول الناتو بوصفه شأناً أوروبياً بعيداً. كوريا الجنوبية تعتمد، مثل عدد من حلفاء واشنطن، على التحالف مع الولايات المتحدة باعتباره حجر الزاوية في ردع كوريا الشمالية والحفاظ على توازن القوى في شرق آسيا. ولهذا، فإن أي إشارة إلى أن التحالفات الأميركية قد تصبح أكثر مشروطية أو أكثر خضوعاً لمعادلات الكلفة والربح، تُقرأ في كوريا الجنوبية بعناية كبيرة.

صحيح أن وضع شبه الجزيرة الكورية يختلف جذرياً عن أوروبا. فهناك تهديد مباشر من الشمال، ووجود عسكري أميركي ثابت، وتنسيق دفاعي يومي، فضلًا عن ارتباط المسألة الكورية بالصين واليابان والردع النووي. لكن القاعدة النفسية واحدة: ما قيمة الضمان الأمني إذا أصبح محل تفاوض سياسي متكرر؟ وما الذي يجب على الحليف فعله كي يحافظ على ثقة الرأي العام الأميركي والنخب الحاكمة في واشنطن؟

من هنا، قد يدفع الجدل الحالي سيول إلى تعميق مسارين متوازيين. الأول هو تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية بوتيرة أكبر، سواء في مجالات الصواريخ والدفاع الجوي والبحري أو في الصناعات العسكرية التي حققت فيها كوريا الجنوبية تقدماً لافتاً خلال السنوات الأخيرة. والثاني هو توسيع شبكة الشراكات الدبلوماسية والأمنية مع أطراف أخرى، بما في ذلك أوروبا وحلفاء آسيا، لتقليل الاعتماد النفسي على سيناريو واحد.

كما أن كوريا الجنوبية قد تجد نفسها معنية بما يحدث في أوروبا لأسباب اقتصادية وصناعية أيضاً. فتصاعد القلق الأوروبي يدفع كثيراً من الدول إلى التوسع في شراء الأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع، وكوريا الجنوبية أصبحت لاعباً مهماً في هذا السوق. وخلال الأعوام الأخيرة، عززت سيول حضورها في صناعات الدفاع العالمية، مستفيدة من قدرتها على الإنتاج السريع والتكنولوجيا المقبولة والأسعار التنافسية. وبالتالي فإن التحول الأوروبي نحو إعادة التسلح لا يقتصر على كونه خبراً أمنياً، بل يحمل أبعاداً صناعية وتجارية لكوريا كذلك.

على الصعيد الدبلوماسي الأوسع، يفرض هذا التطور على سيول التفكير في مكانتها داخل منظومة التحالفات الأميركية العالمية. فإذا أصبحت واشنطن تطلب من حلفائها مساهمات أكبر وشروطاً أكثر وضوحاً، فإن كوريا الجنوبية ستحتاج إلى صياغة خطاب سياسي يبرز قيمتها الاستراتيجية لا بوصفها «مستفيدة» من الحماية فقط، بل بوصفها شريكاً قادراً على الإسهام في أمن المنطقة وفي استقرار سلاسل الإمداد والتكنولوجيا العالمية.

ما الذي يعنيه ذلك للعالم العربي؟

قد يسأل القارئ العربي: لماذا ينبغي لنا أن نتابع هذا الجدل بكل هذه الدقة؟ الجواب أن أي تغير في بنية التحالفات الغربية ينعكس، عاجلاً أو آجلاً، على خريطة الأولويات الدولية. إذا انشغلت أوروبا بتعزيز دفاعاتها، وإذا باتت واشنطن أكثر تردداً في التزاماتها الخارجية أو أكثر انتقائية فيها، فإن ذلك سيؤثر على توزيع الموارد والانتباه السياسي، وعلى أسواق الطاقة والسلاح، وعلى حسابات القوى الكبرى تجاه الشرق الأوسط أيضاً.

العالم العربي خبرَ طويلاً معنى أن تتغير أولويات واشنطن بين إدارة وأخرى، ومعنى أن تُعاد صياغة الالتزامات تحت ضغط الداخل الأميركي. لذلك، فإن متابعة ما يحدث بين واشنطن والناتو ليست ترفاً تحليلياً، بل قراءة مبكرة لاتجاه أوسع: هل نحن أمام أميركا أكثر حذراً في التزاماتها الخارجية، أم أمام أميركا تعيد فقط تسعير تحالفاتها من دون الانسحاب منها؟

في الحالتين، النتيجة واحدة بالنسبة لكثير من العواصم: الحاجة إلى بناء هامش أوسع من الاعتماد على الذات، وعدم الإفراط في الاطمئنان إلى الثوابت القديمة. وهذه قاعدة تعرفها المنطقة جيداً، سواء في الأمن أو الاقتصاد أو حتى في الغذاء والطاقة. العالم يتجه إلى زمن ترتفع فيه قيمة المرونة الاستراتيجية، لا الاكتفاء بالرهان على الضمانات التقليدية.

من هذه الزاوية، يبدو الجدل حول الناتو جزءاً من قصة أكبر: تراجع اليقين في النظام الدولي. لم يعد السؤال: من هو الحليف ومن هو الخصم فقط، بل أصبح أيضاً: إلى أي مدى يمكن الوثوق باستمرار التزامات الحليف تحت ضغط السياسة الداخلية؟ هذا السؤال، وإن خرج من بروكسل وواشنطن، يطرق أبواب سيول وطوكيو والعواصم العربية معاً.

بين الاحتمال والواقع: أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة مؤسسات

حتى الآن، لا يوجد ما يؤكد بدء إجراءات رسمية لخروج الولايات المتحدة من الناتو، ولا يمكن الجزم بأن هذا السيناريو سيتحول إلى سياسة نافذة. غير أن الاستخفاف بالضجة القائمة سيكون خطأً في القراءة. ففي شؤون التحالفات، يكفي أن تظهر إمكانية التراجع حتى تبدأ كلفة الشك بالتراكم. أوروبا تشعر بذلك لأنها تواجه حرباً على حدودها الشرقية. وكوريا الجنوبية تشعر به لأنها تعيش في إقليم لا يقل توتراً. والعالم العربي يراقب لأنه يعرف أن الارتباك في المراكز الكبرى لا يبقى محصوراً داخلها.

اللافت أن هذه اللحظة تكشف حدود القوة الصلبة حين لا تسندها قوة معنوية هي «الثقة». قد تملك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم، لكن حلفاءها يريدون قبل كل شيء معرفة ما إذا كانت الإرادة السياسية لا تزال ثابتة. وقد تمتلك أوروبا المال والتكنولوجيا، لكنها تحتاج إلى وقت لتبني استقلالاً دفاعياً حقيقياً. وقد تطور كوريا الجنوبية صناعاتها العسكرية وتحالفاتها، لكنها ستظل تتابع أي تبدل في المزاج الأميركي لأنه يمسّ جوهر توازن الردع في شرق آسيا.

في المحصلة، القضية ليست مجرد احتمال انسحاب من حلف عسكري. إنها مرآة لتحول أعمق في الطريقة التي تُفهم بها التحالفات في القرن الحادي والعشرين: أقل رومانسية، أكثر حسابية، وأشد عرضة لاهتزازات السياسة الداخلية. وبينما ينشغل الأميركيون بانتخاباتهم، يحاول الأوروبيون تحصين قارتهم، وتعيد كوريا الجنوبية قراءة خرائطها الاستراتيجية، يزداد وضوح حقيقة واحدة: زمن المسلمات الأمنية الطويلة يقترب من نهايته، أو على الأقل من إعادة التفاوض عليها.

وهذا ما يجعل النقاش الراهن مهماً إلى هذا الحد. فهو لا يخص الناتو وحده، بل يخص شكل العالم الذي يتكون أمامنا؛ عالم تتراجع فيه الطمأنينة، وتزداد فيه قيمة الاستعداد، ويصبح فيه السؤال عن «من سيقف مع من عند ساعة الاختبار» أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات