광고환영

광고문의환영

بعد 16 عاماً من الغياب.. «ديب بيربل» تعود إلى كوريا وتثبت أن أسطورة الروك لا تعيش في الأرشيف بل على المسرح

بعد 16 عاماً من الغياب.. «ديب بيربل» تعود إلى كوريا وتثبت أن أسطورة الروك لا تعيش في الأرشيف بل على المسرح

حفلة تتجاوز الحنين وتعيد تعريف معنى «الأسطورة»

في زمنٍ أصبحت فيه صناعة الموسيقى العالمية أسيرة الأرقام السريعة، من نسب المشاهدة إلى ترتيب القوائم الرقمية ومنطق «الترند» الذي يشتعل وينطفئ في أيام قليلة، جاءت عودة فرقة الروك البريطانية العريقة «ديب بيربل» إلى كوريا الجنوبية بعد انقطاع دام 16 عاماً لتذكّر الجميع بأن هناك نوعاً آخر من القيمة الفنية لا يُقاس بالمنصات وحدها. ففي 18 أبريل، وعلى مسرح «كلتشر بارك» في بارادايس سيتي بجزيرة يونغجونغ في مدينة إنشيون، لم يكن الجمهور الكوري أمام عرض موسيقي عابر أو مناسبة نوستالجية تستدعي ذكريات قديمة فحسب، بل أمام لحظة حيّة تؤكد أن الأغنية التي وُلدت قبل عقود قادرة على أن تتنفس في الحاضر بقوة لا تقل عن أغنيات اليوم.

وبحسب ما أظهرته أجواء الحفل وردود الفعل الميدانية، فإن اللحظة المفصلية جاءت عندما قاد المغني المخضرم إيان غيلان، البالغ من العمر 81 عاماً، الجمهور إلى غناء جماعي واسع لأغنيتهم الأشهر «Smoke on the Water». هنا، لم تعد المسألة مجرد استعادة لأحد أكثر الألحان رسوخاً في تاريخ الروك، بل تحولت إلى مشهد جماعي كثيف، تماهى فيه الحاضر مع الذاكرة، واختفت المسافة الزمنية بين أول مرة سُمعت فيها الأغنية وبين هذا المساء الكوري البارد الذي لفحته رياح البحر.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو الحديث عن حفل لفرقة غربية قديمة في كوريا الجنوبية خبراً بعيداً جغرافياً، لكنه في جوهره يلامس أسئلة يعرفها جمهورنا جيداً: ما الذي يجعل فناً ما يعبر الأجيال؟ وكيف تبقى الأغنية حيّة بعد خمسين عاماً؟ ولماذا تبدو بعض الأعمال، مهما تقادم عمرها، قادرة على استدعاء الجمهور كما تفعل القصائد المغناة أو الأعمال الكلاسيكية العربية التي نحفظها جيلاً بعد جيل؟ ما حدث في إنشيون يقدّم إجابة واضحة: الأعمال الكبرى لا تعيش لأنها قديمة، بل لأنها قابلة دوماً لأن تُعاش من جديد.

وهذه الفكرة ليست غريبة عن الذائقة العربية. فنحن أيضاً نعرف كيف يمكن لعمل فني أن يغادر زمن إنتاجه ليصير جزءاً من الوجدان العام. وكما تبقى أغنيات أم كلثوم أو عبد الحليم حافظ أو فيروز حاضرة في الحفلات والبيوت والسيارات والمناسبات، فإن بعض كلاسيكيات الروك الغربي احتفظت بالمكانة ذاتها لدى جمهور واسع عبر العالم. الفرق هنا أن كوريا الجنوبية قدّمت هذا الأسبوع مثالاً معاصراً على الطريقة التي تستعيد بها الجماهير معنى «الأسطورة» لا في الكتب ولا في الوثائقيات، وإنما في الهواء الطلق، عبر أصوات مئات وربما آلاف الحناجر.

من إنشيون إلى العالم.. لماذا بدت «Smoke on the Water» أكبر من مجرد أغنية؟

هناك أغانٍ تحتاج إلى شرح طويل لفهم رمزيتها، وهناك أغانٍ تختصر تاريخها من النغمة الأولى. «Smoke on the Water» تنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. فالمقطع الافتتاحي الشهير على الغيتار هو واحد من أكثر الجمل الموسيقية تمييزاً في تاريخ الروك، حتى إن كثيرين يعرفونه قبل أن يعرفوا اسم الفرقة نفسها. وهذا ما جعل اللحظة التي انطلقت فيها النغمة في إنشيون لحظة انفجار جماعي، لا مجرد انتقال من أغنية إلى أخرى في قائمة العرض.

أهمية هذه الأغنية لا تعود إلى شهرتها فقط، بل إلى تركيبتها الجماهيرية أيضاً. فهي أغنية يسهل تمييزها، ويسهل ترديد لازمتها، وتملك ذلك الإيقاع الذي يحرض الجسد على التفاعل قبل أن يطلب من العقل التحليل. في الثقافة الموسيقية الكورية، كما في الثقافات العربية، تلعب المشاركة الجماعية في الحفلات دوراً محورياً في تحويل السماع إلى تجربة وجدانية مشتركة. الجمهور لا يأتي فقط ليصغي، بل ليشارك ويهتف ويصفق ويغني. وفي هذا المعنى، فإن ما يسمى في كوريا «الغناء الجماعي» أو «التِّيه تشانغ» ليس مجرد تفاعل عابر، بل جزء أساسي من لغة الحفلات الحية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأغنيات لها مكانة عابرة للأجيال.

وقد أظهرت أجواء الحفل أن الجمهور لم يتعامل مع الأغنية بوصفها تحفة محفوظة في المتحف، بل كقطعة حية قابلة لإعادة الاكتشاف. كان الناس يقفزون، يصفقون، ويرددون اللازمة كما لو أنهم يستعيدون حقهم في الأغنية، لا كمتلقين فقط، بل كشركاء في أداء لحظتها. هنا يتجلى الفارق بين «سماع» أغنية عبر سماعات الهاتف وبين «عيشها» وسط حشد بشري متفاعل. الأغنية في المنصات الرقمية ملف صوتي، أما في الحفل فتصبح حدثاً اجتماعياً ونفسياً وبدنياً في آن واحد.

هذه الخاصية تحديداً تفسر لماذا ظلت بعض أغنيات الروك الكلاسيكي قادرة على الصمود. فالمسألة ليست مجرد جودة لحنية أو شهرة تاريخية، بل قابلية الأغنية للتحول إلى طقس جماعي. وهذا مفهوم قريب من تجارب عربية كثيرة، حين تتحول أغنية معروفة إلى ذاكرة مشتركة بين أجيال مختلفة. في تلك اللحظة، لا تعود الأغنية ملكاً لصاحبها وحده، بل تصير جزءاً من الوجدان العام. وهذا ما بدا واضحاً في إنشيون: «ديب بيربل» كانت على المسرح، نعم، لكن الأغنية كانت في ملك الجمهور بقدر ما هي في ملك الفرقة.

إيان غيلان في الحادية والثمانين.. العمر هنا ليس خبراً بحد ذاته

من السهل في التغطيات الصحافية السريعة أن يتحول عمر الفنان إلى محور القصة كلها، خصوصاً عندما يكون الحديث عن مغنٍ في الحادية والثمانين ما زال يقف على المسرح ويقود جمهوراً ضخماً في حفل روك. غير أن القيمة الفعلية لما جرى في كوريا لا تكمن في عنصر الدهشة البيولوجية، أي في مجرد «الاستمرار رغم السن»، بل في أمر أكثر عمقاً: كيف تتحول الخبرة الطويلة إلى مهارة مسرحية قادرة على السيطرة على الإيقاع العام للحفل.

وفق المشهد الذي تناقلته التغطيات الميدانية، لم يكن إيان غيلان يؤدي دور النجم التاريخي الذي يكتفي بالحضور الرمزي، بل بدا ممسكاً بخيوط اللحظة، يحفز الجمهور، يلوّح بذراعيه، ويطلب منهم رفع الصوت حين يخفت التفاعل. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تميز الفنان المجرب عن الفنان الذي يعتمد فقط على بريق اسمه. فالحفل الحي ليس اختباراً للذاكرة فحسب، بل اختبار لقدرة الفنان على قراءة الجمهور في الزمن الحقيقي، ومعرفة متى يضغط ومتى يهدئ ومتى يفتح مساحة للناس كي يصبحوا جزءاً من العرض.

هنا يمكن للقارئ العربي أن يتذكر كيف كانت الخبرة المسرحية سمة جوهرية لدى كبار المطربين العرب. فالقضية لم تكن يوماً مجرد «أداء الأغنية» كما هي في التسجيل، بل القدرة على تطويع اللحظة الحية، والإنصات إلى الجمهور، والاستجابة لطاقته. بهذا المعنى، فإن خبرة غيلان ورفاقه لم تظهر كترف زائد، بل كعنصر بنيوي في نجاح الحفل. العمر لم يكن عبئاً على العرض، بل مصدر تماسكه.

كما أن التركيز على مهارة الفرقة ككل يظل أكثر إنصافاً من اختزال الحفل في عنوان عن «نجوم مسنين». فـ«ديب بيربل» ليست ظاهرة إعجازية عابرة، بل فرقة راكمت على مدى عقود معرفة دقيقة بكيفية بناء العرض الحي، وتوزيع الذروة، وإعادة شحن الأغنيات المعروفة بقدر من الحيوية يمنعها من السقوط في فخ التكرار الآلي. وهذا درس مهم في زمن يُحتفى فيه كثيراً بالجِدّة على حساب النضج: أحياناً يكون الرهان الحقيقي ليس على ما هو أحدث، بل على ما هو أكثر تمرساً.

حين تعجز القوائم الرقمية عن تفسير عمر الموسيقى

المفارقة الكبرى التي كشفتها حفلة إنشيون هي أن اللغة السائدة اليوم في صناعة الموسيقى لا تكفي وحدها لشرح ما جرى. فنحن نعيش في عصر تُقرأ فيه شعبية الفنان عبر أرقام المتابعة، وسرعة الصعود إلى القوائم، ونِسب إعادة الاستخدام في المقاطع القصيرة، ومؤشرات الأداء الفوري على المنصات. وضمن هذه المعايير، قد يبدو من السهل افتراض أن فرق الروك الكلاسيكية تنتمي إلى الماضي أكثر مما تنتمي إلى الحاضر. لكن ما حدث على المسرح الكوري يثبت أن الحضور الجماهيري الحي يخضع لمنطق مختلف تماماً.

في الحفل، لا يسأل الجمهور كم أسبوعاً أمضت الأغنية في المرتبة الأولى، ولا كم مليون مشاهدة حققتها خلال 24 ساعة. ما يهم هو سؤال آخر: هل ما زالت الأغنية قادرة على تحريك الناس؟ هل يمكنها أن تصنع لحظة مشتركة؟ هل يستطيع الفنانون تحويل الذاكرة إلى طاقة آنية؟ هذه الأسئلة لا تُجاب في تطبيقات البث، بل على الأرض، وسط العرق والضجيج والتصفيق.

ومن هنا تبرز قيمة حفلات الفرق ذات الإرث الطويل. فالجمهور يأتي وهو يعرف مسبقاً ما يريد سماعه، لكن هذه المعرفة لا تضعف التجربة، بل تقويها. في منطق الاستهلاك الرقمي، الجديد سلعة بحد ذاته، أما في منطق الحفل الحي، فإن الألفة قد تصبح مصدراً أعظم للانفجار الوجداني. الأغنية التي رافقت الناس سنوات طويلة تمتلك قدرة مضاعفة على إثارة الاستجابة حين تُؤدى مباشرة أمامهم.

وهذا ليس بعيداً عن الأسواق العربية كذلك. فنجاح الحفلات التي تستعيد أعمالاً راسخة، أو حضور الفنانين الذين يملكون أرشيفاً طويلاً، لا يُفسَّر دائماً بمقاييس «الموضة» الآنية. هناك شريحة واسعة من الجمهور العربي، كما في كوريا، تبحث عن التجربة الحية بوصفها استعادة لمعنى شخصي وجماعي في آن واحد. لا يذهب الناس فقط لسماع أغنية يحبونها، بل للقاء مرحلة من حياتهم اقترنت بها. وهنا تصبح الموسيقى أشبه بذاكرة متنقلة، أو بسجل عاطفي حي.

إن حفلة «ديب بيربل» قدّمت دليلاً واضحاً على أن عمر الموسيقى لا يقاس بتاريخ إصدارها وحده، بل بقدرتها المستمرة على إنتاج أثر جديد. الأغنية القديمة ليست قديمة فعلاً إذا كانت لا تزال قادرة على خلق حاضرها الخاص. ولذلك بدت هذه العودة الكورية أكثر من مجرد موعد لجمهور وفيّ؛ بدت كأنها تصحيح لمسار النقاش حول ما يبقي الفن حياً حقاً.

ما الذي يبحث عنه الجمهور الكوري في حفلات الإرث الفني؟

السؤال المهم هنا لا يتعلق بالفرقة وحدها، بل بالجمهور أيضاً. لماذا يذهب آلاف في كوريا الجنوبية إلى حفل لفرقة تأسست في أواخر الستينيات؟ ما الذي يبحث عنه هذا الجمهور في زمن يفيض بالأسماء الجديدة، وبعروض الكيبوب العملاقة، وبالمنتجات البصرية ذات الإيقاع الخاطف؟ الجواب، على الأرجح، يكمن في أن حفلات «الإرث الفني» أو ما يمكن تسميته بالحفلات المرتبطة بتاريخ موسيقي طويل، تقدم نوعاً مختلفاً من الإشباع الثقافي.

بالنسبة إلى الجمهور الأكبر سناً، تمثل هذه الحفلات فرصة للقاء موسيقى رافقت فترات مهمة من حياتهم. أما بالنسبة إلى الجيل الأصغر، فهي غالباً فرصة لرؤية أسماء سمعوا عنها طويلاً، وقرأوا أثرها في تاريخ الموسيقى، ويريدون اختبارها مباشرة لا عبر التسجيلات فقط. هذا التلاقي بين دافع الحنين ودافع الاكتشاف يصنع جمهوراً متنوعاً، لكنه يلتقي عند نقطة واحدة: الرغبة في معايشة الأصل.

وهنا تكتسب حفلة إنشيون دلالة خاصة. فالسوق الكوري اليوم واحدة من أكثر الأسواق حيوية وتنظيماً في آسيا، وهي معروفة بالهيمنة القوية للنجوم المعاصرين وبثقافة الجمهور النشط والمنظم. ومع ذلك، ما زالت هذه السوق تترك مساحة معتبرة للفنانين ذوي التاريخ الطويل. وهذا يعني أن الثقافة الموسيقية الكورية ليست أسيرة اللحظة الراهنة وحدها، بل تملك شهية لربط الحاضر بجذوره أيضاً.

في العالم العربي، نعرف قيمة هذا النوع من «التحقق الحي» أيضاً. فكما ينجذب بعض الشباب إلى حضور عروض لفنانين مخضرمين أو مهرجانات تستعيد أعمالاً كلاسيكية، فإن الجمهور الكوري بدا في إنشيون كأنه يقول إن الإرث ليس عبئاً على السوق، بل أحد أركانها. هذا مهم جداً لأن كثيراً من النقاشات الثقافية المعاصرة تقع في ثنائية زائفة: إما الجديد وإما القديم. بينما التجربة العملية تقول إن السوق الأذكى هي التي تعرف كيف تفسح المجال للاثنين، بحيث لا يُلغى أحدهما الآخر.

ولعل أحد أسرار الروك الكلاسيكي تحديداً أنه ما زال يملك لغة جسدية مباشرة. الإيقاع الصريح، المقاطع المتكررة، العزف الواضح على الغيتار والدرامز، واللازمات القابلة للترديد، كلها عناصر تجعل التواصل بين المسرح والجمهور سريعاً ومكثفاً. حتى من لا يعرف كل التفاصيل التاريخية للفرقة يستطيع أن يدخل التجربة من باب الإحساس الحسي المباشر. وهذا ما يفسر كيف أمكن لحفل من هذا النوع أن يحشد تفاعلاً حاراً رغم مرور عقود على ذروة شهرة الفرقة.

سوق الحفلات في كوريا الجنوبية.. ليس الكيبوب وحده من يحدد الاتجاه

من يتابع المشهد الكوري من الخارج قد يظن أن كل ما يتعلق بالموسيقى الحية في البلاد يدور حصراً حول الكيبوب، والجولات الكبرى، والعروض الضخمة الموجهة إلى جمهور شاب شديد التنظيم. وهذا صحيح جزئياً فقط. فالكيبوب اليوم هو الواجهة الأكثر حضوراً وانتشاراً عالمياً، لكنه ليس السوق كله. وما كشفت عنه عودة «ديب بيربل» هو أن مشهد الحفلات في كوريا الجنوبية أكثر اتساعاً وتنوعاً مما توحي به الصورة المتداولة.

هناك في هذا السوق مساحة للفنانين العالميين من الأجيال السابقة، وطلب مستقر نسبياً على الحفلات التي تخاطب جمهوراً مختلفاً في العمر والخبرة الموسيقية. قد لا تبدو هذه الحفلات صاخبة إعلامياً بقدر حفلات النجوم الجدد، لكنها في أحيان كثيرة أكثر استقراراً من حيث الولاء والرضا العام. السبب بسيط: جمهورها لا يبحث فقط عن حدث اجتماعي أو عن مشاركة رقمية على المنصات، بل عن قيمة فنية وتجربة يصعب تعويضها.

هذه النقطة تحمل دلالة يمكن أن تهم المتابع العربي أيضاً، خصوصاً مع اتساع النقاش حول مستقبل الحفلات في منطقتنا. فالمشهد الناجح لا يُبنى فقط على الرهان على الأصغر سناً أو الأكثر تداولاً، بل على تنويع العروض وبناء برمجة تعترف بتعدد الأذواق والأجيال. وكما أظهرت كوريا الجنوبية، فإن السوق القوي هو الذي يعرف أن جمهور الموسيقى ليس كتلة واحدة، وأن هناك مساحة لفنانين معاصرين يملكون جماهيرية رقمية جارفة، وأخرى لفنانين يملكون رصيداً تاريخياً لا يزال قابلاً للتحول إلى تفاعل حيّ شديد القوة.

بكلمات أخرى، حفلة «ديب بيربل» لم تكن مجرد مناسبة لمحبي الروك، بل إشارة اقتصادية وثقافية في الوقت نفسه. إنها تقول إن السوق الذي يبدو مسكوناً بالسرعة ما زال يفسح المجال للبطء الجميل الذي يصنعه التاريخ الفني، وإن الاستثمار في الفنان ذي الإرث الطويل ليس مقامرة عاطفية، بل خياراً قد يكون أكثر متانة مما يبدو.

ما الذي تعلّمه هذه العودة للصناعة الموسيقية اليوم؟

إذا كان من درس أوسع يمكن استخلاصه من هذا الحدث، فهو أن طول المسيرة الفنية لا يضمن وحده البقاء، لكنه يمكن أن يتحول إلى قوة حقيقية حين يُترجم إلى كفاءة أدائية وحضور مسرحي وقدرة على تجديد العلاقة مع الجمهور. ليس كل فنان قديم قادراً تلقائياً على إحياء الماضي في الحاضر، لكن «ديب بيربل» أظهرت في إنشيون أن هذا ممكن عندما تظل الخبرة حية، لا مجرد لقب تكريمي.

هذا الدرس يهم أيضاً صناعات الموسيقى الآسيوية والعربية على السواء. فكثير من الفنانين يواجهون اليوم سؤالاً وجودياً: كيف يمكن لمسيرة طويلة أن تبقى ذات معنى وسط جمهور سريع التبدل؟ الإجابة لا تأتي من الاتكاء على الأمجاد السابقة، بل من تحويل الزمن إلى مهارة. أي أن يصبح طول التجربة أداة لتحسين الأداء، وفهم الجمهور، وتقديم الأغنية المعروفة بصيغة تظل قادرة على الإبهار.

كما أن الحفل يذكر المؤسسات الثقافية والمنظمين ووسائل الإعلام بأن مفهوم «الراهنية» ليس مفهوماً بسيطاً. العمل الفني قد يكون قديماً من حيث تاريخ الإنتاج، لكنه راهن من حيث أثره. وفي المقابل، قد يكون جديداً لكنه عابر الأثر. هذه المعادلة كثيراً ما تُغفلها الصحافة الثقافية حين تنجر وراء منطق الحداثة الشكلية وحدها. ما حدث في إنشيون يدعو إلى إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة وعميقة معاً: الفن يبقى ما دام قادراً على استدعاء الناس إلى لحظة شعورية مشتركة.

ولعل هذا هو جوهر القصة كلها. فعودة «ديب بيربل» إلى كوريا بعد 16 عاماً لم تكن مناسبة لإحصاء الزمن الذي مضى، بل لإثبات أن الزمن نفسه قد يكون حليفاً للفن حين يعرف كيف يراكم لا كيف يتكلس. الجمهور الكوري لم يأت ليكرم الماضي فقط، بل ليختبر قوة الحاضر. والفرقة لم تصعد إلى المسرح باعتبارها «أثراً تاريخياً»، بل باعتبارها جسداً موسيقياً لا يزال قادراً على إنتاج الانفعال.

في النهاية، بدت إنشيون في تلك الليلة وكأنها تقدم درساً ثقافياً يتجاوز حدود كوريا والروك معاً: الأعمال العظيمة لا تعود لأننا نفتقدها فقط، بل لأنها لم تغادر حقاً. إنها تظل كامنة في الذاكرة، تنتظر مسرحاً مناسباً وجمهوراً مستعداً، كي تثبت من جديد أن الفن الحقيقي لا يشيخ بالمعنى الذي نظنه. قد تتغير الأزمنة، وتتبدل الأسواق، وتتقدم الأعمار، لكن بعض الألحان تظل قادرة على أن توحّد الناس في لحظة واحدة، كما لو أن العالم، رغم كل شيء، ما زال يعرف كيف يغني بصوت واحد.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات