광고환영

광고문의환영

«وانغسانام» يتجاوز 16 مليون مشاهد: كيف أعاد فيلم كوري رسم خريطة النجاح الطويل في صالات السينما؟

«وانغسانام» يتجاوز 16 مليون مشاهد: كيف أعاد فيلم كوري رسم خريطة النجاح الطويل في صالات السينما؟

فيلم لا يكتفي بالصدارة بل يفرض إيقاعه على السوق

في وقتٍ باتت فيه صناعة السينما، في كوريا الجنوبية كما في كثير من أسواق العالم، تعيش تحت ضغط المنصات الرقمية وارتفاع أسعار التذاكر وتغيّر عادات الجمهور، يبرز فيلم «وانغسانام» بوصفه ظاهرة تستحق التوقف عندها مطولًا. فالفيلم تجاوز حاجز 16 مليون مشاهد في الخامس من أبريل/نيسان 2026، وهو رقم لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد نجاح تجاري عابر أو موجة حماس مؤقتة. نحن هنا أمام عمل دخل منطقة نادرة جدًا في تاريخ شباك التذاكر الكوري، وبات على مسافة تقارب 260 ألف مشاهد فقط من المركز الثاني في قائمة أعلى الأفلام تحقيقًا للإيرادات الجماهيرية في تاريخ السوق الكورية.

لكن الأهم من الرقم نفسه، هو ما يكشفه هذا الرقم عن الجمهور وعن الصناعة في آن واحد. فحين يجذب فيلم هذا العدد الضخم من المشاهدين، ثم تُظهر الإحصاءات أن 8% من جمهوره عادوا لمشاهدته مرة أخرى، وأن 3% شاهدوه ثلاث مرات أو أكثر، فإننا لا نكون فقط أمام فيلم «ناجح»، بل أمام حالة ثقافية واجتماعية تتجاوز منطق العطلة الأسبوعية الأولى، وتتحول إلى تجربة يعاد استهلاكها وتداولها في الأحاديث اليومية. وهذا تحديدًا ما يجعل قصة «وانغسانام» جديرة بالقراءة عربيًا؛ لأن القارئ في المنطقة يعرف جيدًا معنى أن يتحول عمل فني إلى «حديث المجالس» لا مجرد عنوان على ملصق سينمائي.

في العالم العربي، شهدنا عبر العقود أعمالًا بقيت في الذاكرة الجمعية لا لأنها بيعت بكثافة في أسبوع الافتتاح، بل لأنها تحولت إلى طقس اجتماعي وثقافي. من أفلام عادل إمام التي كان الجمهور يعيد مشاهدة بعضها في التلفزيون والسينما وأشرطة الفيديو، إلى المسلسلات الرمضانية التي يخلق حولها الناس نقاشًا ممتدًا بعد العرض. هذا النمط من التلقي هو ما يُعيد «وانغسانام» إحياءه، ولكن بلغة السينما الكورية المعاصرة وبأرقام ضخمة جدًا.

ومن هنا، فإن قراءة نجاح الفيلم لا يجب أن تُختزل في سؤال: هل سيحطم الرقم التالي أم لا؟ بل في سؤال أعمق: ما الذي يجعل الجمهور الكوري اليوم، وسط وفرة الخيارات، يقرر أن يعود إلى الصالة مرة ثانية وثالثة؟ وما الذي يقوله ذلك عن مستقبل العرض السينمائي في عصر تتنافس فيه المنصات مع الشاشة الكبيرة على الوقت والانتباه والمال؟

16 مليون مشاهد: رقم استثنائي في سوق شديد التنافس

في أي سوق سينمائي، توجد أرقام رمزية تُستخدم كثيرًا بوصفها مؤشرات للنجاح. في كوريا الجنوبية، يُنظر عادة إلى تجاوز 10 ملايين مشاهد على أنه إنجاز كبير جدًا، لأنه يعني أن الفيلم وصل إلى شريحة جماهيرية عريضة تتجاوز المدن الكبرى والفئات العمرية الضيقة. غير أن الوصول إلى 16 مليونًا ينقل العمل إلى مستوى آخر بالكامل. فهذه ليست مجرد كتلة جماهيرية كبيرة، بل دليل على أن الفيلم اخترق طبقات اجتماعية وثقافية متعددة، واستمر في الجذب عبر الزمن بدل أن يستهلك نفسه بسرعة.

السينما الكورية الجنوبية من أكثر الأسواق حيوية وتنظيمًا في آسيا، وهي سوق معتادة على المنافسة العالية، سواء من الإنتاجات المحلية الكبرى أو من الأفلام الأجنبية، إضافة إلى التأثير المتزايد للمنصات الرقمية. لذلك فإن بقاء فيلم في واجهة السوق لفترة طويلة يعني أنه لم يعتمد فقط على حملة إعلانية قوية، بل على قدرة حقيقية على الصمود. وهذا الصمود في حد ذاته أصبح عملة نادرة في السنوات الأخيرة.

ففي أسواق كثيرة، لم يعد النجاح يُقاس فقط بعدد من يدخلون الفيلم في أول ثلاثة أيام، بل بقدرته على الاحتفاظ بالزخم بعد انطفاء وهج البداية. كثير من الأفلام تبدأ بقوة ثم تتراجع بسرعة حادة. أما «وانغسانام» فيقدّم نموذجًا مختلفًا: فيلم يواصل السحب، ويحتفظ بجمهور جديد، ويستفيد في الوقت نفسه من جمهور يعود إليه مرة أخرى. هذه المعادلة هي التي تجعل أرقامه ثقيلة الوزن على مستوى التحليل الصناعي، لا مجرد الإعجاب الصحفي.

ولو أردنا تقريب الصورة إلى ذهن القارئ العربي، فيمكن تشبيه الأمر بعمل درامي أو سينمائي لا يحقق فقط نسب مشاهدة هائلة عند الإطلاق، بل يحافظ على حضوره حتى بعد انقضاء موجة الدعاية الأولى، ويظل الناس يوصون به في محيطهم العائلي والمهني، وكأن كل مشاهدة جديدة تفتح بابًا لمشاهدة أخرى. هذا النوع من الأعمال لا يعيش على الإعلان، بل على الثقة.

وبالنتيجة، فإن تجاوز 16 مليون مشاهد في كوريا الجنوبية لا يعني فقط أن «وانغسانام» أصاب «العصب الجماهيري»، بل يعني أيضًا أنه أصبح جزءًا من المزاج العام، ومن حديث الناس، ومن أجندة السوق، ومن حسابات دور العرض والموزعين والمستثمرين على السواء.

ما معنى «المشاهدة المتكررة» ولماذا تعد مؤشرًا بالغ الأهمية؟

من أبرز الأرقام المتداولة حول الفيلم أن 8% من مشاهديه عادوا لمشاهدته مجددًا، وأن 3% شاهدوه ثلاث مرات أو أكثر. قد يبدو هذا تفصيلًا تقنيًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة واحد من أكثر المؤشرات دلالة في الاقتصاد الثقافي المعاصر. فالمشاهدة الأولى يمكن أن تدفع إليها الحملة الترويجية، شهرة الممثلين، الفضول العام، أو حتى ضغط «الترند». أما المشاهدة الثانية، فهي قرار أكثر وعيًا وتكلفة. إنها تعني أن المتفرج وجد في الفيلم ما يستحق إعادة الوقت والمال والانتباه.

في الثقافة الكورية، كما في ثقافات أخرى، يُستخدم مصطلح «N차 관람» للإشارة إلى المشاهدة المتعددة، أي أن يذهب المتفرج إلى الفيلم أكثر من مرة. وهذا السلوك ليس حكرًا على جماهير الأعمال الفانتازية أو الأفلام المبنية على قواعد جماهيرية صلبة، بل قد يظهر أيضًا حين ينجح فيلم ما في تقديم طبقات متعددة من المتعة: قصة إنسانية قابلة للتكرار، أداء تمثيلي يستحق التأمل، تفاصيل بصرية تزداد وضوحًا مع الإعادة، أو شحنة عاطفية تدفع المشاهد إلى مشاركتها مع شخص آخر.

وفي السياق العربي، الفكرة ليست غريبة علينا. كم من مسلسل أو فيلم أعاد الناس مشاهدة مشاهده أو حلقاته ليس لمجرد التسلية، بل لأنهم أرادوا التقاط ما فاتهم، أو لأنهم رغبوا في مشاركة التجربة مع الأسرة أو الأصدقاء؟ الفارق هنا أن «وانغسانام» فعل ذلك داخل قاعة السينما نفسها، لا على شاشة المنزل. وهذا فارق جوهري، لأن الذهاب إلى السينما في حد ذاته أصبح قرارًا أكثر انتقائية مما كان عليه قبل سنوات.

المشاهدة المتكررة تخبرنا أيضًا بأن الفيلم تجاوز حدود «الضجة» إلى «الرضا». ففي بيئة إعلامية سريعة، يمكن لأي فيلم أن يصنع ضجيجًا لأيام قليلة. لكن الرضا الحقيقي هو ما يولّد التوصية الشفهية، أو ما يُعرف عربيًا بـ«الكلمة الطيبة بين الناس». وهذه التوصية أقدم وسائل الترويج وأكثرها فاعلية. حين يقول شخص لصديقه: «الفيلم جيد»، فهذا مهم. لكن حين يقول له: «شاهدته مرة ثانية وكان أفضل مما توقعت»، فهذه شهادة أثقل وزنًا وأكثر تأثيرًا.

ومع ذلك، من المهم عدم اختزال نجاح «وانغسانام» في هذا العامل وحده. فلو كان الاعتماد فقط على جمهور يعيد المشاهدة، لما أمكن للفيلم أن يصل إلى هذا المستوى الهائل من الحضور. الذي يبدو واضحًا هو أن الفيلم جمع بين قاعدتين متكاملتين: جمهور واسع جدًا من المشاهدة الأولى، وكتلة مؤثرة من المشاهدة المتكررة. وهذه التركيبة هي التي صنعت النجاح الطويل لا الانفجار السريع.

لماذا صمد الفيلم طويلًا؟ عناصر النجاح المركب

الأفلام التي تحقق عمرًا طويلًا في الصالات نادرًا ما تستند إلى سبب واحد. وفي حالة «وانغسانام»، تبدو هناك مجموعة من العوامل التي التقت في اللحظة المناسبة. أول هذه العوامل هو سهولة النفاذ إلى العمل، أي قدرته على مخاطبة شرائح متعددة من الجمهور. ليس المقصود هنا «السطحية»، بل الوضوح الجيد والقدرة على أن يفهمه المتفرج على مستويات مختلفة. الفيلم الذي يمكن أن يذهب إليه الأب مع أسرته، أو الأصدقاء معًا، أو حتى مشاهد منفرد، يمتلك أفضلية مهمة في سوق تريد الأعمال القادرة على جمع أكثر من فئة تحت سقف واحد.

العامل الثاني هو قوة التوصية الشفهية. وفي الصناعة الكورية، كما في صناعات أخرى، يبقى «الكلام بين الناس» عاملًا حاسمًا بعد الأسبوع الأول. قد تنجح الإعلانات في جلب الجمهور إلى الصالة في البداية، لكنها لا تستطيع وحدها إطالة عمر الفيلم إذا خرج المشاهدون بانطباعات فاترة. ما تشير إليه بيانات «وانغسانام» هو أن الانطباع بعد المشاهدة كان قويًا بما يكفي ليدفع الناس إلى إعادة التجربة أو إلى دفع آخرين لخوضها.

العامل الثالث يرتبط ببرمجة دور العرض. فالأفلام الناجحة تحصل عادة على عدد أكبر من الحصص اليومية، ما يجعل الوصول إليها أسهل. وكلما توافرت لها عروض في أوقات متعددة، زادت فرص أن يلتحق بها جمهور متأخر أو متردد. ومع استمرار الإقبال، تتردد الصالات أقل في منحها مساحات عرض مستقرة. بهذا المعنى، تنشأ حلقة إيجابية: جمهور أكبر يقود إلى عروض أكثر، وعروض أكثر تقود إلى جمهور أكبر.

هناك أيضًا عامل اجتماعي لا يقل أهمية: بعض الأفلام تُستهلك ثم تُنسى، وبعضها يتحول إلى موضوع حوار. حين يصبح الفيلم مادة للنقاش في العمل، والجامعة، والمنزل، ووسائل التواصل الاجتماعي، فإنه يكتسب عمرًا إضافيًا يتجاوز أيام الإعلان الرسمية. وهذا ما يفسّر في أحيان كثيرة لماذا يذهب شخص سبق أن شاهد الفيلم ليشاهده مجددًا مع فرد من العائلة أو صديق؛ إنه لا يعود بالضرورة فقط من أجل القصة، بل من أجل مشاركة التجربة نفسها.

في الثقافة العربية، نعرف جيدًا هذا النوع من الأعمال التي «تُرى جماعيًا» حتى عندما تكون المشاهدة في الأصل فردية. الأفلام التي تتولد حولها الأسئلة والمقارنات والنقاشات تنجو عادة من الاستهلاك السريع. ويبدو أن «وانغسانام» نجح في بناء هذا النوع من العلاقة مع جمهوره، بحيث لم يعد مجرد عنوان ناجح في شباك التذاكر، بل حدثًا فنيًا واجتماعيًا مستمرًا.

ما الذي يكشفه هذا النجاح عن مزاج الجمهور الكوري اليوم؟

خلال السنوات الأخيرة، تغيّر سلوك المتفرج الكوري، شأنه شأن المتفرج العربي والعالمي. لم يعد الجمهور يذهب إلى السينما بوصفها الخيار الترفيهي التلقائي الوحيد. المنافسة من المنصات صارت شرسة، وأسعار التذاكر لم تعد هامشية، وكثافة المحتوى على الإنترنت جعلت الانتباه نفسه موردًا نادرًا. في هذا المناخ، أصبح الاختيار أكثر حذرًا، وصار المشاهد يبحث عن «الضمان» قبل أن يدفع ثمن التذكرة.

من هنا يمكن قراءة «وانغسانام» بوصفه مثالًا على ظاهرة التركّز أو التمركز الجماهيري: الجمهور لا يوزّع نفسه بالتساوي على كل العناوين المعروضة، بل يتجمع بسرعة حول الأعمال التي تحظى بإجماع نسبي وتقييمات قوية وحديث اجتماعي واسع. هذا النمط نراه كذلك في العالم العربي، سواء في مواسم الأفلام الكبرى أو في الدراما الرمضانية؛ إذ تميل الكتلة الجماهيرية إلى الاصطفاف خلف عدد محدود من الأعمال التي تكتسب شرعية شعبية مبكرة.

المثير هنا أن الفيلم لم يكتف بالاستفادة من هذا الاصطفاف، بل عززه بالمشاهدة المتكررة. وهذا يعني أن الجمهور لم يكن فقط يبحث عن «العمل الرائج»، بل وجد فعلًا ما يرضيه بعد المشاهدة. هناك فرق كبير بين فيلم ينجح لأن الناس يخشون فوات الحديث عنه، وفيلم ينجح لأن من شاهدوه خرجوا مقتنعين بأن التجربة تستحق. والأرقام المتاحة بشأن «وانغسانام» توحي بأنه ينتمي إلى الفئة الثانية أكثر مما ينتمي إلى الأولى.

هذه النتيجة تهم صناع السينما كثيرًا، لأنها تقول إن الجمهور المعاصر، مهما بدا سريع الملل أو متقلبًا، ما زال قادرًا على منح ولائه لعمل يلمس توقعاته. ليست المشكلة إذًا في أن الناس هجرت الصالات نهائيًا، بل في أن الذهاب إلى الصالة أصبح مشروطًا أكثر من السابق. وحين يستوفي فيلم ما هذه الشروط، يمكنه أن يحقق ما كان يبدو صعبًا في زمن المنصات.

وبالنسبة للقارئ العربي المهتم بالموجة الكورية، فإن هذه النقطة بالذات تستحق الانتباه. النجاح الكوري ليس مجرد نتاج صناعة منضبطة أو حملات ترويجية ذكية، بل أيضًا نتيجة فهم متجدد لتحولات المتلقي. وكما نجحت الدراما الكورية في بناء علاقة ثقة مع جمهور عربي واسع خلال السنوات الماضية، تبدو السينما الكورية هنا وكأنها تقدم درسًا جديدًا: الجمهور يعود إلى الشاشة الكبيرة حين يشعر بأن التجربة لا يمكن اختصارها في مجرد المشاهدة المنزلية.

بين الفائدة والمخاطر: ماذا يعني هذا لصناعة السينما؟

كل نجاح استثنائي يترك أثرين متوازيين: أثرًا إيجابيًا مباشرًا، وأثرًا جانبيًا يحتاج إلى تأمل. من الناحية الإيجابية، لا شك أن وجود فيلم طويل النفس مثل «وانغسانام» يمنح السوق دفعة قوية. دور العرض تستفيد من الإقبال المستقر، ليس فقط عبر بيع التذاكر، بل عبر ما يرتبط بالحضور من إنفاق على المأكولات والمشروبات، وتحسين نسب إشغال القاعات، وتسهيل إدارة الجداول الزمنية للعروض. كذلك، يستفيد المستثمرون والموزعون من توافر نموذج يمكن دراسته لفهم ما الذي يربط الجمهور الحالي بالسينما.

لكن هناك وجهًا آخر للصورة. حين يحتل فيلم واحد مساحة كبيرة من الاهتمام والشاشات، فإن هذا قد يضغط على الأفلام المتوسطة والصغيرة، التي تصبح فرصتها أصعب في الوصول إلى الجمهور. وهذا وضع ليس غريبًا على السوق العربية أيضًا، حيث قد تطغى العناوين الكبرى في المواسم المزدحمة على أعمال أخرى ربما تستحق فرصًا أفضل. من هنا، فإن نجاح «وانغسانام» يحمل مفارقة واضحة: هو خبر جيد للصناعة ككل من زاوية تنشيط السوق، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه من حدة التركز حول عدد محدود من الأعمال.

على مستوى الاستثمار، تكتسب أرقام المشاهدة المتكررة أهمية خاصة. فهي تفتح المجال أمام استراتيجيات إضافية مثل العروض الخاصة، الفعاليات التذكارية، النسخ المحسنة، أو أشكال أخرى من إعادة التسويق. هذه الأدوات لا تنجح إلا عندما يكون هناك جمهور لديه استعداد فعلي للعودة. ولذلك، فالفيلم لا يترك فقط إيرادًا كبيرًا، بل يترك بيانات ثمينة يمكن أن تبنى عليها قرارات مستقبلية في التسويق والتوزيع.

كذلك، يمنح هذا النوع من النجاح مؤسسات الإنتاج مؤشرًا على أن الجمهور لا يزال يُكافئ الأعمال التي تجمع بين السرد القابل للوصول والقدرة على خلق علاقة عاطفية واجتماعية ممتدة. وفي بيئة تتزايد فيها المخاطرة المالية، تصبح هذه المؤشرات ذات قيمة عالية. المنتجون لا يبحثون فقط عن «فيلم ناجح»، بل عن نموذج يمكن تكرار بعض شروطه، ولو جزئيًا، في مشاريع مقبلة.

وبالنسبة إلى المتابع العربي، فإن ما يجري في كوريا الجنوبية يحمل أصداء مألوفة. فأسئلتنا في المنطقة لا تختلف كثيرًا: كيف تعود الجماهير إلى الصالات؟ كيف نصنع عملًا يعيش بعد أسبوعه الأول؟ وكيف نوازن بين الأفلام الجماهيرية الكبرى وحق الأعمال الأخرى في الظهور؟ لهذا تبدو قصة «وانغسانام» أبعد من مجرد خبر عن أرقام، وأقرب إلى دراسة حالة في اقتصاد الانتباه والثقة والتوصية.

هل ينتزع المركز الثاني؟ الأرقام مهمة لكن الدلالة أعمق

السؤال الذي يفرض نفسه الآن في السوق الكورية هو ما إذا كان «وانغسانام» قادرًا على تقليص الفارق المتبقي وبلوغ المركز الثاني في سجل أعلى الأفلام جماهيريًا. الفارق المعلن، وهو نحو 260 ألف مشاهد، يبدو نظريًا في المتناول. لكن خبرة شباك التذاكر تقول إن الأسابيع الأخيرة من مسار أي فيلم طويل الأمد تكون حساسة للغاية، لأن النمو فيها لا يكون انفجاريًا، بل قائمًا على الحفاظ على مستوى يومي ثابت نسبيًا، مع الاستفادة من عطلات نهاية الأسبوع وأي دفعات معنوية أو ترويجية إضافية.

العوامل التي ستحدد المسار المتبقي معروفة: عدد العروض المتاحة، دخول أفلام منافسة جديدة، قدرة الفيلم على الاحتفاظ بجمهور أيام الأسبوع، وإمكانية استمرار الإقبال العائلي أو الجماعي. كما أن عنصر المشاهدة المتكررة قد يلعب دور «الدفع الأخير»، خصوصًا إذا رافقته عروض خاصة أو حملات تعيد تنشيط الاهتمام في المرحلة الختامية.

لكن حتى لو توقف الفيلم دون المركز الثاني، فإن ذلك لا ينتقص من قيمته الفعلية. فبعض الأرقام تكون لامعة، لكن بعضها يكون كاشفًا. و«وانغسانام» ينتمي إلى الفئة الثانية بقدر كبير. فالجمع بين أكثر من 16 مليون مشاهد، ونسبة مشاهدة متكررة عند 8%، ونسبة 3% ممن شاهدوه ثلاث مرات أو أكثر، يقدّم صورة غنية عن نوعية الارتباط الذي صنعه الفيلم مع جمهوره. ليست هذه مجرد كثافة حضور، بل كثافة تجربة أيضًا.

في الصحافة الثقافية العربية، كثيرًا ما ننتبه بحق إلى الجوائز والمهرجانات، لكن السوق الجماهيرية نفسها تحمل بدورها مؤشرات ثقافية مهمة. فالعمل الذي يعاد استهلاكه ويعيش طويلًا في الذاكرة اليومية يملك قوة خاصة لا يمكن اختزالها في الأرقام المجردة. وبهذا المعنى، فإن «وانغسانام» لا يقدّم درسًا في «تحطيم الأرقام» فقط، بل في كيفية تحوّل الفيلم إلى مناسبة اجتماعية متجددة.

ربما هذا هو السبب الحقيقي وراء كل هذا الاهتمام بالفيلم في كوريا الجنوبية اليوم. إنه لا يختبر فقط حدود النجاح التجاري، بل يختبر أيضًا ما إذا كانت الصالة السينمائية ما تزال قادرة، في زمن السرعة والمنصات، على صناعة حدث جماعي طويل النفس. وحتى الآن، يبدو أن الجواب هو نعم.

ما الذي يمكن أن يتعلمه المتابع العربي من هذه الظاهرة؟

بعيدًا عن سحر الأرقام، ثمة دروس يمكن أن تعني المشاهد العربي، خصوصًا المتابع للموجة الكورية بوصفها ظاهرة ثقافية لا مجرد محتوى ترفيهي. أول هذه الدروس أن النجاح المستدام لا يصنعه الضجيج وحده. قد تساعد الحملة الإعلانية على لفت الأنظار، لكن البقاء يتطلب رصيدًا من الثقة والرضا. وهذه قاعدة تكاد تكون عالمية، سواء تعلق الأمر بفيلم كوري أو مسلسل عربي أو عمل عالمي ضخم.

الدرس الثاني هو أن الجمهور، مهما بدا مشتتًا، ما يزال يبحث عن الخبرة المشتركة. في العالم العربي، تظل الأعمال التي تتولد حولها محادثة عامة أكثر قدرة على البقاء والتأثير. وحين يكون العمل صالحًا للمشاهدة مع العائلة أو الأصدقاء، أو موضوعًا للنقاش بين الأجيال، فإنه يكتسب عمرًا أطول. هذه النقطة بالذات تبدو مركزية في فهم ظاهرة «وانغسانام»، الذي تشير بياناته إلى أنه لم يعتمد على شريحة ضيقة من المعجبين المتحمسين فحسب، بل على اتساع قاعدته الاجتماعية.

الدرس الثالث أن السينما لا تموت بمجرد صعود المنصات، لكنها تتغير. لم يعد الذهاب إلى الصالة قرارًا تلقائيًا كما كان من قبل، وهذا صحيح في سيول كما هو صحيح في القاهرة والرياض ودبي والدار البيضاء. لكن حين يظهر فيلم يمنح الناس سببًا مقنعًا للخروج من البيت، فإنهم يلبّون. هذا «السبب المقنع» هو جوهر التحدي أمام الصناعات الثقافية اليوم.

في النهاية، قصة «وانغسانام» ليست مجرد خبر كوري بعيد عن القارئ العربي. إنها حكاية عن جمهور معاصر يعيد ترتيب أولوياته، وعن صناعة تحاول فهمه، وعن فيلم نجح في أن يتحول من عمل معروض على الشاشة إلى مناسبة اجتماعية تكررت مرات عديدة. وربما لهذا تحديدًا استحق أن يُقرأ في صحافتنا العربية لا بوصفه رقمًا مدهشًا فقط، بل بوصفه مؤشرًا على أن الثقافة الشعبية لا تزال قادرة على صناعة لحظات جامعة، حتى في أكثر الأزمنة ازدحامًا وتشتتًا.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات